السبت , 21 أكتوبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » الفقه » كيفية التيمم
كيفية التيمم
كيفية التيمم

كيفية التيمم

عَنْ شَقِيقٍ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ , وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ أَبُو مُوسَى : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ , فَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ شَهْرًا , كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ , فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَا يَتَيَمَّمُ , وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ شَهْرًا , فَقَالَ أَبُو مُوسَى : فَكَيْفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا  ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ , لَأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمْ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ , فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ : أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ , فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ , فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ , ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا , ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً , ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ , وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ , فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : أَوَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ( ) . لفظ مسلم
المعنى العام
لقد أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون ، ومن رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن جعل دينها يسرا ، لا عسر فى فهمه ، ولا مشقة فى العمل به ، إنه فى الوسع والطاقة ، والله تعالى ما كلفنا ، وما تعبدنا إلا بما وسعنا ، وطاقتنا ، وما جعل علينا فى الدين من حرج .
ولما كان المسلم دائم الصلة بالله تعالى ، وقد تعرض له العوارض فلا يتمكن من حمل الماء اللازم لغسله أو لوضوئه ، رحمنا الله تعالى ، وهو الرحمن الرحيم ، فأباح لنا استعمال الصعيد الطاهر بدلا عن الماء ، لئلا يضيع المسلم فرضا مفروضا من صلاته ، ولئلا يطول عليه الأمد ، وهو بعيد الصلة بالله تعالى فيقسو قلبه ، ويتعود حتى ولو وجد الماء على البعد عن الله تعالى .
ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أحرص الناس على تعلم أمور دينهم ، ومن اشد الناس اتباعا للنبى  ، وفى الحديث المتقدم نرى مدى حرص أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه ، وهو الذى بلغ من العلم ما بلغ على السؤال والتعلم ، فقديعلم غيره ما لم يعلمه ، وقد يحضر غيره كا لم يحضره ، وقد يشهد مالم يشهده .
نراه يسأل عبد الله بن مسعود رضى الله عنه عن الرجل تصيبه الجنابة ، ولا يجد الماء شهرا ، كيف يصلى ؟ وما كان عبد الله بن مسعود ليغفل عن حكم فاقد الماء ، وأنه يباح له التيمم ، ولكن المسألة فى حكم من أجنب ولم يجد الماء ، ولقد كان عبد الله بن مسعود يرى أن المراد بالملامسة فى قوله تعالى (أو لا مستم النساء) : المس باليد ، لا الجماع ، وحينئذ فلا يدخل الجنب فيمن يباح له التيمم .
والجمهور على أن المراد بالملامسة هنا الجماع ، وعليه فإن المجنب يباح له التيمم ، وعلى القول بأن الاحتمال لا تقوم به الحجة وهذا الحكم فيما تعم به البلوى ويثبت به التكليف العام فلا يحل إثباته بمحتمل قد وقع النزاع في مفهومه .
أقول : قد ثبتت السنة الصحيحة بوجوب التيمم على من اجتنب ولم يجد الماء ، فكان الجنب داخلا في الآية بهذا الدليل , وعلى فرض عدم دخوله فالسنة تكفي في ذلك .
ويأتى فى فقه الحديث مزيد بيان حول حكم التيمم للجنب .
وقد كانت المحاور بين أبى موسى ، وعبد الله بن مسعود فى أسلوب غاية فى الدلالة والبيان ، والعذوبة والرقة ، دونما حجر على قول ، أو تعنت فى الدفاع عن رأى .
فلقد أدلى عبد الله بن مسعود برأيه ، فرد عليه أبو موسى مستدلا بالآية المبيحة للتيمم ، فرد عليه عبد الله بن مسعود بأن الرخصة إنما هى لغير المجنب ، وأن المجنب لو رخص له فى التيمم لأوشك إذا برد عليه الماء أن يتيمم ، فأجابه أبو موسى بان عمار بن ياسر كان فى حاجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجنب ، فتمرغ كما تتمرغ الدابة ، فلما قدم على النبى صلى الله صليه وسلم أخبره بما فعل ، فعلمه النبى صلى الله عليه وسلم كيفية التيمم ، وفى هذا دليل على أن الجنب يباح له التيمم ، فرد عليه ابن مسعود بأن عمر رضى الله عنه لم يقتنع بقول عمار ، معان عمر كان ممن حضر الواقعة وكان له حدث بها ، إلا أنه نسى .
ومن هذا الحوار نتعلم أنه لا حجر على الفكر ، ولا تضييق فى الاجتهاد ، فقداجتهد ابن مسعود ، ولم يعب عليه أبو موسى ، ولا عنفه ، ولا تطاول عليه ، ولا نال منه ، وإنما عرض كل رأيه ، والدليل عليه ،ورد كل على الآخر بما ترجح لديه .
وعلى العموم فإن الحديث واضح الدلالة على إباحة التيمم للمجنب ، وأن اعتراض ابن مسعود على ذلك ، واستناده إلى أن عمر لم يقنع بقول عمار لا اعتماد عليه ، فلقد أخبر عمر عن نفسه أنه غير متذكر للقصة ، وقال لعمار : اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ ” فيما ترويه وتثبت فيه فلعلك نسيت أو اشتبه عليك فإني كنت معك ولا أتذكر شيئا من هذا
، فقال عمار : “إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ ” فإن رأيت المصلحة في الإمساك عن التحديث به راجحة على التحديث وافقتك وأمسكت ، فإني قد بلغته ولم يبق علي حرج،
وإذ بعمر الذى يخاف من أن يكون الحق مع غيره يقول له : “نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ “. أي لا يلزم من كوني لا أتذكره أن لا يكون حقا في نفس الأمر فليس لي منعك من التحديث به
ولو أن عمر لم يقتنع بقول عمار لما أذن له فى التحديث بذلك ، مع أن القصة قصة عمار ، ولا شك أن تحديث الرجل بأمر له فيه قصة أثبت ، وآكد من تحديثه عن غيره ، ومن ثم حدث عمار بذلك .
ويأتى فى فقه الحديث مزيد بيان حول الاختلاف في قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى .
