الأربعاء , 13 ديسمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » أصول الفقه » فقه الثوابت والمتغيرات
فقه الثوابت والمتغيرات
فقه الثوابت والمتغيرات

فقه الثوابت والمتغيرات

د / صلاح محمد
أولا: تعريف الثوابت والمتغيرات:
الثوابت جمع ثابت والثابت في اللغة هو: الراسخ والمستقر, وغير المتحرك, والمقرر, والمؤكد, والذي لا يتغير, والثبت من الرجال: الموثوق به, والثبت الوثيقة والحجة( ). ومن هذا المعاني اللغوية يدرك الناظر أن الثابت من شأنه التأكد وعدم التغير, فلا يؤثر في ثباته زمان ولا مكان, إذ التغير ليس من شأنه ولا من وصفه, وعليه فيكون المتغير على خلافه فلا يحتاج إلى تعريف.
أما تعريف الثوابت والمتغيرات في الاصطلاح فنقول:
الثوابت يراد بها: «القطعيات ومواضع الإجماع التي أقام الله بها الحجة بينة في كتابه أو على لسان نبيه , ولا مجال فيها لتطوير أو اجتهاد, ولا يحل الخلاف فيها لمن علمها»( ).
أما المتغيرات فيراد بها: «موارد الاجتهاد وكل ما لم يقم عليه دليل قاطع من نص صحيح أو إجماع صريح»( ).
ومن هذين التعريفين يتبين أن الإسلام الحنيف ذو شقين من الأحكام: شق ثابت لا يتغير وهو يمثل أصول الإسلام الاعتقادية والأخلاقية والعبادية وأصول المحرمات مما أجمعت عليه الأمة.
وشق: متغير تتعد فيه الآراء والاجتهادات ما دامت صادرة من أهلها, ولكل من هذين القسمين فوائده وآثاره على ما سيتبين بعد قليل.
مجالات الثوابت نماذج وأصول:
للثوابت مجالاتها الشرعية التي لا تتعداها ويمكن تحديدها في هذه النماذج بحيث يمنع الخلاف فيها بعد تصورها:
1- قضايا الألوهية والنبوة والجزاء مما ثبت بنص صحيح وأجمعت عليه الأمة.
2- أصول العبادات من الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وغير ذلك ويسميها البعض «الفرائض الركنية».
3- أمهات الأخلاق من فضائل ورذائل مما اتفقت عليه نصوص الشريعة.
4- المقاصد الكلية للشرعية المتفق عليها في كل شرائع الله تعالى.
5- أسس أحكام المعاملات, والأسرة والميراث والقصاص والحدود «ما يحل منها وما يحرم».
6- كل ما له صفة العموم في الشرع المنزل لا يؤثر فيه الزمان أو المكان أو الأعراف.
وأصول هذه الثوابت الآتي:
• نص صحيح صريح قطعي الثبوت والدلالة أيده إجماع متيقن.
• عدم وقوع الخلاف فيها من المسلمين.
• كونها من المعلوم من الدين بالضرورة.
لا يحل الاختلاف فيها, يقول الإمام الشافعي: «كل ما أقام به الله الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصا بينا لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه»( ).
يقول د/ صلاح الصاوي: «كليات الشريعة, وأغلب مسائل الاعتقاد, وأصول الفرائض, وأصول المحرمات, وأصول الفضائل والأخلاق, وأبرز ميادينها العقائد والعبادات والأخلاق وأصول المعاملات»( ).
وفائدة هذه الثوابت للأمة:
أنها معقد اجتماع الأمة, ومركز شخصيتها, ومفصل وحدتها, أو كما يقول د. القرضاوي: «هي التي تجسد الوحدة العقدية والفكرية والشعورية والعملية للأمة المسلمة, وهي التي يحتكم إليها عند النزاع, ويرجع إليها عند الاختلاف»( ).
ومن هنا نضيف فائدة أخري من وراء هذه الثوابت وهي أن الأمة كيف توالي وتعادي على أسس واضحة بينة, فمن خالف في هذه الأصول فليس منها,ومن آمن بها وصدف فهو منها يوالي ويحب وينال حقوقه كاملة كمسلم موحد. قال د. صلاح الصاوي: «وهذا النوع هو ما يميز القائلين به عن أهل الأهواء, لأن شعار الفرق المخالفة للسنة مفارقة الكتاب والسنة والإجماع, فكل من قال بالكتاب والسنة والإجماع فهو من أهل السنة»( ).
