الثلاثاء , 21 نوفمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » مصطلح الحديث » مناهج المحدثين
مناهج المحدثين
الأدب الإسلامي تعريفه وخلفيته

مناهج المحدثين

تعريف مناهج المحدثين

“مناهج المحدثين “مركب إضافي يحتاج لتعريف جزأيه المضاف والمضاف إليه قبل تعريفه.

فالمناهج: جمع مَنْهَج ومنهاج ونَهْج، ومعناه: الطريق الواضح.

ونَهَج الطريق: أبانه وأوضحه، ونهج الطريق أيضا: سلكه.

وانتهج الطريق: استبانه، واستنهج الطريقُ: صار نهجا.

ونَهَجَ فلانٌ  سبيل فلان: سلك مسلكه.

وأنْهَجَ الطريقُ: وضح قال يزيد بن حذاق الشني:

ولقد أضاء لك الطريقُ وأنهجت             منه المسالكُ والهدى يُعدِي

والنهَجَ – بالتحريك -: البُهْرُ وتتابعُ النفَس، وفعله: نَهِج من باب فَرح وطَرِب، ومشى حتى أنْهِج: لهث من البُهْر، وأتانا فلانٌ  ينهج: إذا أتى مبهوراً مقطوع النَّفَس، وأنهج الدابةَ: سار عليها حتى انبهرت، وأنهج الثوبَ وأنهجه البِلى: أخْلَق، ونهج – بفتح الهاء وكسرها وضمها – الثوبُ: بلى، وضربتُه حتى أنهج: أى سقط ([1]).

وعلى هذا فالمناهج هي: الطرق والسبل الواضحة المسلوكة، حِسِّيَّة كانت أو معنوية.

وفي القرآن الكريم ] لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًوَمِنْهَاجاً[ (المائدة: 48)

والمحدِّثون: جمع محدِّث، ورجل محدّثٌ، وحَدُثٌ  – بفتح فضم -، وحدِث، بفتح فكسر – وحِدْثٌ  – بكسر فسكون -، وحِدّيث – كسكين -: كل ذلك بمعني واحد: أى كثير الحديث، حسن السياق له ([2]).

والمقصود بالمحدِّث في اصطلاح العلماء: من له عناية بحديث رسول الله r روايةً ودرايةً ودراسةً وتعليما وتصنيفا وتدوينا وتأليفا.

قال تاج الدين السبكى في كتابه “معيد النعم”:

“المحدِّث: مَنْ عَرَف الأسانيدَ والعللَ، وأسماءَ الرجال، والعالىَ والنازلَ، وحفظ مع ذلك جملةً مستكثرةً من المتون وسمع الكتب الستة ومسند أحمد بن حنبل وسنن البيهقى ومعجم الطبراني، وضم إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية.

هذا أقل درجاته، فاذا سمع ما ذكرناه، وكتب الطباق، ودار على الشيوخ، وتكلم في العلل والوفيات والمسانيد، كان في أول درجات المحدِّثين، ثم يزيد الله من يشاء مايشاء”([3]).

وقال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس: “وأما المحدث في عصرنا فهو: من اشتغل بالحديث روايةً ودرايةً، وجمعَ رواةٍ، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك، حتى عُرِف فيه خطه، واشتهر فيه ضبطه.

فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيوخَ شيوخه، طبقةً بعد طبقة، بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقه اكثر مما يجهله منها، فهذاَ هو الحافظ”([4]).

وعادة ما يطلق على المشتغلين بالحديث أيّا كانت درجاتهم فيه أنهم محدثون.

وعلى ذلك فيمكننا أن نقول في تعريف “مناهج المحدثين “:

إنها هي الطرائق الواضحة التي أوضحها وسلكها المشتغلون بالحديث روايةً ودرايةً في تعاملهم مع السنة، وعرضهم إياها في مناحيها المختلفة، بعلومها المتعددة، مسندة كانت أو غير مسندة، مستوعبة لجميع أبوابها أو مقتصرة على بعضها، مبينة درجة الصحة أو غير مبينة([5]).

وبعبارة أخرى: هي الطرق والسبل التي سلكها المحدثون لصيانة السنة والذب عنها أمام تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وكذلك الطرق أو السبل التي ساروا عليها في التأليف، والتصنيف، والنقد، مع تقييم هذه الطرق أو هذه السبل تقييما موضوعيّا، مجرداً عن الهوى والعصبية([6]).

وقد مرت هذه المناهج بأدوار وأطوار متعددة من لدن صاحب الرسالة إلى يومنا هذا، من حفظ للسنة في الصدور، وتدوينِ لها في الصحف، وجمع لمنثورها، وتهذيب لكتبها، ونفي لما اندسَّ فيها، واستنباط من عيونها، وتأليف بين كتبها، وشرح لغامضها، ونقد لرواتها، إلى غير ذلك مما يعرفه القائمون على خدمتها، والعاملون على نشر رايتها([7]).

قام بذلك كله أئمةٌ أعلام بذلوا جهوداً جبارةً في العناية بالسنة، سنشير إلى بعضها باختصار في الفصل التالي.

نظرة إجمالية على جهود العلماء

في العناية بالسنة والمناهح التي سلكوها لذلك

لقد عرف العلماء قيمة السنة المطهرة في الإسلام، ولذلك أوْلَوْها عنايةً فائقةً، في مختلف العصور، من لدن القرن الأول إلى يومنا هذا، إذْ توافروا عليها حفظا، وجمعا وتدويناً وتصنيفا، كما اجتهدوا في معرفة الرواة وتمييز الصحيح من السقيم، وتسابقوا في خدمة السنة، واستكثروا من الدراسات الدائرة حولها: سنداً ومتنا، رواية ودرايةً، حتى إنَّ الناظر إلى جهودهم في ذلك ليقف منبهراً بما كانوا عليه من همم عاليةٍ وعزائمَ ماضيةٍ في العمل للسنة الكريمة.

وإن الإنسان لتزداد دهشته وهو يستعرض تلك العلوم الكثيرة التي اهتم بها العلماء لتخدم سنة رسول الله r، فكان من نتاجها تلك المكتبة الحديثية الضخمة التي لا يتسع عمر المرء لقراءتها؛ بَلْهَ استيعابها.

وكانت مناهجهم في الرواية والنقد والتصنيف من الدقة والعمق، بحيث لم تلحق بها ثقافةٌ من الثقافات في القديم والحديث.

ويوضح القاضي أبو محمد الرامهرمزي بعض جوانب هذه الدقة، وهو يرد على من يتهم المحدثين بالجهل وضعف العقل، فيقول:

“وكان الحسن بن علي السراج يقول: “يزعمون أن أصحاب الحديث أغمار وحملة أسفار”وكيف يلحق هذا النعتُ قوما ضبطوا هذا العلم حتى فَرقوا بين الياء والتاء؟

– فمن ذلك أن أهل الكوفة رووا حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن المستورد بن شداد: أن النبي r قال: “ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضرب أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع “([8])

فقالوا: ترجع، بالتاء؟ جعلوا الفعل للأصبع وهي مؤنثة. وروى أهل البصرة عن إسماعيل هذا الحديث فقالوا: يرجع بالياء؟ جعلوا الفعل لِلْيَمِّ.

قالى القاضي (الرامهرمزي): وضبطوا الحرفين يشتركان في الصورة، يُعْجَم أحدهُما، ولا يُعْجَم الآخر.

-كقوله عليه السلام: “ينضح على بول الصبي”([9]) بالحاء غير معجمة، وفي الحديث الآخر: نضخه بالماء، بالخاء، والنضخ بالخاء معجمة فوق النضح ([10]). وأخبرنا أبو خليفة أن التوَّزِي قال: النضخ مجتمع، والنضح متفرق. وكذلك: النهش، والنهس، بالشين والسين ([11])، والرضخ، والرضح،([12]) والقبض والقبص ([13]).

– وحفظوا من قال: “كيف أنت إذا بقيتَ في حُفَالة من النَّاس “([14]) بالفاء، ومن قاله بالثاء([15]).

– ومن روى: (رحمة مهداة) ([16]) بكسر الميم، من الهداية، ومن رواه بالضم من الهديَّة.

– والنهي عن المخاضرة([17])بالضاد،وهي: بيع البقل والكراث قبل أن يجزّ جزة.

– وعن المخاصرة بالصّاد غير معجمة، وروى أيضا الاختصار([18])، وهو أن يمسك الرجل يده على خاصرته في الصلاة.

– ونهي عن القَزَع، ([19])بالقاف والزاى المعجمة، وهو أن يحلق رأس الصبي، ويترك وسطه.

17- وعن الفَرع، ([20]) بالفاء والراء غير معجمة، وهو ذبائحهم لآلهتهم.

– وعن القَرعْ، ([21])بالقاف والراء غير مجمعة، وهو الانتباذ في القرع، يعني ظرف الدباء.

وضبطوا اختلاف حركة الأسماء المتفقة صورها، فُميِّز عَبيدة من عُبَيْدة، وعُمَارة من عِمارة، وعُبادة من عَبادة، وحَبَّان من حِبان، وسُليم من سَليم، ومَعقل من مُعقل، ومَعْمَر من مُعَمَّر، وحَبِيب من حبُيَبْ، وبَشِير من بُشيَر. وتوصلوا إلى معرفة الأسماء والألقاب والأنساب، فقالوا، فلان البدري شهد بدراً، وأبو مسعود البدري كان ينزل ماء بدر، وليس ممن شهد بدراً، وفلان القارئ، من قراءة القرآن، وعبد الرحمن بن عبد القارِي، من القارة، وهم بنو الهون بن خزيمة، وعمير مولى آبي اللحم، على وزن فاعل، من الأباة، لأنه كان يأبى أن يأكل اللحم، فلُقِّب به، وليس بكنية، ويزيدٍ الفقير، كان يألم فِقار ظهره حتى ينحني لها، وليس من الفقر.

وعمار الدُّهَني، مفتوح الهاء من بني دُهَن، حي من بَجِيلة، وهم أحمس بن الغوث بن أنمار بن أراش بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، وبجيلة: أم، فنسب ولدها إليها… “([22]).

ثم أخذ القاضي الرامهرمزي يعرض شيئا كثيراً من دقة معرفتهم بالرواة؛ وتمييزهم الأنساب والألقاب والكنى المشتبهة، سواء الذين جمعتهم كنية واحدة أو اسم واحد أو لقب واحد، وهم من عصر واحد، وعاشوا في بلد واحد، وسمعوا من شيوخ مشتركة، وروى عنهم تلاميذ مشتركون، إلى غير ذلك من ضروب معرفتهم بالمُشْكِل مًن الأسماء وغيرها، مما يدل على ذهنٍ  دقيقٍ، وتمحيصي قوي، وتحقيقٍ  رائع، ثم علَّق قائلاً:

“فهذا باب من العلم جسيمٌ، مقصورٌ علمُه على أهل الحديث الذين نشأوا فيه، وعُنُوا به صغاراً، فصار لهم رياضة، ولا يلْحَق بهم مَنْ يتكلَّفُه على الكبر”([23]).

من مناهج العلماء في التصنيف في الحديث وعلومه

حتى تتضح بعض جوانب تلك الجهود الجبَّارة التي بذلها العلماء أُوَجِّهُ القارئ الكريم إلى أن يتصفح كتاب “الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة”للعلامة محمد بن جعفر الكتانى (ت 1345 هـ)، وسوف أستعرض هنا عناوين مناهج التأليف في السنة وعلومها، ليتضح شيء من جوانب هذا الكنز الثمين.

فبعد أن ذكر أنَّ أول من دَوَّن الحديثَ هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهرى (ت 124 هـ)، ثم كثر من بعده التدوين والتصنيف؛ أخذ يعدد جوانب التصنيف في الحديث على النحو التالي:

ا) من العلماء من صنَّف في الصحيح المجرَّد، كالبخاري ومسلم وغيرهما، أو كتب التزم أصحابها فيها الصحة، كصحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان وغيرهما.

2) ومنهم من صنَّف مستخرجات على الصحيحين، والمستخرج عندهم: أن يأتي المصنف إلى الكتاب، فيخرج أحاديثَه بأسانيدَ لنفسه، من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه أو فيمن فوقه، ولو في الصحابي، مع رعاية ترتيبه وتبويبه ومتونه وطرق أسانيده، وذلك كمستخرج الإسماعيلي على البخاري، وأبي عوانة على مسلم.

3) ومنها كتب تعرف بالسنن، وهي في اصطلاحهم: الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية من الإيمان والطهارة والصلاة والزكاة إلى آخرها، وليس فيها شيء من الموقوف؛ لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سنة، وذلك كالسنن الأربعة المشهورة وغيرها.

4) ومنها كتب تعرف بكتب السنة، وهي الكتب الحاضة على اتباعها والعمل بها، وترك ما حدث بعد الصدر الأول من البدع والأهواء، ككتاب “السنة”للإمام أحمد، وكتاب “السنة”لابن أبي عاصم، وغيرهما.

ه) ومنها كتب مرتبة على الأبواب الفقهية، مشتملة على السنن، وما هو في حيِّزها، أَوْ لَه تعلقُ بها، بعضُها يسمى مصنَّفا، وبعضها جامعا، كمصثَف ابن أبي شيبة، ومصنّف عبد الرزاق، وغيرهما.

6) ومنها كتب مفردة في أبواب مخصوصة، ككتاب التصديق بالنظر للّه للآجُرِّى، والإخلاص لابن أبي الدنيا، وغيرهما.

7) ومنها كتب مفردة في الآداب والأخلاق والترغيب والترهيب والفضائل ونحو ذلك، ومنها أربعون كتابا لابن أبي الدنيا وحده.

8) ومنها كتب ليست على الأبواب، ولكنها على المسانيد، جمع مسند، وهي الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدة، صحيحا كان أو حسنا أو ضعيفا، مرُتَبين على حروف الهجاء في أسماء الصحابة، أو على القبائل، أو السابقة في الإسلام، أو الشرافة النسبية، أو غير ذلك، وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحابي واحد، كمسند أبي بكر، أو أحاديث جماعة منهم، كمسند الأربعهّ أو العشرة، أو طائفة مخصوصة جمعها وصف واحد، كمسند المُقِلين، ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر، إلى غير ذلك.

9) ومنها كتب في التفسير ذكرت فيها أحاديث وآثار بأسانيدها، كتفسير ابن أبي حاتم، وعبد الرزاق، وغيرهما.

10) ومنها كتب في المصاحف والقراءات، فيها أيضا أحاديث وآثار بأسانيد، ككتاب المصاحف لابن أبي داود، والمصاحف لابن الأنبارى، وغيرهما.

11) ومنها كتب في الأحاديث القدسية الإلهية الربانيَّة، وهي المسندة إلى الله  تعالى بأن جُعلت من كلامه سبحانه، ولم يقصد إلى الإعجاز بها، كالأربعين الإلهية لأبي الحسن االمقدسي، وككتاب: مشكاة الأنوار في ما روي عن الله سبحانه وتعالى من الأخبار لابن عربي، وغيرهما.

12) ومنها كتب في الأحاديث المسلسلة، وهي التي تتابع رجال إسنادها على صفة أو حالة، كالمسلسل بالأولية لأبي طاهر السِّلفي وغيره.

13) ومنها كتب في المراسيل، ككتاب المراسيل لأبي داود، والمراسيل لابن أبي حاتم الرازي، وغيرهما.

