الثلاثاء , 20 فبراير 2018
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » الاقتصاد الإسلامي » معاملات البنوك وأحكامها الشرعية
معاملات البنوك وأحكامها الشرعية
معاملات البنوك وأحكامها

معاملات البنوك وأحكامها الشرعية

 

د . عطية فياض

أولا : الإيداع .

يقصد بالوديعة المصرفية النقدية ” النقود التي يعهد بها الأفراد أو الهيئات إلى البنك على أن يتعهد الأخير بردها أو برد مبلغ مساو لها إليهم لدى الطلب وبالشروط المتفق عليها مع استحقاق المودع فائدة ثابتة سنوية منسوبة لرأس المال ”

والودائع المصرفية على ثلاثة أنواع :

‌أ-      ودائع ثابتة : أي محددة لأجل معين ، لا يقل عن ثلاثة أشهر ، ولا تسترد قبل انتهاء الأجل ، وتدفع المصارف لأربابها فوائد ثابتة بنسبة معينة فى المائة ، ويزيد مقدار الفائدة كلما زادت المدة المحددة .

‌ب-    ودائع بإخطار : أي لا يستطيع المودع أن يسحب من المصرف ما أودعه إلا بعد أن يخطر المصرف بمدة محددة فى الاتفاق كأسبوعين على الأقل ، ويأخذ المودع فى سبيل هذا الإيداع فائدة تقل نسبيا عن فائدة الإيداع لأجل .

‌ج-     ودائع تحت الطلب , وتسمى حسابا جاريا ، ، حيث يستردها أصحابها متى شاءوا وبدون سابق إخطار ، ولا تدفع المصارف لأصحابها فوائد ،بل أحيانا تتقاضى منهم عمولة مقابل فتح الحساب

وتتفتق أفكار المصرفيات كل وقت لاستحداث صور وأنماط للإيداع بهدف جذب أموال المدخرين ، وتقوم البنوك باستخدام هذه الأموال وإعادة إقراضها للغير ، أو توظيفها فى مشروعات لصالح البنك ، ولا يستحق المودع إلا الفائدة المتفق عليها فقط مع رد المبلغ وفق الشروط المتفق عليها .

التكييف الفقهي والقانوني لعمليات الإيداع المصرفي :

الواقع أن عملية إيداع النقود فى المصارف وفق ما تقدم ليست إيداعا حقيقيا حسب المقتضى اللغوي والشرعي للمصطلح ؛ فاللغة تقتضي أن الإيداع :  دفع مال لآخر ليحفظه ، وفى الشرع لم تخرج عن المعنى اللغوي حيث عرفت بأنها : اسم لعين يضعها مالكها عند آخر ليحفظها.

مقتضى الوديعة فى الفقه الإسلامي :

  •  التزام المودع لديه بحفظ الوديعة ، والالتزام بردها بذاتها ، مما يستلزم أن تصرف المودع لديه فى الوديعة يعتبر خيانة للأمانة ، بينما العرف فى المصارف أنهم يملكون الوديعة ويتصرفون فيها ولا يحتفظون بعينها ويضمنون مثلها .
  •  الوديعة إذا تلفت بقوة قاهرة من غير تعد أو تفريط من المودع لديه فلا ضمان عليه ، بينما العرف فى المصارف أنها ملزمة بردها وضامنة على أي حال .
  •  إذا أفلس المودع لديه فيستحق صاحب الوديعة وديعته ولا تدخل فى أموال المودع لديه لأنه ليس مالكا لها .  أما لو أفلس المصرف فالمودع مجرد دائن عادي يخضع لقسمة الغرماء ، لأن المصرف مالك للوديعة .

وبذلك تخرج هذه العملية عن كونها وديعة إلى قرض من المودع إلى البنك ، والعبرة فى العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني ، فلا يغير من حقيقة هذه العملية أنها قرض تغيير اسمها إلى وديعة وتكييف هذه العملية بأنها قرض شرعا هو نفسه ما ذكره القانون الوضعي وشراحه ، حيث  ذكرت المادة 726مدني ” إذا كانت الوديعة مبلغا من النقود أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال وكان المودع عنده مأذونا له فى استعماله اعتبر العقد قرضا ” ويقول السنهوري فى الوسيط ” وقد يتخذ القرض صورا مختلفة أخرى غير الصور المألوفة من ذلك : إيداع نقود فى مصرف فالعميل الذي أودع النقود هو المقرض ، والمصرف هو المقترض ، وقد قدمنا أن هذه وديعة ناقصة وتعتبر قرضا ”

ويقول د . على جمال الدين عوض فى كتابه ” عمليات البنوك من الوجهة القانونية ” ” إذا نظرنا إلى الحالة الغالبة للوديعة المصرفية وجدناها قرضا ؛ لأن الوديعة تكون بقصد الحفظ ، والمودع لديه يقوم بخدمة للمودع ، فى حين أنه فى القرض يستخدم المقترض مال غيره فى مصالحه الخاصة …”

وحيث إن هذه العملية قرض لا وديعة فيكون استحقاق المقرض ( المودع ) فائدة أو عائدا على ذلك ربا محرما شرعا ، لما سبق ذكره من أدلة على حرمة اشتراط أي زيادة على مبلغ القرض .

حكم الودائع المصرفية ( القروض ) :

يعرف الربا الذي يجري في البنوك باسم ربا الديون أو ربا القروض ، وتعريفه : هو الزيادة على الدين المستحق سواء أكان قرضا أم ثمنا آجلا أم أجرة آجلة  مقابل تأجيله .

وهو الربا الذي كان شائعا في الجاهلية ، ونزلت النصوص بتحريمه ، ومن صوره :

  • الزيادة على الثمن المؤجل إذا لم يقض الثمن عند حلول الأجل .

قال مجاهد – فى الربا الذي نهى الله عنه- كانوا فى الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين ، فيقول له : لك كذا أو كذا وتؤخر عنى فيؤخر عنه ” ، وقال قتادة : ” إن ربا الجاهلية : يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه ” ، وقال زيد بن أسلم ” إنما كان الربا فى الجاهلية فى التضعيف وفى السن ، يكون للرجل فضل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول : تقضينى أو تزيدنى ؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى وإلا حوله إلى السن التى فوق ذلك – إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون فى السنة الثانية ثم حقة ثم جذعة رباعيا ثم هكذا إلى فوق – وفى العين يأتيه فإن لم يكن عنده أضعفه فى العام القابل فإن لم يكن عنده أضعفه أيضا فيجعلها إلى قابل مائتين فغن لم يكن عنده جعلها أربعمائة يضعفها كل سنة أو يقضيه “وقال عطاء” كانت ثقيف تداين فى بني المغيرة فى الجاهلية فإذا حل الأجل قالوا  نزيدكم وتؤخرون فنزلت{ لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } .

  • منها : القرض مع زيادة مشروطة تؤدى دفعة واحدة حين انتهاء المدة 

قال الجصاص ” إنه معلوم أن ربا الجاهلية كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة فكانت الزيادة بدلا من الأجل فأبطله الله تعالى ” وقال فى موضع آخر ” الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به ، هذا كان المتعارف المشهور بينهم ، ولذلك قال الله تعالى { وما آتيتم من ربا ليربو فى أموال الناس فلا يربو عند الله } .

  •  قرض بزيادة تدفع على أقساط شهرية ، ومبلغ القرض ثابت يؤدى عند انتهاء أجله ، فإذا لم يؤد المدين الدين فى موعده زادوا فى مقدار القسط وأخروا مدة الأداء .

 يقول الرازي ” إن ربا النسيئة هو الذي كان مشهورا متعارفا فى الجاهلية ، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا ويكون رأس المال باقيا ، ثم إذا حل الدين طالبوا المدين برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا فى الحق والأجل فهذا هو الربا الذي كانوا فى الجاهلية يتعاملون به ” وقال ابن حجر الهيتمي ” وربا النسيئة هو الذي كان مشهورا فى الجاهلية ؛لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره أي إلى أجل على ان يأخذ منه كل شهر قدرا معينا ورأس المال باق بحاله فإذا حل طالبه برأس ماله فإن تعذر عليه الأداء زاده فى الحق والأجل ” وقال البيضاوي ” كان الرجل منهم يربي إلى أجل ثم يزيد فيه زيادة أخرى حتى يستغرق بالشيء الطفيف مال المديون ”

الحكم الشرعي لربا الديون :

من القرآن الكريم :   قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون . } البقرة 

فقد حصرت الآيات حق الدائن فى رأس المال الذي أقرضه ، أو الذي داين به الغير ، ولا يجوز له عند التوبة إلا استرجاع أصل ماله وأن الزيادة عليه ظلم .  

من السنة :

  • ما ورد فى سنن أبي داود وغيره فى حديث حجة الوداع ، حيث جاء في خطبة الوداع ” وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله ” وقد فسر ربا الجاهلية – كما ذكرنا- بأن جله كان فى الديون والقروض ، وقد وضعه النبي – صلى الله عليه وسلم – وأهدره ولم يعتبره مما يدل على حرمته .
  •  ما رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال ” لا يحل سلف وبيع ، ولا شرطان فى بيع ، ولا ربح ما لم تضمن ، ولا بيع ما ليس عندك ”  ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي – صلى الله عليه وسلم – حرم الجمع بين القرض والبيع ؛ لأنه مظنة زيادة ثمن السلعة المبيعة لأجل القرض فيصير قرضا بزيادة وذلك ربا ، وأولى بالتحريم أن تشترط الزيادة فى القرض صراحة .
  •  وروى الترمذي ” قال إسحق بن منصور قلت لأحمد  : ما معنى نهى عن سلف وبيع ؟ قال : أن يكون يقرضه قرضا ،  ثم يبايعه عليه بيعا يزداد عليه . ويحتمل :  أن يكون يسلف إليه في شيء  ، فيقول  : إن لم يتهيأ عندك فهو بيع عليك  ” 
  •  ما روي عن علي – رضي الله عنه – قال : قال – صلى الله عليه وسلم – ” كل قرض جر نفعا فهو ربا ” وهذا الحديث وإن كان فيه مقال ، إلا أن الأمة تلقت معناه بالقبول ، واعتبره الفقهاء قاعدة عامة فى الباب .
  •  ما رواه مالك فى الموطأ أنه بلغه أن رجلا أتى عبد الله بن عمر فقال  يا أبا عبد الرحمن : إني أسلفت رجلا سلفا واشترطت عليه أفضل مما أسلفته ، فقال عبد الله بن عمر : فذلك الربا . قال : فكيف تأمرني يا أبا عبد الرحمن  ؟ فقال عبد الله : السلف على ثلاثة وجوه : سلف تريد به وجه الله فلك وجه الله ، وسلف تريد به وجه صاحبك فلك وجه صاحبك ، وسلف تسلفه لتأخذ خبيثا بطيب فذلك الربا”   
  •  وفيه  أن عبد الله بن عمر– رضي الله عنه– قال :” من أسلف سلفا فلا يشترط إلا قضاءه ”   قال الباجي فى شرحه ” يريد أن لا يشترط زيادة ولا منفعة ولا شيئا إلا قضاء مثل ما أعطى ”

ومن الإجماع : أجمع العلماء على تحريم أي زيادة على قرض أو دين مقابل تأجيله ونقل الإجماع غير واحد من العلماء المعتبرين ، وقد انتهت إلى ذلك أيضا المجامع الفقهية والمؤتمرات العلمية فى العصر الحديث .

وممن نقل عنهم الإجماع :

à    قال القرطبي عند تفسير قوله تعالى ” من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا : قال أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم – صلى الله عليه وسلم – أن اشتراط الزيادة فى السلف ربا ، ولو كان قبضة من علف ، كما قال ابن مسعود : أو حبة واحدة”

à     قال ابن المنذر :” أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا ”

à          قال ابن قدامة :” وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف ”

à          قال ابن تيمية :” وقد اتفق العلماء  على أن المقترض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حراما ”

à          وقال الشوكاني ” إما إذا كانت الزيادة مشروطة فى العقد فتحرم اتفاقا ”

وبهذا يظهر أن سلف الأمة أجمعوا على تحريمه إجماعا لا شك فيه .