كما يضاف إلى هذه الفائدة فائدة أخرى وهي تحقيق نوع من العبودية بل قمة العبودية لله تعالى عندما يسلم المسلم لأحكام لا يجوز له الاجتهاد فيها؛ بل غاية المطلوب منه التسليم المطلق لربه تعالى عن قناعة ورضا, وهذه تربية للنفوس وحمل لها على التزام العبودية الحقة, وهذا هو مراد الشارع.
مجالات المتغيرات نماذج وأصول:
أما المتغيرات فمجالها أوسع من الثوابت, وساحتها أرحب ويمكن تلخيصها في كون محلها: النصوص الظنية الدلالة من الكتاب والسنة وهي كثيرة, وكل ما لم ينعقد عليه الإجماع, وكل ما لا دليل فيه قطعي, فهو مختلف فيه يمثل الجانب المتغير من الإسلام, وأكثر هذا اللون إنما يقع في أحكام المعاملات, وفروع الأحكام, والآداب والسنن, قال الشاطبي في الموافقات وهو يبين محل هذا النوع من الأحكام: «محال الاجتهاد المعتبر هي ما ترددت بين طرفين وضح في كل واحد منهما قصد الشارع في الإثبات في أحدهما والنفي في الآخر فلم تنصرف ألبتة إلى طرف النفي ولا إلى طرف الإثبات»( ).
ومن هنا فلا ينبغي أن يضيق فيها على المخالف, بل ولا ينكر عليه فيها لأن الله تعالى أراد وقدر أن تكون هكذا الحكم عديدة, يقول ابن تيمية- رحمه الله- «الشرع المؤول وهو موارد النزاع والاجتهاد بين الأمة فمن أخذ فيما يسوغ فيه الاجتهاد أقر عليه ولم تجب على جميع الخلق موافقته إلا بحجة لا مرد لها من الكتاب والسنة»( ).
إذا عرفنا محل هذا النوع فلنذكر بعض أصوله:
1- ما لا يكون المجتهد فيه آثما إذا أخطأ.
2- ما لا ينكر على المرء فيه لو اعتقد وعمل به.
3- ما لا يعادي أو يوالي عليه.
4- ما لا ينبغي القطع فيه بوجه, وإهدار الآخر.
5- لا يتهم المخالف فيه بفسق أو كفر أو غير ذلك.
6- أنه سعة ورحمة للأمة, وليس مصدر تفرق وتشرزم كما يظن البعض.
7- أن كل مجتهد فيه مصيب على مذهب المحققين من العلماء كما قال النووي أنه يستحسن الخروج من الخلاف ما لم يلزم من ذلك إخلال بسنة, أو وقوع في خلاف آخر( ).
ومن حكمه وفوائده ما يلي:
1- أنه رحمة بالأمة, وسعة لها, ورفع للحرج عنها, يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: «والنزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر عظيم من خفاء الحكم؛ ولهذا صنف رجل كتابا سماه «كتاب الاختلاف» فقال أحمد : سمه «كتاب السعة» ونقل عن بعض العلماء أنه كان يقول: إجماعهم حجة قاطعة, واختلافهم رحمة واسعة»( ).
2- أنه يمثل جانب المرونة في الإسلام, وبها يتحقق للإسلام الصلاحية للزمان والمكان, بالإضافة إلى خصائص أخري يتميز بها الإسلام, يقول القرضاوي: «ولله حكمة في أن جعل النصوص قابلة لمثل هذا التعدد، لتسع الناس جميعا، باتجاهاتهم المتباينة. ولهذا أنزل كتابه الخالد، منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات ولو شاء الله أن يجمع الناس على فهم واحد، ورأي واحد، لأنزل كتابه كله آيات محكمات وجعل النصوص كلها قاطعات»( ).
3- أنها تدفع العقل المسلم إلى الاجتهاد والتفكير, وشدة التأمل في مقاصد الشرع ومعاينة, وهذا المعني بخلاف المسلمات القطعيات التي ليس على المسلم فيها إلا التسليم والإذعان.
4- أنه يمثل ثروة فقهية وتشريعية هائلة تعتز بها الأمة على مدار تاريخها العتيق.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*