الثلاثاء , 21 نوفمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » الفقه » قتل النفس المسلمة
قتل النفس المسلمة
قتل النفس المسلمة

قتل النفس المسلمة

فضيلة الشيخ احمد نور
لقد عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم من حرمة انتهاك حرمة المسلم خاصة دمه، ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الذي ينتهك حرمة المسجد الحرام وبين الذي ينتهك حرمة المسلم.. بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فقد خلق الله عزوجل آدم بيديه، وكرمه على المخلوقات: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء:70]، وسخر له ما في السموات وما في الأرض: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية:13]، وأسجد له الملائكة، وأرسل له الأنبياء والرسل، وأنزل الوحي والكتب من أجله، وحفظ له الضرورات الخمس (الدين والنفس، والعرض النسل، والعقل والمال). فمن أجل حفظ الدين: شرع الله الجهاد، وشرع قتل المرتد. ومن أجل حفظ النفس: شرع القصاص، وحرم الانتحار. ومن أجل حفظ العرض والنسل: حرم الزنا وجفف موارده، وشرع الزواج وشرع حد الرجم والجلد. ومن أجل حفظ العقل: حرم الخمور والمخدرات والحشيش والأفيون، وشرع حد السكران. ومن أجل حفظ المال: حرم السرقة، وبيع الغرر والربا، والغش والإحتكار، وشرع حد السرقة. ولذا فإن هذا الإنسان كريم وثقيل في ميزان الله عز وجل إذا اتبع منهاجه، وسلك الطريق القويم الذي بينه الله عز وجل له. هذا وإن هذا الجهاد المبارك قد أقض مضاجع الظالمين، لأنه نذير بزوال عروشهم وإقامة حكم الله تعالى في الأرض، فلذلك هبت جموع الكافرين والظالمين ليحولوا دون ذلك، فسلكوا ما استطاعوا من سبل المكر والكيد والخديعة، وقد كان من أشد هذه السبل إيجاد التفرقة بين المجاهدين وبذر بذورالخلاف بينهم، وإذكاء شرره حتى وصل الحال إلى حدوث قتال بين المجاهدين في مناطق متعددة في أفغانستان، لذا رأينا لزامًا علينا التنبيه إلى خطر الأمر على المجاهدين من الناحية الشرعية، فجاءت هذه الكراسة مبينة لعظم الذنب في قتل المسلم، عسى أن تكون فيها ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وإننا إذ نقدم هذا التحذير فإننا ننبه: إلى أن ما جاء في هذه الرسالة نقصد به المجاهدين المسلمين وما يجري بينهم، أما الذين يدعون أنهم مسلمون ولكنهم يقاتلون في صف الدولة الملحدة فإن هذا الكلام لا يشملهم، لأنهم بغاة صائلون يريدون تغيير دين الأفغان من الإسلام إلى الإلحاد والكفر، وهم يساعدون الدولة في ذلك ولو كانوا مكرهين على القتال معها، فهؤلاء يجوز قتلهم وإن نطقوا بالشهادتين، وذلك لأننا لا نقاتلهم لكي يدخلوا الإسلام بل نقاتلهم لكي نسقط الدولة الملحدة الكافرة، وهم يدافعون عنها (باختيارهم أو بالإكراه)، ولذلك فهم يحولون دون قيام دولة الإسلام، ومن كانت هذه حاله فلن يكون بأحسن من المسلمين الذين يتترس بهم الكفار، والذين أباح الفقهاء بالاتفاق قتلهم إذا لم يمكن الوصول إلى الكفار إلا بذلك، فكيف بهؤلاء المحاربين لله ولدين الإسلام? والله الهادي سواء السبيل تحريم قتل النفس: شدد هذا الدين في صيانة هذا الإنسان، وحفظ دمه من أن يهرق بدون حق فقال عز من قائل: {مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32]، قال ابن العربي في أحكامه: “إنه بمنزلة من قتل الناس جميعًا عند المقتول، إما لأنه نفسه فلا يعنيه بقاء الخلق بعده، وإما لأنه مأثور ومخلد كأنه قتل الناس جميعًا على أحد القولين، واختاره مجاهد وإليه أشار الطبري، وقال بعض المتأخرين: إن معناه: يقتل بمن قتل كما لو قتل الخلق أجمعين، ومن أحياها بالعفو