من قرارات المجامع الفقهية المتعلقة بحكم ربا القروض :

صدر قرار مجمع البحوث الإسلامية في  مؤتمره الثاني المنعقد في شهر محرم 1385 هـ ( مايو 1965م ) وفيه : “والفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم ، لا فرق بين ما يسمَّى بالقرض الاستهلاكي ، وما يسمى بالقرض الإنتاجي ( الاستغلالي ) ، وكثير الربا في ذلك وقليله حرام ، والإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة ، والاقتراض بالربا كذلك ، ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه ضرورة ، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير الضرورة ”

كما صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10-16 ربيع الآخر 1406هـ /22 -28 كانون الأول (ديسمبر ) 1985م وجاء في القرار : ” بعد أن عرضت عليه بحوث مختلفة في التعامل المصرفي المعاصر ، وبعد التأمل فيما قدم ومناقشة مناقشة مركزة أبرزت الآثار السيئة لهذا التعامل على النظام الاقتصادي العالمي ، وعلى استقراره خاصة في دول العالم الثالث ، وبعد التأمل فيما جرَه هذا النظام من خراب نتيجة إعراضه عما جاء في كتاب الله من تحريم الربا جزئياً وكلياً واضحاً بدعوته إلى التوبة منه ، وإلى الاقتصاد على استعادة رؤوس أموال القروض دون زيادة ولا نقصان قل أو كثر ، وما جاء من تهديد بحرب مدمرة من الله ورسوله للمرابين .

قرر ما يلي :

أولاً : أن كل زيادة أو فائدة على الدين الذي حل أجله وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله ، وكذلك الزيادة أو الفائدة على القرض منذ بداية العقد . هاتان الصورتان ربا محرم شرعاً .

ثانياً : أن البديل الذي يضمن السيولة المالية والمساعدة على النشاط الاقتصادي حسب الصورة التي يرتضيها الإسلام هو التعامل وفقاً للأحكام الشرعية .

ثالثاً : قرر المجمع التأكيد على دعوة الحكومات الإسلامية ، والتمكين لإقامتها في كل بلد إسلامي لتغطي حاجة المسلمين كي لا يعيش المسلم في تناقض بين واقعه ومقتضيات عقيدته .”

وصدر كذلك قرار عن مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم في دورته التاسعة المنعقدة بمبني رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت12رجب عام1406هـ إلى يوم السبت 29رجب 1406هـ ، وجاء في القرار ”  نظر في موضوع تفشي المصارف الربوية وتعامل الناس معها وعدم توافر البدائل عنها، وهو الذي أحاله إلى المجلس معالي الدكتور الأمين العام نائب رئيس المجلس.

وقد استمع المجلس إلى كلام السادة الأعضاء حول هذه القضية الخطيرة التي يقترف فيها محرم بين ثبت تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع.

وقد اثبتت البحوث الإقتصادية الحديثة أن الربا خطر على اقتصاد العالم وسياسته وأخلاقياته وسلامته، وأنه وراء كثير من الأزمات التي يعانيها العالم، وأنه لا نجاة من ذلك إلا بإستئطال هذا الداء الخبيث الذي نهى الإسلام عنه منذ أربعة عشر قرناً.

ثم كانت الخطوة العملية المباركة وهي إقامة مصارف إسلامية خالية من الربا والمعاملات المحظورة شرعاً.

وبهذا كذبت دعوة العلمانيين وضحايا الغزو الثقافي الذين زعموا يوماً أن تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال الإقتصادي مستحيل، لأنه لا اقتصاد بغير بنوك، ولا بنوك بغير وفوائد، ومما جاء في القرار كذلك أنه

أولاً : يجب على المسلمين كله أن ينتهوا عما نهى الله عنه من التعامل بالربا أخذاً وعطاء، والمعاونة عليه بأي صورة من الصور.

ثانياً  : ينظر المجلس بعين الارتياح إلى قيام المصارف الإسلامية بديلاً شرعياً للمصارف الربوية. ويرى المجلس ضرورة التوسع في إنشاء هذه المصارف في كل الأقصار الإسلامية وحيثما وجد للمسلمين تجمع خارج أقطاره، حتى تتكون من هذه المصارف شبكة قوية تهيء لاقتصاد إسلامي متكامل.

ثالثاً يحرم على كل مسلم يتيسر له التعامل مع مصرف إسلامي أن يتعامل مع المصارف الربوية في الداخل والخارج، إذا لا عذر له في التعامل معها بعد وجود البديل الإسلامي، ويجب عليه أن يستعيض عن الخبيث بالطيب، ويستغني بالحلال عن الحرام.

رابعاً يدعو المجلس المسؤولين في البلاد الإسلامية والقائمين على المصارف الربوية فيها إلى المبادرة الجادة لتطهيرها من رجس الربا.

خامساً : كل مال جاء عن طريق الفوائد الربوية هو مال حرام شرعا، لا يجوز أن ينتفع به المسلم (مودع المال) لنفسه أو لأحد مما يعوله في أي شأن من سؤونه، ويجب أن يصرف في المصالح العامة للمسلمين من مدارس ومستشفيات وغيرها، وليس هذا من باب الصدقة وإنما من باب التطهر من الحرام.

ولا يجوز بحال ترك هذه الفوائد للبنوك الربوية لتتقوي بها، ويزداد الإثم في ذلك بالنسبة للبنوك في الخارج، فإنها في العادة تصرفها إلى المؤسسات التنصيرية واليهودية، وبهذا تغدو أموال المسلمين أسلحة لحرب المسلمين وإضلال أبنائهم عن عقيدتهم، علماً بأنه لا يجوز الاستمرار في التعامل مع هذه البنوك الربوية بفائدة أو بغير فائدة.

كما يطالب المجلس القائمين على المصارف الإسلامية أن ينتقوا لها العناصر المسلمة الصالحة، وأن يوالوها بالتوعية والتفقيه بأحكام الإسلام وآدابه حتى تكون معاملاتهم وتصرفاتهم موافقة لها.”

وأكد على ذلك توصيات ومقررات كثير من المؤتمرات والندوات الفقهية والاقتصادية . 

حكمة تحريم ربا الديون :

مما ظهر لأهل العلم في تحريم ربا الديون من حكم وأسرار ما  يلي : –

‌أ-       فيه ظلم واضح ؛ لأن فيه أخذ مال من غير عوض ، فالمرابي يشارك العامل والتاجر والزارع والصانع ضامنا زيادة ماله وهو آمن بينما غيره كادح وجل متوقع للخسارة فى عمله وماله ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحكمة فى قوله تعالى { وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } فكأن الزيادة على رأس المال ظلم .