14) ومنها أجزاء حديثية، والجزء عندهم: تأليف الأحاديث المروية عن رجل واحد من الصحابة أو من بعدهم، وقد يختارون من المطالب المذكورة في صفة الجامع مطلبا جزئيا يصنفون فيه مبسوطا، وفوائد حديثية أيضا، ووحدانيات، وثنائيات إلى العشاريات وأربعونيات وثمانونيات والمائة والمائتين وما أشبه ذلك، وهي كثيرة جدا.

15) ومنها كتب في الشمائل النبوية والسير المصطفوية، ككتاب الشمائل للترمذي والسير لابن إسحاق، وغيرهما.

16) ومنها كتب في أحاديث شيوخ مخصوصين من المكثرين، كأحاديث الأعمش لأبي بكر الإسماعيلي، وأحاديث الفضيل بن عياض للنسائي وغيرهما.

17) ومنها كتب في جمع طرق بعض الأحاديث، كطرق حديث “إن للّه تسعة وتسعين اسما”لأبي نعيم الأصبهاني، وطرق حديث الحوض للضياء ا المقدسي.

18) ومنها كتب في رواة بعض الأئمة المشهورين، أو في غرائب أحاديثهم ككتاب تراجم رواة مالك للخطيب البغدادي، وغرائب الصحيح وأفراده للضياء االمقدسي وغيرهم.

19) ومنها كتب في الأحاديث الأفراد، جمع فرد، وهو قسمان: فرد مطلق وهو: ما تفرد به راويه عن كل أحد من الثقات وغيرهم، بأن لم يروه أحد مطلقا إلا هو، وفرد نسبي وهو: ما تفرد به ثقة بأن لم يروه أحد من الثقات إلا هو، أو تفرد به أهل بلد بأن لم يروه إلا أهل بلدة كذا، كأهل البصرة، أو تفرد به روايه عن راو مخصوص بأن لم يروه عن فلان إلا فلان، وإن كان مرويا من وجوه عن غيره. ومن الكتب في الأفراد: كتاب الأفراد للدارقطني، والأفراد لأبي حفص بن شاهين، وغيرهما.

20) ومنها كتب في المتفق لفظا وخطا من الأسماء والألقاب والأنساب ونحوها وهو مفترق معني، وفي المؤتلف أى المتفق خطا منها، وهو مختلف لفظا، وفي المتشابه المركب من النوعين، وهو المتفق لفظا وخطا من اسمين أو نحوهما، مع اختلاف اسم أبيهما لفظا؟ لا خطا، أو العكس، ككتاب المتفق والمفترق للخطيب البغدادي، وكتاب المؤتلف والمختلف للدارقطنى، وغيرهما.

21) ومنها كتب في معرفة الأسماء والكنى والألقاب، أى أسماء من اشتهر بكنيته، وكنى من اشتهر باسمه، وألقاب المحدثين، ونحو ذلك، ككتاب الأسماء والكنى للإمام أحمد بن حنبل، وكتاب الألقاب والكنى لأبي بكر ا لشيرا زى.

22) ومنها كتب في مبهم الأسانيد أو المتون من الرجال أو النساء، ككتاب “الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة”للخطيب، وكتاب “المستفاد من مبهمات المتن والإسناد”لأبي زرعة ابن العراقي، وغيرهما.

23) ومنها كتب في الأنساب، ككتاب الأنساب للسمعاني، وأنساب المحدثين لابن النجار البغدادي، وغيرهما.

24) ومنها كتب في معرفة الصحابة، مُرَتَّبين على الحروف أو على القبائل أو غير ذلك، ككتاب معرفة الصحابة لأبي أحمد العسكري، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني، وغيرهما.

25) ومنها كتب في تواريخ الرجال وأحوالهم، كالتاريخ الكبير والصغير والأوسط للبخارى، وتاريخ يحيى بن معين، وغيرها.

26) ومنها كتب المعاجم، جمع معجم، وهو في اصطلاحهم: ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكونوا مرتبين على حروف الهجاء، كمعاجم الطبراني الكبير والأوسط وا لصغير، وغيرها.

27) ومنها كتب الطبقات، وهي التي تشتمل على ذكر الشيوخ وأحوالهم ورواياتهم طبقة بعد طبقة، وعصراً بعد عصر، إلى زمن المؤلف، ككتاب الطبقات لمسلم، والطبقات الكبرى لابن سعد، وغيرهما.

28) ومنها كتب المشيخات، وهي التي تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقيهم المؤلف، وأخذ عنهم، أو أجازوه وإن لم يلقهم، كمشيخة الحافظ أبي يعلى الخليلى، ومشيخة أبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي، وغيرهما.

29) ومنها كتب في علوم الحديث، أى مصطلحه، وذكرت فيها أحاديث بأسانيد، ككتاب “المحدِّث الفاصل “للرامهرمزي، وكتاب “الجامع لأدب الشيخ والسامع “للخطيب، وغيرهما.

30) ومنها كتب في الضعفاء والمجروحين من الرواة، أو في الثقات منهم أو فيهما معا، ككتاب الضعفاء للبخاري، وللنسائي، ولابن حبان، وغيرهم.

31) ومنها كتب في العلل، أى علل الأحاديث، جمع علة، وهي عبارة عن سبب غامضٍ  خفي قادح في الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه، ككتاب العلل للبخارى، ولمسلم، وللترمذي، و غيرهم.

32) ومنها كتب في الموضوعات، ككتاب الأباطيل للجوزقي، وكتاب الموضوعات الكبرى لأبي الفرج بن الجوزي، وغيرهما.

33) ومنها كتب في بيان غريب الحديث، ككتاب غريب الحديث والآثار لأبي عبيد القاسم بن سلام، وغريب الحديث لابن قتيبة، وغيرهما.

34) ومنها كتب في اختلاف الحديث، أو تقول: في تأويل مختلف الحديث أو تقول: في مشكل الحديث، أو تقول: في مناقضة الأحاديث وبيان محامل صحيحها، ككتاب اختلاف الحديث للشافعى، ومشكل الآثار للطحاوى، وغيرهما.

35) ومنها كتب تعرف بكتب الأمالي، جمع إملاء، وهو من وظائف العلماء قديما، خصوصا الحفاظ من أهل الحديث في يوم من أيام الأسبوع، وطريقتهم فيه: أن يكتب المستملى في أول القائمة: هذا مجلس أملاه شيخنا فلان بجامع كذا في يوم كذا، ويذكر التاريخ، ثم يورد المُمْلِي بأسانيده أحاديث وآثاراً، ثم يفسِّر غريبها، ويورد من الفوائد المتعلقة بها بإسناد أو بدونه ما يختاره ويتيسر له، كالأمالي لأبي القاسم بن عساكر، والأمالي لأبي زكريا بن منده، و غيرهما.

36) ومنها كتب رواية الأكابر عن الأصاغر، والآباء عن الأبناء، وعكسه، وهي أنواع مهمة ولها فوائد،ككتاب “ما رواه الكبار عن الصغار والآباء عن الأبناء”للحافظ أبي يعقوب المنجنيقي، وكتاب “رواية الصحابة عن التابعين “للخطيب البغدا دى، وغيرهما.

37) ومنها كتب في آداب الرواية وقوانينها، ككتاب “الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع”، وكتاب “الكفاية في معرفة أصول علم الرواية”، كلاهما للخطيب البغدادي، وغيرهما.

38) ومنها كتب في عوالي بعض المحدثين، ككتاب عوالي الأعمش لأبي الحجاج يوسف بن جلجل، وعوالي عبد الرزاق للضياء االمقدسي، وغيرهما.

39) ومنها كتب في التصوف وطريق القوم، ذكرت فيها أحاديث بأسانيد، ككتاب “أدب النفوس “لأبي بكر الآجُرِّي، وكتاب “المجالسة”، لأبي بكر الدينوري، وغيرهما.

40) ومنها كتب الأطراف، وهي التي يقتصر فيها على ذكر طرف الحديث الدال على بقيته مع الجمع لأسانيده، إما على سبيل الاستيعاب، أو على جهة التقيد بكتب مخصوصة، كأطراف الصحيحين لأبي مسعود الدمشقي، وأطراف الكتب العشرة لابن حجر المسمى بإتحاف المهرة بأطراف العشرة، وغيرهما.

41) ومنها كتب الزوائد، أى الأحاديث التي يزيد بها بعض كتب الحديث على بعض آخر معين، ككتاب “مصباح الزجاجة في زوائد سنن ابن ماجه”للشهاب البوصيرى، و”مجمع الزوائد ومنبع الفوائد”للهيثمى، وغيرهما.

42) ومنها كتب في الجمع بين بعض الكتب الحديثية، كالجمع بين الصحيحين للصاغانى،وجامع الأصول من أحاديث الرسول لأبي السعادات ابن الأثير، وغيرهما.

43) ومنها كتب مجردة أو منتقاة من كتب الأحاديث المسندة خصوصا أو عموما، كالتجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح لشهاب الدين الزبيدي، ومصباح السنة لأبي محمد البغوي، وغيرهما.

44) ومنها كتب في تخريج الأحاديث الواقعة في كلام بعض المصنفين من أهل العقائد ومن المفسرين والأصوليين والفقهاء والصوفية واللغويين، كتخريج أحاديث الكشاف للزيلعي، والتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن حجر، وغيرهما.

45) ومنها كتب في الأحاديث المشهورة على الألسنة، كالمقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة للسخاوي، وتمييز الطيب من الخبيث في ما يدور على الألسنة من الحديث لابن الدَّيْبَع الشيْبَانى، وغيرهما.

46) ومنها كتب في الفتاوى الحديثية، كفتاوى ابن تيمية، وفتاوى ابن حجر العسقلاني وغيرهما.

47) ومنها كتب مفردة في جمع أحاديث بعض أنواع الحديث، ككتاب الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة للسيوطي، ونظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني، وغيرهما.

48) ومنها كتب من التفاسير والشروح الحديثية، لأهلها حفظ للحديث ومعرفة به، واعتناء بشأنه، وإكثار فيما يتعلق به، كتفسير ابن كثير والدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطى، وغيرهما.

49) ومنها كتب في السيرة النبوية والخصائص المحمدية غير ما سبق، ككتاب “نور العيون في تلخيص سيرة الأمين المأمون”لأبي الفتح ابن سيد الناس، وكتاب “الدرر في اختصار المغازي والسير”لابن عبد البر، وغيرهما.

50) ومنها كتب في أسماء الصحابة من غير ما تقدم، كمختصرات الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر، ومختصرات أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير، وغيرها.

51) ومنها كتب في بيان حال الرواة غير الكتب المتقدمة، وضبط أسمائهم وأسماء بلدانهم، ككتاب معجم البلدان لياقوت الحموي، ومعجم البلدان لأبي القاسم ابن عساكر، وغيرهما.

52) ومنها كتب في الوفيات، ككتاب در السحابة في وفيات الصحابة للصاغاني، والإعلام بوفيات الأعلام للذهبي، وغيرهما.

53) ومنها كتب في علم المصطلح، كمقدمة ابن الصلاح، والمنهل الرَوِيّ في علوم الحديث النبوي لابن جماعة، وغيرهما.

وهذه المناهج المتعددة في التأليف – وإن تفاوتت في البسط أو الاختصار، وتباينت في الالتزام بالصحيح المقبول أو رواية الضعيف – إنما كانت تهدف جميعا إلى خدمة السنة المشرفة، وتنبئ عن مدى الحب الذي ملأ قلوب المحدِّثين لها، وتكشف عن مدى الجهد الذي بذلوه في سبيل المحافظة عليها.

ثم إنها تكشف بوضوح المنهجية المحكمة في التعامل مع السنة، فلم تكن تلك الجهود المضنية جهوداً فوضوية، بلا قواعد تحكمها، أو بلا منهج أصيل يحقق مقاصدها، وإنما كانت حبات متناسقة في العقد اللؤلؤى الذي يزين السنة المطهرة، ولَبِناتٍ  متماسكةً في السِّياجً الذي يحميها، فجزاهم الله عن السنة خير الجزاء.

وقد استحقوا بذلك دعوة النبي r بتنضير وجوههم، بل إن بعض العلماء يجعلهم الطائفة المنصورة والطائفة الناجية التي بشرها النبي r بالجنة، وبشرها بالظهور إلى يوم القيامة لا يضرها من خذلها.

روى الحاكم في مقدمة (معرفة علوم الحديث) بسنده إلى معاوية بن قرة قال سمعت أبي t يحدث عن النبي r قال: “لا يزال ناس من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة”

ثم قال الحاكم: سمعت أبا عبد الله محمد بن علي بن عبد الحميد الأدمي بمكة يقول: سمعت موسى بن هارون يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول – وسئل عن معني هذا الحديث – فقال: “إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم”.

قال أبو عبد الله (الحاكم): وفي مثل هذا قيل: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحق، فلقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر أن الطائفة المنصورة التي يرفع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة هم أصحاب الحديث، ومن أحق بهذا التاويل من قوم سلكوا محجة الصالحين، واتبعوا آثار السلف من الماضين،  ودمغوا أهل البدع والمخالفين بسنن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله أجمعين، من قوم آثروا قطع المفاوز والقفار على التنعم في الدمن والأوطار، وتنعموا بالبؤس في الأسفار مع مساكنة العلم والأخبار، وقنعوا عند جمع الأحاديث والآثار بوجود الكسر والأطمار؟” ([24]).

نظرة إجمالية على الأطوار

التي مرت بها مناهج المحدثين في نقل السنة

مرت السنة في طريقها إلينا بأدوار متعددة بدءاً من حفظ الصدور، وانتهاء بالتهذيب والترغيب والجمع.

وأسبق من تناول ذلك – فيما أعلم – فضيلة الأستاذ محمد عبد العزيز الخولى – رحمه الله – في كتابه “مفتاح السنة”أو “تاريخ فنون الحديث”، وقد أحسن فيه وأفاد أيما إفادة وسوف أوضح في اختصار هذه الأدوار، وأبرز ما يميز كلاً منها:

الدور الأول: الحفظ في الصدور، أو مرحلة ما قبل التدوين، وموضوع هذا البحث جزء منه، وسوف أبسط الكلام فيه بعدُ، إن شاء الله تعالى.

الدور الثانى: تدوين الحديث من غير ترتيب أو مع الترتيب مختلطا بغير الحديث من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين والأئمة، وقد بدأ ذلك ابن شهاب الزهرى وأبو بكر بن محمد عمرو بن حزم، بأمر وتوجيه عمر بن عبد العزيز في أواخر القرن الأول الهجرى، ثم شاع التدوين في الطبقة التالية، وأقدم ما وصل إلينا من مدونات تلك الفترة موطأ مالك (ت 179هـ) تلميذ ابن شهاب، الذي صنَّفه على مسائل الفقه، جامعا بين المرفوعات والموقوفات والمقاطيع ورأى علماء المدينة ورأى صاحب الموطأ نفسه ([25]).

الدور الثالث: إفراد السنة بالثدوين، غير مقرونة بشيء، وكان ذلك مع نهاية القرن الثانى وبداية القرن الثالث الهجرى، حين أخذ العلماء في جمع الحديث مجرداً في مصنفات مستقلة، ويلاحظ على هذا الدور ما يلى:

ا – هذا الدور يعد أزهي أدوار السنة وأزهي عصورها، فهو الذي تم فيه جمع السنن من مختلف الأمصار، وظهرت أهم كتب الحديث التي لم تغادر من السنة إلا النادر اليسير.

