الثلاثاء , 23 يناير 2018
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » التفسير » من ملامح العناية بالتلاوة
من ملامح العناية بالتلاوة

من ملامح العناية بالتلاوة

من ملامح العناية بلتلاوة

التأليف فى معاجم مصطلحات التجويد

( صوتيات القرآن الكريم )

أهدافها و خصائصها ومصادرها

 

د/ خالد فهمى

أستاذ الدرسات  اللغوية  كلية  الآداب جامعة المنوفية

مدخل

من الحقائق المستقرة بين الدارسين فى الشرق  و الغرب القول بنشأة علم الصوتيات عند العرب بسبب من خدمة الكتاب العزيز ؛ ذلك أن الله تعالى كلف المؤمنين بحياطة كتابه من الوجوه كلها

و لقد كان الأمر بتلاوته من أول ما أمر الله سبحانه فى غير ما موضع

و بصيغ و أفعال مختلفة ، جاء منها بصيغة الأمر العام :

﴿و اتل ما أوحى إليك من كتاب ربك﴾ ( سورة الكهف 18/29 )

و قد جاء الأمر بترتيله فى قوله تعالى : ﴿و رتل القرآن ترتيلا﴾   ( سورة المزمل 73/4) و قد جاء الأمر بقراءته فى قوله تعالى﴿ فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾( سورة المزمل 73/20) ، وربما أمكن أن نفهم فى بعض ما توحى به هذه الأوامر التى جاءت فى الذكر الحكيم التأنى فى القراءة ، و إحسان أداء القرآن الكريم ، و وهو المفهوم الذى استقر بأخرة بما هو تعريف لمصطلح التجويد ؛ يقول القرطبى فى تفسير       ( الجامع لأحكام القرآن ) ( طبعة الهيئة العامة المصرية للكتاب ، بالقاهرة سنة 1987م ) ( 19/37) و رتل القرآن ترتيلا ؛ أى : لا تعجل بقراءة القرآن ، بل اقرأه فى مهل و بيان .. و الترتيل : التنضيد         و التنسيق و حسن النظام ..و سمع علقمة رجلا يقرأ قرأءة حسنة؛ فقال : “لقد رتل القرآن ”

و قد كان من بعض آثار هذه العناية بترتيله و تلاوته و حسن قراءته على الوجه المبين نشأة علم التجويد ، الذى هو فى بعض تعاريفه إعطاء كل حرف

( صوت ) حقه و مستحقه ، وهو الأمر الذى تطور   و ترقى بالمعرفة بالصوتيات فى الحضارة العربية الإسلامية .

و قد كان من آثار هذا التطور و الترقى فى ميدان العلم بالصوتيات بسبب من خدمة أداء الذكر الحكيم ، وتلاوته ، و ترتيله – ظهور جهاز اصطلاحى متميز يعنى بضبط مفاهيم المعرفة الصوتية عند العرب ، انعكست آثاره و تجلياته فى أشكال متنوعة .

 

الوعى بطبيعة العلاقة بين

المعرفة الصوتية العربية و خدمة قضية ترتيل القرآن الكريم

و قد كان الوعى بطبيعة العلاقة التى حكمت المعرفة الصوتية فى التراث العربى بخدمة قضية ترتيل الذكر الحكيم واضحة تماما فى ميدان التأريخ للدرس الصوتى ، و دراساته ، وهو الأمر الذى أصاب تواترا فاشيا بين الدارسين فى الشرق و الغرب على السواء ، يقول الدكتور / غانم قدورى الحمد فى دراسته الرائدة ( الدراسات الصوتية عند علماء التجويد )( طبعة وزارة الأوقاف العراقية ، بغداد 1406هـ=1986م) (ص71) :” و أول تلك العلوم التى ترتبط بعلم التجويد هو علم القراءات كلاهما يهتمان بنطق ألفاظ القرآن الكريم ،و قد ميز علماء التجويد بشكل واضح بين العلمين من حيث المنهج و من حيث الموضوع ، أما المنهج فقد نصوا على أن كتب القراءات تعتمد على الرواية ، و أن كتب التجويد تعتمد على الدراية المبنية على المشافهة و رياضة الألسن ، و أما الموضوع فكتب القراءات تعنى برواية وجوه القراءات فى نطق ” كلمات القرآن ” بينما كتب التجويد تعنى بكيفية أداء الألفاظ بإخراج الحروف من مخارجها و إعطائها حقها من صفاتها ” ، وهذه العلاقة الواضحة بين التجويد و النص العزيز مما تواتر بيانه فى كتب القوم الأقدمين .