‌ب-      يربي الإنسان على الكسل والخمول والابتعاد عن الاشتغال بالمكاسب المباحة النافعة ، لأنه إذا رأى أنه بإيداعه نقوده فى مصرف يحصل به على فائدة ثابتة مضمونة فعل ذلك وخلد إلى الكسل والراحة ، وقد رأينا كثيرا من الفلاحين باعوا أرضهم الزراعية وأودعوا ثمنها فى البنوك وجلسوا مستريحين انتظارا للفوائد التى تدرها عليهم البنوك كل عام .

ج-      يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس ، والتعاون ، والتراحم ، والمواساة ، والإحسان فيما بينهم ، وتكدس الأموال بأيدي نفر قليل من المرابين ، وهذا بلا ريب يورث العداوة ، والبغضاء فيما بين طبقات المجتمع ، ويعمل على تشكيل طبقة ما يسمى بالإقطاعيين والانتهازيين فى مقابل تعاظم طبقة الفقراء .

‌د-      يؤدي  إلى اضطراب اقتصاد الدول ، ففي أوقات الرخاء والوفرة تحرص الدول الغنية على التوسع فى الإقراض ، ثم تحجم عنه في أوقات الركود وإرغام المقترضين على السداد ، وقد حدث مع بداية عهد النفط ووجود وفرة فى الأموال فى خزائن البنوك الغربية أنهم كانوا يمدون الدول بكافة ما يطلبونه من قروض ، ويزينون لهم المشروعات ، ثم بعد ذلك طالبوا منهم القروض مع فوائدها ، وهذه السياسة تهز الكيان الاقتصادي وتسبب له الاضطراب .

ه-     يؤدي إلى تحكم الأغنياء فى الفقراء سياسيا واقتصاديا ، وإرهاق خزانة الدول الفقيرة بالديون المتراكمة وبعدها يتحكمون في مصير الدول كما هو الحاصل الآن .

‌و-      يؤدي إلى ارتفاع الأسعار لإضافة سعر الفائدة إلى تكلفة المنتج ، وبالتالي قلة التوزيع ويحدث الكساد ، وفي المقابل يحجم الناس عن الاقتراض فيحدث سيولة فى البنوك لعدم وجود مشروعات تمول فيحدث التضخم .

ز-      يؤدي إلى اختلال التوازن فى توزيع الثروة وحصرها فى أيدي فئة قليلة وتعميق الهوة بين طبقات المجتمع مما يؤدي إلى إثارة أسباب الفتن والمنازعات والصراع بين الطبقات ، وبالتالي تفشي الجريمة الخلقية والاقتصادية وغيرها ، وتفشي الأمراض التى لها علاقة بهذا الأمر .

هذا وقد صدرت فتاوى وآراء تبيح الإيداع المصرفي وتكيفه على أنه وكالة في الاستثمار

حكم الودائع تحت الطلب :

يطلق على ” الودائع تحت الطلب ” :  الحسابات الجارية ،  ولا يأخذ المودع( المقرض) فائدة مقابل ذلك فلا بأس بها ، والعمولة التى يتقاضاها المصرف مقابل خدماته جائزة أيضا ، حتى ولو كان المصرف يستخدم معظم هذه الحسابات فى أعماله لأن تكييف العملية قرض لا يجر فائدة أو نفعا .

لكن يلاحظ أن إيداع الأموال فى المصارف الربوية يساعدها على استغلالها بالربا ، وهذا فيه عون على الإثم والعدوان ، وعليه لا يلجأ إليها المسلم إلا مضطرا ، وعند عدم الحاجة أو وجود بدائل مشروعة فلا يسوغ له الإيداع بتلك المصارف الربوية .

ثانيا : إقراض البنوك للغير نظير فائدة محددة .

فى الصورة الأولى كان البنك مقترضا والأفراد مقرضون ، وفى هذه الصورة يحدث العكس حيث يقوم البنك بإعادة إقراض الأموال التى فى حوزته إلى الغير أفراد أو مؤسسات بنسبة فائدة أعلى مما يدفعها لأصحاب الودائع ، حيث يمثل الفرق بينهما مكاسب للبنك ، وهذا العمل هو جل أعمال البنوك ، هربا من المخاطرة فى الدخول فى مشاركات أو مضاربات بالأموال .

ومن استعراض المركز المالي الإجمالي  للبنوك التجارية فى مصر نجد أن نسبة ما تقرضه من أموال للغير يزيد على نسبة 80% من جملة استخدامات رأس المال لديها ، وأن النسبة الباقية للاستثمار فى الأسهم والسندات ، ومن المعلوم – كما سنبين – أن الاتجار فى السندات نوع من أنواع الاتجار فى القروض ، ومن هنا يظهر أن الدور الرئيسي للبنوك الربوية هو الوساطة بين المقرضين والمقترضين  .

وأحيانا تحصل البنوك على فوائد لمجرد تعهداتها لعملائها بدفع مبالغ مالية لهم إذا اقتضت الحاجة ذلك ، وهي بذلك تحصل على فوائد لأموال لم تقرضها .

الحكم الشرعي لهذه العملية :

لا يخفى على كل ذي لب مدى تطابق ما تقوم به البنوك فى الصورة المذكورة وصورة الربا الذي كان شائعا فى الجاهلية وجاءت النصوص القرآنية والنبوية بتحريمه تحريما قاطعا .

ثالثا : التعامل فى السندات الربوية بالبيع والشراء سواء كانت حكومية أو غير حكومية ، يتم التعامل فيها مباشرة مع البنوك أو عن طريق بورصة الأوراق المالية .

يعرف السند فى الفقه القانوني الوضعي بأنه :” صك يعطي صاحبه الحق فى الفائدة المتفق عليها إلى قيمته الاسمية عند انتهاء مدة القرض “

ووفقا لهذا التعريف فإن حامل السند يعتبر دائنا للجهة التى أصدرت السند ، فالعلاقة التى تربطه بتلك الجهة علاقة دائنية ومديونية وبالتالي فليس له أي حق فى التدخل أو الاشتراك فى إدارة الشركة .

وتتنوع السندات باختلاف الجهة التى أصدرتها ، والعملة التى يطلب شراء السند بها ، والحقوق التى ترتبها فقد تكون سندات عادية ، أو سندات بعلاوة إصدار ، أو ذات جوائز ، أو ضمان ، أو قابلة للتحول إلى أسهم ، ومدة تسديد قيمة الصك ، وقد يتغير اسمها من سندات إلى صكوك ، أو شهادات إيداع ، أو ادخارية أو استثمار لكنها فى المضمون واحدة أو شبه متقاربة .