2 – من علماء هذا الدور من اهتم بتمييز الصحيح من غيره، وإفراد الصحيح بالجمع كالبخاري ومسلم وغيرهما، ومنهم من جمع كل ما روى من غير تمييز.

3- تنوعت مناهج المحدثين في هذا الدور في التصنيف، فمنهم من اتبع طريقة التصنيف على الأبواب كأصحاب الكتب الستة وغيرهم، ومنهم من صنف على المسانيد، يعني مسانيد الصحابة، كأحمد والطيالسى وأبي يعلى وغيرهم.

وقد اخترع ابن حبان طريقة أخرى في صحيحه الذي سماه “التقاسيم والأنواع”حيث لم يرتبه على الأبواب ولا على المسانيد، وإنما قسم الأحاديث خمسة أقسام:

أولها: الأوامر التي أمر الله بها عباده.

والثانى: النواهي التي نهي الله عنها عباده.

والثالث: إخباره عما احتيج إلى معرفتها.

والرابع: الإباحات التي أبيح ارتكابها.

والخامس: أفعال النبي r  التي انفرد بفعلها.

ووضع تحت كل قسم أنواعاً كثيرة، وهو ترتيب صعب، والكشف على الأحاديث فيه عَسِرٌ جداً، غير أنه قد رتبه الأمير علاء الدين على بن بلبان الفارسى (ت 739هـ) على الأبواب الفقهية وسماه “الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان” فَيَسَّرَ سبيل الاستفادة من الكتاب.

الدور الرابع: دور التهذيب والتقريب بعد القرن الرابع، حيث كانت السنن قد فُرغ من جمعها، وبيان عليلها من صحيحها، وكاد جمع السنن من أفواه الرجال ينتهي، وركن الناس إلى التقليد، فأخذوا يسلكون في تصانيفهم مسلك التهذيب أو الترتيب أو جمع المتفرق أو بيان الغريب أو الاختصار والتقريب، وقلما تكلموا على الأسانيد، فظهرت في هذا الطور. كتب الأطراف، وكتب الزوائد، وكتب الجمع بين أكثر من كتاب، وكتب الجوامع التي حاولت استقصاء السنة، وكتب الشروح للمتون، وكتب غريب الحديث، وكتب المصطلح، والكتب التي تجمع نوعا معينا من الحديث، ككتب المبهمات، وكتب المتواتر، وكتب المشتهر على الألسنة، وكتب الفوائد، وغيرها.

أما الأستاذ الشيخ محمد محمد أبو زهرة في كتابه “الحديث والمحدثون أو عناية الأمة الإسلامية بالسنة النبوية”فجعل الأدوار سبعة: الأول: في عهد النبوة، والثانى: في زمن الخلافة الراشدة، والثالث: بعد الخلافة الراشدة إلى نهاية القرن الأول، والرابع: في القرن الثانى، والخامس: في القرن الثالث، والسادس: من القرن الرابع إلى سقوط بغداد، والسابع: من سقوط بغداد إلى عصرنا الحاضر”.

تلك كانت – باختصار شديد – الأدوار التي مرت بها السنة المشرفة في تاريخها من لدن العصر الأول حتى عصرنا هذا.

وسوف أبسط الكلام فيما يلى عن منهج المحدثين من الصحابة وهو ما قبل مرحلة التدوين.

التحمل والأداء في اللغة والاصطلاح

أولاً: التحمل في اللغة والاصطلاح:

في اللغة: التَّحَمُل مصدر “تَحَمَّل”، يقال: حمَّلتُه الرسالة أى كلَّفتُه حملها([26]). وفي القرآن الكريم:]فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَوَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ[ (النور:54) أى على النبي r  ما أوحى إليه وكُلِّف أنَ يبيّنه، وعليكم أنتم الاتِّباع ([27]).

وقال تعالى:]مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ الله وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ[ (الجمعة: 5)، أى كُلِّفوا أن يتحملوها، أى يقوموا بحقها، فلم يحملوها. ويقال: حَمَّلْتُه كذا فتحمَّله، وحمَّلْتُ عليه كذا فتحمَّله واحتمله وحمله ([28]).

– ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله y قال: قال لنا حذيفة t: “إنَّا حُمِّلْنا هذا العلمَ، وإنَّا نؤديه إليكم، وإن كُنَّا، لا نعمل به”([29]).

ومن ذلك سمى حفاظ القران الكريم “حملة القرآن “.

– فعن أبي موسى الأشعري tقال: قال رسول الله r: “إنَّ من إجلال الله تعالى إكرامَ ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، والجافي عنه ([30])، وإكرامَ ذي السلطان المُقْسِط([31]).

– وفي حديث أبي أمامة الباهلي رضى الله عنه في خطبة النبي r  في حجة الوداع، في آخره: “…ألا وإن ذَهابَ العلم ذَهابُ حَمَلَته – ثلاث مرات -“([32]).

وفي الاصطلاح: أخذ الحديث ممن أضيف إليه بالمباشرة أو الواسطة، بطريق من طرق الأخذ الثمانية([33]).

فبالمباشرة مثل أخذ الصحابة المرفوع من رسول الله r، وأخذ التابعين الموقوف من الصحابة، وأخذ أتباع التابعين المقطوع من التابعين.

أما بالواسطة؛ فكل محدِّث تلقى عن شيخه ما تحمَّله عن شيخه- وهلم جراً – إلى الرسول r في المرفوع، أو إلى الصحابي في الموقوف، أو إلى التابعي في المقطوع.

فالصحابة رضوان الله عليهم قد أخذوا عن رسول الله r قوله وفعله وتقريره، وشاهدوا صفته وأحواله، فحمَّلهم الرسول r ذلك كله، فتحمَّلوه تحمُلاً أصبح أمانةً عندهم إلى أن يبلغوه التابعين.

والتابعون قد أخذوا عن الصحابة ما تحمَّلوه من رسول اللهr، فحمَّلهم الصحابة الأمانة، فتحملوها إلى أن أدَّوْها إلى أتباع التابعين، ثم شاع التدوين والتأليف”([34]).

قلت: قد تلقى الصحابةُ رضوان الله عليهم السنة وتحمَّلوها بالمباشرة وبالواسطة معا، فسمعوا من النبي r، وسمع بعضهم من بعض عنه r، وكانت لهم مناهج دقيقة في التحمُّل والتلقىّ بالمباشرة وبالواسطة، كما كانت لهم آداب مهمة في ذلك، وسوف أتناولها فيما بعد.

22 – وقد ورد في الحديث: “يحمل هذا العلم من كل خَلَف عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطِلين، وتأويل الجاهلين”([35])

وقد ورد هذا الحديث بصيغة الأمر “ليَحْمِلْ “على أنه توجيه للعلماء بتحميل هذا العلم للعدول الثقات، وتوجيه للعدول الثقات بتحمله وحفظه وأدائه، واللّه أعلم.

ثانيا: الأداء في اللغة والاصطلاح:

في اللغة: أداه تأديةً: أوصله، وأدَّى دَيْنه تأديةً: قضاه، والاسم: أَداء، كسحاب، وتأدى إليه الخبر: أى انتهي([36]).

وفي الاصطلاح: رواية الحديث بعد تحمُّله ([37]).

ذلك أن تحمل الحديث يعتبر أمانة يلزم أداؤها بتوصيلها وروايتها لمن لم تبلغه، وإلا اعتبر المتحمل آثما بكتمه العلم وعدم تبليغه الأمانة.

وقد جاءت النصوص بتسمية ذلك تبليغا وأداءً، كما سيأتي في أول الفصل التالي إن شاء الله.

وهذا الأداء يكون بلفظ دالّ على طريقة التحمل، وأعلاها: “سمعت”و”حدثنى”و “حدثنا”، فإنه لا يكاد يقولها أحد إلا فيما سمع من لفظ الشيخ، أو فيما عرض عليه أو قرأ عليه، كما لا يقولها أحدٌ في تدليس ما لم يسمعه.

وقد استخدم الصحابة yكثيراً من ألفاظ الأداء، فيما أدوه عن رسول الله r، أو فيما أدى بعضهم عن بعض، فاستخدموا: “سمعت “، “حدثنا”، “حدثنى”، “أخبرنا “، “أخبرني”، “قال”، “عن”، “أن “، “قرئ علينا كتاب النبي r “، “كتب إليّ فلان “، “جاءنا كتاب النبي r  “، “أوصاني خليلي”، ومن أرفع وأوثق ألفاظهم: “أشهد على رسول الله r”([38]).

وربما استخدموا لفظ “زعم فلان”وليس هذا منهم على سبيل التشكيك في الراوي أو المروى، بل على المعنى اللغوي للزعم، واللّه أعلم.

تفاوت الصحابة رضي الله عنهم في رواية الأحاديث وأسبابه

ذكرت فيما سبق أنه ليس كل الصحابة رووا الحديث، أو بالأدق: لم يصلنا عن جميع الصحابة روايات، وأن عدد الرواة من الصحابة كان دون الألفين ([39]). وهؤلاء الذين وصلت إلينا مروياتهم تفاوت عدد ما روى عنهم من الأحاديث، وسوادهم الأعظم ممن روى ما دون عشرة أحاديث، وما يقرب من نصف الأحاديث روى عن عددٍ قليل لا يتجاوز العشرة، إذ أن الرواة الذين تجاوزت مروياتهم الألف حديث هم سبعة فقط، والذين تجاوزت مروياتهم المائتي حديث هم أحد عشر فقط، أما أصحاب المائة فكانوا واحداً وعشرين صحابيّا، وذلك على حسب مسند بقي بن مخلد رحمه الله ([40]).

المكثرون من الصحابة:

أعني بالمكثرين الذين تجاوزت مروياتهم الألف حديث وهم سبعة على النحو التالي:

1 – أبو هريرة t، رُوي عنه (5374) خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثاً، حسب مسند بقي بن مخلد، وله في مسند أحمد (3848)، واتفق الشيخان له على (326) وانفرد البخاري برواية (93)، ومسلم برواية (98) حديثا.

2 – عبد الله بن عمر بن الخطاب y، رُوي عنه (2630) ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثاً، وله في مسند أحمد (2019) واتفق الشيخان له على (168) وانفرد البخاري برواية (81)، ومسلم برواية (31) حديثا.

3 – أنس بن مالك t، رُوي عنه (2286) ألفان ومئتان وستة وثمانون حديثا، وله في مسند أحمد (2192)، واتفق الشيخان له على (180)، وانفرد البخاري برواية (80) ومسلم برواية (90) حديثا.

4 – أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، رُوي عنها (2210) ألفان ومئتان وعشرة أحاديث، ولها في مسند أحمد (1340)، واتفق الشيخان لها على (174)، وانفرد البخاري برواية (54)، ومسلم برواية (69) حديثا.

5 – عبد الله بن العباس بن عبد المطلب y، رُوي عنه (1660) ألف وستمائة وستون حديثا، وله في مسند أحمد(1696)، واتفق الشيخان له على (75)، وانفرد البخاري برواية (120)، ومسلم برواية (9) أحاديث.

6- جابر بن عبد الله y، رُوي عنه (1540) ألف وخمسمائة وأربعون حديثا، وله في مسند أحمد (1206)، واتفق الشيخان له على (58)، وانفرد البخاري برواية (21)، ومسلم برواية (126) حديثا.

7 – أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري y، رُوي عنه (1170) ألف ومائة وسبعون حديثا، وله في مسند أحمد (958)، واتفق الشيخان له على (43)، وانفرد البخاري برواية (16)، ومسلم برواية (52) حديثا.

8 – ويلي هؤلاء المكثرين السبعة: عبد الله بن مسعود t، وله في مسند بقي (848) ثمانمائة وثمان وأربعون حديثا، وفي مسند أحمد(892)، واتفق الشيخان له على (64)، وانفرد البخاري برواية (21)، ومسلم برواية (35) حديثا.

9 – ثم عبد الله بن عمرو بن العاص y، وله في مسند بقي (700) سبعمائة حديث وفي مسند أحمد (627)، واتفق الشيخان له على (7)، وانفرد البخاري برواية (8)، ومسلم برواية (20) حديثا. ([41])

وربما بَدَا أن ثمة تعارضا بين هذا الذي رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وبين حديث  السابق برقم (206): “ما من أصحاب النبي r أحدٌ أكثر حديثا عنه منِّي، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب، ولا أكتب “؛ فأبو هريرة tيجزم في هذا الحديث بأنه ليس أحد في الصحابة أكثر حديثا عن النبي rمنه إلا عبد الله بن عمرو، في حين أن المروي عن  قريب من ثمانية أضعاف المروي عن عبد الله بن عمرو y.

وقد أجاب العلماء عن ذلك بعدة أجوبة([42]):

– فقيل: الاستثناء منقطع، والتقدير: لكن الذي كان من عبد الله وهو الكتابة لم يكن مني، ولا يلزم من ذلك أنه كان أكثر حديثا من.

– وقيل: الاستثناء متصل، وعبد الله بن عمرو أكثر حديثاَ وتحمُّلاً من، ولكن أبا هريرة كان أكثر رواية منه للأسباب الآتية:

1 – أن عبد الله بن عمرو yكان مشتغلاً بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلَّت الرواية عنه.

2 – أن عبد الله بن عمرو yكان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم في ذلك العصر كالرحلة إلى المدينة، حيث كان أبو هريرة متصدِّيا فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل العلم عن t، فقد قال البخاري: “روى عنه نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم من أصحاب النبي r والتابعين([43])“. ولم يقع هذا لغير  t.

3 – ما اختُص به أبو هريرة t من دعوة النبي r له بأن لا ينسى ما يحدثه به.

– فعنه t قال: “قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك حديثاَ كثيراً أنساه، قال: “ابسط رداءَك “فبسطتُه. قال: فغرف بيديه، ثم قال: “ضُمه”. فضممتُه، فما نسيتُ شيئا بعده([44]).

فهذا الحديث يدل على أن أبا هريرة لم ينس شيئا سمعه، ولم يثبت ذلك لأحدٍ غيره من الصحابة.

4 – أن عبد الله بن عمرو y كان قد ظفر في الشام بحمل جملٍ من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها، ويحدِّث منها، فتجنَّب كثير من التابعين الأخذ عنه لهذا السبب، كما تجنب كثير من الرواة الأخذ عن تلاميذه خشية أن يكونوا قد خلطوا بين ما يريه عن النبي r وبين ما يريه عن أهل الكتاب.

أسباب تفاوت الصحابة في الرواية:

يرجع التفاوت الكبير بين الصحابة في عدد ما أُثر من الرواية عنهم عن النبي r إلى جملة من الأسباب أوجزها فيما يلي:

1 – التفاوت الطبيعي في قوة الذاكرة والحفظ، فطبيعة الناس أن يكون فيهم الحافظ وغير الحافظ، فإذا حدَّثهم النبي r حفظ البعض ونسي البعض.

– عن عمر بن الخطاب tقال: “قام فينا النبي r مقاماَ، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهلُ الجنة منازلهم وأهلُ النار منازلهم، حفظ ذلك مَنْ حفظه، ونسيه مَنْ نسيه”([45]).

– وعن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري tقال: صلى بنا رسول الله rالفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا، حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمُنا أحفظُنا”([46]).

– وعن أبي سعيد الخدري t قال: “صلى بنا رسول الله r يوما صلاة العصر بنهار، ثم قام خطيبا، فلم يَدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه…”الحديث([47])

– وعن حذيفة بن اليمان yقال: “قام فينا رسول الله rمقاما، ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدَّث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيتُه، فأراه، فأذكره كما يذكر الرجلُ وجهَ الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه ([48]) “.