وفى الحديث الذى معنا بيان كيفية التيمم ، وهو ضربة واحدة على الصعيد الطاهر للوجه والكفين ، وقد اختلفت الرواية عن عمار فى ذلك .
ويأتى فى فقه الحديث مزيد بيان لذلك .
المفردات :
قوله : (كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ) أى عبد الله بن مسعود ، وبينته رواية البخارى عَنْ أَبِي وَائِلٍ , قَالَ : قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : إِذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ لَا يُصَلِّي ؟( )
قوله 🙁 كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ) وفى رواية أخرى (يصنع) بياء الغيبة ، أي كيف يصنع الرجل ، وعلى رواية الخطابي (كيف تصنع ) بتاء الخطاب أيضا ، والرواية بالغيبة أشهر ، وأوجه بدليل قوله:( فقال عبد الله لا يصلي) أي لا يصلي الرجل الذي لا يجد الماء حتى يجد أي إلى أن يجد الماء.
قوله : (فَكَيْفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ)
وإنما عين سورة المائدة لكونها أظهر في مشروعية تيمم الجنب من آية النساء لتقدم حكم الوضوء في المائدة ، ولعل المجلس ما كان يقتضي تطويل المناظرة ، وإلا فكان لعبد الله أن يقول : المراد من الملامسة في الآية تلاقي البشرتين فيما دون الجماع وجعل التيمم بدلا من الوضوء فقط فلا يدل على جواز التيمم للجنب.
قوله : (لَأَوْشَكَ) أى قرب وأسرع , وقد زعم بعض أهل اللغة أنه لا يقال : أوشك , وإنما يستعمل مضارعا , فيقال : يوشك كذا , وليس كما زعم هذا القائل , بل يقال : أوشك أيضا , ومما يدل عليه هذا الحديث مع أحاديث كثيرة في الصحيح مثله .
قوله : (إِذَا بَرَدَ) بفتح الباء والراء ، وقال الجوهري : ( برُد ) بضم الراء والمشهور الفتح .
فإن قلت : ما وجه الملازمة بين الرخصة في تيمم الجنب ، وتيمم المتبرد حتى صح أن يقال : لو رخصنا لهم في ذلك لكان إذا وجد أحدهم البرد تيمم ؟
قلت : الجهة الجامعة بينهما اشتراكهما في عدم القدرة على استعمال الماء لأن عدم القدرة إما بفقد الماء وإما بتعذر الاستعمال
قوله : (فِي حَاجَةٍ) هى ما جاء فى رواية أبى داود من قول عمار لعمر بن الخطاب رضى الله عنهما :يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَا تَذْكُرُ إِذْ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِي الْإِبِلِ فَأَصَابَتْنَا جَنَابَةٌ … الحديث “.
وفي رواية النسائي (ونحن نرعى الإبل)
وعند البخارى 🙁 كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا)( ) ، وعند مسلم : (يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا )
قوله 🙁 كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ) بفتح المثناة وضم الغين المعجمة وأصله تتمرغ فحذفت إحدى التاءين
فقه الحديث
المسألة الأولى : الأسباب المبيحة للتيمم:
التيمم رخصة من الرخص التى تصدق الله تعالى بها على هذه الأمة ، غير أنه لا يباح إلا للضرورة ، فى الحضر أو السفر ، ، إذا وجد سبب من الأسباب الآتية :
1ـ إذا لم يجد الماء ، أو وجد منه ما لا يكفيه للطهارة .
قال تعالى :وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا  ( ).
ـ عن عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ ، فَقَالَ : يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ قَالَ عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ”. ( )
ـ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : ” إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ , فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ “( ).
قَالَ الترمذى:” وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ إِذَا لَمْ يَجِدَا الْمَاءَ تَيَمَّمَا وَصَلَّيَا ، وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ، وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ ، فَقَالَ يَتَيَمَّمُ إِذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَقُ .
وعليه قبل أن يتيمم أن يبحث عن الماء بحثا أكيدا ، وأن يطلبه ممن معه إن كان معه أحد ، وممن قرب منه فإذا تيقن عدمه ، أو أنه بعيد عنه ، لا يجب عليه الطلب
2ـ إذا كان به جراحة أو مرض ، وخاف من استعمال الماء زيادة المرض ، أو تأخر الشفاء ، سواء عرف ذلك بالتجربة ، أو بإخبار الثقة من الأطباء .
ـ عَنْ جَابِرٍ قَالَ خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ فَقَالُوا مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ شَكَّ مُوسَى عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ( ).
قال الإمام الخطابي : وفيه من الفقه أنه أمر بالجمع بين التيمم وغسل سائر جسده بالماء , ولم ير أحد الأمرين كافيا دون الآخر . قال أصحاب الرأي : إن كان أقل أعضائه مجروحا جمع بين الماء والتيمم , وإن كان الأكثر كفاه التيمم وحده , وعلى قول الشافعي لا يجزئه في الصحيح من بدنه قل أو كثر إلا الغسل ( ).
قال الشوكانى: والحديث يدل على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر , وقد ذهب إلى ذلك : العترة , ومالك , وأبو حنيفة , والشافعي في أحد قوليه , وذهب أحمد بن حنبل , والشافعي في أحد قوليه إلى عدم جواز التيمم لخشية الضرر قالوا : لأنه واحد ( ).
وقال : ” وقد ذهب إلى مشروعية التيمم للعذر الجمهور وذهب أحمد ابن حنبل وروى عن الشافعي في قوله له أنه لايجوز التيمم لخشية الضرر” ( ).
قال العينى : ” إذا خاف الجنب على نفسه المرض يباح له التيمم مع وجود الماء ، وهل يلحق به خوف الزيادة فيه قولان للعلماء والشافعي ، والأصح عنده نعم ، وبه قال مالك , وأبو حنيفة , والثوري ، وعن مالك رواية بالمنع .
وقال عطاء والحسن البصري في رواية : لا يستباح التيمم بالمرض أصلا ، وكرهه طاوس ، وإنما يجوز له التيمم عند عدم الماء , وأما مع وجوده فلا , وهو قول أبي يوسف ومحمد ذكره في .