والتكييف القانوني لهذه السندات أنها قروض يقدمها مشترى الصك إلى الجهة التى أصدرته مقابل فائدة ثابتة أو متغيرة إضافة إلى قيمة القرض عند انتهاء المدة المتفق عليها .

الحكم الشرعي لهذه العملية :

حيث إن هذه السندات قروض يقدمها المكتتبون أو مشتروها للبنك أو لشركة ما ، وأن مركز حامل السند هو مركز الدائن ، وترتب هذه القروض فوائد لأصحابها فتصبح هذه العملية محرمة شرعا ، وتصبح جميع عملياتها المختلفة من الاكتتاب ، والبيع والشراء ، والدعاية عنها محرمة كذلك .

ولا يؤثر فيما تقدم كون الفوائد فى بعض الحالات متغيرة ؛ لأن هذا لا يغير من مركز حامل السند شيئا فلا يصبح حامل السند ذي الفوائد المتغيرة شريكا يشترك فى الأرباح والخسائر ، كما أن تغير الفوائد لا يرجع إلى اختلاف حجم الأرباح من سنة لأخرى بل إلى ما يحدده البنك المركزي .

وقد انتهى المؤتمر السادس لمجمع الفقه الإسلامي بجدة عام 1410 هـ إلى القرار رقم 62/11/6 بشأن السندات ، فجاء فيه ” السندات التى تمثل التزاما بدفع مبلغها مع دفع فائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط محرمة شرعا من حيث الإصدار أو التداول ؛ لأنها قروض ربوية ، سواء أكانت الجهة المصدرة لها خاصة أو عامة ترتبط بالدولة ، ولا أثر لتسميتها شهادات ، أو صكوك استثمارية أو ادخارية ، أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحا أو ريعا أو عمولة أو عائدا.”

وفى فتوى للشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر فى 14/3/1979 م وفيها ” إن أذون الخزانة ، وسندات التنمية التى تصدرها الدولة بمعدل ثابت من باب القرض بفائدة ، وقد حرمت الشريعة القروض ذات الفائدة المحددة أيا كان المقرض أو المقترض ؛ لأنها من باب الربا المحرم شرعا بالكتاب والسنة والإجماع “

رابعا  :  خصم الأوراق التجارية .

من أعمال المصارف الحالية خصم الأوراق التجارية ذلك أن غالب التجارة قائم على الإئتمان أي أن يبع التاجر بضاعته بثمن مؤجل فلا يستلم قيمتها نقدا وإنما يستلم سندا بوفاء قيمتها بعد مدة ، وقد يحتاج التاجر إلى نقود حاضرة قد تضطره إلى عدم انتظاره تلك المدة فيذهب إلى المصرف لخصم السند حيث يستلم من المصرف قيمته نقدا قبل موعد استحقاقه .

ونبين المراد بالأوراق التجارية ثم التعريف بالخصم وما يتقاضاه البنك مقابل ذلك وأخيرا الحكم الشرعي لهذه العملية .

– تعريف الأوراق التجارية : محررات مكتوبة ، وفقا لأوضاع شكلية حددها القانون ، قابلة للتداول بالطرق التجارية ، وتمثل حقا موضوعه مبلغ من النقود ، يستحق الوفاء بمجرد الاطلاع ، أو فى ميعاد معين ، أو قابل للتعيين ، ويستقر العرف على قبوله كأداة لتسوية الديون شأنها شأن النقود .

ومن أنواعها : الكمبيالات ، السندات ،  الشيكات.

والكمبيالة هي : صك مكتوب يتضمن أمرا صادرا من الساحب ( الدائن ) إلى المسحوب عليه ( المدين ) بدفع مبلغ معين فى تاريخ معين أو قابل للتعيين لإذن شخص ثالث ( المستفيد ) ويذكر فيه أن القيمة وصلت ويوضع عليه تاريخ السحب .

والسندات هي : ورقة تجارية صادرة من المدين فى شكل إقرار ، حيث يتعهد المحرر بدفع مبلغ معين فى تاريخ معين لشخص معين أو لإذنه أو لحامله .

ويتضح مما تقدم الفرق بين الكمبيالة والسند فالكمبيالة يتوقف اعتبارها على قبول طرف ثالث ، أما السند فورقة ثنائية ذات طرفين محرر ومستفيد .

أما الشيكات : أمر من العميل إلى مصرف ليدفع إلى شخص ثالث المبلغ المدون فى الشيك من حسابه فى ذلك المصرف .

ويختلف الشيك عما سبق فى كونه أمرا بالدفع  في الحال ، وغالبا ما يكون المسحوب عليه مصرفا .

– تعريف الخصم: عملية بمقتضاها يعجل البنك إلى المستفيد قيمة ورقة تجارية لم يحل أجلها بعد مقابل تنازل المستفيد للبنك عن ملكية الحق الثابت فيها .

فلو أن شخصا مدينا لآخر بمبلغ من النقود إلى أجل ، وحرر الدائن شيكا بالمبلغ على المدين ، فيستطيع الدائن حامل الشيك الذهاب إلى بنك أو إلى شخص مليء ليقدم له الشيك ويحصل المبلغ المثبت فيه قبل حلول الأجل ، على أن يتنازل الدائن عن الشيك لصالح البنك .

–                           ما يتقاضاه البنك مقابل ذلك :

à          فائدة محددة تحسب من تاريخ الخصم حتى تاريخ استحقاق الورقة التجارية ، فلو أن الدائن قدم الشيك للبنك فى 1/1 وتاريخ استحقاق الشيك فى 1/6 فإن البنك يتقاضى فوائد عن المبلغ الذي قدمه للدائن عن هذه الفترة ، فلو أن الحق الثابت فى الشيك عشرة آلاف دولار مثلا ، وسعر الفائدة السنوي على الإقراض 15% فإن البنك يتقاضى من الدائن 7% .

à                            عمولة مقابل الخدمات التى يتحملها البنك فى عمليات الخصم والتحصيل .

à                            مصاريف التحصيل .