فهذه الأحاديث تدلُّ على أن النبي r قام فيهم مقامات متعددة، يذكر فيها الفتن وما هو كائن، وأن منهم من حفظ، ومنهم من نسي، ولا شك أن المكثرين كانوا أحفظ من غيرهم وأوعى لما سمعوا، فكثرت مروياتهم.

2 – تفرغ الصحابي لمجالسة النبي r وملازمته أو عدم تفرغه لذلك، فالذي تفرغ لهذا الأمر لابد أنه حمل علما أكثر وحديثا أوفر ممن شغلته تجارته أو زراعته أو حرفته أو غير ذلك، وقد ذكر أبو هريرة t أن فراغه وملازمته للنبي r كانت سببا مباشراً لكثرة حفظه:

– فعن  tقال: “إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثت حديثا. ثم يتلو ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِوَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهوَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ. إِلاَّ الَذيِنَتَابُواوَأَصْلَحُواوَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْوَأَنَا التُّوَّابُ الـرَّحِيم[(البقرة:159-160) إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفْق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول اللهrبشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون”([49])

وقد شهد له بذلك كبار الصحابة y، فقد سبق عن ابن عمر yقوله: “يا أبا هريرة، كنت ألزمنا لرسول الله r، وأعلمنا بحديثه “([50]).

– وعن مالك بن أبي عامر الأصبحي قال: جاء رجلٌ  إلى طلحة بن عُبَيْد الله t فقال: يا أبا محمد أرأيتَ هذا اليماني – يعني أبا هريرة – هو أعلم بحديث رسول الله r منكم؟ نسمع منه ما لا نسمع منكم؟ قال: “أما أن يكون سمع من رسول الله r ما لم نسمع فلا أشك إلا أنه سمع من رسول الله r ما لم نسمع، وذاك أنه كان مسكينا لا شيء له، ضيفاً لرسول الله r، يده مع يد رسول الله r، وكُنَّا نحن أهل بيوتات وغنى، وكنا نأتي رسول الله r طرفي النهار، فلا نشك إلا أنه سمع ما لا نسمع، ولا تجد أحداً فيه خير يقول على رسول الله r ما لم يقل؟”([51]).

وهكذا ترى أن التفرغ لملازمة النبي rكان له أثر كبيرٌ في زيادة تحمل الملازم عمن سواه.

3 – تقدم وفاة الصحابي أو تأخرها، ومدى حاجة الناس إلى ما عنده من العلم، فمن تقدمت وفاتهم كانوا – غالبا – أقل روايةً ممن تأخرت وفاتهم، واحتاج الناس إلى سؤالهم ومعرفة ما عندهم من العلم، في الحوادث التي تكثر وتتجدد، وبخاصة مع اتساع نطاق الفتوح الإسلامية، وكثرة الداخلين في الإسلام، ولذلك تجد أن المكثرين جميعا كانوا من أحداث الصحابة، فباستثناء عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن مسعود اللذين كانا في نحو الأربعين عند وفاة النبي r كان سائر المكثرين دون الثلاثين، فكان جابر وأبو هريرة في نحو السابعة والعشرين، وابن عمر في نحو الحادية والعشرين، وأنس وأبو سعيد الخدري في العشرين، وعائشة في الثامنة عشرة وابن عباس في الثالثة عشرة، فتهيأ لهم أن يحملوا عن النبي rوعن أكابر الصحابة، وتأخرت وفاتهم حتى احتاج الناس إلى ما جمعوا من العلم، فكثرت مروياتهم.

“قال محمد بن عمر الأسلمى: إنّما قلّت الروايةُ عن الأكابر من أصحاب رسول الله r، لأنّهم هلكوا قبلَ أنْ يُحتاج إليهم، وإنّما كثرتْ عن عمر بن الخطّاب وعلىّ بن أبي طالب لأنّهما وَلِيَا فسُئلا وقَضَيَا بين الناس. وكلّ أصحاب رسول الله r كانوا أئمّةً يُقتَدَى بهم ويُحفظ عليهم ما كانوا يفعلون ويُستَفتَوْن فيُفْتُون، وسمعوا أحاديث فأدّوها، فكان الأكابرُ من أصحاب رسول الله r أقلّ حديثا عَنْه منِ غيرهم مثل أبي بكر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبي عبيدة بن الجرّاح وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل وأبي بن كعب وسعد بن عبادة وعبادة بن الصامت وأُسَيد بن الحُضير ومُعاذ بن جبل ونُظَرائهم. فلم يأت عنهم مِن كثرة الحديث مثلُ ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله r، مثل جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن العبّاس ورافع بن خَديج وأنس بن مالك والبَراء بن عازب ونُظَرائهم، وكلّ هؤلاء كان يُعَدّ من فُقهاء أصحاب رسول الله r، وكانوا يَلزمون رسول الله r، مع غيرهم من نُظرائهم، وأحْدَثُ منْهم مثلُ عُقبة بن عامر الجُهنيّ وزيد بن خالد الجُهنيّ وعمران بن الحُصين والنّعَمان بن بشير ومعاوية بن أبي سفيان وسهل بن سعد الساعدىّ وعبد الله بن يزيد الخَطْمىّ ومَسلمة بن مخَلّد الزُّرَقىّ وربيعة بن كعب الأسلميّ وهند وأسماء ابني حارثة الأسلميِّيْن، وكانا يَخدمان رسولَ الله r، ويَلزمانه، فكَان أكثرُ الرواية والعلم في هؤلاء ونُظرائهم من أصحاب رسول الله r، لأنّهم بَقُوا وطالت أعْمارُهم واحتاج الناسُ إليهم. ومضى كثيرٌ من أصحاب رسول الله r، قبله وبعده بعلمه، لم يؤثر عنه بشيء، ولم يُحتَج إليه؛ لكثرة أصحاب رسول الله r”([52])

4 – تحرُّج بعض الصحابة وتهيُّبهم من الرواية عن رسول الله r، حذراً من الخطأ أو الزيادة أو النقصان، ونحو ذلك. وسيأتي بيان ذلك عند الحديث عن ضوابط الرواية إن شاء الله.

قال محمد بن عمر الواقدي: “ومنهم – أي الصحابة – من تأخر موته بعد وفاة رسول الله r، وهم أكثر، فمنهم من حُفِظ عنه ما حدَّث به عن رسول الله r، ومنهم من أفتى برأيه، ومنهم من لم يحدِّث عن رسول الله r شيئا، ولعله أكثر صحبةً ومجالسةً وسماعا من الذي حدث عنه، ولكنا حملنا الأمر في ذلك منهم على التوقي في الحديث، أو على أنه لم يُحْتج إليه؛ لكثرة أصحاب رسول الله r([53]).

5 – وقوع الفتنة وظهور الكذب والوضع من الفرق التي انحرفت عن جادة الصواب، كالخوارج والشيعة، جعل المرويات التي ينقلونها عن بعض الصحابة مردودة ومرفوضة من الصحابة والتابعين، فأفسدوا بذلك مرويات كثيرة.

– فعن طاووس قال: “أُتِى ابن عباس بكتابٍ  فيه قضاء علىٍّ t فمحاه إلا قدْرَ”وأشار سفيان بن عيينة بذراعه.

– وعن أبي إسحاق السبيعى قال: “لما أحدثوا تلك الأشياء بعد على رضي الله عنه قال رجل من أصحاب علىّ: قاتلهم الله، أيَّ علم أفسدو”.

– وقال المغيرة بن مقسم الضبي: “لم يكن يصدق([54]) على علي tفي الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود”([55]).

فكان من أثر رواية الكذابين من الشيعة عن علي بن أبي طالب t أن أهْملت كثير من مروياته، واللّه أعلم.

6 – اشتغال عدد كبير من الصحابة بالعبادة أو الجهاد في سبيل الله وفتوح الأمصار، شغلهم عن التحديث بكل ما سمعوا من رسول الله r، فقلّت مروياتهم، بينما كان لغيرهم من المكثرين مجالس للتحديث يجتمع فيها طلبة العلم، فيحدثونهم، ويؤدون إليهم كل ما سمعوه من الحديث، ومن ثم كثرت الروايات عنهم.

تلك كانت باختصار أهم أسباب تفاوت الصحابة في الرواية، والله  أعلم ([56]).

مناهج الصحابة في الأداء

علم الصحابة رضوان الله عليهم أن من أهم واجباتهم أداء أمانة العلم الذيحُملوه، وأنهم لا نجاة لهم من المأثم إلا بتبليغه وروايته، ومن ثَم نشط كثير منهم لتوريث من وراءهم هذا العلم وتحميلهم هذه الأمانة.

– فعن ابنِ عباسٍ y، عن النبي r قال: “تَسمَعون، ويُسْمَع منكم، ويسمع ممن يسْمع منكم([57]).

وهذا الحديث خبر بمعنى الأمر، أي لتسمعوا مني الحديث، ولتبلغوه عني، ولْيسمعه منكم مَنْ بعدي، وهكذا، أداء للأمانة.

قال ابن عبد البر: “في هذا الحديث دليل على تبليغ العلم ونشره “([58]).

– وعن  tقال: قال رسول الله r: “مثل علمٍ لا يُنتفع به كمثل كنزٍ لا ينفَق منه في سبيل الله([59]).

وإذا كان الكنز محرما، فإن جمع العلم وتخزينه وعدم التحديث به كذلكيكون محرما. ومن ثَم اتجهت همة الصحابة رضوان الله عليهم إلى الرواية والتبليغ.

وقد اتخذ أداء الصحابة صوراً متعددة، فكانوا يعقدون المجالس للتحديث،ويتعرضون للإجابة على الأسئلة والإفتاء في القضايا، ويخطبون في الجمع والأعياد والمناسبات المختلفة:

1 – مجالس التحديث:

كان بعض الصحابة يعقد مجلسا لرواية الحديث عن النبيr، ويتواعد معتلامذته على ذلك، فيفدون إليه متهيئين للسماع والحفظ، ومن هؤلاء راويةالإسلام أبو هريرة t، وابن مسعود t، وعمران بن حصينt، وعبد الله بن عباس y، وغيرهم.

– عن مكحول قال: “تواعد الناسُ ليلةً إلى قُبَّة من قباب معاوية،فاجتمعوا فيها، فقام فيهم أبو هريرة يحدثهم عن رسول الله rحتى أصبح”([60]).

– وعن محمد بن سيرين، عن  أنه كان يقوم كل خميس فيحدثهم ([61]).

– وعن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: “رأيت أباهريرة يخرج يوم الجمعة، فيقبض على رمانتي المنبر قائما، ويقول: حدثنا أبوالقاسم rالصادق المصدوق، فلا يزال يحدث حتى يسمع فتح باب المقصورةلخروج الإمام فيجلس”([62]).

– وعن محمد بن عُمارة بن عمرو بن حزم، أنه قعد في مجلسٍ  فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب النبي r، بضعة عشر رجلاً، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي rفلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه، فيعرفه بعضهم، ثم يحدثهم، فلا يعرفه بعضُهم، ثم يعرفه بعض، حتى فعل ذلك مراراً.

فعرفت يومئذٍ أنه أحفظ الناس عن رسول الله r([63]).

وقد سبق في أول الكتاب أنه كان يأتي المسجد النبوي، فيجلس بجوار حجرة عائشة ويأخذ في التحديث، يُسْمِعها ذلك.

وكذلك كان ابن مسعودtيجلس يحدث أصحابه، ويضرب لهم المواعيد لذلك.

-فعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: كان عبد الله يذكِّرنا كل يوم خميس([64])

وقد سبق ذكر طرفِ من ذلك في أول الكتاب، وتمنِّى أصحابه أن يجلس إليهم فيحدثهم في كل يوم.

وكذلك كان عمران بن حصين yيقعد للناس في مسجد البصرة فيحدثهم:

– فعن هلال بن يِسَاف، قال: “قدمت البصرة، فدخلت المسجد، فإذا أنا بشيخ أبيضِ الرأس واللحيَة، مستند إلى أسطوانة، في حلقة يحدثهم، فسألتُ: من هذا؟ قالوا: عمران بن حصين y”([65])

وكان عمران tقد بعثه عمر إلى أهل البصرة ليفقههم.

وكان أبو أمامة صُدَى بن عجلان الباهلي tيحض جلساءه على حفظ ما يلقي إليهم في مجلسه، وتبليغه لمن وراءهم.

– فعن مكحول قال: دخلت أنا وابن أبي زكريا، وسليمان بن حبيب،على أبي أمامة t بحمصٍ، فسلَّمْنا عليه، فقال: “إن مجلسكم هذا منإبلاغ الله لكم، واحتجاجه عليكم، وإن رسول الله rقد بلَّغ، فبلِّغوا”([66]).

– وعن سُلَيم بن عامر قال: كان أبو أمامة إذا قعدنا إليه يجيئنا منالحديث بأمر عظيم (في رواية: كنا نجلس إلى أبي أمامة فيحدثنا حديثا كثيراً)ويقول للناس: “اسمعوا واعقلوا، وبلِّغوا عنا ما تسمعون، وفي رواية “بلِّغوا عنافقد بلّغناكم “يرى أن حقّا عليه أن يحدث بكل ما سمع ([67]).

وكذلك كان عبد الله بن سلام tيحدِّث الناس في مسجد النبيr:

– فعن خَرَشة بن الحُرِّ، قال: “كنت جالسا في حلقة في مسجد المدينة، قال: وفيها شيخ حسن الهيئة، وهو عبد الله بن سَلام، قالً: فجعل يحدثهمحديثا حسنا. قال: فلما قام قال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنةفلينظر إلى هذا…”فذكر الحديث في سؤاله عن قولهم ورؤيا عبد الله بن سلامt وتأويل النبيr إياها([68]).

أما البحر عبد الله بن عباس y، فمجالسه أكثر وأشهر منغيره، وكان يحضرها أصحاب الفنون المختلفة من حديث، وتفسير، وشعر،ومغازى، وغيرها.

وقد كان التابعون رحمهم الله إذا سمعوا برجل من الصحابة نزل ببلدهماجتمعوا إليه، وسألوه أن يحدثهم بحديث رسول الله r.

– فعن أبي السليل القيسي قال: “قدم علينا رجلٌ  من أصحاب النبيr، فكانوا يجتمعون عليه، فإذا كثروا صعد أعلى ظهر بيت، فحدًثهم”([69]).

ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن تعيين يومٍ للجلوس والتحديث مما يساعد على حسن الأخذ والتحمل؛ وذلك لئلا ينقطع الطلاب عن أشغالهم، وليستعدوا لإتيانه، ويعدّ بعضهم بعضا به، وأن الأصل في تعيين يوم أو ساعة للتحديث فعلُ النبي r.

-وذلك فيما رواه أبو هريرة tقال: قال رسول الله r: “احشدوا([70])– زاد في رواية: غداً – فإنى سأقرأ عليكم ثُلث القرآن”فحَشَد مَنْ حَشَد، ثم خرج نبيُّ الله r، فقرأ ]قل هو الله أحد[ ثم دخل، فقال بعضُنا لبعض: إني أُرَى هذا خَبرا جاءه من السماء، فذاك الذي أدخله، فخرج نبيُّ الله rفقال:”إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثُلث القرآن، أَلا إنها تعدل ثلث القرآن”([71]).

وغنيٌّ عن البيان أنهم كانوا يحرصون أن تكون أكثر تلك المجالس في المساجد؛ لما للجلوس في المسجد من الفضل والشرف ([72]).