أما مرض يخاف منه زيادة العلة وبطء البرء , فقد ذكروا فيه ثلاث طرق : أظهرها أن في جواز التيمم له قولان :
أحدهما : المنع , وهو قول أحمد , وأظهرهما : الجواز , وهو قول الإصطخري , وعامة أصحابه , وهو قول مالك , وأبي حنيفة ، وفي ( الحلية ) وهو الأصح .
وإن كان مرض لا يلحقه باستعمال الماء ضرر كالصداع والحمى لا يجوز له التيمم ، وقال داود يجوز، ويحكى ذلك عن مالك وعنه أنه لا يجوز ولو خاف من استعمال الماء شيئا في المحل قال أبو العباس لا يجوز له التيمم على مذهب الشافعي وقال غيره إن كان الشين كأثر الجدري والجراحة ليس لهم التيمم , وإن كان يشوه من خلقه , ويسود من وجهه كثيرا فيه قولان والثاني من الطرق أنه لا يجوز قطعا والثالث أنه يجوز قطعا( ).
3ـ إذا كان الماء شديد البرودة ، وغلب على ظنه حصول ضرر باستعماله بشرط أن يعجز عن تسخينه ولو بالأجر ، أولا يتيسر له دخول الحمام.
عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَقَالَ يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ( ) ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ( ).
قَالَ أَبُو دَاوُد : وَرَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ , عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ فِيهِ: فَتَيَمَّمَ
وفى الحديث دليل على جواز التيمم عند شدة البرد من وجهين :
الأول : تبسم النبى  ، والثاني : عدم الإنكار , لأن النبي لا يقر على باطل , والتبسم والاستبشار أقوى دلالة من السكوت على الجواز .
قال الخطابي : فيه من الفقه أنه عليه السلام جعل عدم إمكان استعمال الماء كعدم عين الماء وجعله بمنزلة من يخاف العطش ومعه ماء , فأبقاه ليشربه وليتيمم به خوف التلف .
قال ابن رسلان في شرح السنن : لا يتيمم لشدة البرد من أمكنه أن يسخن الماء أو يستعمله على دجه يأمن الضرر مثل أن يغسل عضوا ويستره وكلما غسل عضوا ستره ودفاء من البرد لزمه ذلك وإن لم يقدر يتيمم وصلى في قول أكثر العلماء . وقال الحسن وعطاء يغتسل وإن مات ولم يجعلا له عذرا ومقتضى قول ابن مسعود لو رخصنا لهم لأوشك إذا برد عليهم . أن يتيمموا أنه لا يتيمم لشدة البرد “( ).
4ـ إذا كان الماء قريبا منه ، إلا أنه يخاف على نفسه أو عرضه أو ماله أو فوت الرفقة ، أو حال بينه وبين الماء عدو يخشى منه ، سواء كان العدو آدميا أو غيره ، أو كان مسجونا ، أو عجز عن استخراجه ، لفقد آلة الماء ، كحبل ودلو ، لان وجود الماء في هذه الأحوال كعدمه ، وكذلك من خاف إن اغتسل أن يرمي بما هو برئ منه ويتضرر به ( ).
5ـ إذا احتاج إلى الماء حالا أو مآلا لشربه أو شرب غيره ، ولو كان كلبا غير عقور ، أو احتاج له لعجن أو طبخ وإزالة نجاسة غير معفو عنها ، فإنه يتيمم ويحفظ ما معه من الماء .
لما روي عن علي رضي الله عنه قال : ” في الرجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة ومعه الماء القليل يخاف أن يعطش قال : يتيمم ولا يغتسل ” ( ) .
قال الإمام أحمد رضي الله عنه : عدة من الصحابة تيمموا وحبسوا لماء لشفاههم .
المسألة الثانية : التيمم من الجنابة ، والحيض ، والنفاس
اختلف الصحاب‍ة في جواز التيمم من الجنابة على قولين :
القول الأول: أن التيمم من الجنابة عند فقد الماء ، أو تعذر استعماله جائز ، وهو قول جمهور العلماء منهم : علي , وابن عباس , وعمرو بن العاص , وأبو موسى , وعمار , وبه قال : الثوري , ومالك , والشافعي , وأبو ثور , وإسحاق , و ابن المنذر ، وأصحاب الرأي( ).
القول الثانى: أن التيمم من الجنابة عند فقد الماء أو تعذر استعماله غير جائز، وإليه ذهب عمر ، وعبد الله بن مسعود( )، وهو مقتضى حديث الباب .
قال الترمذي : ويروى عن ابن مسعود أنه رجع عن قوله فقال يتيمم( )
سبب الاختلاف :
سبب الاختلاف راجع إلى تأويل قوله تعالى في آية التيمم أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا  ( ). أو لمستم.
فذهب على ، وابن عباس إلى أن المراد بالملامسة هنا : بالجماع ، وقالا : كنى الله تعالى عن الوطئ بالمسيس والغشيان والمباشرة والإفضاء والرفت .
عن ابن عباس قال : هو الجماع( )، وعنه قال : اللمس والمس والمباشرة إلي الجماع ولكن الله يكني ما شاء لما شاء( )، وعن علي  أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء  قال: هو الجماع . ( ) .
وعن سعيد بن جبير قال : اختلفت أنا وأناس من العرب في اللمس ، فقلت أنا وأناس من الموالي :اللمس ما دون الجماع , وقالت العرب : هو الجماع ، فأتينا ابن عباس ، فقال : غلبت العرب هو الجماع( ) .
وذهب عمر وابن مسعود إلى أن المراد بالملامسة هنا : المس باليد ،
عن عبد الله قال : اللمس ما دون الجماع ( ) .
وعليه فلم يكن الجنب داخلا في هذه الآية ، ومن ثم بقى الغسل واجبا عليه بقوله : وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ ( )
الترجيح بين القولين :
ما ذهب إليه الجمهور هو القول الراجح ، والأدلة العديدة تؤيده ، ومما يدل على إباحة التيمم للجنب :
1 ـ عن عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ ، فَقَالَ : يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ قَالَ عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ”r. ( )
2 ـ عَنْ جَابِرٍ قَالَ خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ فَقَالُوا مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ شَكَّ مُوسَى عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ( ).