و فى العصر الحديث كذلك اتضح أمر هذه العلاقة عند المستشرقين الذين درسوا جانبا من عناية العرب فى ميدان المعرفة الصوتية ، على ما يظهر مثلا فى تعليق المستشرق الألمانى أرتور شاده فى مقالته عن ( علم الأصوات عند سيبويه ؛ و عندنا ) ( طبعة الدكتور صبيح التميمى ، صنعاء 1420هـ= 2000م) ( ص 30) :” و إذا سأل سائل : ما هو الباعث الذى حث العرب على أصوات العربية

و على إنشاء قواعد نطقها ؟ أجبته : يظهر أن الباعث كان القرآن الشريف ، فإن العجم الذين أسلموا فى القرنين الأولين من قرون الإسلام كان يهمهم للغاية أن يحسنوا قراءة المصحف الشريف ، و ينطقوا أصواته نطقا عربيا خالصا ، و لم يروا إلى ذلك سبيلا إلا بعد تعميق المطالعة لأصوات اللغة العربية و إحكام إنتاجها ، فيظهر أن حدوث علم الأصوات عند العرب مقرون بنشوء علم التجويد ”

من مجموع هذين النقلين يظهر أن ظهور علم صوتيات القرآن الكريم ( = الذى هو علم التجويد ) يعد مفخرة من مفاخر التقدم العلمى عند العرب بسبب ظاهر و مباشر من إرادة خدمة اداء القرآن الكريم .

 

مصادر مصطلحات علم  صوتيات القرآن الكريم

و قد تنوعت مصادر معرفة مصطلحات علم صوتيات الكتاب الكريم ، الذى هو فى بعض تصوراته علم صوتيات العربية إجمالا ، حتى استقلت فى صورة معاجم معاصرة تفرغت لخدمة المصطلح الصوتى العربى ، و تقريبه للقارئ المعاصر من دون إخلال بطبيعته العلمية.

و بالإمكان أن نقرر أن عددا كبيرا من المصادر كان قد اعتنى بالمصطلحات الصوتية و التجويدية قبل استقلالها فى معجمات مختصة بها فى العصور الأخيرة ، وهو ما يمكن إجماله فيما يلى :

أولا-مؤلفات النحو العربى الموسعة ؛ ذلك أن أول ظهور فى كتب النحو للعناية بالجهاز الاصطلاحى لعلم الصوتيات تمثل فى جهود سيبويه تعيينا فى كتابه الأشهر ، و وهو الأمر الذى نقل عنه من قبل من خلفه من النحاة العرب ، من أمثال : الزمخشرى فى المفصل ت 538هـ

و فى هذا السياق يمكن اعتبار من فصله ابن جنى ت 395 هـ فى سر  صناعة الإعراب من قبيل عناية الأدبيات النحوية بالمعنى الواسع بمعلومات الصوتيات العربية .

