الثلاثاء , 23 يناير 2018
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » علوم القرآن » فوائد ضرب الأمثال في القرآن الكريم
فوائد ضرب الأمثال في القرآن الكريم
فوائد ضرب الأمثال في القرآن الكريم

فوائد ضرب الأمثال في القرآن الكريم

لورود الأمثال في القرآن الكريم فوائد جمة في مجال التمكين للمعاني في النفوس والدعوة إلى الله تعالى، من هذه الفوائد ما يلي:
أولاً: أنها تبرز الأمور المعقولة في مشاهد محسوسة يراها الناس أو يلمسونها، فتتقبلها عقولهم، لأن المعاني المعقولة يصعب ويعسر استقرارها في الذهن- بالنسبة لكثيرين- إلا إذا صيغت في صورة حسية قريبة الفهم.
ويمكن الاستشهاد لذلك بما ضربه الله تعالى مثلا لحال المنفق رياءً، إذ لا يحصل من إنفاقه على شيء من الثواب وذلك في قوله سبحانه: كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْـهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا (البقرة: 264).
والمعني: أن ما يراءون به المسلمين في الدنيا بإنفاقهم إنما هو بمثابة طبقة التراب الرقيقة تغشى الحجارة فإذا نزل المطر أزالها، فكذلك إذا كان يوم القيامة، ذهب ما كانوا يراءون به، وتركوا من غير ثواب مطلقا.
كما يمكن الاستشهاد لذلك بماضربه الله تعالى مثلا لحال المشرك في ترديه، وذلك في قوله تعالى: ...وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (الحج:31)( ).
ثانيا: أن الأمثال تكشف عن الحقائق، وتعرض الغائب في معرض المشاهد، وذلك أوقع في النفس من جهة تأثرها وشاهد ذلك، ما ورد في التمثيل لحال آكل الربا يوم القيامة بشناعة حاله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ… (البقرة:275).
ثالثا: أنها تعبر عن جانب من جوانب الإعجاز القرآني، لأنها توجز المعاني الرائعة في عبارات يسيرة، وأوضح الشواهد على ذلك ما مضي ذكره من الأمثال الكامنة والأمثال المرسلة، وقد ذكرنا العديد من شواهدها.
رابعاً: الترغيب في الممثل حيث يكون الممثل به مما ترغبه النفوس، وذلك أعون للمكلف على الطاعة، وأرغب له فيها، وشاهد ذلك، ما ضربه الله تعالى مثلا لحال المنفق في سبيل الله وما يعود عليه من مضاعفة الثواب على عمله مضاعفة كبيرة، وذلك في قول الله سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة:261).
خامساً: التنفير من الممثل حيث يكون الممثل به مما تكرهه النفوس، وذلك أعون للمكلف على اجتنابه عندما يتمثل قبحه وشناعته وسوء عاقبته، وشاهد ذلك ما ضربه الله تعالى مثلا لحال المغتاب في النهي عن الغيبة، وذلك في قوله تعالى: ...وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ رَّحِيمٌ... (الحجرات:12).
سادسا: مدح الممثل لبيان مكانته من جهة والحث على الإقتداء به من جهة أخري، وشاهد ذلك ما ضربه الله تعالى مثلا لصحابة رسول الله ، وذلك في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وَجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ… (الفتح:29)، فحال الصحابة في بدء الأمر أنهم كانوا قلة، ثم أخذوا في النمو والكثرة حتى استحكم أمرهم، وامتلأت القلوب إعجابا بعظمتهم.
سابعاً: ذم الممثل حيث يكون في الممثل به صفة يستقبحها الناس، وشاهد ذلك ذلك ما ضربه الله تعالى مثلا لحال من آتاه الله كتابه، فتنكب طريق العمل، وانحدر في الدنايا والرذائل منغمساً فيها، وذلك في قول الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (الأعراف:175-176).
ومما يزيد الأمر في هذا المثل وضوحا ما ورد في تفسير هذه الآية، قال ابن كثير- رحمه الله-: «وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لما نزل موسى بهم -يعني بالجبارين- ومن معه أتاه- يعني بلعم- بنو عمه وقومه فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه، قال: إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم فسلخه الله ما كان عليه، فذلك قوله تعالى: فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ الآية( ).
ثامنا: من فوائد ضرب الأمثال في القرآن الكريم، أنها: أوقع في النفس وأبلغ في الوعظ، وأقوى في الزجر، وأقوم في الإقناع، وقد أكثر الله تعالى الأمثال في القرآن الكريم للتذكرة والعبرة، قال الله تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (الزمر:27)، وقال سبحانه: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ (العنكبوت:43) وضربها النبي في حديثه، واستعان بها الداعون إلى الله تعالى في كل عصر لنصرة الحق وإقامة الحجة، ويستعين بها المربون، ويتخذونها من وسائل الإيضاح والتشويق، ووسائل التربية في الترغيب أو التنفير، في المدح أو الذم.
خامسا: رأي العلماء في ضرب الأمثال بالقرآن:
جرت عادة المحدثين والكاتبين من أهل الأدب وغيرهم أن يذكروا الأمثال في مواطن تشبه الأحداث التي قيلت فيها، وإذا صح هذا في أقوال الناس التي جرت مجري المثل، فقد كره العلماء: ضرب الأمثال بالقرآن، ولم يروا أن يتلو الإنسان آية من آيات الأمثال في كتاب الله عند شيء يعرض من أمور الدنيا، حفاظاً على روعة القرآن، ومكانته في نفوس المؤمنين، قال أبو عبيد: «كذلك الرجل يريد لقاء صاحبه، أو يهمَّ بحاجته، فيأتيه من غير طلب، فيقول كالمازح، جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (طه:40) فهذا من الاستخفاف بالقرآن» ومنه قول ابن شهاب الزهري: «لا تناظر بكتاب الله، ولا بسنة رسول الله » قال أبو عبيد: «يقول: لا تجعل لها نظيراً من القول ولا الفعل»( ).
هذا ما قاله العلماء، غير أن الأمر يحتمل نوعًا من التفصيل بحيث يحمل ما قالوه على ما عللوا به، أما إذا كان ذكر المثل نوعاً من تفويض الأمر لله عند الشدة لكشف الكرب، كأن يقول عند ذلك: لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ، أو يقول معتذراً عن عدم تنفيذ أمر لعدم استطاعته: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا، أو يقول مواسيا لمن فاته أمر كان يحبه ويرغب فيه: وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ إلى آخره، فذلك مما نحسب أنه لا بأس به.
وجملة القول: أن يراعي توقير القرآن الكريم في أقوال الإنسان، وتمثله في حديثه، وفي هذا الإطار لا حرج فيما ذكرنا

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*