3 ـ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ rفَقَالَ يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ }وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا{( ) فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ rوَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا .
قَالَ أَبُو دَاوُد : وَرَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ , عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ فِيهِ: فَتَيَمَّمَ( ).
4 ـ عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى , عَنْ أَبِيهِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبْ الْمَاءَ فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ( ).
ومن ثم قال ابن عبد البر:” لم يتعلق أحد من فقهاء الأمصار من قال إن الملامسة : الجماع , ومن قال : إنها ما دون الجماع بقول عمر وابن مسعود في ذلك ، ولا ذهب إليه”( )
هل يجوز التيمم من الحيض والنفاس ، عند فقد الماء ، أو تعذر استعماله ؟
يجوز التيمم من الحيض والنفاس لما روينا من حديث أبى هريرة رضى الله عنه ولانهما بمنزلة الجنابة فكان ورود النص في الجنابة ورودا فيهما دلالة ( ).
المسألة الثالثة : هل للمسافر أن يجامع امرأته ، مع فقد الماء ؟
فيه ورايتان
أحدهما : يكره لأنه يفوت على نفسه طهارة ممكنا بقاؤها
والثانية : لا يكره , وهو قول جابر بن زيد , والحسن , وقتادة , والثوري , والأوزاعي , وإسحاق , وأصحاب الرأي , وابن المنذر.
وحكي عن الأوزاعي أنه إن كان بينه وبين أهله أربع ليال فليصب أهله , وإن كان ثلاث فما دونها فلا يصبها ، والأولى جواز إصابتها من غير كراهة ، ومما يدل على ذلك :
1 ـ عن أبىذَرٍّ قال : ” فَكُنْتُ أَعْزُبُ عَنْ الْمَاءِ وَمَعِي أَهْلِي فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ فَأُصَلِّي بِغَيْرِ طَهُورٍ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِنِصْفِ النَّهَارِ وَهُوَ فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُوَ فِي ظِلِّ الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ ، فَقُلْتُ : نَعَمْ ، هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ :وَمَا أَهْلَكَكَ ؟! قُلْتُ : إِنِّي كُنْتُ أَعْزُبُ عَنْ الْمَاءِ وَمَعِي أَهْلِي فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ فَأُصَلِّي بِغَيْرِ طُهُورٍ، فَأَمَرَ لِي رَسُولُ اللَّهِ بِمَاءٍ فَجَاءَتْ بِهِ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ بِعُسٍّ يَتَخَضْخَضُ مَا هُوَ بِمَلْآنَ فَتَسَتَّرْتُ إِلَى بَعِيرِي فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  : يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ وَإِنْ لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ ( ).
2 ـ عن سعيد بن جبير قال : كان بن عباس في سفر مع أناس من أصحاب رسول الله فيهم عمار بن ياسر فكانوا يقدمونه يصلي بهم لقرابته من رسول الله فصلى بهم ذات يوم ثم التفت إليهم فضحك فأخبرهم انه أصاب من جارية له رومية وصلى بهم وهو جنب ، فتيمم ( ).
قال إسحاق بن راهويه : هو سنة مسنونة عن النبي في أبي ذر وعمار وغيرهما فإذا فعلا ووجدا من الماء ما يغسلان به فرجيهما ثم تيمما وإن لم يجدا تيمما للجنابة والحدث الأصغر والنجاسة وصليا”( ).
وقال الكاسانى: “وللمسافر أن يجامع امرأته وإن كان لا يجد الماء ( ).
المسألة الرابعة : كيفية التيمم :
اختلف العلماء في كيفية التيمم على أقوال:
القول الأول :التيمم ضربة واحدة يمسح بها وجهه ويديه إلى الكوعين , وهو قول الأوزاعي وهو أشهر عنه ، وقول عطاء , والشعبي في رواية , وبه قال أحمد بن حنبل , وإسحاق بن راهويه , وداود بن علي , والطبري , وهو أثبت ما روي في ذلك من حديث عمار رواه شقيق بن سلمة أبو وائل عن ابي موسى عن عمار فقال فيه ضربة واحدة لوجهه وكفيه( ).
وبه قال أحمد ، فإن تيمم بضربتين جاز , وقال القاضي : الإجزاء يحصل بضربة والكمال ضربتان والمنصوص ما ذكرناه ( ).
قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله : التيمم ضربة واحدة ؟ فقال : نعم ضربة واحدة للوجه والكفين , ومن قال ضربتين فإنما هو شيء زاده ( ).
قال الترمذي : وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب رسول الله  ، وغيرهم منهم : علي , وعمار , وابن عباس , وعطاء , والشعبي , ومكحول , والأوزاعي , ومالك , وإسحاق ( )
الأدلة على ذلك :
1ـ ما جاء فى طرق حديث عمار بن ياسر فى التيمم:
ـ ” إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ ( ) ، وفى رواية أخرى عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ عَنْ التَّيَمُّمِ فَأَمَرَنِي ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ( ) .
وأجيب على هذه الرواية بأن المراد ههنا هو صورة الضرب للتعليم , وليس المراد جميع ما يحصل به التيمم , وقد أوجب الله غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء , ثم قال في التيمم  فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم( ) ، والظاهر أن اليد المطلقة ههنا هي المقيدة في الوضوء من أول الآية فلا يترك هذا الصريح إلا بدلالة صريح( ) .
2ـ لأنه حكم علق على مطلق اليدين ، فلم يدخل فيه الذراع كقطع السارق , ومس الفرج .وقد احتج ابن عباس بهذا , فقال إن الله تعالى قال في التيمم :  فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ( )، وقال : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ( )، وكانت السنة في القطع من الكفين ( )
القول الثانى : ضربتان ، ضربة للوجه يمسح بها وجهه , وضربة لليدين يمسحهما إلى المرفقين , يمسح اليمنى باليسرى , واليسرى باليمنى ، وقال به مالك , والشافعي , وأبو حنيفة , وأصحابهم , والثوري , وابن أبي سلمة , والليث، إلا أن بلوغ المرفقين عند مالك ليس بفرض , وإنما الفرض عنده إلى الكوعين , والاختيار عنده إلى المرفقين , وسائر من ذكرنا معه من الفقهاء يرون بلوغ المرفقين بالتيمم فرضا واجبا ، وممن روي عنه التيمم إلى المرفقين : ابن عمر , والشعبي , والحسن , وسالم ( ).
