الثلاثاء , 21 نوفمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » أئمة و دعاة » زاد الخطيب » دروس » قيمة السنة المطهرة في الإسلام
قيمة السنة المطهرة في الإسلام
قيمة السنة المطهرة في الإسلام

قيمة السنة المطهرة في الإسلام

نظرة إجمالية على جهود العلماء
في العناية بالسنة والمناهح التي سلكوها لذلك
لقد عرف العلماء قيمة السنة المطهرة في الإسلام، ولذلك أوْلَوْها عنايةً فائقةً، في مختلف العصور، من لدن القرن الأول إلى يومنا هذا، إذْ توافروا عليها حفظا، وجمعا وتدويناً وتصنيفا، كما اجتهدوا في معرفة الرواة وتمييز الصحيح من السقيم، وتسابقوا في خدمة السنة، واستكثروا من الدراسات الدائرة حولها: سنداً ومتنا، رواية ودرايةً، حتى إنَّ الناظر إلى جهودهم في ذلك ليقف منبهراً بما كانوا عليه من همم عاليةٍ وعزائمَ ماضيةٍ في العمل للسنة الكريمة.
وإن الإنسان لتزداد دهشته وهو يستعرض تلك العلوم الكثيرة التي اهتم بها العلماء لتخدم سنة رسول الله ، فكان من نتاجها تلك المكتبة الحديثية الضخمة التي لا يتسع عمر المرء لقراءتها؛ بَلْهَ استيعابها.
وكانت مناهجهم في الرواية والنقد والتصنيف من الدقة والعمق، بحيث لم تلحق بها ثقافةٌ من الثقافات في القديم والحديث.
ويوضح القاضي أبو محمد الرامهرمزي بعض جوانب هذه الدقة، وهو يرد على من يتهم المحدثين بالجهل وضعف العقل، فيقول:
“وكان الحسن بن علي السراج يقول: “يزعمون أن أصحاب الحديث أغمار وحملة أسفار”وكيف يلحق هذا النعتُ قوما ضبطوا هذا العلم حتى فَرقوا بين الياء والتاء؟
– فمن ذلك أن أهل الكوفة رووا حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن المستورد بن شداد: أن النبي  قال: “ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضرب أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع “(1)
فقالوا: ترجع، بالتاء؟ جعلوا الفعل للأصبع وهي مؤنثة. وروى أهل البصرة عن إسماعيل هذا الحديث فقالوا: يرجع بالياء؟ جعلوا الفعل لِلْيَمِّ.
قالى القاضي (الرامهرمزي): وضبطوا الحرفين يشتركان في الصورة، يُعْجَم أحدهُما، ولا يُعْجَم الآخر.
-كقوله عليه السلام: “ينضح على بول الصبي”(2) بالحاء غير معجمة، وفي الحديث الآخر: نضخه بالماء، بالخاء، والنضخ بالخاء معجمة فوق النضح (3). وأخبرنا أبو خليفة أن التوَّزِي قال: النضخ مجتمع، والنضح متفرق. وكذلك: النهش، والنهس، بالشين والسين (4)، والرضخ، والرضح، (5) والقبض والقبص (6).
– وحفظوا من قال: “كيف أنت إذا بقيتَ في حُفَالة من النَّاس “(7) بالفاء، ومن قاله بالثاء(8).
– ومن روى: (رحمة مهداة) (9) بكسر الميم، من الهداية، ومن رواه بالضم من الهديَّة.
– والنهي عن المخاضرة(10)بالضاد،وهي: بيع البقل والكراث قبل أن يجزّ جزة.
– وعن المخاصرة بالصّاد غير معجمة، وروى أيضا الاختصار(11)، وهو أن يمسك الرجل يده على خاصرته في الصلاة.
– ونهي عن القَزَع، (12)بالقاف والزاى المعجمة، وهو أن يحلق رأس الصبي، ويترك وسطه.
17- وعن الفَرع، (13) بالفاء والراء غير معجمة، وهو ذبائحهم لآلهتهم.
– وعن القَرعْ، (14) بالقاف والراء غير مجمعة، وهو الانتباذ في القرع، يعني ظرف الدباء.
وضبطوا اختلاف حركة الأسماء المتفقة صورها، فُميِّز عَبيدة من عُبَيْدة، وعُمَارة من عِمارة، وعُبادة من عَبادة، وحَبَّان من حِبان، وسُليم من سَليم، ومَعقل من مُعقل، ومَعْمَر من مُعَمَّر، وحَبِيب من حبُيَبْ، وبَشِير من بُشيَر. وتوصلوا إلى معرفة الأسماء والألقاب والأنساب، فقالوا، فلان البدري شهد بدراً، وأبو مسعود البدري كان ينزل ماء بدر، وليس ممن شهد بدراً، وفلان القارئ، من قراءة القرآن، وعبد الرحمن بن عبد القارِي، من القارة، وهم بنو الهون بن خزيمة، وعمير مولى آبي اللحم، على وزن فاعل، من الأباة، لأنه كان يأبى أن يأكل اللحم، فلُقِّب به، وليس بكنية، ويزيدٍ الفقير، كان يألم فِقار ظهره حتى ينحني لها، وليس من الفقر.
وعمار الدُّهَني، مفتوح الهاء من بني دُهَن، حي من بَجِيلة، وهم أحمس بن الغوث بن أنمار بن أراش بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، وبجيلة: أم، فنسب ولدها إليها… “(15).
ثم أخذ القاضي الرامهرمزي يعرض شيئا كثيراً من دقة معرفتهم بالرواة؛ وتمييزهم الأنساب والألقاب والكنى المشتبهة، سواء الذين جمعتهم كنية واحدة أو اسم واحد أو لقب واحد، وهم من عصر واحد، وعاشوا في بلد واحد، وسمعوا من شيوخ مشتركة، وروى عنهم تلاميذ مشتركون، إلى غير ذلك من ضروب معرفتهم بالمُشْكِل مًن الأسماء وغيرها، مما يدل على ذهنٍ دقيقٍ، وتمحيصي قوي، وتحقيقٍ رائع، ثم علَّق قائلاً:
“فهذا باب من العلم جسيمٌ، مقصورٌ علمُه على أهل الحديث الذين نشأوا فيه، وعُنُوا به صغاراً، فصار لهم رياضة، ولا يلْحَق بهم مَنْ يتكلَّفُه على الكبر”(16).

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*