2 – الفتيا وإجابة الأسئلة:

كان الصحابة رضوان الله عليهم شديدي الحرص على اتباع سنة النبي r، ولذلك كانوا إذا سئلوا أو استفتوا حرصوا على أن يبينوا مأخذ فتواهم، وأن يذكروا دليل إجابتهم، بل ربما كان الجواب على السؤال مجرد رواية الحديث فقط. ولا شك أن كثرة الحاجات التي جدَّتْ للناس ألجأتهم إلى سؤال واستفتاء أصحاب رسول الله r، فانفتح بذلك بابٌ  واسعٌ  للرواية والتبليغ والأداء.

وكان الصحابة يحثون تلامذتهم على السؤال، باعتباره مفتاح خزائن العلم،كما ذكر ابن شهاب الزهري رحمه الله ([73]).

– فعن ابن مسعود tقال: “زيادة العلم الابتغاء، ودرك العلم السؤال، فتعلَّم ما جهلتَ، واعمل بما علمتَ”([74]).

– وعن عكرمة قال: قال لي عليّ t: “خمسٌ  احفظوهن،لو ركبتم الإبل لأنْضَيْتُموهن([75]) من قبل أن تصيبوهن: لا يخاف عبدٌ إلاَّ ذنبَه، ولا يرجو إلاَّ ربَّه، ولا يستحي جاهل أن يسأل، ولا يستحي عالم إن لم يعلم أن يقول: الله أعلم، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس له، ولا إيمان لمن لا صبر له “([76]).

وكان التابعون حريصين على السؤال؛ لاستخراج العلم من الصحابة y.

– فعن إبراهيم النَّخَعي قال: “كان عَبيدة (ابن عمرو السَّلْماني) يأتيعبدَ الله (ابنَ مسعود) كلَّ خميسٍ، فيسأله عن أَشياء غاب عنها، فكان عامة ما يحفظ عن عبد الله مما يسأله عبيدة عنه “([77]).

وهاك بعضَ الأمثلة من إجابات بعض الصحابة وفتاواهم بذكر مروياتهم عن رسول الله rفي المسألة المطروحة أو القضية محل الفتوى:

– عن ابن عمرy أن رجلاً سأله: أرأيت الوتر، أسنة هو؟ قال: “ما سنة؟ أوتر رسول الله r، وأوتر المسلمون “، فقال الرجل: أسنة هو؟ فقال: “مَهْ، أتعقل؟ أوتر رسول الله r، وأوتر المسلمون “([78]).

– وعنه أيضا أن رجلاً سأله عن الأضحية، أواجبة هي؟ فقال: “ضحَّى رسول الله rوالمسلمون “، فأعادها عليه، فقال: “أتعقل؟ ضَحَّى رسول الله rوالمسلمون “([79]).

– وعن زيد بن جبير قال: سمعت رجلاً سأل ابن عمر عن بيع الثمرة؟فقال: “نهي رسول الله rعن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها”([80]).

– وعن أنس بن سيرين قال: سألت ابنَ عمر، قلت: أرأيت الركعتينقبل صلاة الغداة، أأطيل فيهما القراءة؟ قال: “كان رسول الله rيصلى من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة”قال: قلت: إني لست عن هذا أسألك. قال: “إنك لضخم، ألا تَدَعني أستقرئ لك الحديث؟ كان رسول الله r يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة، ويصلي ركعتين قبل الغداة كأن الأذان بأذنيه “([81]).

والوصف بالضخامة إشارة إلى الغباوة والبلادة وسوء الأدب، قالوا: لأن هذا الوصف يكون للضخم. وإنما قال ابن عمر له ذلك لأنه قطع عليه الكلام، وأعجله قبل تمام حديثه، وقوله: “كأن الأذان بأذنيه”إشارة إلى تخفيفها بالنسبة لسائر صلاته، والمراد بالأذان: الإقامة([82]).

والأمثلة عن ابن عمر في هذا المضمار كثيرة جداً.

– وعن أنس بن مالك t، أنه سئل عن كسب الحجام، فلميقل فيه حلالاً ولا حراما، قال: “قد احتجم رسول الله r، حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وكلَّم رسول الله r- يعني أهلَه – فخفَّفوا عنه من غَلَّته، أو من ضريبته، وقال: “خيرُ ما تداويتم به الحجامةُ، والقُسْطُ البحرى([83]). ولا تعذبوا صبيانكم بالغَمْز”([84]).

– وعن سعيد بن أبي الحسن البصري قال: كنت عند ابن عباس y، إذ أتاه رجل، فقال يا ابن عباس، إنما أنا رجل إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير؟ فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله r، سمعته يقول:”من صوَّر صورةً فإن الله معذَبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدا”قال: فَرَبَا الرجلُ رَبْوة([85])شديدة واصفرَّ وجهه، فقال له ابن عباس:”ويحك! إن أبيْت إلاّ أن تصنع فعليك بهذا الشجر وكلِّ شيء ليس فيه روح”([86]).

– وعن زَهْدَم بن مُضَرِّب الجَرْمى قال: كُنَّا عند أبي موسى، فأتى ذكر دجاجة (في رواية: فأتي بلحم دجاج) وعنده رجل من بني تَيْم الله أحمرُ، كأنه من الموالي، فدعاه للطعام، فقال: إني رأيتُه يأكل شيئا، فقَذرْتُه، فحلفت أن لا آكل. فقال: هلم فلأحدِّثْكم عن ذلك: إني أتيتُ رسولَ الله rفي نفرٍ من الأشعريين، نستحمله، فقال: “واللّه لا أحملكم، وما عندى ما أحملكم”، وأُتِي رسول الله rبنَهْب إبل([87])، فسأل عنَّا، فقال: “أين النفر الأشعريون؟”فأمر لنا بخمس ذود غرِّ الذرى([88])، فلما انطلقنا قلنا: ما صنعنا؟ لا يُبَارَك لنا. فرجعنا إليه، فقلنا: إنا سألناك أن تحملنا، فحلفتَ أن لا تحملنا، أفنسيت؟ قال: “لستُ أنا حملتُكم، ولكنَّ الله حملكم، وإني – واللّه – لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيتُ الذي هو خير وتحلَّلتُها”([89])

وربما سئل أحدُهم عن مسالة لا يحفظ فيها حديثا، فتوقف ولم يفت:

243 – ومن هؤلاء أنس بن مالك t، فقد سأله قتادة عن النبيذ؟ فقال: “ما سمعتُ من رسول الله rفيه شيئا”([90]).

3 – خطب الجمعة والعيدين:

لا شك أن الخطب الجامعة في الجمعة والعيدين من أكثر صور رواية الصحابة للحديث انتشاراً، ومن البدهي أن يستدل الصحابي في خطبته بالقرآن والحديث، ويسمع منه الجمع الكثير الذي يحضر للصلاة:

– فمن ذلك ما رواه علقمة بن وقاص الليثىُّ قال: سمعت عمر بن الخطاب t على المنبر، قال: سمعت رسول الله rيقول: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرتُه إلى ما هًاجر إليه([91]).

– وعن خالد بن عُمَير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان t، فحمد الله، وأثني عليه، ثم قال: “أما بعد؟ فإن الدنيا قد آذنت بصُرْمٍ([92])،وولَّت حذَّاء([93])ولم يبق منها إلا صُبَابة كصُبابة الإناء([94])، يتصابُّها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دارٍ لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذُكر لنا: “أن الحجر يُلقَى من شفة جهنم، فيهوي فيها سبعين عاما لا يدرك لها قعراً، وواللّه لَتُمْلأَن”، أفعجبتم؟ ولقد ذُكر لنا: “أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنةً، وليأتينَّ عليها يومٌ  وهو كظيظ([95]) من الزحام”. ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله r، وما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قَرِحت أشداقنا([96])، فالتقطتُ بردةً فشققتُها بيني وبين سعد بن مالك، فاتَّزرَت بنصفها، واتَّزر سعدٌ بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحدٌ إلاَّ أصبح أميراً على مصرٍ من الأمصار، وإني أعوذ باللّه أن أكون في نفسي عظيما، وعند الله صغيراً، وإنها لم تكن نبوةٌ قطُّ إلا تناسخت، حتى يكون آخر عاقبتها مُلْكا، فستَخْبُرون وتجرِّبون الأمراء بعدنا”([97]).

ففي هذه الخطبة ذكر عتبة  عدة أحاديث.

– وعن أوسط بن إسماعيل – ويقال: ابن عامر – البجلي قال: خطبنا أبوبكر t(في رواية بعدما قبُض النبيr بسنة) فقال: قام فينا رسول الله rمقامي هذا عام الأول وبكىَ أبو بكر فقال: “سَلوا الله المعافاة – أو قال: العافية – فلم يُؤْتَ أحد قط بعد اليقين أفضل من العافية – أو المعافاة – عليكم بالصدق؛ فإنه مع البرِّ، وهما في الجنة، وإياكم والكذبَ؛ فإنه مع الفجور، وهما في النار، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، وكونوا إخوانا كما أمركم الله([98]).

– وعن سعيد بن المسيب قال: سمعت عثمان يخطب على المنبر، وهو يقول: كنت أبتاع التمر من بطن من اليهود يُقال لهم بنو قينقاع، فأبيعه بربح، فبلغ ذلك النبي  فقال: “يا عثمانُ، إذا اشتريتَ فاكْتَلْ، وإذاً بِعْتَ فكِلْ “([99]). 248 – وعن ربْعي بن حِراش، أنه سمع عليّا tيخطبُ يقول: قال رسول الله r: “لا تكذبوا علىَّ، فإنه من يكذبْ علىَّ يَلج النار([100]).

– وعن حُمَيد بنِ عبد الرحمن قال: سمعت معاوية خطيباَ يقول: سمعت النبيr يقول: “منْ يُرِد الله به خيراً يُفقِّهه في الدين، وإنما أنا قاسمٌ، واللّهُ يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمةً على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمرُ الله([101]).

وخُطب الصحابة رضوان الله عليهم التي ضمَّنوها رواياتهم عن رسول اللهrكثيرة جداً، وانظر في ذلك الباب السادس عشر من كتاب “حياة الصحابة”للكاندهلوي، بعنوان: باب خطب الصحابة، فقد أورد من ذلك شيئاَ كثيراً.

4 – التعليق على فعل أو قول لأحد الناس برواية حديث:

فمن البدهي إذا حصل أمام أحد الصحابة أمر ما، وهم يحفظون عن رسول الله  في هذا الأمر شيئا بتصويب أو تعديل أو نهي ونحو ذلك أن يروي الصحابي ما سمعه من رسول الله r في ذلك:

– من ذلك حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِيِّ، ُأَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فِي خِلَافَتِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلِيَ مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالًا، فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعُمَالَةَ(أي أجرة العمل) كَرِهْتَهَا، فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ عُمَرُ: فَمَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ، قُلْتُ: إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا، وَأَنَا بِخَيْرٍ، وَأُرِيدُ أَنْ تَكُونَ عُمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ عُمَرُ: لَا تَفْعَلْ؛ فَإِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الَّذِي أَرَدْتَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ r: “خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ وَإِلَّا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ([102]).

فعمر t حينما رأى ابن السعدي t لا يقبل الأجرة على العمل، ولا يأخذ ما يعطيه عمر إياه من غير سؤال، ذكر له حديث رسول الله r في ذلك.

– ومن ذلك ما رواه زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ بَعَثَ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ رضي الله عنها بِأَنْجَادٍ (متاع البيوت) مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ اللَّيْلِ، فَدَعَا خَادِمَهُ فَكَأَنَّهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ فَلَعَنَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَتْ لَهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُكَ اللَّيْلَةَ لَعَنْتَ خَادِمَكَ حِينَ دَعَوْتَهُ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: “لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ([103]).

فأم الدرداء رضي الله عنها حين سمعت عبد الملك بن مروان يلعن خادمه ذكرت له حديث رسول الله r الذي سمعته من أبي الدرداء t عنه r.

قواعد الرواية عند الصحابة

وضع الصحابة رضوان الله عليهم من قواعد الرواية ما يضمن سلامة النقل للسنة المباركة، وعدم الوهم فيها، أو الزيادة عليها، أو النقص منها، مدفوعين إلى ذلك بحبهم العميق لهذا الدين، وإيمانهم الصادق بهذه الرسالة، وإحساسهم العظيم بدورهم ورسالتهم، باعتبارهم حملة الدين إلى الدنيا.

وسأتناول فيما يلي أهم قواعد الرواية عند الصحابة رضي الله عنهم:

1 – التقليل من الرواية ما أمكن: كان كثير من الصحابة يقلّل في الرواية عن رسول الله r،ويتدافعون الرواية والفتوى فيما بينهم، يود كل منهم أن يكفيه أخوه، ويرفع عنه إثم الكتم وعبء الرواية:

– فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:”أدركت عشرين ومائةً من أصحاب النبي r- أرَاه قال: في هذا المسجد – فما كان منهم محدِّث إلاَّ ودَّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مُفْتٍ  إلا وَدَّ أن أخاه كفاه الفتيا([104]).

– وعن مَعْن بن عبد الرحمن بنِ عبد الله بن مسعود قال: قال عبد اللهبن مسعود: “إن استطعتَ أن تكون أنت المحدَّث فافعل”([105]).

– وعن السائب بن يزيد t قال:”صحبتُ سعد بن مالك(هو ابن أبي وقاص) من المدينة إلى مكة، فما سمعتُه يحدِّث عن رسول الله r، بحديثٍ  واحد”([106]).

– وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: “كان عبدُ الله (يعني ابن مسعود) يمكث السنة لا يقول: قال رسول الله r، فإذا قال: قال رسول الله r أخذته الرِّعدة، ويقول: هكذا، أو نحوه، أو شبهه”([107]).

– وعن عامر بن شراحيل الشعبي قال: “جالستُ ابنَ عمر سنةً، فلم أسمعه يذكر حديثا عن رسول الله r”([108]).

– وعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الْهُدَيْرِ، قَالَ: مَا سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِt يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r حَدِيثًا قَطُّ غَيْرَ حَدِيثٍ وَاحِدٍ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r يُرِيدُ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ، حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ، فَلَمَّا تَدَلَّيْنَا مِنْهَا وَإِذَا قُبُورٌ بِمَحْنِيَّةٍ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقُبُورُ إِخْوَانِنَا هَذِهِ؟ قَالَ: “قُبُورُ أَصْحَابِنَا “فَلَمَّا جِئْنَا قُبُورَ الشُّهَدَاءِ، قَالَ: “هَذِهِ قُبُورُ إِخْوَانِنَا([109])ْ.

أما أسباب هذا التقليل فيمكن إجمالها فيما يلي:

أ – الخوف من الوقوع في الخطأ وشبهة الكذب بسبب كثرة التحديث، فإن الإكثار قد يجرّ المحدِّث إلى رواية ما لم يتقن حفظه، فيقع في الخطأ، ثم إن ضبط قليل الرواية أكثر من ضبط كثيرها، وأبعد من السهو والغلط، ولذا جاء النهي عن أن يحدث الإنسان بكل ما سمع:

– فعن  tقال: قال رسول الله r: “كفي بالمرء كذبا أن يحدِّث بكل ما سمع”([110]).

