الأربعاء , 13 ديسمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » مقالات » بأقلامكم » مقومات النصر في ظلال الهجرة (2)
مقومات النصر في ظلال الهجرة (2)
مقومات النصر في ظلال الهجرة

مقومات النصر في ظلال الهجرة (2)

د / صلاح محمد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
مقومات النصر في ظلال الهجرة
الجهاد والتضحية “
ولقد وصف الله تعالى جهاد وتضحية المهاجرين بقوله
{الَّذِينَ آمَنُوا وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُون} (التوبة: 20)،
وفي قوله {لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ والْمُهَاجِرِينَ والأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة: 117)،
وهذا يتطلَّب منا أن نكون أصحاب جهاد وعطاء وبذل وتضحية
حتى نبلغ الغاية ونحقق الأهداف ويتحقق النصر بإذن الله
{والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ} (العنكبوت: 69).

الصبر والثبات “
لقد تعرض النبي- صلى الله عليه وسلم- والصحابة الكرام قبل الهجرة
إلى كثير من الإيذاء والاضطهاد، ومحاولة صدهم عن دينهم،
ورغم هذا كله لم تلِنْ لهم قناة، وظلوا على الحق ثابتين وعلى الابتلاء صابرين حتى أذِن الله لهم بالهجرة،
ولقد وعدهم الله تعالى بعظيم الأجر والثواب في الدنيا والآخرة؛
جزاءً لصبرهم وثباتهم
{والَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ولأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ* الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (النحل: 41- 42).
والآن تتعرض الأمة الإسلامية إلى كثير من المحن والابتلاءات والتي تحتاج منا إلى الشعور بالمسئولية الضخمة التي تقع على عاتقنا، كما تحتاج إلى الصبر والثبات؛ حتى نستطيع أنَّ نرد كيد الكائدين، ونرفع راية الإسلام عاليةً.
الإعداد والتخطيط “
إن التخطيط جزءٌ من السنة النبوية واتخاذ الأسباب أمر ضروري وواجب،
ولقد أعد النبي- صلى الله عليه وسلم- للهجرة
واتخذ من الأسباب والوسائل التي تؤدي إلى نجاحها،
فبعد أن اتخذت قريش قرارَها بقتل النبي- صلى الله عليه وسلم-
أذِن الله لنبيه بالخروج وحدد له وقت الهجرة، بعد ذلك ذهب النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى أبي بكر- رضي الله عنه- وأعد معه مراحل وخطوات الهجرة.
ولما كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يعلم أن قريشًا ستجدُّ في الطلب سلك النبي- صلى الله عليه وسلم- الطريق الذي لا يخطر ببالهم جنوب مكة،
رغم وعورة الطريق وصعوبة السير فيه،
ومن هذا نستخلص أهمية التخطيط والإعداد والترتيب الجيد لكل أعمالنا،
مع بذل كل الجهد وتحمل المشاقّ في سبيل الوصول إلى أهدافنا القريبة والبعيدة.

التنظيم الدقيق والتوظيف الأمثل “
لقد استطاع النبي- صلى الله عليه وسلم-
أن يوظِّف كلَّ فرد في العمل المناسب له،
والذي يجيد القيام به على أحسن وجه، كما كان للشيخ والشاب والمرأة والغلام والخادم دورٌ محددٌ؛ مما جعل من هؤلاء الأفراد وحدة متعاونة
لتحقيق الهدف الكبير، وكلٌّ ميسَّر لما خلق له.
ومن هنا نتعلم أهمية معرفة الكفاءات والقدرات،
وكيفية توظيفها لخدمة الإسلام بشكل متناسق ومتكامل؛
مما يجعل لجميع الشرائح الاجتماعية دورًا محددًا في بناء الأمة والنهوض بها.

الحب والأخوَّة الصادقة “
وتتجلى معاني الحب العميق
من خلال مواقف أبي بكر الصديق مع الرسول الأمين أثناء الهجرة
في خوفه وإشفاقه على حياة النبي- صلى الله عليه وسلم-
وحرصه على ألا يُصاب النبي بأذى،
ولما انتهَيا إلى الغار قال أبو بكر- رضى الله عنه- للنبي- صلى الله عليه وسلم-: “والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك“.
وكذلك تظهر مشاعر الحب الصادق والفرحة الغامرة عند استقبال أهل المدينة من المهاجرين والأنصار للنبي- صلى الله عليه وسلم- بعد وصوله إليهم سالمًا.
كما تظهر معاني الأخوَّة الصادقة بين المهاجرين والأنصار؛
حيث التقت تلك القلوب والأرواح على رباط العقيدة والحب في الله، فنرى نماذج فريدة من إيثار الأنصار وعفة المهاجرين
{والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} (الحشر: 9).
ولقد كان للعقيدة الصحيحة السليمة أثرٌ كبيرٌ في تحقيق التآلف والترابط بين القلوب والأرواح كما ظهر هذا جليًّا في الجمع بين الأوس والخزرج بعد طول ثأر ومعارك بينهما { لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال: 63).
وهذا يتطلَّب منا أن نعمل على تقوية صلة الحب والأخوَّة الصادقة فيما بيننا، فهي أساس لقوة المسلمين ووحدتهم.
الأمانة والوفاء “

وهكذا تظهر متانة الخلق عند الشدائد، ويتجلى خلق الأمانة في أمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- لعلي- رضي الله عنه-
بتأدية الأمانات لأصحابها في مكة، على الرغم من الإيذاء والظروف القاسية التي تعرض لها النبي- صلى الله عليه وسلم.
لقد كان درسًا بليغًا في أداء الحقوق والأمانات حتى ولو كان الإنسان في أصعب الظروف، كما يتجلى خلُق الوفاء والحب للوطن فيما عبَّر عنه النبي- صلى الله عليه وسلم- بقوله عن مكة:
“والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت”،
ورغم أن النبي- صلى الله عليه وسلم- خرج منها مهاجرًا بعد سلسة من الاضطهاد والعناد من قريش إلا أنَّه ظل وفيًّا ومحبًّا لها.

لعلنا نستفيد من هذه المواقف،
ونتعلم كيف يكون الدعاة والمصلحون أوفياءَ لربهم ودينهم ودعوتهم،
كما هم أمناء لشعوبهم وأوطانهم وأمتهم.
إنَّ مقومات النصر التي نلتمسها في ظلال ذكرى هجرة النبي- صلى الله عليه وسلم- وصحبه الكرام جديرٌ بنا أن نعمل على ترسيخها في نفوسنا ونفوس أبناء أمتنا؛ حتى نكونَ بإذن الله وفضله من الذين صدق فيهم قول الله تعالى: {والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأَنصَارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ وأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ} (التوبة: 100).

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*