و ربما امكن إلحاق بعض المؤلفات البلاغية بما أوردته من عناية  بالمعلومات الصوتية تتعلق ببيان بعض مباحثها ، من مثل علاقة المخارج الصوتية بتحرير مفاهيم من مثل مفهوم الفصاحة فى اللفظ ، على ما نرى أمثلة لها فى ( سر الفصاحة ) ، لابن سنان الخفاجى       ت 446هـ ، و فى ( مفتاح العلوم )للسكاكى ت 626هـ

و الحق قاض بأن نقرر أن أفكار سيبويه الصوتية التى هيمنت على كل من جاء بعده من علماء الصوتيات العربية – كانت تطويرا لأفكار أستاذه الخليل بن أحمد الفراهيدى ت 175هـ التى قدّم بها بين يدى معجمه العين ، بما هى واحد من مكونات منهج بناء هذا المعجم

ثانيا- مصنفات القراءات ، ذلك أن العلاقة بين علمى الصوتيات القرآنية الذى سُمى باسم علم التجويد ،  وعلم القراءات واضحة تماما يمثلان معا الوجه الأمثل للأداء القرآنى من طريقين ؛ أولاها : طريق الرواية عن مقام النبوة الكريم أصالة و ابتداءً ، وهو ما اضطلع به علم القراءات ،   و آخرهما : طريق الدراية و دربة اللسان ، وهو ما كان مشغلة التجويد و التجويديين خلال التاريخ .

و قد ظهرت العناية ببعض المعرفة الصوتية فى كثير من أدبيات علم القراءات بسبب من مناقشة مذاهب القراء المختلفة حول عدد من الظواهر الصوتية ؛ كالإدغام ، و أحوال نطق أصوات المد و اللين ،     و الموقف من نطق بعض الأصوات فى المتواليات النطقية ، و لا سيما ما يتعلق بنطق صوت الهمزة

و أنت واجد أمثلة كثيرة على عناية أدبيات القراءات بالمعرفة الصوتية ، منها ما يلى :

أ- الكشف عن وجوه القراءات السبع و عللها و حججها ، لمكى بن أبى طالب القيسى ت 437هـ ( انظر المواضع التالية :1/55؛67؛78)     و غيرها

ب- الاستكمال لبيان جميع ما يأتى فى كتاب الله عز و جل من مذاهب القراء السبعة فى التفخيم و الإمالة ، لابن غلبون ت 389هـ ، و العناية بالمصطلح الصوتى ظاهرة من عنوان الكتاب الذى حمل اثنين من مصطلحية الصوتيات القرآنية و العربية ؛ وهما : التفخيم و الإمالة ؛     ( انظر : المواضع التالية :345)

ج- حجة القراءات ، لأبى زرعة بن زنجلة ت ق 4 هـ ( انظر : 167؛ 276؛290؛437) و غيرها

ثالثا –مصنفات التجويد ، و لعل أهم قائمة يمكن أن تعد مصدرا للعناية بمصطلحية صوتيات العربية عموما ، و صوتيات الكتاب الكريم خصوصا – هى قائمة مصنفات علم التجويد ، بما هو علم يسعى إلى تحقيق إحسان قراءة الذكر الحكيم ،

و إتقان تلاوته جملة و تفصيلا

و هذه المصنفات – و إن تأخر ظهورها مقارنة بغيرها مما سبق ذكره – كاشفة عن جهود مكثفة متواصلة ممتدة منذ زمن التنزيل الكريم  جاءت فجمعت مفرداتها ، ونظمت متفرقها ، بما واكب ذلك الجمع والتنظيم من اختراع جهاز اصطلاحى خادم لهذا العلم ، ومن أشهر ما صدر محققا من هذه القائمة ما يلى :

أ- كتاب التنبيه على اللحن الجلى و اللحن الخفى ، للسعيدى ت400هـ.

ب-اختلاف القراء فى اللام و النون ، للسعيدى أيضا ت 400هـ

ج- تجويد القراءة ومخارج الحروف ، لابن وثيق الأندلسى ت 645هت.

د- التمهيد فى علم التجويد ، لابن الجزرى ت 833هـ.

هـ- الطرازات المعلمة فى شرح المقدمة ، للأزهرى ت 870هـ.