– وعن عمر بن الخطاب t قال: “بحسب المرء من الكذبأن يحدّث بكلِّ ما سمع “([111])

قال النووي: “فيها الزجر عن التحديث بكل ما سمع الإنسان، فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب، لإخباره بما لم يكن وقد تقدم أن مذهب أهل الحق أن الكذب: الإخبارُ عن الشيء بخلاف ما هو، ولايشترط فيه التعمد، لكن التعمد شرط  في كونه إثما، واللّه أعلم”([112]).

ولهذا السبب أيضا جاء التحذير من كثرة الحديث:

– فعن أبي قتادة t قال: سمعت رسول الله rيقول علىالمنبر: “يا أيها الناسُ، إياكم وكثرة الحديث عني، فمن قال علىَّ فلا يقلْ إلا حقّا- أو صدقا – ومن قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار”([113]).

وهذا السبب – خوف الخطأ – هو الذي منع أنس بن مالك من التحديث ببعض ما سمعه من النبيr:

– فعن عَتَّاب مولى هرمز أو ابن هرمز، قال: سمعت أنس بن مالك t يقول: “لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله r – أو قالها رسول الله r، وذاك أني سمعته rيقول: “من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار”([114]).

– وعن عبد العزيز بن صهيب قال: قال أنس: إنه ليمنعني أن أحدِّثكم كثيراً أن النبي rقال: (من تعمَّد عليَّ كذبا فليتبوأ مقعده من النار”([115]).

– وعن ثابت البُناني أن بني أنس بن مالك tقالو لأبيهم: يا أبانا، ألا تحدثنا كما تحدث الغرباء؟ قال: “أي بني، إنه من يكْثِر يُهْجِر”([116]).

كما أن الخوف من الخطأ هو الذي منع حواريَّ رسول الله r الزبير بن العوام tمن كثير من الحديث:

– فعن عبد الله بن الزبير yقال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله rكما يحدِّث فلانٌ  وفلان. قال: أمَا إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول “من كذب عليَّ (زاد في بعض الروايات: متعمداً) فليتبوَّأ مقعده من النار”([117]).

قال الحافظ ابن حجر: “في تمسك الزبير بهذا الحديث على ما ذهب إليه من اختيار قلة التحديث دليل للأصح في أن الكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواء كان عمداً أم خطأ، والمخطئ، وإن كان غير مأثوم بالإجماع؛ لكن الزبير خشي من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر، لأنه، وإن لم يأثم بالخطأ؛ لكن قد يأثم بالإكثار، إذ الإكثار مظنَّة الخطأ، والثقة إذا حدث بالخطأ فحُمل عنه وهو لا يشعر أنه أخطأ يُعْمَلُ به عَلى الدوام؛للوثوق بنقله، فيكون سببا للعمل بما لم يقله الشارع.

فمن خشي من الإكثار الوقوعَ في الخطأ لا يُؤْمَنُ عليه الإثم إذا تعمد الإكثار.فمن ثَمَّ توقف الزبير وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث،وأما مَنْ أكثر منهم فمحمولٌ  على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت، أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم، فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان رضي الله عنهم “([118]).

ب – وجود من يكفيهم مؤونة الرواية وعبء التحديث:

– فعن سعد بن مسعود قال: قيل لرجلٍ  من أصحاب النبيr: مالكلا تحدِّث كما يحدث فلان وفلاًن؟ فقال: “ما بي أن لا أكون سمعت مثل ما سمعوا، أو حضرت مثل ما حضروا، ولكن لم يَدْرُس الأمر بعدُ، والناس متماسكون، فأنا أجد من يكفيني، وأكره التزيُّد والنقصان في حديث رسول الله r”([119]).

– وعن عثمان بن عفان t قال: “ما يمنعني أن أحدِّث عن رسول الله rأن لا أكون أوعى أصحابه عنه، لكن أشهد لسمعته يقول: “من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار”([120]).

ج – الخوف من مخالفة غيره من الرواة، إذ أن ذلك مدعاة للشك في ضبط الحديث وحفظه، وممن امتنع من رواية بعض الحديث لذلك عمران بن حصين y:

– فعنه t قال: “سمعت من رسول الله rأحاديث، سمعتُها وحفظتُها، ما يمنعني أن أحدِّث بها إلا أنَّ أصحابي يخالفوني فيها”([121]).

– وفي رواية عن مُطَرِّف قال: قال لي عمران بن الحُصَين: “أي مُطَرِّف،والله إن كنتُ لأرى أنى لو شئث حدَّثتُ عن رسول الله r يومين متتابعين لا أعيد حديثا، ثم لقد زادني بُطْاً عن ذلك وكراهيةً له: أن رجالاً من أصحاب محمدr – أو بعض أصحاب محمد r- شهدتُ كما شهدوا، وسمعتُ كما سمعوا، يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، ولقد علمتُ أنهم لا يَأْلُون عن الخير، فأخاف أن يُشَبَّه لي كما شُبِّه لهم “.

فكان أحيانا يقول: لو حدثتكم أني سمعتُ النبي rيقول كذا وكذا رأيتُأني قد صدقتُ. وأحيانا يعزم يقول: سمعت نبي الله rيقول كذا وكذا، ([122]).

د – خوف شغل الناس بالسنة عن القرآن، وبخاصة إذا كانوا من المسلمين الجدد، لما قد يجره ذلك من إقبالهم على السنة قبل تمام حفظهم للقران الكريم، أو قد يجر إلى بعض الخلافات نتيجة عدم الفهم الصحيح للسنة، وهذا هو السبب في دعوة عمر t الصحابة إلى الإقلال من الرواية:

– فعن قرظة بن كعب t قال: “خرجنا نريد العراق، فمشى عمر t معنا إلى صِرَارٍ([123])فتوضأ فغسل اثنتين، ثم قال: “أتدرون لم مشيتُ معكم؟”قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله r مشيتَ معنا. قال: “إنكم تأتون أهل قرية لهم دَويٌّ بالقرآن كدَوِيِّ النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جرِّدوا القرآن([124])، وأقلوا الرواية عن رسول الله r، امضوا وأنا وشريككم “.

فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا. قال: نهانا عمر بن الخطاب “([125]).

قال الدارمي بعد رواية الحديث: “معناه عندي الحديث عن أيام رسول اللهr، ليس الفرائض والسنن “.

قال الحافظ ابن عبد البر: “إن وجه قول عمر هذا إنما كان لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن، فخشي عليهم الاشتغال بغيره عنه؛ إذ هو الأصل لكل علم هذا معني قول أبي عبيد”([126]).

وقال الحافظ الذهبي: “وقد كان عمر من وجله أن يخطئ الصاحب على رسول الله rيأمرهم أن يُقلّوا الرواية عن نبيهم، ولئلا يتشاغل الناس بالأحاديث عن حفظ القرآن “، ثم ذكر القصة([127]).

أي أنه لم يكن قصد أمير المؤمنين t-كما فهم بعض الطاعنين في السنة – الزهد في رواية الأحاديث، أو الطعن على أهلها ورواتها. حاشاه منذلك! إذ “لو كره الرواية وذمَّها لنهى عن الإقلال منها والإكثار”، فإنه “لا يخلو الحديث عن رسول الله rمن أن يكون خيراً أو شراً، فإن كان خيراً – ولا شك فيه أنه خير – فالإكثار من الخير أفضل، وإن كان شراً فلا يجوز أن يُتوهم أن عمر t يوصيهم بالإقلال من الشر، وهذا يدلك على أنه إنما أمرهم بذلك؛ خوف مواقعة الكذب على رسول الله r، وخوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن؛ لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا متفقه”([128]).

ومما يدل لذلك أيضا أن عمر t – مع قرب موته من النبيr، فإنه روى حديثًا كثيراً عن النبي r، فله في مسند بقي بن مخلد (537) خمسمائة وسبعة وثلاثون حديثا، وفي مسند أحمد (310) ثلاثمائة وعشرة أحاديث، ولا يسبقه في عدد مروياته إلا عشرة من الصحابة، yأجمعين ([129]).

وأما ما رُوِي عنه من حبسه لبعض الصحابة بالمدينة لإكثارهم من الحديث، فضعيف لا تقوم به حجة([130]).

هـ – امتنع بعض الصحابة من التحديث بسبب كبر سنهم، وخوفهم من الغلط الناشئ عن ضعف الذهن ووهن الذاكرة بسبب الكبر، كما فعل زيد بن أرقم :

– فعن ابن أبي ليلى قال: كنا إذا أتينا زيد بن أرقم، فنقول له:حدثناعن رسول الله rيقول: “إنا كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله rشديد”([131]).

2 – التثبت والاحتياط في الأداء:

مثلما كان الصحابة رضوان الله عليهم يحتاطون ويتثبتون عند تحمل بعضهم عن بعض، فإنهم كانوا يحتاطون ويتثبتون عند أدائهم للحديث، حذراً من الغلط، وخوفا من الوقوع في شبهة الكذب، فيروي أحدهم ما لا يرتاب في حفظه، ويتوقف عما عارضه الشك فيه، وقد رأيتَ – فيما سبق – كيف كان ذلك يدفعهم للامتناع من التحديث أو الإقلال منه، والتحديث بما لا يشك في حفظه.

– عن يحيى بن ميمون الحضرمي أن أبا موسى (مالك بن عبادة) الغافقي t سمع عقبة بن عامرٍ الجهني tيحدث على المنبر، عن رسول الله rأحاديث، فقال أبو موسى: إن صاحبكم هذا لحافظٌ أو هالك، إن رسولالله rكان آخر ما عهد إلينا أن قال: “عليكم بكتاب الله، وسترجعون إلىِ قومٍ  يحبون الحديث عني، فمن قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومنْ حفظ شيئاً فليُحدِّثْ به”([132]).

وكذلك كان عمر بن الخطاب t يوصي بعدم التحديث عنه إلا لمن حفظ ما يرويه وعقله، وإلا فلا يحدِّث بما يشك في حفظه:

– فعن ابن عباس y، أن عمر بن الخطاب t قال:”أما بعد، فإني أريد أن أقول مقالةً قد قُدّر أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن وعاها وعقلها وحفظها فليحدِّث بها حيث تنتهي به راحلته، ومَن خشي أن لا يَعِيَها فإني لا أحِلُّ لأحدٍ أن يكذب عليَّ”([133]).

وكان أبو هريرة t يبدأ مجلس التحديث بذكر حديث التحذير من الكذب، إشارة إلى تثبته فيما يرويه؛ لئلا يعرِّض نفسه للعذاب:

– فعن كليب بن شهاب الجَرْمي قال: سمعت أبا هريرة tيقول، وكان يبتدئ حديثه بأن يقول: قال رسول الله rأبو القاسم الصادق المصدوق: “من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار([134]).

كما كان بعض الصحابة يرتعد عند رواية الحديث، فَرَقا أن لا يكون متثبتا مما يروي، ومن اللفظ الذي يرويه، وخوفا من أن يكون الوهم قد دخل عليه.

– فعن الشعبي عن مسروق، عن عبد الله (ابن مسعود) أنه حدث يوما بحديثٍ، فقال: “سمعت رسول الله r”، ثم أرْعد، وأرعدت ثيابُه، وقال: “أو نحو هذا، أو شبه هذا”([135])

-وروى عمرو بن ميمون عنه نحو ذلك فقال: “… فما سمعتُه قط يقول: قال رسول الله rإلا مرةً، فنكس رأسه، فرفع رأسه، فرأيته قد حلَّ إزاره، وانتفخت أوداجه، واغرورقت عيناه، قال: أو فوق ذاك، أو قريبا من ذاك، أو شبيها بذاك “.

وفي رواية: (إلا أنه جرى على لسانه يوما، فقال: قال رسول الله r، فعلاه كرب حتى جعل يعرق، ثم قال: إن شاء الله  ذا، أو دون ذا، أو نحو ذا”([136]).

وروى مثل ذلك عن أنس، وعن أبي الدرداء([137])وغيرهم y.

3 – توثيق الرواية وبخاصة عند الحاجة:

كان الصحابة رضوان الله عليهم مع تمام صدقهم وعدالتهم – حريصين على توثيق رواياتهم، وبخاصة إذا دعت إلى ذلك حاجة، كأن سئلوا عن سماعهم، أو شعروا بتشكك من يحدثونهم، أو نحو ذلك.

وكان هذا التوثيق يأخذ أشكالاً متنوعة، كذكر عدد مرات سماعه للحديث من النبي r، أو ذكر تاريخ الحديث، أو وصف حالة النبي rعند إلقاء الحديث والمكان الذي كان فيه، والظروف المصاحبة لذلك، أو وصف قربه من النبيr عند إلقاء الحديث، أو التأكيد بسماع الأذن وبصر العين، أو الحلف على سماع الحديث من النبي r أو نحو ذلك، وهناك أمثلة تدل على ذلك:

– عن أبي غالب – واسمه حَزَوَّر، أو سعيد بن حَزَوَّر – قال: رأى أبو أمامة رؤوسا منصوبةً على دَرَج مسجد دمشق، فقال أبو أمِامة: “كلاب النارٍ، شر قتلى تحت أديم السماء، خيرُ قَتْلى: مَن قتلوه”ثم قرأ]يَوْمَ تَبْيَضُّ وَجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وَجُوهٌ[إلى آخر الآية (آل عمران: 106).

قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله r؟ قال: “لو لم أسمعه إلامرةً أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا – حتى عدَّ سبعاَ – ما حدثتكموه “([138]).

وقد سبق حديث أبي أمامة عن عمرو بن عبسة السلمي في قصة إسلامه،وفي آخره قول عمرو: “لو لم أسمعه من رسول الله rإلا مرةً أو مرتين أو ثلاثا – حتى عدَّ سبع مرات – ما حدثت به أبداً، ولكني سمعتُه أكثر من ذلك “([139]).

وفي حديث الوليد بن عبادة بن الوليد عن أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري؛ قال أبو اليسر: “أشهد بَصُر عينيَّ هاتين، وسمع أذنيّ هاتين، ووعاه قلبي”([140]).

– وعن معاذ بن جبل t قال: كنت رِدْف النبيr، ليسبيني وبينه إلا مُؤْخرَة الرَّحْل([141])، فقال: “يا معاذُ بنَ جبل”. قلت: لبَّيْك رسول الله وسعديك… الحديث في حق الله على العباد وحق العباد على الله ([142]).

قال النووي في التعليق على قوله “ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل”: “أراد المبالغة في شدة قربه؛ ليكون أوقع في نفس سامعه؛ لكونه أضبط “([143]).

– ومن ذلك قول أنس بن مالك t: “رأيت رسول الله r، والحلاَّق يحلقه،وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرةٌ إلا في يد رجل”([144]).

فقد وصف أنس tالحالة والهيئة التي كان عليها النبي rوالناس من حولهحين جلس للحلاق.

– ومن الحلف ما رواه المقداد بن الأسود tقال: أيم الله، لقد سمعت رسول الله rيقول: “إن السعيد لَمَنْ جُنّب الفتن، إن السعيد لَمَنْ جُنّب الفتن، إن السعيد لَمَنْ جُنّب الفتن، ولَمَنْ ابتُلى فصبر، فواهًا”([145]).

4 – الرواية باللفظ ما أمكن:

كان الصحابة yحريصين على أداء الأحاديث بلفظها الذي سمعوه ما أمكنهم ذلك، من غير تغييرٍ ولا تقديم ولا تأخير، وممن عظمت عنايته بذلك: عبد الله بن عمر y:

-فعن أبي جعفر محمد بن على بن الحسين yقال: “لم يكن من أصحاب رسول الله rأحد إذا سمع من رسول الله r، لا يزيد فيه، ولا ينقص، ولا، ولا، مثل عبد الله بن عمر”.