وعلى ذلك ففى مثالنا السابق يحصل حامل الشيك على مبلغ الشيك محسوما منه الفائدة 7% + العمولة ( يحددها البنك حسب ظروف العملية )  وهي تمثل أجرة البنك فيما قام به من عمل + مصاريف التحصيل وهي ما تكبده البنك من مصروفات عملية حقيقية لإجراء العملية

– الحكم الشرعي لهذه العملية :

حصول البنك على أجرته ، وعلى ماتكبده من نفقات لإجراء العملية أمر مسوغ شرعا ، أما الفائدة فلا مسوغ لها شرعا ، أما حصوله على الفائدة  مقابل تلك العملية يجعل مما قام به البنك لصالح المستفيد كأنه قرض قدمه البنك للمستفيد يستحق البنك بموجبه فائدة ويقوم البنك بعد ذلك باسترداد القرض من المدين فى موعده .

وقد أكد هذا التكييف شراح القانون ،  فيقول السنهوري فى مرض حديثه عن صور القرض ” ومن ذلك تحرير كمبيالة أو سند تحت الإذن أو سند لحامله فهذه الأوراق قد تكون قروضا يعقدها من حررها وهو المقترض لمصلحة من حرر له وهو المقرض ”

وبذلك تصبح هذه العملية محرمة شرعا  وذلك لما يلي :

à                 اعتبار هذه العملية قرض من المصرف الخاصم وتوكيلا من المظهر فى استيفاء بدل القرض ممن عليه الدين فإنه يكون قرضا بفائدة ، حيث إن الجزء المخصوم فائدة للمصرف مقابل انتظاره زمن حلول وفائها .

à                 وإن قلنا إن هذه العملية تمثل بيعا للورقة وما فيها دين مؤجل لم يستحق بعد فيكون بيعا للدين لغير من هو عليه ، وكلا الدينين من النقود حيث يجب المماثلة والتقابض فى المجلس – كما سيرد تفصيله فيما بعد – وهذا حرام باتفاق لاشتماله على محظور شرعي وهو الربا .

à                  وإن اعتبرناه حوالة من المُظَهر للمصرف الخاصم على من عليه الدين فهي حوالة غير صحيحة لفوات شرط التساوي بين الدينين ( المحال به والمحال عليه ) لأن ما يدفعه المصرف لمالك الورقة أقل مما يأخذه من المدين المسحوب عليه الورقة .

وقد انتهى المجمع الفقهي فى قراره رقم ( 66/2/7) إلى عدم جواز خصم الأوراق التجارية بالطريقة المذكورة فقال ”  بعد الاطلاع على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع خصم الأوراق التجارية وبعد الاستماع إلى المناقشات التي دارت حوله تقرر :

à                                                الأوراق التجارية ( الشيكات – السندات لأمر – سندات السحب) من أنواع التوثيق المشروع للدين بالكتابة .

à                                                 إن حسم ( خصم ) الأوراق التجارية غير جائز شرعا لأنه يؤول إلى ربا النسيئة المحرم *

àخامسا : الاعتمادات المستندية

يعرف الاعتماد المستندي بأنه ” تعهد من قبل المصرف للمستفيد ( وهو البائع ) على طلب فاتح الاعتماد ( وهو المشتري ) ويقرر المصرف فى هذا التعهد بأنه قد اعتمد تحت تصرف المستفيد مبلغا من المال يدفع له مقابل مستندات محددة تبين شحن سلعة معينة خلال مدة معينة ”

ولتوضيح هذا التعريف نضرب المثال الآتي : تاجر فى مصر باع بضاعة لتاجر سعودي مثلا – حيث لا يحتاج إلى فتح اعتماد إلا فى التجارة الدولية-   وليس بينهما سبق تعامل يؤدي إلى ثقة فيخشى المصري إرسال البضاعة إلى نظيره السعودي ثم لا يدفع له ثمنها ، ويخشى السعودي من إرسال الثمن ولا يستلم البضاعة ، أو يجدها مخالفة للمواصفات ، فيطلب البائع من المشتري توسيط مصرف يثقان به حيث يتعهد المصرف بدفع الثمن المحدد للبضاعة إلى البائع تعهدا مطلقا بشرط تقديم البائع المستندات التالية : أ – مستندات شحن البضاعة فى الميعاد المتفق عليه . ب _ وثيقة تأمين على البضاعة . ج- فاتورة تثبت كمية البضاعة ووصفها وكيفية حساب ثمنها وتكون مطابقة لما ورد فى الاعتماد مطابقة تامة . د – مستندات أخرى تفرضها الأنظمة أو طبيعة العملية.

وبموجب ما تقدم يلتزم المصرف بمجرد تقديم البائع المستندات المذكورة دفع ثمن تلك البضاعة له ، من حساب للمشتري بالمصرف إن كان ،أو أن يكون  دفعها له مقدما وهو ما يسمى بالاعتماد المغطى، وإن لم يكن هذا ولا ذاك فيدفعها المصرف ثم يحصلها منه بعد ذلك ، ويسمى بالاعتماد غير المغطى ، ويستحق المصرف مقابل ذلك فوائد على المبلغ الذي دفعه خلاف تقاضيه أجرا على ما قام به المصرف من الخدمات العملية والتكاليف الإدارية .

الحكم الشرعي لهذه العملية :

à            ما يعتبر أجرا على ما قام به المصرف من جهد فى إتمام هذه العملية لا غبار عليه شرعا ، وكذا دفع ما أنفقه من مصروفات .

à            أما مايأخذه من فوائد عن المبلغ غير المغطى الذي يقوم بتسديده إلى المصدر فهي ربا محرم شرعا ، لأن بمثابة القرض الذي اشترط فيه زيادة .

à             أما إن كان الاعتماد مغطى فما يتقاضاه البنك من عمولات وأجر على قيامه بالعملية فجائز شرعا – كما تقدم – .

سادسا : خطاب الضمان .

تعريف خطاب الضمان : صك يتعهد بمقتضاه البنك المصدر له بأن يدفع مبلغا لا يتجاوز حدا معينا لحساب طرف ثالث لغرض معين ”

وتنشأ الحاجة إلى خطاب الضمان غالبا عندما يجد المرء نفسه مضطرا إلى تقديم ضمان نقدي إلى جهة ما عندما يريد الدخول فى مناقصات توريد أو مقاولات  أو مزايدات حيث تشترط تلك الجهات دفع مبلغ من المال كتأمين فى حالة التخلف عن إنجاز العملية فى وقتها المحدد ، أو وفق المواصفات المتعاقد عليها ، وكذا  ضمانا لجدية العروض المقدمة للحصول على العملية ، وبدلا من دفع نقود يلجأ راغب العملية إلى المصرف لإصدار خطاب ضمان يتعهد لتلك الجهة بالمبلغ المقرر .