فكأنما أحيا الناس أجمعين” [1]. والحق إن القاتل قد اعتدى على حق الحياة الذي هو حق للناس أجمعين، فمن قتل واحدًا فكأنما قتل الناس جميعًا، ولذا جاء في الصحيحين: «ما من نفس تقتل نفسًا ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها، لأنه أول من سن القتل»، وقال الألوسي في روح المعاني: “وفائدة التشبيه الترهيب والردع عن قتل نفس واحدة بتصويره بصورة قتل جميع الناس، والترغيب والتحضيض على إحيائها بتصويره بصورة إحياء جميع الناس” [2]. ويقول الله عزوجل: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء:93]، سبب نزول الآية: جاء في تفسير الطبري [3]: “عن عكرمة أن رجلاً من الأنصار قتل أخا مقيس بن ضبابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله، قال ابن جريج وغيره: ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ديته على بني النجار ثم بعث مقيسًا وبعث معه رجلاً من بني فهر في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم فاحتمل مقيس الفهري وكان أيدًا -قويًا- فضرب به الأرض ورضخ رأسه بين حجرين ثم ألفى يتغنى: قتلت به فهرًا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارع فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أظنه قد أحدث حدثًا، أما والله لئن كان فعل لا أؤمنه في حل ولا حرم، ولا سلم ولا حرب فقتل يوم فتح مكة»”. ابن عباس وبعض الصحابة رضي الله عنهم يقولون: “ليس لقاتل توبة”: ولقد بلغت جريمة القتل من الفحش والنكارة مالم تبلغه جريمة أخرى بعد الإشراك بالله، حتى ذهب عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن القاتل لا تقبل له توبة، وأنه لن يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، فقد روى ابن جرير بإسناده عن يحيى الجابري عن سالم عن أبي الجعد قال: “كنا عند ابن عباس بعد ما كف بصره فأتاه رجل فناداه يا عبد الله ما ترى في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا? فقال: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} قال: أفرأيت إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى?”. قال ابن عباس: “ثكلته أمه وأنى له التوبة والهدى? والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «ثكلته أمه قاتل المؤمن متعمدًا جاء يوم القيامة آخذه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن عز وجل، يلزم قاتله بشماله وبيده الأخرى رأسه يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني»، وأيم الذي نفس عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم، وما نزل بعدها من برهان” [4]. وأخرج الألوسي في تفسيره عن سعيد بن عينا [5] قال: “كنت جالسًا بجنب أبي هريرة إذ أتاه رجل فسأله عن قاتل المؤمن، هل له من توبة? فقال: لا والذي لا إله إلا هو لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط” [6]. من توبة القاتل أن يسلم نفسه لأولياء القتيل: ونظرًا لبشاعة هذه الجريمة وشدة تعلقها بحقوق العباد فإن ذمة القاتل لا تبرأ إلا بتسليم نفسه لأولياء القتيل، ليروا فيه رأيهم من القصاص أو العفو أو الصلح على الدية، فإن فعل ذلك كان غير مؤاخذ في الآخرة، ولم ينفذ عليه الوعيد الوارد في النصوص إجماعًا، وإلا كان مؤاخذًا، قال ابن عابدين في حاشيته -قال في تبيين المحارم-: “واعلم أن توبة القاتل لا تكون بالاستغفار والندامة فقط، بل يتوقف على إرضاء أولياء المقتول، فإن كان القتل عمدًا لا بد أن يمكنهم من القصاص منه فإن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا عفوا عنه مجانًا فإن عفوا عنه كفته التوبة” [7].