الدليل على ذلك :
1ـ عن ابن الصمة : أن رسول الله  تيمم فمسح وجهه وذراعيه ( ).
2ـ وروى ابن عمر , وجابر , وأبو أمامة أن النبي  قال : التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين .
3ـ ولأنه بدل يؤتى به في محل مبدله ، وكان حده عنهما واحدا كالوجه.
وحجة من رأى أن التيمم إلى الكوعين جائز ولم ير بلوغ المرفقين واجبا:
1ـ ظاهر قول الله عز وجلفَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ، ولم يقل إلى المرفقين ، وما كان ربك نسيا ، فلم يجب بهذا الخطاب إلا أقل ما يقع عليه اسم يد لأنه اليقين , وما عدا ذلك شك , والفرائض لا تجب إلا بيقين , وقد قال الله عز وجل والسارق والسارقة فاطقعوا أيديهما ، وثبتت السنة المجتمع عليها أن الأيدي في ذلك أريد بها من الكوع فكذلك التيمم إذ لم يذكر فيه المرفقين ( ).
2ـ ثبت عن النبي في أكثر الآثار في التيمم أنه مسح وجهه وكفيه ، وكفى بهذا حجة ، لأنه لو كان ما زاد على ذلك وابجا لم يدعه رسول الله ( ).
القول الثالث: قال الأوزاعي : التيمم ضربتان , ضربة للوجه , وضربة لليدين إلى الكوعين , وهما الرسغان , وروي ذلك عن علي بن أبي طالب .
القول الرابع : التيمم ضربتان يمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه ، وإليه ذهب ابن أبي ليلى والحسن بن حي ، ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم غيرهما فيما علمت ( ).
وهو خلاف ما روي عن النبي  في سائر الأخبار التي ذكر فيها صفة التيمم ، لأن الذي روي في بعضها : ضربتان , ضربة للوجه , وضربة لليدين إلى المرفقين , فلم يجعل ما للوجه لليدين , وما لليدين للوجه , وفي بعضها : ضربة واحدة لهما , فقولهما خارج عن حكم الخبرين جميعا , وهو مع ذلك خلاف الأصول , لأن التيمم مسح , فليس تكراره بمسنون كالمسح على الخفين , ومسح الرأس , ولو كان التكرار مسنونا فيه لكان ثلاثا كالأعضاء المغسولة( ).
وقال الخطابي: لم يقل ذلك أحد من أهل العلم غيرهما في علمي .
القول الخامس : التيمم إلى المناكب والآباط ، وإليه ذهب محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى ، ولم يقل ذلك أحد غيره أيضا( ) ، ومع ذلك لم يروه أحد عن النبي  .
القول السادس: قالت طائفة من العلماء يضرب أربع ضربات ضربتان للوجه وضربتان لليدين ( ).
القول السابع : يتيمم الجنب إلى المنكبين وغيره إلى الكوعين ، وهو قول ضعيف ( ).
القول الثامن : وفي القواعد لابن رشد روى عن مالك الاستحباب إلى ثلاث والفرض اثنتان ( ).
القول التاسع : وقال ابن سيرين ثلاث ضربات الثالثة لهما جميعا وفي رواية عنه ضربة للوجه وضربة للكف وضربة للذراعين ( ).
المسألة الخامسة : ذكر الاختلاف على عمار بن ياسر فى روايته لحديث التيمم :
اختلفت الرواية عن عمار بن ياسر فى روايته للتيمم على أوجه :
الوجه الأول: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين .
وروى ذلك عن عمار من غير وجه.
وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي منهم : علي , وعمار , وابن عباس , وغير واحد من التابعين , منهم : الشعبي , وعطاء , ومكحول , قالوا : التيمم ضربة للوجه والكفين , وبه يقول أحمد , وإسحق .
الوجه الثانى : التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين .
وقد روي هذا الحديث عن عمار في التيمم من غير وجه.
عند ابن ماجه عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ حِينَ تَيَمَّمُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمْ التُّرَابَ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنْ التُّرَابِ شَيْئًا فَمَسَحُوا بِوُجُوهِهِمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمْ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ “( ).
وعند أحمد :”قَالَ عَمَّارٌ فَقَامُوا فَمَسَحُوا بِهَا , فَضَرَبُوا أَيْدِيَهُمْ فَمَسَحُوا وُجُوهَهُمْ , ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ ثَانِيَةً ثُمَّ مَسَحُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى الْإِبِطَيْنِ أَوْ قَالَ إِلَى الْمَنَاكِبِ”( ).
ورواية الإمام أحمد صريحة فى أن تيمم الصحابة إنما كان عن اجتهاد منهم ، ولذا كان إلى المناكب والآباط .
وقال به بعض أهل العلم منهم : ابن عمر , وجابر , وإبراهيم , والحسن ، وسفيان الثوري , ومالك , وابن المبارك , والشافعي .
قال الجصاص :” وهذا أولى لأنه زائد , وخبر الزائد أولى , وأيضا فكما أنه لا يجوز في الوضوء الاكتفاء بماء واحد لعضوين بل عليه تجديد الماء لكل عضو , كذلك الحكم في التيمم لأنهما طهارتان ، وإن كانت إحداهما مسحا والأخرى غسلا ألا ترى أنه يحتاج إلى تجديد الماء لكل رجل في المسح على الخفين وإن لم يكن غسلا وإنما قلنا إن التيمم إلى المرفقين بحديث ابن عمر عن النبي وحديث الأسلع ذكرا فيه جميعا أن التيمم إلى المرفقين ( )
الوجه الثالث : التيمم ضربتين إلى المناكب والآباط .
عن عمار بن ياسر ” فَقَامُوا فَمَسَحُوا بِهَا فَضَرَبُوا أَيْدِيَهُمْ فَمَسَحُوا وُجُوهَهُمْ ، ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ ثَانِيَةً ثُمَّ مَسَحُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى الْإِبِطَيْنِ أَوْ قَالَ إِلَى الْمَنَاكِبِ ( ).
