الثلاثاء , 21 نوفمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » مقالات » بأقلامكم » معلم الأجيال ( الكرامة والرسالة )

معلم الأجيال ( الكرامة والرسالة )

بقلم الأستاذ:- أشرف حسن حسين إبراهيم طبل *

الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)

(1)، وأصلي وأسلم على خير المعلمين، سيدنا محمد النبي الهادي الأمين، وارض اللهم عن صحابته والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين، ثم أما بعد،،

أيها الإخوة الكرام، الأساتذة والزملاء الأعزاء، الزميلات الفضليات، أحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

· تحية إلى مربي الأجيال، وعمار المدارس، المستحقون لأجر الجهاد، وشكر العباد، وثواب الله عز وجل يوم الميعاد.

· تحية إلى كل معلم، تحية إلى مَن ينفق مشاعره وأحاسيسه قبل أن ينفق أوقاته،  من ينفق من دمه ونفسه أضعاف ما ينفق من تعليمه وتوجيهه.

· تحية إلى كل معلم قام ويقوم برسالته، فيرد المعوج إلى طريقه، والمنحرف إلى سبيله، والعاق إلى بره، والجافي إلى عقله،  والمفرط إلى صوابه.

· تحية إلى مَن جعل من أبناء الأمة أبناءه، فغدا بهم شفيقاً، وكان بهم رفيقاً.

·  تحية إلى من لم يشغل نفسه بماذا أخذت ؟ ولكنه يسأل نفسه: كم أعطيت ؟ وكم علمت ؟ وكم ربيت ؟ وكم أفدت ؟  وكم نصحت ؟ وكم وجهت ؟.

· فالناس تبني مدائن من تراب، وهو يبني مدائن من فكر وقيم وآداب.

·  سئل معلم عن مهنته، فقال: لا تسأل عن مهنتي، فالكل لاقاني وكان له مني خير لقاء، أمري عناء، وزادي وفاء، ووقتي عطاء، ويكفيني من ذلك شرف مهنتي، وعظيم رسالتي.

أيها الأحبة: إن مهنة التعليم من أشرف المهن قدراً، وأعلاها منزلة، وأعظمها مكانة، فمكانة المعلم مكانة مرموقة؛ لشرف الرسالة التي يحملها، وهي الرسالة التي ورثها عن الأنبياء، كما جاء في الحديث:( إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم )(2).  وهذا من أعظم المناقب لأهل العلم؛ فإن الأنبياء خير الخلق، فوَرثتهم خير الخلق بعدهم.

كما أن الله عز وجل قد ربط شهادتهم بشهادته، قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3).

كما خصهم الله عز وجل بخشيته، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (4).

أيها الأحبة: إنكم تقومون بأشرف رسالة، وأعظم مهمة، إنها مهمة تنشئة الإنسان، وصياغة فكره، وتهذيب نفسه، وتقويم سلوكه.

* فأنتم المرفوعون المأجورون، المرفوعون رتبة ومكانة ومنزلة، والمأجورون ثواباً وفضلاُ: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ (5).

* أنتم الوارثون المورثون، تنقطع أعمال الناس بموتهم ولا ينقطع عملكم، كما جاء في الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له ).

وكما قال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -: ( العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة ).

· فما أعظم دوركم، وما أضخم أمانتكم، وما أجل رسالتكم، فنحن ننتظر عندكم صلاحَ كل فساد، وتصحيحَ كل خطأ، وتقويمَ كل اعوجاج، وإكمالَ كل نقص.

· أيها الأحبة: نريد منكم أن تعرفوا مكانتكم، وأن تدركوا منزلتكم، فأنتم مَن تصلحون الجهالة بالتعليم، وتبدلون الحماقة بالتقويم، وتغيرون الشطط بالاعتدال، وتبطلون الغلو بالتوسط، وتحاربون الرزيلة بالفضيلة، وتدفعون الكسل بالعمل.

· كما نريد أن يدرك المجتمع دوركم ورسالتكم، فيعطيكم قدركم، ويمنحكم حقكم، ويرفع مكانتكم، ويعينكم على أداء واجبكم.

قـم للمعلم ووفـه التبجـيـلا     ***      كاد المعلم أن يكون رسولاً

أعلمت أشرفَ أو أجلَّ من الذي  ***   يبني وينشئ أنفساً وعقولاً

· أيها الأحبة: إن الأمة الحية هي التي تعتني بمعلميها، وتوليهم رعايتها، هذا هو مقياس تقدم الأمم وتحضرها.

· لذلك فإن معظم الدول المحترمة والجادة تهتم أكثر ما تهتم بالمعلم، من حيث تحسين أوضاعه المعيشية والمادية، والاهتمام بوضعه الأدبي والإعلامي؛ حتى يكون قيمة عليا في مجتمعه؛ لأن التقدم الحقيقي مرهون بإيمانه وبحسن رسالته وأهميتها.

· وإن اليوم الذي انتكست فيه المبادئ والقيم، واختلت فيه الموازين، واختلفت فيها المقاييس، واضطربت فيه المعايير هو اليوم الذي انتقصت فيه الأمة من مكانة المعلم وهيبته وكرامته، يوم أن استهانت الأمة بحقوقه المادية، فجعلته في ذيل قافلة الحاصلين على حقوقهم، لم تواز حقهم بعطائهم، ولم تساو أجرهم بمجهودهم.

