الأحد , 25 يونيو 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » الفقه » فقة الواقع
فقة الواقع
فقة الواقع

فقة الواقع

د/ حامد السيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
الأصل أن هذه الشريعة جاءت لإصلاح واقع الإنسان والحياة ، وإحداث التغيير المنشود ، وإخراج البشرية من الظلمات إلى النور ، ويتكيف هذا الواقع مع الوحي ، لكن ذلك لن يتم ، وما تم سابقا بصفة آلية ، أي بمجرد تبليغ الحق للناس تغيروا ؛ لأن إرادة الإنسان تتوسط بين الوحي وبين الواقع الإنساني فتصبح هي الفاعلة ، وحينئذ يكون تغييرالواقع وتجاوبه مع الوحي بحسب ما تنفعل الإرادة بالوحي ، ولهذا الانفعال شروط ومن اهمها : فهم الواقع الإنساني ، واستيعاب حقيقته ، والوقوف على طبيعته وعناصر تكوينه .
ولذلك فلابد من إدراك طبيعة المكلف بهذه الشريعة ، فإذا كان الأصوليون قد قصروا كلامهم في شروط التكليف على أهلية المكلف لتلقي الخطاب وذلك بالبلوغ والعقل وهذا كاف لقيام المسئولية الشرعية ، لكننا لسنا في مقام تحديد المسئولية إنما في مقام تغيير السلوك ، وانضباط بالشرع ، واستعادة الأمة دورها وريادتها وقيادتها فإن فقه الواقع يكون اعمق من مجرد قيام الأهلية ، بل يجب الوقوف على عناصر تكوين النفس الإنسانية ، ومعرفة المعوقات التي تحول بين الإنسان والتجاوب والتفاعل الكامل مع الشريعة ، وتحقيق المقصود الشرعي منه .
ولذلك نعني بالواقع كما يقول النجار : ما تجري عليه الحياة في مجتمع ما من أسلوب في تحقيق أغراض ذلك المجتمع، ويدخل في ذلك مجموع الأعراف والتقاليد والنّظم، التي تتفاعل فينشأ منها الأسلوب في تحقيق الأغراض.
وأسلوب تحقيق الأغراض الحياتية يشتمل على عنصر اجتماعي، متمثل في بنية الترابط الاجتماعي، وطبيعة التنظيمات الاجتماعية التي يمارس من خلالها الأسلوب الحياتي، كما يشتمل على عنصر اقتصادي، متمثل في نظام الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وما يجري عليه من قواعد، كما يشمل عنصراً سياسيًّا، يتمثل في طبيعة الحكم القائم في المجتمع ونظامه، وعنصراً ثقافيًّا، متمثلاً في أنماط التعبير الفني التي ينتهجها الناس في تصوير آمالهم وآلامهم وأفراحهم وأتراحهم ..
وهذا الفهم للواقع لا يتم إلا باستخدام أدوات للرصد والتحليل، تتجاوز الملاحظة الظاهرة، وهي الأدوات المتمثلة أساساً في العلوم الإنسانية، فيما توصلت إليه من نتائج تقرب من اليقين، في مجال النفس الإنسانية، وفي المجال الاجتماعي والاقتصادي. فهذه العلوم بطرق بحثها وقوانينها أدوات ضرورية للكشف عن التركيبة النفسية الفردية والاجتماعية، التي تشكل الواقع النفسي للفرد وللأمة، فيما تشتمل عليه من مركبات أو أمراض أو عوائق، يكون من الضروري أخذها بعين الاعتبار، حينما يراد تنزيل الدين في واقع الحياة الفردية والاجتماعية. وكذلك الأمر بالنسبة للتركيبة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية فيما تعانيه من مشاكل، وفيما ترسب فيها من عقد عبر التاريخ، أو عبر التفاعل بين الحضارات والثقافات، فإن علوم الاجتماع والاقتصاد والإحصاء، وما يتعلق بها من علوم، أدوات ضرورية في الكشف عن هذه المعطيات، التي لا غنى عنها في إقامة الدين لتجري عليه الحياة الاجتماعية الشاملة.
يتبين إذاً أن فهم الواقع الإسلامي يستلزم أدباً كاملاً وعلوما ومعارف توازي ذلك الأدب والعلوم والمعارف التي تستلزم في فهم الدين . ”
وبناء على هذا الفهم الواعي للواقع يفرق بين مجال الفرد ومجال الأمة ، وبين مجال تحديد التبعة والمسئولية ومجال التغيير الحضاري المنشود ، بين مجال انحراف فردي عابر سطحي وآخر جماعي تحول إلى عادة واختلط باللحم والدم شب عليه الصغير وفني عليه الكبير .
التكامل بين علوم المعرفة والبلاغ والتطبيق للشريعة الإسلامية .
كان التعامل مع الشريعة لدى السلف الصالح من هذه الأمة وقت أن تحقق لها الريادة والقيادة سهلا ميسورا ، وكان الأعرابي يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قائم على وثن يعبده ، فما أن يسمع منه بعض كلمات ويؤمن بها ينطلق إلى أهله مبلغا مرشدا ويتحول معه قومه إلى هذا الدين الجديد ، وكان هدي الصحابة مع الوحي أنهم لم يكونوا يفرقون بين معرفة الوحي والعمل به والدعوة إليه بل كانت العناصر الثلاثة في مستوى واحد من الاهتمام ، وفي الحديث ” نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها ” فقد جمع الحديث بين السماع والوعي وهما أدوات المعرفة ، والأداء وهو التبليغ ، وبالطبع كان العمل ، كما أخرج ابن جرير والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال ” كنا إذا تعلمنا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات من القرآن لم نتعلم العشرالتي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيه . قيل لشريك : من العمل ؟ قال : نعم ”
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وغيرهم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أنهم كانوا يأخذون من رسول الله صلى الله عليه و سلم عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل قال : فتعلمنا العلم والعمل . وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال : لقد عشت برهة من دهري وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه و سلم فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن نقف عنده منها كما تعلمون أنتم القرآن ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده منه وينثره نثر الدقل.”
ولذلك فمن المصلحة الوعي بأن التعامل مع الشريعة لا يمكن أن يكون بهذه الصورة الموجودة الآن ، فالبعض ينادي بتطبيق الشريعة ، وقد لا يفهم معناها ، ولا شروط تطبيقها ، ومن له علاقة بعلوم الشريعة يفتقد فقه الواقع الذي تطبق فيه تلك الشريعة فهو قابع في كهفه يحرر البحوث ويؤلف الكتب دون ان تعالج هذه البحوث مشكلة ، ولا ترتقي بواقع الأمة ، ولا تسهم في تحقيق ريادتها ، ومن له دراية بالواقع لا علاقة له بفهم الشريعة ولا معرفة نصوصها ومن ثم يهرف بما لا يعرف ويقدم حلولا ينسبها إلى الشريعة وهي منه براء .
وأخيرا فهذا غيض من فيض مما يتعلق بالتعامل مع الشريعة الإسلامية وفهمها ضمانا لحسن تطبيقها ، وجني ثمارها ، وتحقيق مقصودها في الخلق . والله تعالى وأعلم

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*