وقد يطلب هذا التعهد ضمانا لقيام طالب خطاب الضمان باتخاذ الترتيبات اللازمة عند رسو العملية عليه ، وقد يطلب ضمانا لإيفاء طالبه بالالتزامات المنصوص عليها فى العقد النهائي للعملية المراد القيام بها  .

ونتيجة لهذا الإصدار فإن ثلاث علاقات تنشأ فى هذا الصدد وتتمثل فى :

‌أ- علاقة عميل المصرف بالمستفيد ، وهي علاقة تعاقدية والتى تحدد للعقد المبرم بين العميل والمستفيد ، أو طبقا لتعليمات إدارية تفرضها جهات حكومية ويتولد عنها الالتزام محل الضمان الذي بسببه يصدر خطاب الضمان .

‌ب-  علاقة العميل بالمصرف الضامن ، وتنشأ عن اتفاق بين الطرفين فى مقابل أجر .

‌ج- علاقة المصرف بالمستفيد ، وتبدأ من تعهد المصرف بدفع مبلغ الضمان للمستفيد ، والذي يحصل على هذا الحق بإصدار خطاب الضمان دون تحمل أي التزامات لصالح المصرف .

وقد يكون لطالب الخطاب ودائع نقدية بهذا المصرف تغطي المبلغ المدون فى الخطاب ، ويسمى خطاب ضمان مغطى ، وقد لا يكون للعميل أي حساب بهذا المصرف ويطلب منه إصدار الخطاب لصالحه ويسمى خطاب ضمان غير مغطى .

وقد أصدر المجمع الفقهي قراره رقم (5 ) بخصوص هذا الموضوع وجاء فيه :بعد بحث مسألة خطاب الضمان : وبعد النظر فيما أعد في ذلك من بحوث ودراسات وبعد المداولات والمناقشات المستفيضة تبين ما يلي :

أولا : أن خطاب الضمان بأنواعه الابتدائي والانتهائي لا يخلو إما أن يكون بغطاء أو بدونه فإن كان بدون غطاء فهو ضم ذمة الضامن إلى ذمة غيره فيما يلزم حالا أو مآلا وهذه هي حقيقة ما يعنى في الفقه الإسلامي باسم ) الضمان ( أو ) الكفالة ( وإن كان خطاب الضمان بغطاء فالعلاقة بين طالب خطاب الضمان ومصدره هي 🙁 الوكالة ) والوكالة تصح بأجر أو بدونه مع بقاء علاقة الكفالة لصالح المستفيد ( المكفول له ).

ثانيا : أن الكفالة هي عقد تبرع يقصد للإرفاق والإحسان وقد قرر الفقهاء عدم جواز أخذ العوض على الكفالة لأنه في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان يشبه القرض الذي جر نفعا على المقرض وذلك ممنوع شرعا .

ولذلك فإن المجمع قرر ما يلي : أولا : أن خطاب الضمان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان ( والتي يراعي فيها إعادة مبلغ الضمان ومدته ) سواء أكان بغطاء أم بدونه

ثانيا : أما المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعيه فجائزة شرعا مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل وفي حالة تقديم غطاء كلي أو جزئي يجوز أن يراعي في تقدير المصاريف لإصدار خطاب الضمان ما قد تتطلبه المهمة الفعلية لأداء ذلك الغطاء *

هذا ويلاحظ أن المصارف الربوية فى حالة ما إذا كان خطاب الضمان غير مغطى بالكامل أو كان مغطى ثم انكشف الحساب فيما بعد فإن المصرف فى هذه الحالة يأخذ من العميل فوائد نظير الإقراض.

سابعا – تمويل البنوك لعمليات الشراء الآجل   .

وفي هذه الصورة  يذهب المشتري ( موظف غالبا ) إلى ما يعرف بمعارض السلع المعمرة ، أو إلى الشركات التى تبيع بالتقسيط ، وهذه الشركات متعاونة مع البنوك الربوية حيث يقوم البنك بدفع ثمن السلعة حالا إلى الشركة مالكة السلعة واعتبار هذا الثمن دينا على المشتري ، ويقوم البنك بتحصيل هذا الدين مع زيادة ربوية حسب أسعار الفائدة ، وذلك بعد تقديم المشتري (الموظف )إلى البنك الضمانات الكافية كتحويل الراتب وخلافه ، وقد يستدعي الأمر تحصيل غرامات تأخير من المشتري إن تأخر فى دفع قسط من الأقساط  ، وبهذا يقتصر دور البنك على التمويل فقط ، أما البائع للسلعة فهي الشركة أو المؤسسة المعنية ، والعلاقة بين البنك وبين المشتري علاقة دائن ومدين ، ويتسلم المشتري السلعة من الشركة المعنية

والخطأ الشرعي الفادح فيما تقدم هو أن هذا قرض ربوي من البنك للعميل ، قام البنك بدفعه للشركة مالكة السلعة ، ويحصله البنك من العميل بأكثر مما أعطى للشركة وقد تقدمت الأدلة الدالة على حرمة ذلك .

وعلاجا لما تقدم أن يقوم البنك بشراء السلعة ، ويتملكها أولا ، ثم يقوم بيعها بعد ذلك إلى العميل بالثمن الذي يرتضيه البنك عاجلا أو آجلا مرابحة أو مساومة  ، لتكون العلاقة بين البنك وبين العميل علاقة بائع ومشتر .

ثامنا : صناديق الاستثمار .

الصناديق الاستثمارية : شركات تقوم على تجميع مدخرات الراغبين في استثمار أموالهم في الأوراق المالية أو نشاط استثماري محدد آخر في وعاء واحد توجهه لهذا الغرض ”  وقيل هي ” شركات تتلقى الأموال من مستثمرين من مختلفي الفئات لتقوم باستثمارها في تشكيلات من الأوراق المالية التي تناسب كل فئة ” ([1]) ومؤدى التعريفين واحد .

وتؤسس هذه الصناديق على صفة شركة استثمار ، تشرف عليها جهات حكومية متخصصة لغرض الرقابة والتوجيه ، وتقوم هذه الصناديق بجمع الاشتراكات عن طريق إصدار وحدات استثمارية متساوية القيمة عند الإصدار شبيهة بالأسهم .