جزاء قاتل العمد في الدنيا: اتفق الفقهاء أن القاتل عمدًا يسلم لأولياء المقتول ثم هم يخيرون بين أن يقتلوا أو يعفوا أو يأخذوا دية مغلظة أثلاثًا: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، والحقة إذا أتمت الناقة الثالثة ودخلت في الرابعة، والجذعة التي أتمت الرابعة ودخلت في الخامسة، والخلفة التي دخلت في العاشرة، والدية في قتل العمد من مال القاتل، وليست من مال عاقلته (عشيرته) بالإجماع، أما في دية الخطأ فهي من مال عاقلته بالإجماع، أما دية شبه العمد فقد اختلف فيها الفقهاء، فقال بعضهم: “هي من ماله”، وهذا رأي ابن أبي ليلى وابن شبرمه وقتاده، وقال الجمهور: “الدية على العاقلة”، وبه قال الشعبي والنخعي والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي والثوري واسحاق [8]. رأي العلماء في كفارة قتل العمد: يرى الشافعي ومالك: أن على قاتل العمد الكفارة كما في الخطأ، والكفارة: هي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، قال الشافعي: “إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلإن تجب في العمد أولى”، ويستدل الشافعي بحديث واثلة بن الأسقع قال: “أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من بني سليم فقالوا: إن صاحبًا لنا قد أوجب -استحق النار بالقتل- قال: «فليعتق رقبة يفدي الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار»”، ويرى الشافعي أن القرآن لم يذكر كفارة في قتل العمد لأنها مفهومة بدلالة النص من باب أولى، وقد قال بعضهم: “حتى لو نفذ القصاص فتجب الكفارة في ماله”، ومن قتل نفسه فعليه الكفارة في ماله [9]، وقال الجمهور: “لا كفارة في قتل العمد، وهذا رأي أبي حنيفة وأحمد، وذلك لأن الكفارات عبادات ولا قياس في العبادات، لأن الكفارة وردت في قتل الخطأ فقط، ولم ترد في قتل العمد. الكفارة إذا قتلت الجماعة رجلاً خطأ: اتفق الأئمة الأربعة على أن الجماعة إذا قتلت شخصًا خطأ فعلى كل واحد منهم عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ولا يؤذن بالفطر أثناء الشهرين إلا في حالة الحيض والنفاس والمرض، ففي هذه الحالات لا يقطع التتابع، لكن أبا حنيفة قال: “المرض يقطع التتابع ويعيد من الأول ويستأنف من البداية، أما السفر فإنه يقطع التتابع ولا يجوز الإفطار فيه فإن أفطر يستأنف من الأول” [10]. أنواع القتل الثلاثة: القتل ثلاثة أنواع:
أولا: القتل العمد. ثانيا: القتل شبه العمد. ثالثا: القتل الخطأ.
1- القتل العمد: ضرب إنسان بقصد قتله سواءً كان بحجر أو حديدة أو عصا.
2- شبه العمد: يكون الضرب فيه مقصودًا، والقتل غير مقصود باستعمال آلة لا تقتل عادة كالعصا الصغيرة أو الحجر الصغير.
3- القتل الخطأ: ويكون فيه قصد الضرب والقتل منفيًا. جزاء أنواع القتل الثلاثة:
أولاً: جزاء قتل العمد، وقد تعرضنا إليه سابقًا.
ثانيًا: جزاء قتل شبه العمد: يسقط القود وتغلظ الدية، ففي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها»، وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: “اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها”، وهذا يقتضي أن قتل شبه العمد حكمه كالخطأ المحض في وجوب الدية على العاقلة.
ثالثًا: جزاء القتل الخطأ:
1- وجوب الدية أخماسًا كما روى أحمد وأصحاب السنن عن ابن مسعود قال: “قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بنين مخاض ذكورًا، وعشرين بنت لبون وعشرين جذعة، وعشرين حقة”، وقد اتفق الفقهاء على أن الدية على العاقلة في قتل الخطأ إجماعًا.
