السبت , 21 أكتوبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » العقيدة » من آثار العقيدة على المجتمع (الإيثار اللافت للنظر)
من آثار العقيدة على المجتمع (الإيثار اللافت للنظر)
من آثار العقيدة على المجتمع (الإيثار اللافت للنظر)

من آثار العقيدة على المجتمع (الإيثار اللافت للنظر)

د. اكرم كساب 

ومن آثار العقيدة الإسلامية على المجتمع: الإيثار؛ فالعقيدة الإسلامية تربي أبناءها على حب الخير للغير، والبذل والعطاء دون النظر إلى مقابل من عطاء أو ثناء، ولهذا قال سبحانه: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (آل عمران:92)، ومدح الأنصار على صنيعهم مع المهاجرين فقال: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:9).

وقد ضرب لنا الصحابة أمثلة رائعة في فنّ الإيثار، فعن ابن مسعود قال: لما نزلت ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) قال أبو منصور ثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عهبد الله بن الحارث عن أبي الدحداح: يا رسول الله إن لله يريد ما القرض ؟ قال: نعم يا أبا الدحداح قال: أرني يدك فناوله يده فقال: إني قد أقرضت ربي حائطي وفي حائطي ستمائة نخلة ثم جاء إلى الحائط فنادى يا أم الدحداح وهي في الحائط فقالت: لبيك فقال: أخرجي فقد أقرضته ربي.

وعن أنس رضي الله عنه: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحبُّ أمواله إليه (بَيرُحَاء)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيِّب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92]، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، وإن أحبَّ أموالي إليَّ (بَيرُحَاء)، وإنها صدقة أرجو برَّها وذُخرَها عند الله، فضعها يا رسول الله، حيث أراك الله. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بَخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح”.

وروى الحاكم عن جابر رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عمرو بن عوف يوم الأربعاء، فذكر الحديث إلى أن قال: “يا معشر الأنصار”. قالوا: لبيك يا رسول الله. فقال: “كنتم في الجاهلية إذ لا تعبدون الله تحملون الكَلَّ، وتفعلون في أموالكم المعروف، وتفعلون إلى ابن السبيل، حتى إذا منَّ الله عليكم بالإسلام وبنبيِّه إذا أنتم تُحصِّنون أموالكم؟! وفيما يأكل ابن آدم أجر، وفيما يأكل السبع والطير أجر”. قال: فرجع القوم فما منهم من أحد إلا هدم من حديقته ثلاثين بابا. أي فتح بها ثغرات لمن يريد الدخول من أهل الحاجة.

عن أم ذَرَّة أن ابن أختها عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، بعث إلى خالته أم المؤمنين رضي الله عنها بمال في غِرارتين قالت: أراه ثمانين ومائة ألف درهم، في كلِّ غِرارة تسعون ألفا، فدعت بطبق، وهي يومئذ صائمة، فجعلت تقسمه بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك درهم، فلما أمست قالت: يا جارية، هلمِّي بفطوري. فجاءتها بخبز وزيت، فقالت: أما استطعتِ – فيما قسمت اليوم: أن تشتري لنا بدرهم لحما نفطر عليه؟ قالت: لو كنتِ ذكَّرتيني لفعلتُ.

وروى أبو نُعيم في الحلية، عن طلحة بن يحيى بن طلحة قال: حدَّثتني جدتي سُعدى بنت عوف المرية وكانت محلَّ إزار طلحة – يعني زوجته – قالت: دخل طلحة عليَّ ذات يوم، وهو خائر النفس. وقال قتيبة: دخل عليَّ طلحة ورأيتُه مغموما فقلتُ: ما لي أراك كالح الوجه؟ وقلتُ: ما شأنك، أرابك مني شيء فأعتبك (أي أسترضيك)؟ قال: لا. ولنعم حليلة المسلم أنت! قلتُ: فما شأنك؟ قال: المال الذي عندي قد كثر وكَرَبَني! قلتُ: وما عليك، اقسمه. قالت: فقسمه حتى ما بقي منه درهم. قال يحيى بن طلحة: فسألتُ خازن طلحة كم المال؟ قال: أربعمائة ألف.

وروى الطبراني عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غَزَاة، فأصاب الناس جَهد حتى رأيت الكآبة في وجه المسلمين، والفرح في وجوه المنافقين، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “والله لا تغيب الشمس حتى يأتيكم الله برزق”. فعلم عثمان أن الله ورسوله سيصدقان، فاشترى عثمان أربعين راحلة بما عليها من الطعام، فوجَّه الى النبي صلى الله عليه وسلم منها بتسعة، فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “ما هذا؟”. فقالوا: أهدى إليك عثمان. فعُرف الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم والكآبة في وجوه المنافقين، ورأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم قد رفع يديه حتى رُئي بياض إبطيه، يدعو لعثمان دعاء ما سمعتُه دعا لأحد قبله ولا بعده: “اللهم أعطِ عثمان، اللهم افعل بعثمان”.

ترى هل رأى التاريخ نماذج كهذه؟ أقول وبملء الفم: اللهم لا!!

 

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*