و- جهد المقل ، لساجقلى زاده ت 1150هـ

و ثمة عدد آخر من مصنفات التجويد المتأخرة ، اتسمت بالإيجاز

و الغموض فى كثير من الأحيان على ما يقرره الكريم الدكتور غانم قدورى الحمد فى دراساته المهمة فى هذا الميدان ، و هذا العدد الآخر يأتى فى مرتبة تالية لما تقدم من أمثلة كتب التجويد بسبب من هذا الإيجاز و الغموض لا غير

رابعا- مصنفات صوتيات اللغة ، و ربما لا يقل أهمية عن القائمة المذكورة فى الفقرة السابقة فى ميدان خدمة المصطلح التجويدى ما يمكن التقاطه من قائمة ما ظهر عند العرب للعناية بأصوات العربية ؛ ذلك أن هذا النوع من المصنفات تمثل مصدرا مهما من مصادر مصطلحية صوتيات العربية ، و صوتيات القرآن الكريم بما توافر فيها من حديث عن مخارج أصوات العربية ، و صفاتها ، وطرق نظقها فى أحيان أخرى ، ومن أشهر ما وصل إلينا من هذه المصنفات الصوتية ما يلى :

أ‌-     مخارج الحروف وصفاتها ، لابن الطحان الإشبيلى ت 560هـ

ب- الدر المرصوف فى وصف مخارج الحروف ،لأبى المعالى الموصلى ت 621هـ

خامسا – مؤلفات علماء اللغة المعاصرين فى مجال الدراسات الصوتية

 و التجويدية ، و هذه القائمة – وهى طويلة – تمثل مصدرا مهما جدا فى هذا الباب لأكثر من سبب ؛ ذلك أنها تحاول تقريب هذه المفاهيم التجويدية التراثية للقارئ المعاصر ، و تقدير حجم الإنجاز المعرفى الذى حققته مقارنة بما أنجزه العلم الحديث فى الميدان نفسه ، و فيما يلى أهم الدراسات المعاصرة فى هذا الميدان :

أ‌-     ( 1406هـ= 1986م) الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ، للدكتور غانم قدورى الحمد

ب‌-   ( 1410هـ=1990م) عن علم التجويد القرآنى فى ضوء الدراسات الصوتية الحديثة ، للدكتور عبد العزيز علام

ج-( 1992م) فونولوجيا العربية و المصطلحات الصوتية عند علماء التجويد ، للدكتور مصطفى التونى .

د- ( 1994م) آليات النطق عند العلماء التجويد ، للدكتور مصطفى التونى

هـ- ( 1423هـ=2002م) المدخل إلى علم اصوات العربية ، للدكتور غانم قدورى الحمد  و قد أقامه على تقدير منجز علم التجويد لدراسة الصوتيات العربية .

ومن الحق أن نقرر أن ثمة دراسات كثيرة جدا عرفها الدرس المعاصر فى هذا الباب شرقا و غربا ، وهو ما تواترت العناية بجزئيات فرعية صغيرة تواتر ظهورها فى الدوريات اللسانية ، وفى مؤلفات قصيرة توجهت نحو درس عدد من الظواهر التجويدية و الصوتية ، وحولها ظهرت العناية بمجموعة كبيرة من مصطلحات صوتيات العربية و صوتيات القرآن معا ، وهو الأمر الذى يمكن معه تقدير أمثال الجهود التالية :

أ‌-     أرنور شاده فى ( علم الأصوات عند سيبويه و عندنا )

ب- جان كانتينو فى ( دروس فى علم أصوات العربية )

ج- هنرى فليش فى ( العربية الفصحى )

هذا بالإضافة ما ظهر فى كتابات الرواد من اللغويين العرب المعاصري حول صوتيات اللغة ، و إن لم يظهر فيها اعتماد على مصادر التجويدية ، من أمثال : إبراهيم أنيس ، و عبد الرحمن أيوب ، و سعد مصلوح ، و كمال بشر ،

و رمضان عبد التواب ، و محمود السعران ، و أحمد مختار عمر ،  عبد الصبور شاهين ، و غانم قدورى الحمد و غيرهم  و لا شك أن ثمة مصادر أخر من أمثال معاجم المصطلحات المتعددة العلوم ، و مؤلفات البيان العربى فى باب ما يلزم الخطيب تحصيله ، و المؤلفات المعاصرة فى علم الإلقاء و غيرها .