2- وجوب الكفارة: والكفارة عتق رقبة مؤمنة والإيمان شرط، ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا فمن لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين. قتل الجماعة بالواحد: روى سعيد بن المسيب عن عمر أنه قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلاً وقال: “لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعًا”، قال الباجي في المنتقى شرح الموطأ لمالك [11]: “فأما قتل الجماعة بالواحد يجتمعون في قتله فإنهم يقتلون به وعليه جماعة من العلماء، وبه قال عمر وعلي وابن عباس وغيرهم، وعليه فقهاء الأمصار ولم نعرف مخالفًا لعمر فثبت أنه إجماع”. وقال الكاساني في بدائع الصنائع: “لو قتل جماعة واحدًا يقتلون به قصاصًا”، ثم فسر ذلك فقال: “وأحق ما يجعل فيه القصاص إذا قتل الجماعة الواحد لأن القتل لا يوجد عادة إلا على سبيل التعاون والإجتماع، فلو لم يجعل فيه القصاص لانسد باب القصاص إذ كل من رام قتل غيره استعان بغيره لضمه إلى نفسه، ليبطل القصاص عن نفسه وفيه تفويت ما شرع له القصاص وهو الحياة” [12]. إيواء القاتل: كثيرًا ما يقتل رجل آخر وبعد القتل يأوي القاتل إلى حزب من الأحزاب فيحميه من القصاص، ويصبح هذا القاتل مصدر شر للمنطقة التي هرب منها، فيؤوي إليه مجموعة من اللصوص والقتلة تحت حماية الحزب المجير له، ويجمع الأموال والسلاح للهجوم على قائد المنطقة التي هرب منها، ومن المعلوم أن إيواء المجرم حرام يستحق صاحبه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ففي الحديث الصحيح: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، فقد سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المحدث ومن آواه في استحقاق اللعنة، فالقاتل ومن آواه سواء في حلول اللعنة عليهما. ولقد كان العرب في الجاهلية يقتل القاتل منهم رجلاً ثم يأوي إلى قبيلة أخرى تحميه، أو يأوي إلى الحرم حتى ينجو من القتل، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الحرم لا يؤوي محدثًا»، وإذا كانت الشريعة قد جعلت من سعى بشفاعته لإيقاف حد من حدود الله مضادًا يعارض الله في أمره، فكيف بمن سعى بجاهه وقوته وعناده للحيلولة دون إقامة حكم الله على القاتل، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد عن ابن عمر مرفوعًا: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في حكمه». القصاص للقاتل: إذا قتل شخص من قبيله شخصًا من قبيلة أخرى فلا يجوز للقبيلة الثانية أن تقتل سوى القاتل، ولو كان والده أو أخاه آو ابنه، ومثل هذا فيما لو قتل رجل من حزب شخصًا من حزب آخر فلا يجوز قتل آي شخص من حزب القاتل سوى القاتل، لأن هذا يجر إلى مفاسد لا نهاية لها، ولو قتل شخص من حزب المقتول رجلاً من حزب القاتل فإن عليه القود -القصاص-. السكران الذي يقتل عمدًا: ويقتص من السكران لشرب محرم باتفاق المذاهب الأربعة لأن السكر لا ينافي الخطاب الشرعي -أي التكليف- فتلزمه كل أحكام الشرع، والقصاص من السكران واجب لأنه حق آدمي، وقياسًا على إيجاب حد الشرب عليه وسدًا للذرائع أمام المفسدين الجناة، فلو لم يقتص منه لشرب ما يسكره ثم يقتل ويزني ويسرق وهو بمأمن من العقوبة والمأثم ويصير عصيانه سببًا لسقوط عقوبة الدنيا والآخرة (انظر الفقة الإسلامي وأدلته)، [13].