ولا تقتصر صناديق الاستثمار العاملة على الأوراق المالية فقط وإنما قد تؤسس صناديق للاستثمار العقاري وغيره  ، وإن كان الغالب هو  مجال الأوراق المالية ، وفي هذه الحالة لا تقتصر على شراء أوراق مالية لشركة واحدة فقط أو من نوع واحد فقط  بل تقوم بالتنويع ، حيث يتشكل الصندوق من أسهم أو سندات شركات مختلفة الأغراض والنشاط ، ومن سائر الأوراق المالية التي يجوز تداولها في البورصة .

وليس من حق المستثمر أن يدعي ملكية أوراق مالية معينة داخل الصندوق وإنما يتمثل حقه في حصة بالصندوق ككل ، ويحصل في مقابلها على شهادة تثبت ذلك تسمى ” وثيقة استثمار ”

مميزات صناديق الاستثمار وسماتها :

أ –  الاستفادة من خبرات الإدارة المحترفة .

في مثل هذه الطريقة الاستثمارية يلقي المستثمر كافة أعباء الاستثمار على إدارة الصندوق ، فهي التي تتخذ القرار الاستثماري بما يتضمنه ذلك من بناء التشكيلة الملائمة ، ومراقبة حركة الأسعار ، ومتابعة مستوى المخاطر وذلك في مقابل حصول الصندوق على أجر مقابل القيام بذلك .

ب-  التنويع الكفء

من أهم السمات التي تميز صناديق الاستثمار هي قدرتها على التنويع الكفء للأوراق التي يتشكل منها الصندوق ، بطريقة تسهم في تخفيض المخاطر التي يتعرض لها حملة الأسهم ، فالتشكيلة تتضمن أوراقا مالية لعشرات الشركات وربما المئات فإذا ما خسرت واحدة ربح الباقي ، ولا يستطيع المستثمر الفرد أن يقوم بمثل ذلك مهما كانت قدراته .

ج ـ  المرونة والملاءمة :

في بعض شركات صناديق الاستثمار يسمح الصندوق للمستثمرين فيه بالخروج منه ، وبيع حصته وفق ضوابط وإجراءات محددة ، وهذه الطريقة تفيد المستثمرين الذين قد تتغير أهدافهم  الاستثمارية عبر الزمن .

د ـ  تنشيط حركة أسواق المال :

ما تقدمه الصناديق من أدوات استثمارية تناسب ظروف المستثمرين ، وانخفاض المخاطر من شأنه أن يشجع المستثمرين قليلي الخبرة والمعرفة ، وكذا محدودي الموارد باستثمار مدخراتهم في هذه الصناديق مما ينشط حركة الأسواق المالية بنوعيها الأولية والثانوية .

أنواع صناديق الاستثمار :

يمكن تصنيف صناديق الاستثمار بحسب الأوراق المالية المكونة للصندوق ، كما يمكن تصنيفها أيضا بحسب الهدف من الصندوق .

وبحسب الاعتبار الأول فإن صناديق الاستثمار تصنف إلى أربع مجموعات :

أ ـ صناديق الأسهم ، وهي تلك الصناديق التي تشتمل على أسهم فقط ، وقد تختلف فيما بينها باختلاف سمات تلك الأسهم ، فهناك الصناديق التي تركز على الأسهم العادية التي تصدرها شركات تتسم بدرجة عالية من النمو ، وأخرى تركز على الأسهم التي تصدرها المنشآت العاملة في مجال صناعة معينة ، وقد تكون بعض هذه الأسهم عادية وأخرى ممتازة .

ب – صناديق السندات .

ويقصد بها الصناديق التي تتكون من سندات فقط ، وتتنوع أيضا هذه السندات باختلاف الشركات المصدرة لها وحجم المخاطر الناجمة عنها .

ج ـ الصناديق المتوازنة .

ويقصد بها تلك التي تشتمل على مزيج من أسهم عادية وأوراق مالية أخرى قد تكون سندات أو صكوك تمويل ذات عائد متغير أو غير ذلك .

د ـ صناديق النقد .

وهي تلك الفئة من الصناديق التي تتكون من تشكيلة من الأوراق المالية قصيرة الأجل التي عادة ما تتداول في سوق النقد من خلال مؤسسات مالية كالبنوك التجارية إضافة إلى بيوت السمسرة المتخصصة في التعامل في تلك الأوراق وذك مثل أذونات الخزانة .

أما صناديق الاستثمار باعتبار أهداف الصندوق فيمكن أيضا تمييز أربعة أنواع منها :

أ – صناديق النمو .

وفيها يهدف القائمون على إدارة الصندوق إلى تحقيق تحسن في القيمة السوقية للتشكيلة التي يتكون منها الصندوق ، ولذا فهي تتكون عادة من أسهم عادية للمنشآت التابعة لصناعات تتسم بدرجة عالية من النمو ن وربما لمنشآت معينة تظهر سجلاتها نموا مطردا في المبيعات وفي الأرباح المحتجزة التي تنعكس آثارها على القيمة السوقية للسهم .

ب – صناديق الدخل .

وتناسب تلك الصناديق المستثمرين الذين يعتمدون على عائد استثماراتهم في تغطية أعباء معيشتهم ، وتشتمل تلك الصناديق على سندات وعلى أسهم منشآت كبيرة ومستقرة توزع الجانب الأكبر من الأرباح المتولدة .

ج ـ صناديق الدخل والنمو .

وتستهدف تلك الصناديق أولئك المستثمربن الذين يعتمدون جزئيا على عائد استثماراتهم في تغطية أعباء المعيشة ، ويرغبون في نفس الوقت في تحقيق قدر من النمو المطرد لاستثماراتهم ؛ ولذا تتكون هذه الصناديق من الأسهم العادية والأوراق المالية ذات الدخل الثابت .

د ـ صناديق إدارة الضريبة .

يقصد بها تلك الصناديق التي لا تجري توزيعات على المستثمرين بل تقوم بإعادة استثمار ما يتولد من أرباح في مقابل حصول المستثمر على أسهم إضافية بما يعادل قيمتها ، وبالتالي لا يخضع المستثمر للضريبة ؛ لعدم حصوله على أرباح نقدية .

 

[1] – د . منير هندي ، إدارة المنشآت المالية ( 322) 

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*