مجمل مظاهر العناية بمصطلحية الصوتيات القرآنية

و قارئ هذه المصادر المختلفة لمصطلحية أصوات العربية       و القرآن يلمح عناية ظاهرة بعدد من المظاهر يمكن إجمالها فيما يلى :

أ- جمع المصطلحات الصوتية الخاصة بصوتيات اللغة و صوتيات القرآن الكريم .

ب- تصنيف المصطلحات فى مجموعات منتظمة فى إطار موضوعى ، ومعرفى ؛ بمعنى جمع مصطلحات المخارج فى إطار تصنيفى متميز من مصطلحات الصفات و السمات ، وتصنيف مجموعة مصطلحات المخرج ( الشدة و الرخاوة و المزج و الميوعة و التوسط ) فى إطار تصنيفى متميز من مصطلحات حالة مؤخرة اللسان مع سقف الحنك     ( التفخيم و الترقيق ) وغير ذلك من التصنيفات النوعية المختلفة

ج- تحرير المصطلحات الصوتية ؛ بمعنى ضبط ألفاظها ، و تعريفها ، و بيان حدودها و تحليل هذه التعريفات.

 

الجهود المعاصرة فى خدمة مصطلحات الصوتيات العربية و القرآنية

( معاجم الصوتيات اللغوية و اقرآنية المعاصرة )

و مع توافر ما ذكرناه من مصادر العناية بالجهاز الاصطلاحى الراعى للصوتيات القرآنية و اللغوية على ما ظهر فى الفقرات الخمسة السابقة ؛ فإن ثمة وجها أكثر رونقا ظهر فى العصر الحديث للعناية بمصطلحية الوصتيات اللغوية و القرآنية ، تمثلت فى عدد مما يمكن أن يعد  معاجم لمصطلحات الصوتيات العربية ، منها ما يلى :

1- المصطلح الصوتى عند علماء العربية القدماء فى ضوء علم اللغة المعاصر ، للدكتور عبد القادر مرعى الخليل ، طبعة جامعة موتة 1413هـ = 1993م

2- المصطلح الصوتى فى الدراسات العربية ، للدكتور عبد العزيز الصيغ ، طبعة دار الفكر المعاصر ، بيروت ، و دار الفكر ، دمشق 1421هـ=200م

3- معجم الصوتيات ، للدكتور رشيد عبد الرحمن العبيدى ، طبعة ديوان الوقف السنى العراق 1428هـ=2007م

صحيح أن ما ورد هنا الآن مما حمل عنوان ( المصطلح الصوتى ) هما فى أصلهما دراستان علميتان ، و لم يصمما على أنهما معجمان ، و لكنهما صالحان لأن يعدا معجمين معاصرين لصوتيات اللغة عموما و القرآن خصوصا

و قد رتب الدكتور عبد القادر مرعى معجمه ترتيبا موضوعيا تصنيفيا ، بمعنى أنه صنع معجمه فى صورة أبواب ، جاء الأول لمصطلحات جهاز النطق و مخارج الأصوات ، و الثانى لمصطلحات جهاز السمع ، و الثالث لمصطلحات صفات الأصوات و الرابع لمصطلحات وظائف الأصوات

و قريب من هذه المنهجية رتب الدكتور الصيغ كتابه ، فصنع الفصل الأول لمصطلحات الجهاز الصوتى ، أعضاءه و مخارجه ،     و الفصل الثانى لصفات الأصوات و الثالث لمصطلحات النطقيات  الفونولوجيا)

و قد فاتهما معا صنع فهرس ألفبائى لمجموع ما حرراه و ناقشاه و حللاه من مصطلحات صوتية ، و قد كان ذلك لو كان جديرا بالتيسير على من أراد استعمال ما كتباه.

