الأربعاء , 23 أغسطس 2017
جديد الموقع
الرئيسية » مقالات » بأقلامكم » منهج النبى صلى الله عليه وسلم في حلِّ الخلافات الزوجية
منهج النبى صلى الله عليه وسلم في حلِّ الخلافات الزوجية
منهج النبى صلى الله عليه وسلم في حلِّ الخلافات الزوجية

منهج النبى صلى الله عليه وسلم في حلِّ الخلافات الزوجية

أ.د/ ياسر ابوشبانه
استاذ الدعوة بجامعة الأزهر
لنفترض أن الوقاية لم تنجح، وأن الخلاف بين الزوجين قد وقع بالفعل، فماذا عساه يفعل الزوج لحلِّ هذا الخلاف والقضاء على هذه الأزمة ؟! هنا تكون الأسوة بالنبى  واجبة وضرورية ؛ فإننا إن كنا قد عجبنا مما شاهدناه في العناصر السابقة من سموٍّ ورفعة فسيزداد عجبنا وسيتضاعف انبهارنا بما سنراه من طريقته في حلِّ الخلافات الزوجية .
حدث خلاف ذات مرة بين النبى  والسيدة عائشة رضى الله عنها- فقال لها :” مَنْ ترضين حكما بينى وبينك ؟ أترضَيْن بعمر ؟! ” فقالت: لا إنى أهاب شدَّته وغلظته، فقال :” أترضَيْن بأبى عبيدة ؟! ” قالت: لا، إنه يحبك وسيحكم لك، فقال :” أترضين بأبيك أبى بكر ؟ ” فقالت: نعم .. فبعث إليه النبى  ، فلما دخل عليهما قال النبى  للسيدة عائشة :” تتكلمين أنت أوَّلاً أم أتكلم أنا ؟ ” فقالت: تكلَّمْ يا رسول الله ولا تَقُلْ إلا حقاً. فقام سيدنا أبو بكر  إلى ابتنه ليضربها، فاحتَمَتْ بظهر النبى  الذى قال لأبى بكر: ” دعوناك محَّكماً ولم نَدْعُكَ مؤَدِّبا ، فاخرج فما لهذا دعوناك ” ، فلما خرج أبو بكر تنحَّت السيدة عائشة جانبا، فأراد النبى  أن يلاطفها فقال لها :” ادْن منى ” ، فلم تقترب، فقال لها :” لقد كنتِ من قبلُ شديدة اللزوق بظهرى ” (يقصد أنها كانت منذ لحظات تحتمى بظهره خوفا من أبيها) فضحكت رضى الله عنها وضحك المصطفى  ، ودخل عليهما الصديق  وهما يضحكان فقال لهما : أَشْركانى في سِلْمكما كما أشرْكتمانى في حربكما . ( )
فتأمَّل معى أخى الكريم ما في هذا الموقف العظيم من معانٍ جليلة ومبادئ سامية، لابدَّ من توجيه أنظار مستمعيك إليها :
# بيِّن لهم أولا عظمته  حينما لجأ إلى أسلوب التحكيم في الخلاف بينه وبين السيدة عائشة رضى الله عنها ، مع أنه  كان يملك عليها حق الطاعة الكاملة والامتثال التام ؛ بمقتضى أنه رسول الله، طاعته جزء من طاعة المؤمن لربه :{من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا}( ) ، والمؤمن مكلف بطاعته مباشرة بعد طاعة الله عز وجل :{ قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين }( ) … إلخ .
كما أنه  كان يملك عليها حق الطاعة بمقتضى أنه ولىُّ الأمر وقائد الأمة ورئيس الدولة ، وطاعة ولىِّ الأمر واجبة في حدودها وضوابطها المعروفة، {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ...}( )… كما أنه  كان يملك عليها حق الطاعة بمقتضى أنه الزوج، وطاعته من هذه الزاوية أيضاً واجبة في حدودها وضوابطها المعروفة، لما جاء في الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة في هذا المضمار، مما لا يخفى على أحد معرفته والعلم ‏به .
إلا أن المصطفى  لفرط سماحته لم يفرض على زوجته رأيا، أو يلزمها بحكم قسْراً ، وإنما يلجأ إلى أسلوب التحكيم، ضاربا بذلك أروع الأمثلة في السماحة واللين واليسر .
# ثم وجِّه أخى الكريم أنظار مستمعيك إلى جانب آخر من العظمة والجلال في هذا المشهد العظيم، حيث لم يفرض المصطفى  عليها اسماً معينا، ولم يحدِّد لها شخصا بذاته، وإنما خيَّرها في شخصية من يقوم بالتحكم بينهما، وهى تبدى رأيها بكل حرية وموضوعية ، فتعترض على هذا، وتوافق على هذا، دون خوف أو وجل .
# ثم الْفِتِ انتباههم أخى الكريم إلى هذا السمو الذى لا يُبارَى، وإلى هذه العظمة التى لا تُجارَى، حينما خيَّرها النبى  في أولوية الكلام وعَرْض القضية على الحَكَم قائلا :” تتكلمين أنتِ أولا أم أتكلم أنا ؟! “.
# ثم عليك أيضا باستثارة عواطفهم واستجاشة مشاعرهم، بأن تقول مثلا : لَيَضْع كلُّ واحدٍ منَّا نفسه مكان النبى  فى هذا الموقف، يعرض على زوجته هذا العرض الكريم فتجيبه قائلة: تكلَّم يا رسول الله، ولا تَقُلْ إلا حقا !! .. كيف يتصرف أحدنا تجاه كلمة كهذه أو تجاه موقف كهذا ؟! .. لا شك أنه سيثور ثورة عارمة، وسينفعل انفعالا لا حدود له، وقد تكون هذه الكلمة بعيدا عن موضوع النزاع الأصلى القَشَّة التى تقصم ظهر البعير، فيتطور بسببها النزاع، ويزداد بها الشقاق، إلى حدِّ الانفصال الذى لا رجعة فيه، والتصدُّع الذى لا يمكن علاجه، فينهار صرح البيت، ويتشتت الأولاد …
يحدث هذا كله مع أنه من المتصوَّر نظريا على الأقل أن الواحد منَّا قد تنازعه نفسه أو يغالبه شيطانه، فتأخذه العزة بالإثم، فيحيد عن الحق ولو قيد شعرة، بزيادة كلمة أو إنقاص عبارة، رغبة في الظهور بمظهر المعتَدى عليه، مع أنه قد يكون الظالم المعتدى. فما بالك حينما تكون هذه الكلمة موجَّهة إلى الرسول الكريم  ؟! وما قولك حينما يكون هذا الاتهام الخفىُّ مصوَّباً تجاه النبى العظيم  ؟! وهو الذى قال عنه ربه تبارك وتعالى :{وما ينطق عن الهوى}( ) فلا يُتصوَّر منه إلا الصدق التام والعدل المطلق ؟!!
ومع هذه الاعتبارات كلها، ما وجدنا النبى  يثور أو ينفعل، بل واجه الموقف بهدوء لا حدَّ له، وبطمأنينة لا نظير لها، بل ويا للعجب يكون المدافع الأول عن زوجته في مواجهة اندفاع أبيها وثورته العارمة ورغبته الجامحة في تأديب ابنته ومعاقبتها على ما رآه منافيا لمقام النبوة ومجافيا لمنزلة الرسالة .. فيأمره النبى الكريم  بالخروج بعد أن تجاوز مهمته التى استُدعى من أجلها : “دعوناك محكِّماً ولم نَدْعك مؤدِّباً ؛ فاخرج فما لهذا دعوناك “.
ونتيجة لهذا الهدوء النبوى الكريم والحكمة البالغة في مواجهة الموقف، تبددت غيوم النزاع، وانقشعت سُحُب الخصام، وعاد جوُّ البيت النبوى إلى سابق عهده من الصفاء التام والمحبة الخالصة، وهبَّتْ عليه من جديد نسائم المرح، وغرَّدت في سمائه طيور المودة والرحمة .. فصلوات ربى وتسليماته عليك سيدى يا رسول الله، وأسأل الله أن يرزقنا حُسْن التأسِّى بَهدْيك والاقتداء بمنهجك… اللهم آمين .