وعنه :”أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِالصَّعِيدِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمْ الصَّعِيدَ ثُمَّ مَسَحُوا وُجُوهَهُمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمْ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ ( ).
ومن وجه آخر :” قَامَ الْمُسْلِمُونَ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمْ التُّرَابَ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنْ التُّرَابِ شَيْئًا فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَنَاكِبَ وَالْآبَاطَ ، وقَالَ ابْنُ اللَّيْثِ : إِلَى مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ ( )..
عَنْ عَمَّارٍ قَالَ :” فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رُخْصَةَ التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ قَالَ : فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ الْأَرْضَ ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَنْفُضُوا مِنْ التُّرَابِ شَيْئًا فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ ، وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ ( )، وفى رواية أخرى :”تَيَمَّمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِالتُّرَابِ فَمَسَحْنَا بِوُجُوهِنَا وَأَيْدِينَا إِلَى الْمَنَاكِبِ .( )
وعند أبى دواد: فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنْ التُّرَابِ شَيْئًا فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَمِنْ بِطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ ، زَادَ ابْنُ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي حَدِيثِهِ وَلَا يَعْتَبِرُ بِهَذَا النَّاسُ( ).
عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ تَيَمَّمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَنَاكِبِ( ) .
الترجيح بين هذه الأقوال :
ضعف بعض أهل العلم حديث عمار عن النبي في التيمم للوجه والكفين لما روي عنه حديث المناكب والآباط ، وقال إسحق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي : ” حديث عمار في التيمم للوجه والكفين هو حديث حسن صحيح , وحديث عمار تيممنا مع النبي  إلى المناكب والآباط ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين , لأن عمارا لم يذكر أن النبي  أمرهم بذلك , وإنما قال : فعلنا كذا وكذا , فلما سأل النبي  أمره بالوجه والكفين , فانتهى إلى ما علمه رسول الله  الوجه والكفين ، لدليل على ذلك ما أفتى به عمار بعد النبي  في التيمم أنه قال : الوجه والكفين , ففي هذا دلالة أنه انتهى إلى ما علمه النبي ، فعلمه إلى الوجه والكفين .
قال المنذري : وقال غيره : أي غير أبي داود : حديث عمار لا يخلو , إما أن يكون عن أمر النبي أولا , فإن لم يكن عن أمر النبي فقد صح عن النبي خلاف هذا , ولا حجة لأحد مع كلام النبي والحق أحق أن يتبع , وإن كان عن أمر النبي فهو منسوخ وناسخه حديث عمار أيضا ( ).
وقال الجصاص :” فلما اختلفت أحاديث عمار هذا الاختلاف ، واتفقوا أن التيمم إلى المناكب غير ثابت الحكم , ومع ذلك لم يعزه عمار إلى النبي  ، وإنما حكى فعل نفسه لم يثبت التيمم إلى المناكب , وإن كان له وجه في الاحتمال وهو أنه جائز أن يكون عمار ذهب في ذلك مذهب أبي هريرة في غسله ذراعيه في الوضوء إلى إبطيه على وجه المبالغة فيه لقول النبي  :” إنكم الغر المحجلون من آثار الوضوء فمن أراد أن يطول غرته فليفعل ، فقال أبو هريرة : إني أحب أن أطيل غرتي” ، ثم بقي من أخبار عمار مما عزاه إلى النبي الوجه والكفان , ونصف الذراع إلى المرفقين , فكانت رواية من روى إلى المرفقين أولى لوجوه :
أحدها : أنه زائد على روايات الآخرين وخبر الزائد أولى.
والثاني : أن الآية تقتضي اليدين إلى المنكبين لدخولهما تحت الاسم فلا يخرج شيء منه إلا بدليل , وقد قامت الدلالة على خروج ما فوق المرفقين فبقي حكمه إلى المرفقين .
والثالث : أن في حديث ابن عمرو الأسلع :” التيمم إلى المرفقين” من غير اختلاف عنهما في روايتهما ( ).
قال الإمام الشافعي : لا يجوز على عمار إذا كان تيمم مع النبي  عند نزول الآية إلى المناكب عن أمر النبي إلا أنه منسوخ ، إذ روي أن النبي  أمر بالتيمم على الوجه والكفين , أو يكون لم يرو عنه إلا تيمما واحدا , فاختلفت روايته عنه , فتكون رواية ابن الصمة التي لم تختلف أثبت , وإذا لم تختلف فأولى أن يؤخذ بها , لأنها أوفق لكتاب الله تعالى من الروايتين اللتين روينا مختلفتين , أو يكون إنما سمعوا آية التيمم عند حضور صلاة فتيمموا ، فاحتاطوا فأتوا على غاية ما يقع عليه اسم اليد لأن ذلك لا يضرهم كما لا يضرهم لو فعلوه في الوضوء , فلما صاروا إلى مسألة النبي  أخبرهم أنه يجزيهم من التيمم أقل مما فعلوه وهذا أولى المعاني عندي لرواية بن شهاب من حديث عمار بما وصفت من الدلائل .
قال الشافعي : وإنما منعنا أن نأخذ برواية عمار بن ياسر في أن ييمم الوجه والكفين بثبوت الخبر عن رسول الله أنه مسح وجهه وذراعيه , وأن هذا أشبه بالقرآن وأشبه بالقياس , فإن البدل من الشئ إنما يكون مثله , وروى الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني عن الشافعي حديث ابن عمر في التيمم ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين .
ثم قال : قال أبو عبد الله يعني الشافعي : وبهذا رأيت أصحابنا يأخذون , وقد روي فيه شئ عن النبي , ولو أعلمه ثابتا لم أعده , ولم أشك فيه , وقد قال عمار : تيممنا مع النبي  إلى المناكب ، وروي عنه عن النبي  الوجه والكفين ، وكان قوله : ” تيممنا مع النبي  إلى المناكب” لم يكن عن أمر النبي  ، فإن ثبت عن عمار عن النبي  الوجه والكفين ، ولم يثبت عن النبي إلى المرفقين , فما ثبت عن النبي  أولى , وبهذا كان يفتي سعد بن سالم , فكأنه في القديم شك في ثبوت الحديثين لما ذكرنا في كل واحد منهما , ومسح الوجه والكفين في حديث عمار ثابت , وهو أثبت من حديث مسح الذراعين , إلا أن حديث مسح الذراعين أيضا جيد بالشواهد التي ذكرناها , وهو في قصة أخرى فإن كان حديث عمار في ابتداء التيمم حيث نزلت الآية ورجعوا إلى النبي  ، فأخبرهم أنه يجزيهم من التيمم أقل مما فعلوا , فحديث مسح الذراعين بعده فهو أولى بأن يتبع , وهو أشبه بالكتاب والقياس , وهو فعل ابن عمر صحيح عنه ، وقد روي عن علي , وابن عباس مسح الوجه والكفين ، وروي عن علي بخلافه( ).
وقال الحافظ ابن حجر :” الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار , وما عداهما فضعيف , أو مختلف في رفعه ووقفه , والراجح عدم رفعه , فأما حديث جهيم فورد بذكر اليدين مجملا , وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين , وبذكر المرفقين في السنن , وفي رواية إلى نصف الذراع , وفي رواية إلى الآباط ,
فأما رواية المرفقين , وكذا نصف الذراع ففيهما مقال , وأما رواية الآباط ، فقال الشافعي وغيره : مما تقدم ذكره مرارا , ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين , كون عمار كان يفتي بعد النبي بذلك , وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره , ولا سيما الصحابي المجتهد( ) .
قال العينى عن حديث عما فى التبمم إلى المناقب والآباط : ليس هو مخالفا لحديث الوجه والكفين , ففي هذا دلالة أنه انتهى إلى ما علمه النبي  ، وقال ابن أبي حازم : لا يخلو أن يكون حديث عمار بأمر أو لا , فإن يكن عن غير أمر , فقد صح عن النبي  خلافه , وإن كان عن أمر ، فهو منسوخ , وناسخه حديث عمار أيضا ( ).
ومما تقدم يتبين أن :
ـ حديث عمار تيممنا مع النبي r إلى المناكب والآباط ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين , لأن عمارا لم يذكر أن النبي r أمرهم بذلك , وإنما قال : فعلنا كذا وكذا , فلما سأل النبي r أمره بالوجه والكفين , فانتهى إلى ما علمه رسول الله r الوجه والكفين .
ـ حديث عمار لا يخلو , إما أن يكون عن أمر النبي r أو لا , فإن لم يكن عن أمر النبي r ، فقد صح عن النبي rخلاف هذا , ولا حجة لأحد مع كلام النبي r والحق أحق أن يتبع , وإن كان عن أمر النبي r ، فهو منسوخ وناسخه حديث عمار أيضا ، ومع ذلك لم يعزه عمار إلى النبي r ، وإنما حكى فعل نفسه .
وعليه فلما كانت أحاديث عمار في هذا الباب مختلفة مضطربة ، وذهب كل واحد من المذكورين إلى حديث منها كان الرجوع في ذلك إلى ظاهر الكتاب وهو يدل على ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين قياسا على الوضوء اتباعا بما روى في ذلك من أحاديث تدل على الضربتين إحداهما للوجه والأخرى لليدين إلى المرفقين ( ).
ويؤيد ذلك العديد من الأحاديث والآثار :
1ـ عن الأسلع بن شريك التميمي خادم النبي قال : كنت أخدم النبي  وأرحل له فقال لي ذات ليلة : ( يا أسلع قم فارحل ) فقلت : يا رسول الله أصابتني جنابة قال : فسكت رسول الله فأتاه جبريل عليه السلام بآية الصعيد فقال رسول الله : ( قم يا أسلع فتيمم ) قال : فقمت فتيممت ثم رحلت له فسار حتى مر بماء فقال لي : ( يا أسلع مس أو أمس هذا جلدك ) قال : وأراني أبي التيمم كما أراه أبوه ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين( )
2ـ عن جابر عن النبي قال : التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين( )
3ـ عن ابن عمر عن النبي قال : التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين كذا رواه علي بن ظبيان مرفوعا ووقفه يحيى بن القطان وهشيم وغيرهما وهو الصواب ( ).
4ـ عن الحسن أنه قال : ضربة للوجه والكفين وضربة للذراعين إلى المرفقين ( )
5ـ عن ابن طاوس عن أبيه أنه قال : التيمم ضربتان : ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين ( ).
6ـ عن أبي أمامة : عن النبي  قال : التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين( ).
المسألة السادسة :الاختلاف في قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى :
اختلف العلماء في خبر الواحد إذا ورد في قضية مما تعم به البلوى ، ويشتهر عادة بين الناس ، هل يصح الاحتجاج به أو لا؟
فأكثر أصحاب أبي حنيفة على أنه لا يقبل ، وأنه منقطع في المعنى ، وإن اتصل سنده ، ويعتبر فاقدا لشرط السلامة من الشذوذ . ( ) وفي ذلك يقول السرخسي في الوجه الثالث من وجوه الانقطاع المعنوي : “هو الغريب ، فيما يعم به البلوى ، ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته للعمل به ، فإنه زيف ؛ لأن صاحب الشرع كان مأمورا بأن يبين للناس ما يحتاجون إليه ، وقد أمرهم بأن ينقلوا عنه ما يحتاج إليه من بعدهم ، فإذا كانت الحادثة مما تعم به البلوى فالظاهر أن صاحب الشرع لم يترك بيان ذلك للكافة وتعليمهم ، وأنهم لم يتركوا نقله على وجه الاستفاضة ، فحين لم يشتهر النقل عنهم عرفنا أنه سهو أو منسوخ . . . وعلى هذا لم نعمل بحديث الوضوء من مس الذكر . ( ) لأن بسرة تفردت بروايته ، مع عموم الحاجة لهم إلى معرفته ، فالقول بأن النبي r خصها بتعليم هذا الحكم مع أنها لا تحتاج إليه ، ولم يعلم سائر الصحابة مع شدة حاجتهم إليه شبه المحال . . . وعلى هذا لم يعمل علماؤنا رحمهم الله بخبر الجهر بالتسمية ، ( ) وخبر رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع . ( ) لأنه لم يشتهر النقل فيها مع حاجة الخاص والعام إلى معرفته” .( )
ويذهب الشافعي وأحمد -ومالك في المشهور عنه- وإسحاق وعامة أصحاب الحديث إلى قبول خبر الواحد في هذه الحال ، والاحتجاج به ، مادام سنده صحيحا .( )
واحتجوا على ذلك بأدلة منها :
1- أن هذا حكم شرعي لا طريق إلى معرفته من طريق العلم ، فيجب فيه قبول خبر الواحد ، كسائر أحكام الشرع .