الإنتحار: الإنتحار حرام لأن النفس ليست ملكًا لصاحبها، بل هي لله عزوجل فلا يجوز له أن يتصرف بنفسه إلا حسب مرضاة الله، والمنتحر يستحق النار، فقد روى الشيخان عن ثابت بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف بملة سوى الإسلام كاذبًا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله، ولعن المؤمن كقتله». وليس من قبيل الانتحار: تضحية الإنسان بنفسه خدمة للإسلام ورفعًا لمعنويات المسلمين، أو إنكاء بأعداء الله عز وجل، فقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في تفسير سورة البروج قصة الغلام الذي عجز الملك عن قتله، فدله الغلام على طريقة القتل وقال له: “خذ سهما بعد أن تجمع الناس وتصلبني وقل: باسم رب الغلام أقتل هذا الغلام فقتله، فقال الناس: آمنا برب الغلام”، فهذا وأمثاله ممن نظن أن الله تعالى قال فيهم {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة:207]. وقد نص على هذا شيخ الإسلام ومحمد بن الحسن والجصاص والسرخسي: “بأن المسلم يجوز له أن يهجم على ألف من الكفار وإن تيقن فوات نفسه وقتلها إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، أو نكاية بالكافرين، أو كان بالمسلمين ضعف وتخاذل فأراد أن يقوي هممهم ويشحذ عزائمهم، ومن هذا القبيل قصة البراء ابن مالك عند ما طلب من الصحابة أن يضعوه على لوح ويرفعوه على رؤوس الرماح، ويلقوه في حديقة الموت على جند مسيلمة الكذاب يوم اليمامة، ولقد سئلت عن نساء ألقين بأنفسهن في نهر (كونر كن) قد خشين على أعراضهن من الروس الذين صاروا يعتدون على الأعراض فقلت: هذه شهادة إن شاء الله، لأن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز للمرأة أن تستسلم للأسر إذا خشيت على عرضها وكذلك الغلام الأمرد. الأحاديث التي ترهب من قتل المسلم وسد الذرائع إليه: وردت أحاديث كثيرة تهتز لها النفس من أعماقها، وترتعد لها الفرائص تحذر من قتل المسلم، وتهول من مغبة الإشارة بالسلاح ولو مازحًا نحو أخيه المسلم، أخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أعان على دم امرئ مسلم لينظر كلمة كتبت بين عينيه يوم القيامة: آيس من رحمة الله تعالى»، وأخرجا عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله من قتل مؤمن، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله تعالى النار»، وفي رواية الأصبهاني عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبهم الله تعالى على مناخرهم في النار وأن الله تعالى حرم الجنة على القاتل والآمر». حرمة الإشارة بالسلاح: ورد في الحديث الصحيح الذي رواه النسائي وأبو دواد والطيالسي عن أبي بكرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أشار الرجل على أخيه بالسلاح فهما على جرف جهنم فإذا قتله وقعا فيها جميعًا» [14]، الحديث الثاني: «لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزع في يده فيقع في حفرة من النار» [15]. لعنة الملائكة لمن يمزح بالسلاح: «إن الملائكة تلعن أحدكم إذا أشار بحديدة وإن كان أخاه لأبيه وأمه» [16]. ولقد سبب التفريط بالأخذ بهذه الأحاديث كثيرًا من المشاكل وأودى بكثير من الأرواح، وكثيرًا ما يظن المرء أن سلاحه ليس فيه رصاص فيشير إلى أخيه، ويضغط على الزناد فيقتل أخاه فيندم ولات ساعة مندم، ولقد قتل أحدهم أمه بهذه الطريقة، ولذا يجب أخذ الاحتياط في حمل السلاح فلا يضع رصاصة في بيت النار، ولا يفك الأمان في البيت، ولا يضع السلاح في متناول الأطفال الصغار، فقد روى الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مر أحدكم في مسجدنا وسوقنا بنبل فليمسك على نصالها لا يصيب أحدًا من المسلمين بأذى». القتال من أجل القائد أو الحزب أو العشيرة: كثيرًا ما يحصل القتال بين القبائل أو الأحزاب إرضاء للزعيم، فيرتكب المرء أكبر الكبائر إرضاء لزعيمه وإغضابًا لربه، ويسبق الحرب بين القبائل عادة دعايات مغرضة تشوه القبيلة الأخرى أو الحزب الآخر، وتزداد البغضاء في قلوب أفراد العشيرة يومًا بعد يوم حتى يبرر كل واحد لنفسه قتال القبيلة الأخرى، وتجد أن هذا القتال في معظمه قتال جاهلي إحياء للنعرة القبلية والعصبية الجاهلية، كما قال دريد بن الصمه: وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد وكانت الكلمة الجاهلية (انصر أخاك ظالمًا أومظلومًا) دستورًا في التعامل