وفي رواية: (كان ابن عمر إذا سمع الحديث لم يزد فيه، ولم ينقص منه،ولم يجاوزه، ولم يقصر عنه ([146]).

ويتضح ذلك في المثال التالي:

– عن سعد بن عبيدة، عن ابن عمر، عن النبي rقال: “بني الإسلام على خمسة: على أن يُوَحَّد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج”. فقال رجلٌ: الحج وصيام رمضان؟ قال:”لا، صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله r”([147]).

وربما سمع ابن عمر الرجل يبدل لفظا بلفظ آخر في معناه، فيرد عليه روايته ويذكر له اللفظ على ما سمعه من رسول الله r:

– فعن أبي جعفر محمد بن على قال: “كان عبد الله بن عمر y إذا سمع من النبي rشيئا، أو شهد معه مشهداًلم يَقْصُر دونه أو يعدوه. قال: فبينما هو جالس وعُبَيد بن عمير (ابن قتادة الليثى t) يقص على أهل مكة، إذ قال عُبيد بن عُمير: “مثل المنافق كمثل الشاة بين الغنمين، إن أقبلتْ إلى هذه الغنم نطحتها، وإن أقبلت إلى هذه نطحتها”. فقال عبد الله بن عمر: ليس هكذا. فغضب عبيد بن عمير، وفي المجلس عبد الله بن صفوان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف قال؟ رحمك الله. فقال: “مثل المنافق مثل الشاة بين الربيضين([148])، إن أقبلت إلى ذا الربيض نطحتها، وإن أقبلت إلى ذا الربيض نطحتها”([149]) فقال له: رحمك الله، هما واحد، قال: “كذا سمعت”([150])

وممن كان يفعل ذلك أيضا: أبو أمامة الباهلي t:

– فعن حبيب بن عبيد الرحبي قال: “إن كان أبو أمامة ليحدثنا الحديث كالرجل الذي عليه أن يؤدي ما سمع “([151])

وقد كان عمر tيوصي بذلك ويحض عليه.

– فعنه tقال: “من سمع حديثا فأَّداه كما سمع فقدسَلِم”([152]).

وهذا هو مقتضى الحديث الشريف: “نضر الله امرءاً سمع منا حديثا، فبلَّغه كما سمعه، فربَّ مبلغٍ  أوعى له من سامع”([153]).

5 – الرواية بالمعني إذا صح المعني: فإذا ما استصعب الإتيان باللفظ قام الصحابي برواية الحديث بالمعني، وهم أعلم الناس باللغة وبمقاصد الشريعة، وأعرف الناس بنبيهم ومعانى كلامه الكريم، ومواقع خطابه r، والمحتمل من معانيه وغير المحتمل، وممن قال بذلك واثلةُ بن الأسقع t:

– فعن مكحول قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع t، فقلنا: يا أبا الأسقع، حدِّثْنا بحديث سمعتَه من رسول الله r، ليس فيه وهم ولا زيادة ولا نقصان. قال: “هل قرًأ أحدٌ منكم من القرآن هذه الليلة شيئا؟”قال: فقلنا: نعم، وما نحن له بحافظين، حتى إنا لنزيد الواو والألف، وننقص. قال: “فهذا القران مذ كذا بين أظهركم، لا تألون حفظه، وإنكم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون، فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله r، عسى أنلا نكون سمعناها منه إلا مرة واحدة؟ حسبكم إذا حدثتكم بالحديث على المعني”([154]).

وممن قال بذلك عائشة رضي الله عنها:

– فعن عروة بن الزبير قال: قالت لي عائشة رضي الله عنها: “يا بني،إنه يبلغني أنك تكتب عني الحديث، ثم تعود فتكتبه”. فقلت لها: أسمعه منك على شيء، ثم أعود فأسمعه على غيره. فقالت: “هل تسمع في المعني خلافا؟”قلت: لا. قالت: “لا بأس بذلك”([155]).

وكذلك فعل عدد كثير من الصحابة رضوان الله عليهم.

– فعن زرارة بن أبي أوفي قال: “لقيتُ عدةً من أصحاب النبي r، فاختلفوا في اللفظ، واجتمعوا في المعني”([156]).

– وعن محمد بن سيرين قال: “كنت أسمع الحديث من عشرةٍ، اللفظ مختلف، والمعني واحد”([157]).

– وعن أبي سعيد الخدري t قال: “كنا نجلس إلى النبي r، عسى أن نكون عشرة نفر، نسمع الحديث، فما منا اثنان يؤديانه، غير أن المعني واحد”([158])

6 –الحض على عدم الأخذ إلا عن ثقة:

علم الصحابة رضوان الله عليهم أهمية السنة ومنزلتها، وأدركوا أنه لا بد أنتحدث محاولات من بعض ضعاف النفوس وضعاف الإيمان، ممن يدخلون في الإسلام حديثا، ومن بعض الكائدين للدين، وذلك بالتساهل في رواية كل ما يُعرض عليهم، أو حتى اختراع ووضع بعض النصوص، ونسبتها إلى النبيr، أو إلى بعض أصحابه، ولذلك وضعوا قاعدة عدم الأخذ إلا عن ثقة، وأوصوا تلامذتهم وبنيهم بذلك.

– فعن ثابت بن أسلم البناني قال: قال لي أنس بن مالك: يا ثابت خذ عني، فإنك لم تأخذ عن أحد أوثق مني، إني أخذته عن رسول الله r، عن جبريل، وأخذه جبريل عن الله تعالى([159]).

– وعن عقبة بن عامر t، أنه لما حضرتْه الوفاةُ قال: “يابني، إني أنهاكم عن ثلاث، فاحتفظوا بها: لا تقبلوا الحديث عن رسول الله rإلا عن ثقة، ولا تَدينوا([160])وإن لبستم العَبَاء، ولا تكتبوا شعراً تشغلوا به قلوبكم عن القرآن”([161]).

ومن ثَمَّ بدأ الصحابة في التفتيش والتدقيق قبل قبول الرواية، وفي تمييز المقبولمن المردود، وبخاصة بعد أن حدثت الفتنة الكبرى، وظهرت بوادر الوضع في الحديث: 288 – قال عبد الله بن مسعود t: “إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل، فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب، فيتفرقون، فيقول الرجل منهم: سمعت رجلاً أعرف وجهه، ولا أدري ما اسمه، يحدث”([162]).

– وعن طاوس قال: جاء هذا إلى ابن عباس (يعني بُشَير بن كعب) فجعل يحدثه، فقال له ابن عباس: “عُدْ لحديث كذا وكذا”. فعاد له، ثم حدثه، فقال له: “عُدْ لحديث كذا وكذا”. فعاد له، فقال له: ما أدري، أعرفت حديثي كله، وأنكرتَ هذا؟ أم أنكرتَ حديثي كله، وعرفتَ هذا؟ فقال له ابن عباس:”إنا كنا نحدِّث عن رسول الله rإذ لم يكن يكذَب عليه، فلما ركب الناس الصَّعْبَ والذَّلول تركنا الحديث عنه “([163]).

– وعن طاوس، عن ابن عباس yقال: “إنما كنا نحفظ([164]) فهيهات”.

– وعن مجاهد قال: جاء بُشيرٌ العدوى إلى ابن عباسٍ، فجعل يحدِّثويقول: قال رسول الله r، قال رسول الله r. فجعل ابن عباس لا يَأْذَن (أيلا يستمع ولا يُصغي) لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباسُ ما لي لا أراكتسمع لحديثي؟ أحدِّثك عن رسول الله rولا تسمع؟ فقال ابن عباس: “إنا كنامرَّةً إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله rابتدرتْه أبصارُنا، وأصغيْنا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذمن الناس إلاَّ مانعرف “([165]).

– وعن ابن سيرين قال:”لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعتالفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم. فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثُهم، ويُنظَر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثُهم ([166]).

والمقصود بالفتنة: الفتنة الكبرى التي حدثت بمقتل عثمان بن عفان t، وانقسام الأمة إلى شِيَع وفرقٍ  وأحزاب.

وربما سمع الصحابي تابعيا يحدث فراجعه ليستوثق من حفظه وضبطه:

– من ذلك ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ t قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ r، فَقَالَ: “إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا “…الحديث في نوم النبي r والصحابة عن صلاة الفجر، وشدة عطشهم لفقد الماء وبركة النبي r حين دَعَا بِمِيضَأَةِ أبي قتادة، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ r يَصُبُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ، فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً (أي مستريحين قد رووا من الماء).

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ: إِنِّي لَأُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ، إِذْ قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍy: انْظُرْ أَيُّهَا الْفَتَى كَيْفَ تُحَدِّثُ، فَإِنِّي أَحَدُ الرَّكْبِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. قَالَ: قُلْتُ: فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ. فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: حَدِّثْ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِحَدِيثِكُمْ، قَالَ: فَحَدَّثْتُ الْقَوْمَ، فَقَالَ عِمْرَانُ: لَقَدْ شَهِدْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا حَفِظَهُ كَمَا حَفِظْتُهُ([167]).

7 – نقد المتن:

لم يكن أحد من الصحابة يشك في صدق أخيه وعدالته؛ فإنهم كانوا لايكذبون ولا يعرفون ما الكذب، وما كان تثبُّت بعضهم من رواية بعضا غمزاً ولاتكذيبا، وإنما كان احتياطا للدين، لكنهم يعلمون – مع ذلك – أن السمع قديخطئ، وأن العقل قد يفلت منه الشيء بعد الشيء لا يضبطه ولا يُحْكِمه،فينساه، أو يخطئ في روايته، ولذلك اهتم الصحابة بنقد المتن، وذلك بعرضهعلى ما حفظوه وما علموه من نصوص وقواعد الشريعة، وخطَّأ بعضهم رواية بعض فيما اختلفوا فيه؛ لا من جهة الشك في العدالة، بل من جهة ظن عدمالضبط.وقد نبغ في ذلك عمر وعائشة وابن عباس وغيرهم y.

– فمن ذلك حديث فاطمة بنت قيسٍ رضي الله عنها في قصة طلاقها:قالت: “طلَّقني زوجي ثلاثا فلم يجعل لي رسول الله r سكنى ولا نفقة”([168]).

فهذا الحديث حين سمعه عمر وعائشة رضي الله عنهما انتقدا متنه:

– فأما عمر: فروى أبو إسحاق السَّبِيعيُّ قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسا في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبيُّ، فحدَّث الشعبيُّ بحديث فاطمة بنت قيس: “أن رسول الله r لم يجعل لها سكنى ولا نفقة”. ثم أخذ الأسود كفًّا من حصىً، فَحصَبَه به، فقال: ويلك! تحدث بمثل هذا؟ قال عمر: “لا نترك كتاب ربنا وسنة نبيناr لقول امرأة، لا ندري، لعلها حفظتْ أوِ نسيتْ، لها السكنىِ والنفقة. قال الله عز وجل]لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّوَلاَيَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَة[([169])(الطلاق:1).

– وأما عائشة: فقالت – حين ذُكر الحديث – للقاسم بن محمد بن أبي بكر: “لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة”([170]).

– وقالت لعروة بن الزبير: “أما إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث “([171]).

– وقالت كذلك: “ما لفاطمة؟ ألا تتقى الله؟”يعني في قولها “لا نفقةولا سكنى”([172]).

– وقال عروة: “عابت عائشةُ أشدَّ العيب، وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحشٍ، فخِيف على ناحيتها، فلذلك أرخص لها النبيr”([173]).

فعمر وعائشة رضي الله عنهما لم يقبلا حديث فاطمة، وتوقفا في العمل به،أما عمر فلاحتمال خطئها ونسيانها، وأما عائشة فلاعتبار ذلك خاصّاَ بها، خوفاَ عليها من المكان الوحش، فلا يصح أن يروى على كونه عاماً في كل بائنة بينونة كبرى، وقد أيدا نقدهما بالآية الكريمة التي تنهي عن إخراج المطلقات من البيوت، مالم يأتين بفاحشة مبينة.

– ولعلَّ مما يؤيد نقدهما ما رواه عروة عن فاطمة قالت: “قلت: يا رسول الله زوجي طلَّقني ثلاثا، وأخافُ أن يُقْتَحَم عليَّ”. قال عروة: فأمرها، فتحوَّلتْ”([174]).

ومن أجمل وأحسن ما جاء في نقد المتن: ما فعله ابن عباس y حين ذُكر له اختلاف أصحاب رسول الله rفي رواياتهم صفة إهلال رسول الله r في حجة الوداع:

– فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ، عَجِبْتُ لِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ rفِي إِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ rحِينَ أَوْجَبَ! فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ، إِنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r حَجَّةً وَاحِدَةً، فَمِنْ هُنَاكَ اخْتَلَفُوا، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ r حَاجًّا، فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أَوْجَبَ فِي مَجْلِسِهِ، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظْتُهُ عَنْهُ، ثُمَّ رَكِبَ فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ أَرْسَالًا، فَسَمِعُوهُ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ يُهِلُّ، فَقَالُوا: إِنَّمَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ r حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ r فَلَمَّا عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ، فَقَالُوا: إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ، وَايْمُ اللَّهِ، لَقَدْ أَوْجَبَ فِي مُصَلَّاهُ، وَأَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، وَأَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ. قَالَ سَعِيدٌ: فَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَهَلَّ فِي مُصَلَّاهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ([175]).

وقد جمع الزركشى –  وتبعه السيوطى – ما استدركته عائشة على الصحابة، وكله داخل في نقد المتن، فلا نطيل بذكره هنا.

 

آداب الرواية عند الصحابة

لا شك أن الصحابة رضوان الله عليهم تأثروا أعظم التأثر بطريقة النبيrفي التعليم، وبوسائله التربوية الرفيعة في الإلقاء، وبتوجيهاته الرائعة الرائدة في أصول التبليغ والتوجيه، وأفادوا من كل ذلك أيما إفادة، فكانوا على المستوى اللائق بتلاميذ أعظم معلم ظهر في حياة الناس على الإطلاق r، فكانت لهم آدابهم العالية في تعليم من بعدهم، وفي أداء الأمانة التي حملوها.

وسأورد أهم تلك الآداب إن شاء الله تعالى فيما يلي:

1- الترحيب بطلاب العلم:كان الصحابة رضوان الله عليهم يرحبون بالشباب طلاب العلم، وبخاصة الذين يأتون إليهم من الأقطار المختلفة حبّا في العلم، والصحابة في ذلك يعملون بوصية النبيr إياهم بطلاب العلم.

– عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري t، أنه كان إذارأى الشباب قال: “مرحبا بوصية رسول الله r، أمرنا أن نحفِّظكم الحديث، ونُوَسِّع لكم في المجالس “([176])

– وعن عبد الله بن أبي العيزار قال: “كان ابن مسعود إذا رأى الشباب يطلبون العلم قال: مرحبا بكم ينابيع الحكمة، ومصابيح الظلمة، خُلْقان([177]) الثياب، جدد القلوب “([178]).

2 – عدم التقدم على الأكابر في التحديث: وهذا من توقير الكبار الذي أمرتبه الشريعة، وحض عليه النبي r، ومن إنزال الناس منازلهم، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أكثر الناس اتباعا لهذا الأدب وقياما به.

– عن أبي سعيد سَمُرة بن جندب tقال: “لقد كنت على عهد رسول الله rغلاما، فكنتُ أحفظ عنه، فما يمنعني من القول إلاَّ أن هاهنا رجالاً هم أسنّ مني، قد صليت مع رسول الله rعلى امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها رسول الله rفي الصلاة وسطها”([179]).