2- ما تعم به البلوى يمكن أن يثبت حكمه من طريق القياس ، فلأن يثبت من طريق خبر الواحد أولى .
3- وجوب العمل بخبر الواحد قد ثبت بدليل مقطوع به ، وعليه فيثبت به ما تعم به البلوى ، كالقرآن وخبر التواتر .
4- أن الصحابة قد عملوا به فيما تعم به البلوى ، فرجعوا إلى خبر عائشة في الغسل في التقاء الختانين ، ( ) ورجعوا إلى خبر رافع بن خديج في المخابرة . ( )
وعلى هذا : فقد قالوا بالوضوء من مس الذكر ، وبالجهر بالتسمية ، وبرفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه .( )
وأرى أن رأي أصحاب الحديث أصح وأقوم قيلا ، ذلك أنه قد يكثر السؤال والجواب ولا يكثر النقل ، فكثير من أصول العبادات منقولة بطريق الآحاد ، كالأذان ، ومناسك الحج ، وأنصبة الزكاة ، وغيرها ، كما أن كثيرا من المعاملات نقلت أحكامها بطريق الآحاد أيضا ، ولعل الصحابة لم يكثروا من نقلها لاشتهارها بينهم ، وانشغالهم عن الرواية بأمور الجهاد وغيره . ( )
وقد اضطر الحنفية إلى قبول خبر الواحد في كثير مما تعم به البلوى ، بدعوى أنه مشهور ، وليس كذلك ، كخبر وجوب الوتر ، ووجوب المضمضة والاستنشاق في الجنابة . ( )
كذلك فإنه لا يلزم من كونه أمرا تعم به البلوى أن تكثر إشاعته ويتواتر نقله ، اللهم إلا أن يرد فيما يجب على الكافة علمه ومعرفته ، وتدعو الحاجة إلى إظهاره ، فعندئذ لا يمكن قبوله ، كحديث في النص على خلافة فرد بعينه كعلي بن أبي طالب أو أبي بكر أو غيرهما . ( )
كما قد يكون الحديث في حكم من الأمور الشائعة ، ومع ذلك يخفي على كثير من الصحابة ، بل على بعض كبار الصحابة ؛ لكونه ناسخا لحكم سابق من غير أن يعرفوا ذلك ، فيبقون على هذا الحكم السابق ، فهذا زيد بن خالد الجهني يروي أنه سأل عثمان بن عفان : أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمْن؟ قال عثمان : يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ، ويغسل ذكره . قال عثمان : سمعته من رسول الله r . فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب رضي الله عنهم ، فأمروه بذلك . . . الحديث . ( )
وأرى أن الحنفية في استنباطهم لهذه القاعدة من فروع أبي حنيفة قد جانبهم الصواب ، وأنا أبا حنيفة إن كان قد رد النصوص السابقة فليس مرد ذلك إلى كونها وردت آحادا فيما تعم به البلوى ، بل تركها لأدلة أخرى هي عنده أقوى وأثبت .
ففي موضوع مس الذكر احتج أبو حنيفة وأصحابه بحديث قيس بن طلق ، عن أبيه ، قال : قدمنا على نبي الله r ، فجاء رجل كأنه بدوي ، فقال : يا نبي الله ، ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ ، فقال : “هل هو إلا مضغة منه” أو قال : “بضعة منه” .( )
واعتبروا حديث بسرة وغيرها في الباب من الأحاديث المضطربة في أسانيدها ، وأن حديث طلق بن على يرجح عله بموافقته للقياس ، وسبقهم إلى ذلك ربيعة الرأي الذي يقول : “لو وضعت يدي في دم أو حيضة ما نقض وضوئي ، فمس الذكر أيسر أم الدم أم الحيضة؟” . ( )
وموضوع رفع اليدين قد سبق بيان احتجاج أبي حنيفة في محاورته للأوزاعي ، وكيف قدم حديث عدم الرفع على حديث الرفع لفقه الرواة . ( )
وخبر الجهر بالتسمية رده لما ثبت عنده من عدم الجهر ، حتى قال الطحاوي : “وقد جاءت الآثار متواترة عن رسول الله r ، وعن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، رضي الله عنهم ، أنهم كانوا لايجهرون بها في الصلاة” . ثم أورد الأحاديث والآثار الدالة على ذلك . ( )
وهكذا لا تجد شيئا رده أبو حنيفة بحجة أنه مما تعم به البلوى ، بل يرده لثبوت غيره عنده . والله أعلم .
نعم ، يصح الترجيح لأحد الأدلة على الآخر بمثل ذلك ، إذا لم يوجد مرجح أقوى ، والله أعلم .
ما يستفاد من الحديث :
الأولى : فيه دليل على صحة القياس لقول عمار :” فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ” فإنه اجتهد في صفة التيمم ظنا منه أن حالة الجنابة تخالف حالة الحدث الأصغر ، فقاسه على الغسل , وهذا يدل على أنه كان عنده علم من أصل التيمم , ثم أنه لما أخبر به النبي علمه صفة التيمم فإنه للجنابة والحدث سواء .
الثانية : فيه أن رأي عمر وعبد الله رضي الله عنهما انتقاض الطهارة بملامسة البشرتين وإن الجنب لا يتيمم .
الثالثة : قال ابن بطال فيه جواز التيمم للخائف من البرد .
الرابعة : فيه جواز الانتقال في المحاجة من دليل إلى دليل آخر بما فيه الخلاف إلى ما عليه الاتفاق وذلك جائز للمتناظرين عند تعجيل القطع وإلإفحام للخصم .

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*