بين القبائل، ولذا شهدت الجزيرة حروبًا طاحنة لأسباب تافهة كحرب داحس والغبراء (التي سببها سباق بين فرسين)، قال فيها زهير لهرم بن سنان وصاحبه اللذين أصلحا بين القبيلتين: تداركتما عبسا وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا وكذلك حرب البسوس (بسبب ناقة العجوز البسوس) بين بكر وتغلب، بعد أن قتل جساس كليبًا شقيق الزير المهلهل، وقد كتب العرب في هذا قصصًا وملاحم كثيرة، وكذلك قتل عمرو بن كلثوم لعمرو بن هند وهكذا دواليك، وقد تدور الحرب بين القبيلتين على قطعة أرض صغير،ة فيقتل بها مئات الرجال مع أن الدنيا كلها لا تساوي دم امرئ مسلم، ففي الصحيح: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم» [17]. حرمة الدعاية المضادة والخصومة الباطلة لأنها توجب النار: روى الإمام أحمد والطبراني في الحديث الصحيح عن ابن عمر قال: قال صلى الله عليه وسلم: «…ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال وليس بخارج»، ومعنى ينزع: يرجع ويقلع، وأما ردغة الخبال: عصارة أهل النار من القبح والصديد. السؤال الرهيب يوم القيامة: روى النسائي في الحديث الصحيح: «يجئ الرجل آخذا بيد الرجل فيقول أي ربي إن هذا قتلني، فيقول الله لم قتلته؟ فيقول لتكن العزة لفلان فيقول: إنها ليست لفلان، فيبوء باثمه»، ولذا فإنه يدخل جهنم ليكون فلان هو القائد لسنة أو سنوات، وعلى بقعة صغيرة من الأرض فما أتفه هذا السبب الذي لا ينقضي منه العجب، وهذا القاتل كما قال ابن المبارك: “من سفلة السفلة” [18]. الفرح بقتل المسلم: وبعض هؤلاء الذين يدخلون المعارك ضد المسلمين قد يرجعون من المعركة وهم يفاخرون إنني قتلت بالرشاش هذا اليوم اثنين أو ثلاثة من القبيلة الأخرى، أو من الحزب الآخر، بل يعيرون الذين لا يشتركون في الحروب ضد المسلمين ويتهمونه بالخور والجبن، ويعدون قتل المسلمين شجاعة وغيرة، فليسمع هؤلاء أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- روى أبو داود والضياء في المختارة عن عبادة بن الصامت قال؛ قال صلى الله عليه وسلم: «من قتل مؤمنًا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً»، ومعنى اغتبط: فرح، ومعنى لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً: أي لا يقبل منه نافلة ولا فريضة.
2- روى الترمذي في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «(لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لكبهم الله عز وجل في النار». القتال عصبية للحزب أو للقبيلة: روى الشيخان (البخاري ومسلم) عن أبي هريرة قال؛ قال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية أو يدع لعصبية أو ينصر عصبية فقتل، فقتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشا من مؤمن، ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه»، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا عن العصبية القبلية وقال: «دعوها فإنها منتنة»، وقال: «ولينتهين أقوام يفخرون بآبائهم، الذين هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرء بأنفه» [19]. الأحاديث التي ترهب من قتل المسلم: إن المسلم ثقيل في ميزان الله عز وجل وحرمة دمه عظيمة، ولذا فأول شيء يحكم فيه يوم القيامة هو الدماء، ففي الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنهما:
1- «أول ما يقضى بين الناس في الدماء» -يعني يوم القيامة-.
2- وفي الصحيحين عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار»، قيل: “يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول? قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه»”. وهذا دليل صحيح على أن المرء مؤاخذ بنيته إذا بلغت حد العزم، وأن العازم على المعصية يأثم، ومعنى كان حريصًا: أي جازمًا مصممًا عليه، فلم يقدر عليه فكان كالقاتل لأنه في الباطن قاتل، فكل منهما ظالم معتد ولا يلزم من كونهما في النار أنهما في مرتبة واحدة، فالقاتل يعذب على القتال والقتل، والمقتول يعذب على القتال فقط.
3- روى النسائي والضياء في المختارة عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا»، زوال الدنيا: انمحاؤها واندثارها، قال ابن العربي: “ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق، فكيف بقتل الآدمي، فكيف بالمسلم؟”.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*