3 – تكرير الكلام وإعادة الحديث: وذلك تأسِّيا بالنبي r:

– فعن عبد الله بن عمر yقال: “إذا أراد أحدُكم أن يروى حديثا فليردِّدْه ثلاثا”([180]).

– وعن علىّ بن مُدْرك، سمع رجلاً يحدِّث عن  “أنه كان إذا حدَّث حديثا أعاده ثلاث مرات ([181]).

– وعن الأسود بن يزيد قال: “كان عبد الله (يعني ابن مسعود) يعلمنا التَّشَهّد كما يعلمنا السورة من القرآن، فيأخذ علينا في الألف والواو”([182]).

4 – عدم الإملال ومراعاةُ أوقات النشاط: وهذا مما تأسَّوْا فيه بالنبي r، فقد تعلَّموا أن من أطال الحديث وأكثر القول فقد عرَّض أصحابه للملال وسوء الاستماع، وأن المعلِّم إن ترك فضلةً من حديثه ثم عاد إليها بعد ذلك كان أفضل وأصلح من أن يلقي على الطلاب ما يلزمهم استماعه من غير رغبة فيه ولا نشاطٍ  له.

وقد رأينا فيما سبق كيف تأسَّى ابن مسعود بذلك، فكان يحدِّث أصحابه كلخميس، مع علمه بانتظارهم إياه، وشغفهم بحديثه وتمنيهم أن يحدثهم كل يوم، فقال لهم: “أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أمِلًكم “([183]).

وكان يوصي أصحابه بذلك:

– فعن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: “لا تُمِلُّوا الناس”([184]).

– وعن كُرْدوس الثعلبي، عن عبد الله قال: “إن للقلوب نشاطاَ وإقبالاً،وإن لها توليةً وإدباراً، فحدِّثوا الناس ما أقبلوا عليكم”([185]).

– وعنه t قال: “حدِّث القومَ ما حدَّقوك بأبصارهم، فإذا غضُّوا فأمْسِك”([186]).

وبذلك أوصى ابن عباس yمولاه عكرمة رحمه الله:

– فعن عكرمة، عن ابن عباس yقال: “حدِّث الناسِ كلَّ جمعة مرةً، فإن أبيْتَ فمرتين، فإن أبيْتَ فثلاثَ مراتٍ، ولا تُمِلَّ الناس هذا القرآنً، ولا ألفينَّك تأتي القومَ وهم في حديث من حديثهم، فتقصَّ عليهم، فتقطعَ عليهم حديثهم، فتُملَّهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدِّثْهم وهم يشتهونه، وانظر السجع من الدَعاء فاجتنبه؛ فإني عهدتُ رسول الله rوأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب”([187])

ويبدو أن ذلك كان شائعا بين سائر الصحابة y:

– فعن الحسن البصري رحمه الله قال: “كان يقال: حدِّث القومَ ما أقبلوا عليك بوجوههم، فإذا التفتوا فاعلم أن لهم حاجات”([188]).

فقوله “كان يقال”يدل على شيوع هذه المقالة فيما بينهم عن الصحابة، واللّه أعلم.

5 – تشجيع الطلاب على السؤال وعدم التهيب:

وقد بينت في الفصل السابق كيف أن السؤال والإجابة عليه من مناهج الصحابة في الأداء، وكيف أنهم كانوا يحثون تلامذتهم على ذلك.

كما كانوا يطلبون من تلامذتهم عدم التهيُّب منهم أو التردد في سؤالهم، متى علموا أن عند مَنْ يسألونه علما عما يسألونه عنه:

– فعن سعيد بن المسيب، قال: قلت لسعد بن مالك (هو ابن أبي وقاص t): إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أهابك. قال: “لا تهبني يا ابن أخي، إذا علمتَ أن عندي علما فسَلْني عنه”قال: قلت: قول رسول الله r لعليّ في غزوة تبوك حين خلفه؟ فقال سعد: “قال رسول الله r: يا على، أما ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى” ([189]).

وإذا كان التابعون يتهيبون أن يسألوا الصحابة إجلالا واحتراما فإن الصحابةy كانوا يترفقون بهم ولا يمتنعون من إجابتهم على أي سؤال:

– فعن عبد الله بن رافع قال: قلت لأبي هريرة: لِمَ كُنِّيتَ أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: أَمَا تَفْرَقُ مِنِّي؟ قُلْتُ: بَلَى وَاللهِ إِنِّي لَأَهَابُكَ. قَالَ t: كُنْتُ أَرْعَى غَنَمَ أَهْلِي، فَكَانَتْ لِي هُرَيْرَةٌ صَغِيرَةٌ، فَكُنْتُ أَضَعُهَا بِالَّليْلِ فِي شَجَرَةٍ، فَإِذَا كَانَ النَّهَارُ ذَهَبْتُ بِهَا مَعشي، فَلَعِبْتُ بِهَا، فَكَنَّوْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ([190]).

6 –تفويض العلم إلى الله  فيما لا علم لهم به:

وهم في ذلك أيضا مؤتسون بالنبي r الذي كان يكل علم ما لا يعلم إلى الله. ولا ريب أن تفويض العلم إلى الله فيما لا علم للإنسان به هو من كمال الفتوة والأدب وتمام الورع، وهذا ما كان عليه الصحابة y، وأوصوا به تلامذتهم:

– فعن مسروق قال: بينما رجلٌ  يحدِّث في كندة، فقال: يجيء دخانٌيوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام. ففزعنا، فأتيت ابن مسعود، وكان متكئا، فغضب، فجلس، فقال: “مَنْ علم فليقلْ، ومَنْ لم يعلم فليقلْ: الله أعلم؛ فانَّ من العلِمِ أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فان الله قال لنبيه ]قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍوَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ[ (ص: 86)، وإن قريشا أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي r…”فذكر الحديث في تفسير قوله تعالى:]فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ[([191]) (الدخان: 10).

– وقال على بن أبي طالب t: “وابَرْدَها على الكبد (فيرواية: ثلاث مرات) إذا سئلتُ عما لا أعلم أن أقول: لا أعلم”([192]).

– وعن عروة بن الزبير، عن ابن عمر y”أن رجلاً سألهعن مسألة، فقال: لا علم لي بها. فلما أدبر الرجل قال: نعم ما قال ابنُ عمر، سئل عمالا يعلم، فقال: لا علم لي به”([193]). وروى نافع عن ابن عمر نحوه ([194]).

7 – تمثيل فعل النبي r عند تعليم غيرهم: وهذا من أمثل وسائل التعليم، وأفضل وسائل التربية والتوجيه؛ أن يقوم الصحابي بأداء الفعل بمثل ما رأى النبي r يفعله، فيكون ذلك أوقع في نفس المتعلِّم، وألصق بذهنه:

– فمن ذلك: ما رواه ابن عباس yقال: “أخذ عمر t بيدي، فعلَّمني التشهد، وزعم أن رسول الله rأخذ بيده، فعلَّمه التشهد: التحيات للّه، والصلوات الطيبات المباركات للّه”([195]).

– ومن ذلك ما رواه حُمْران مولى عثمان بن عفان t، أنهرأى عثمان دَعَا بَوضوء، فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض، واستنشق، واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كل رجلٍ  ثلاثاَ، ثم قال: رأيت النبي rيتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال: “من توضأ نحو وضوئي هذا، ثمصلى ركعتين، لا يحدِّث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه”([196]).

– وفعل مثل ذَلك ابنُ عباسٍ  y، ثم قال: “هكذا رأيتُرسول الله rيتوضأ”([197]).

– وعن يحيى المازنى، أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد: أتستطيع أن ترينيكيف كان رسول الله rيتوضأ؟ قال: نعم…”الحديث في قيامه بتمثيل وضوء النبي r([198]).

– وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: “دخلتُ أنا وأخو عائشة علىعائشة رضي الله عنها، فسألها أخوها عن غُسل النبي r  فدعتْ بإناء نحو منصاع، فاغتسلتْ، وأفاضتْ على رأسها، وبيننا وبينها حجاب”([199]).

قال ابن حجر: “وفي فعل عائشة دلالة على استحباب التعليم بالفعل؟ لأنهأوقع في النفس، ولما كان السؤال محتملاً للكيفية والكمية ثبت لهما ما يدل علىالأمرين معا: أما الكيفية فبالاقتصار على إفاضة الماء، وأما الكمية فبالاكتفاءبالصاع”([200])

8 – مراعاة أنهم قدوة يُقتدى بهم:

علم الصحابة رضوان الله عليهم أنهم أئمةٌ يقتدى بهم، فراعوا ذلك فيأعمالهم وسائر أحوالهم؛ ليكون حالهم أسوةً لمن وراءهم:

– فعن نافع أنه سمع أسلم مولى عمر بن الخطاب يحدث عبد الله بنعمر، أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا وهو محرم،فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين، إنمامَدَرٌ. فقال عمر: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم الناس، فلو أن رجلاً جاهلاًرأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة فيالإحرام، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئًا من هذه الثياب المصبغة([201]).

– وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: كان أبي إذا صلى في المسجد تجوَّز([202])وأتمَّ الركوعَ والسجودَ، وإذا صلى في البيت أطال الركوعَ والسجودَ والصلاةَ، قلت: يا أبتاه، إذا صلَّيْتَ في المسجد تجوَّزْتَ، وإذا خلوْت في البيت أطَلْتَ؟ قال: “يا بني، إنا أئمةٌ يُقْتَدى بنا”([203]).

ولهذا دَعَوْا من وراءهم إلى التشبه بهم، والنسج على منوالهم:

-فعن ابن عمر y قال: “من كان مُسْتَنا فليستنَّ بمن قدمات، أولئك أصحاب محمد r، كانوا خير هذه الأمة، أبرَّها قلوبا، وأعمقَها علما، وأقلَّها تكلفا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه r ونقل دينه، فتشبَّهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحابُ محمد r، وكانوا على الهدى المستقيم”([204]).

وروي مثل ذلك عن عبد الله بن مسعود([205]).

9 –إظهار الغضب على من يتلهى في مجلس الحديث:

كان الصحابة رضوان الله عليهم أكثر الناس تأدُّبا مع السنة وفي مجالس العلم والحديث، وقد مرَّ بنا من قبل طرفٌ من ذلك، ولهذا كان يسيئهم جداً استهانة أحد بمجلس الحديث عن رسول الله r، وعدم إقباله على السماع بالإنصات التام والأًدب الكامل اللائق به، وعندئذ يكون إظهار الغضب لونا من ألوان التعليم، ولفت الأنظار، وإثارة انتباه الجميع أ وتوبيخ المخطئ.

– من ذلك ما رواه أبو حازم سلمة بن دينار، عن سهل بن سعد y، أنه كان في مجلس قومه، وهو يحدثهم عن رسول الله r، وبعضهم مقبلٌ  على بعض يتحدثون، فغضب، ثم قال:”انظر إليهم! أحدثهم عن رسول الله r، عما رأت عيناي، وسمعت أذناي، وبعضهم مقبلٌ على بعض! أما واللّه لأخرجن من بين أظهركم، ثم لا أرجع إليكم أبدأ”.

قلت له:أين تذهب؟ قال:”أذهب فأجاهد في سبيل الله…”الحديث([206])

10- تغيير ضمائر الكلام إذا أفضت حكايتها على وجهها إلى قبيح:

وهذا من التصرف الجائز في الألفاظ، إذا كانت حكايتها على وجهها تسيءإلى المتكلم:

– من ذلك ما رواه المسيب بن حَزَن tقال: “لما حضرت أبا طالب الوفاةُ جاءه رسول الله r، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرةً، فقال رسول الله r: “يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمةً أشهد لك بها عند الله”، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله rيعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبي أن يقول: لا إله إلا اللّه…”الحديث ([207]).

فأصل قول أبي طالب: “أنا على ملة عبد المطلب”، ولكن الصحابي استقبح حكاية الكلام بضمير المتكلم. قال النووي: “فهذا من أحسن الآداب والتصرُفات، وهو أن مَنْ حكى من قول غيره القبيح أتى به بضمير الغيبة؛ لقبح صورة لفظه الواقع”([208]).

11- مراعاة حال من يلقى إليهم الحديث:

لا ريب في أن الناس تتفاوت مداركهم ومعارفهم، وتتباين ظروفهم وبيئاتهم، وأن ما يصلح لفرد أو لطائفة قد لا يصلح لغيرهما، وأن بعضهم قد يقصر عقله عن فهم المقصود ببعض الأخبار، فإذا سمعوها حصلت لهم فتنة في أنفسهم، وبعضهم قد يكون سيء القصد، فإذا سمع أخباراً معينةً أساء تأويلها، وحَمَلَها على غير وجهها متابعة لهواه، ومن ثم وجب على المحدِّث أن يراعى ذلك، فلا يحدِّث بما لا تحتمله عقول العوام، وذلك ما تحلَّى به الصحابة، وحَضُّوا عليه، ونبَّهوا إليه:

– فعن على بن أبي طالب tقال: “حدِّثوا الناس بمايعرفون، أتحبون أن يكَذَّب الله ورسوله “([209]).

– وعن عبد الله بن مسعود tقال: “ما أنت بمحدِّث قوماَ حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة”([210])

– وعنه t أنه كان يقول: “أكِثروا العلمَ، ولا تضعوه في غيرأهله، كقاذف اللؤلؤ إلى الخنازير”([211]).

-”وعنه tقال: “إن الذي يفتى الناس في كلِّ ما يُسْتَفْتَى لمجنون”([212]).

ولهذا امتنع جماعة من الصحابة عن ذكر بعض الأحاديث التي سمعوها من النبي rفي ظروفٍ  خاصة وبصورة خاصةٍ، حتى لا تكون فتحاً لباب فتنة:

– فعن  رضي الله عنه قال: “حفظتُ من رسول الله r وعاءين، أما أحدهما فَبَثَثْتُه، وأما الآخر فلو بثثتُه قُطِع هذا البلعوم”([213]).

– وعنه t قال: “لو أحدثكم بكل ما أعلمه لرميتمونى بالقشْع”([214]).

وفُسِّر القشع في رواية أخرى بالمزابل ([215]).

– وقال أيضا: “حفظتُ من رسول الله rخمسة جُرُب، فأخرجتُمنها جرابين، ولو أخرجتُ الثالث لرجمتموني بالحجارة”([216]).

– وعن حذيفة بن اليمان y قال:”واللّه لو شئتُ لحدثتكمألف كلمة تحبوني عليها، أو تتابعوني وتصدقوني، برَّا من الله ورسوله، ولو شئتُ لحدثتكم ألف كلمة تبغضوني عليها وتجانبوني وتكذبوني”([217]).

وبَدَهي أن ما كتمه أبو هريرة وحذيفة وغيرهما من أصحاب النبي rهو ممالا يتعلق بالأحكام الشرعية؛ إذ لا يُعقَل أن يختص النبي rبعض الصحابة بذلك دون بعض، كما أنه ليس من الأخلاق والآداب ونحوها، وإنما هو مما يتعلق ببعض أشراط الساعة، والفتن التي ستحدث في الأمة، ونحو ذلك، مما يمكن أن يكون سببا لشق الصفوف وتفريق الأمة، أو يكون مما يصعب على بعض العقول تصوُّرُه، فتسبق إلى اتهام الراوي له بالخرق والحمق ([218]).

 

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*