Print Friendly

تعليق واحد

  1. قلت: فيه مبارك بن فضالة، وثقه عفان بن مسلم ووكيع، وضعفه ابن معين في رواية عبد الله بن أحمد عنه كما دكر ذلك ابن أبي حاتم في (( الجرح 8/339)).
    وضعفه النسائي في ((الضعفاء)) رقم 574.
    وقال فيه الدارقطني كما في سؤالات البرقاني ص 64 رقم 477: “لين كثير الخطأ بصري يعتبر به”.
    وقال أحمد أيضا: يقول في غير حديث عن الحسن، حدثنا عمران بن حصين، وأصحاب الحسن لا يقولون ذلك.
    وقال أبو زرعة: يدلس كثيرا، فإذا قال حدثنا فهو ثقة. (الميزان للذهبي 3/431) وذكر الدهبي الرواية كأنه من تفرده وهذا إشارة على ضعفه، وأدخله في المغني.
    أما الحافظ فقد قال في التقريب: “صدوق يدلس ويسوي”.
    وهو مدلس تدليس التسوية كما ذكره الحافظ في التقريب وأدخله في طبقات المدلسين رقم 93.
    وإذا كان كذلك يشترط في قبول روايته أن صرح بالتحديث في جميع الطبقات، وهنا إنما يأتي بالتحديث عن شيخه ثم عنعن عن شيخ شيخه.
    ففي هذه الرواية من النكارة لأنه ثبت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ضرب الوجه.
    وكذلك في تسوية النبي صلى الله عليه وسلم عا ئشة حين رفض عمر قاضيا بينهما

    وقال ابن حبان في “المجروحين” (2/ 259):
    ” مُنكر الحَدِيث جدا “.
    وقال بدر الدين العيني في “مغاني الأخيار” (3/ 542): متروك.
    وقال ابن القيسراني رحمه الله عن هذا الحديث :
    ” رَوَاهُ مُحَمَّد بن الزبير الْحَنْظَلِي: عَن عمر بن عبد الْعَزِيز، عَن عُرْوَة بن الزبير، عَن عَائِشَة. وَمُحَمّد هَذَا قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: ضَعِيف ” .
    انتهى من ” ذخيرة الحفاظ” (2/ 921) .

    الراوي: النعمان بن بشير المحدث: الألباني – المصدر: ضعيف أبي داود – الصفحة أو الرقم: 4999
    خلاصة حكم المحدث: إسناده ضعيف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*