· ولقد تقدمنا – نحن قائمة التغيير والإصلاح – إلى انتخابات نقابة المعلمين، وشعارنا ( نحمل الخير لكل معلم ) نريد مشاركة لا مغالبة، لا نريد مغنماً ولا مطمعاً، وإنما لنكون لكم خُدَّاماً، وعندكم أجراء، آملين بإذن الله – عز وجل – أن نكون عند حسن ظنكم، وأن نكون أمناء على حقوقكم وأموالكم، وأن نكون فيها من العاملين بقول يوسف عليه السلام: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (6) وسنعمل جاهدين لأمرين أساسيين، هم على قائمة أولوياتنا:

أولاً: نريد أن تعود للمعلم مكانته وهيبته وكرامته: هذه المكانة التي كانت للمعلم يوم جعلت أبناء الملوك والأمراء يتسابقون لإلباسه نعليه، كما فعل أولاد خليفة المسلمين هارون الرشيد مع الكسائي، فقد نظر هارون الرشيد يوماً وقد رأى ولديه الأمين والمأمون يتسابقان لإلباسه نعليه، فقال له هارون الرشيد: مَن أفضل الناس يا كسائي ؟ فقال الكسائي: أو غيرك يستحق الفضل يا أمير المؤمنين ؟!

فقال هارون الرشيد: ( إن أفضل الناس من يتسابق أبناء خليفة المسلمين لإلباسه نعليه ).

نريد للمعلم أن تعود له هيبته وكرامته، هذه الهيبة التي حفظها الشافعي لأستاذه مالك حين قال:    ( كنت أتصفح الورقة بين يدي مالك – رحمه الله – تصفحاً رقيقاً، لئلا يسمع وقعها ).

هذه الهيبة والكرامة التي لما حفظها الشافعي لأستاذه مالك حفظها له تلميذه الربيع المرادي حينما قال:  ( والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ؛ هيبة له ).

ثانياً: أن يحصل المعلم على استحقاقاته المادية: ليعيش حياة كريمة تليق بمكانته كمربي للأجيال، ومؤسس لمجد الأمة ونهضتها، فلا يستجدي من أحد.

· لقد آمنا إيمانا لا جدال فيه ولا شك معه، واعتقدنا عقيدة أثبت من الرواسي وأعمق من خفايا الضمائر بأن المعلم إذا حصل على حقه المادي فسوف يعطي لهذه الأمة العطاء الكثير، والخير الوفير، كما نعتقد أن حصوله على حقه المادي هو السبيل الوحيد لكي يستعيد مكانته وكرامته وعزته كصاحب رسالة، عندئذ ستجد معلماً  يمد رجليه ولا يمد يديه، كما فعل العالم سعيد الحلبي المعلم بالمسجد الأموي عندما دخل إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا المسجد الأموي، فالتف الناس حوله إلا سعيداً، ظل جالساً ممدداً رجليه، فسأل إبراهيم عنه، فقالوا: إنه سعيد الحلبي، فأرسل إليه مع أحد خدامه بألف ليرة ذهبية، فقال سعيد للغلام: قل لسيدك إن مَن يمد رجليه لا يمد يديه.

· إننا نؤمن كذلك بأن المعلم سيكون متفانياً في العطاء، قادراً على البناء، إذا توفر له أمران: الأمن والكفاية: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (7).

· دخلت جارية على محمد بن الحسن الشيباني فقالت له: يا سيدي، لقد فني الدقيق، فقال:     (قاتلك الله، لقد أذهبت من رأسي أربعين مسألة)، فلا أزمة أعنف من أزمةِ الرغيف، ولا عضة أقوى من عضة الجوع.

ولذلك قال الشاعر:

إن المعـلـم والطبيب كليهما    ***    لا ينصحان إذا هما لم يكرمـا

فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه    ***    واقنع بجهلك إن جفوت معلماً

أيها الأحبة: سيظل المعلم وهو الركيزة الأساسية وصاحب الدور الحيوي والمحوري في تغيير الأوضاع، وفي صناعة مستقبل أفضل لأي أمة؛ بفضل حسن صنيعه مع الأجيال، وستظل الآمال معقودة عليه في القيام بالنهضة الحقيقية لأجيالنا وأمتنا؛ فإن معيار تقدم أي أمة مرتبط بمنظومة القيم التي يتبناها المعلمون الجادون الصادقون.

أيها الأحبة: ليعلم كل منكم مكانته وإن جهلها الناس، وأن يدرك كل منكم قدره وإن تنكر له الناس، ويكفي أن رب الناس يعلم مكانتكم وقدركم، فأنتم الرواد في دنيا الناس:

أنا رائـد والرائـدون لهم حديـث ذو شجـون

أبني ومن في الناس من يبني كمثلي في سكون

ولسوف يسمع صوتي المبحوح يوماً مخلصون

أنا مشعل يهدي البراعم في طـريقهم الطويـل

أنا سـلـم تجتـازه الأجيال جـيـلاً بعد جيل

أنا والجنود المخلـصـون برغـم كثرتهم قليل

والله ولي التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

——————————————————————————–

 [1]  – سورة المجادلة الآية ( 11 ).

 [2] – رواه احمد في مسنده ج 5 ص ( 196 )، وأبو داود رقم ( 3641 ).

 [3]  – سورة آل عمران الآية ( 18 ).

 [4]  – سورة فاطر الآية ( 28 ).

 [5]  – سورة المجادلة الآية ( 11 ).

 [6]  – سورة يوسف الآية ( 55 ).

 [7]  – سورة قريش، الآية ( 4 ).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* المرشح لمقعد نقيب المعلمين– قائمة التغيير والإصلاح.  

Print Friendly

تعليق واحد

  1. بارك الله فيكم دكتور اشرف طبل ونفع بعلمكم يارب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*