أما الدكتور رشيد عبد الرحمن العبيدى ، رحمه الله ، فقد صمم كتابه ابتداء على ما ظهر من عنوانه فى صورة معجم ، وهو ما حمله على أن يرتب ما أورده من مصطلحات صوتية و تجويدية على وفاق الترتيب الألفبائى النهائى ( أ ب ت ث ج ح. ..) تيسيرا على المستعملين ، وهو المنهجية التى شاعت و اطردت منذ زمن بعيد قديم فى الصناعة المعجمية العربية حتى فشت ، و كادت تلغى غيرها من المنهجيات الترتيبية فى العصر الحديث ، مضافا إليه عدم تجريد الألفاظ وإنما ترتيبها ألفبائيا وفق أشكالها المستعملة فعلا من دون تجريد أو رد للأصول .

و قد حرصت هذه المحاولات جميعا و لا سيما معجم الصوتيات على بيان ما يلى :

أ- المعنى اللغوى للفظ قبل الخوض فى بيان معناه الاصطلاحى فى علم التجويد أو الأصوات

ب- المعنى الاصطلاحى الوارد فى كتب القدماء من علماء الأصوات  و التجويد العرب المسلمين

ج- إضافة ما يراه المعاصرون من علماء اللغة و الأصوات .

د- تقريب التعريفات و الشروح بشكل يجعلها واضحة دون الإخلال بدقتها و انضبطها العلمى

هـ- الإشارة إلى المجموعات الصوتية التى تندرج تحت مقهوم معين

ومن أمثلة ذلك ( مصطلح الشديدة ) حيث نرى الدكتور عبد القادر مرعى و الدكتور الصيغ يوردانه تحت مصطلح موضوعى جامع هو صفات الأصوات ثم يقرران أنه – على ما يعرفه القدماء – الصوت الذى يمنع الصوت أن يجرى فيه ، و هو تعريف سيبويه الذى هيمن على كل من جاء بعده فنقلوه عنه ، ثم يتطرق الدارسان الكريمان فيقرران أن المعاصرين يعرفونه بأنه الصوت الذى ينتج من صب الهواء الخارج من الرئتين حبسا تاما فى موضع ما ، ثم ينتج عن هذا الحبس انطلاق فجائى للهواء محدثا صوتا انفجاريا . ثم ينطلقان بعدها ليقررا الأصوات الشديدة قديما لتكون (أ ، ج ، د ، ت ، ط ، ب ، ق ، ك ) وأما فى الصوتيات المعاصرة فيضيفون الضاد و يحذفون من القائمة القديمة ( الجيم).

وهو الأمر الذى نجده كذلك فى معجم الصوتيات للعبيدى فى باب الشين.

وظائف معاجم الصوتيات العربية

و قد عكست هذه العناية بمصطحية الصوتيات القرآنية و العربية عددا من الوظائف بدت ظاهرة تماما فى خلفية وجودها ، يمكن إجمالها فيما يلى :

أ- الوظيفة الدينية التعبدية ، ذلك أن الله تعالى أمر المؤمنين بترتيل كتابه على ما مر ، ومن هنا ظهرت المصطلحات توصلا إلى تيسير الترتيل على الوجه المأثور

ب- الوظيفة العلمية المعرفية اللسانية ، وهو ما تجلى فى تعريف المصطلحات و تحريرها ، و فك التداخلات بين بعض منها توصلا إلى ضبط كل مصطلح على حدة ، وهو ما يؤكد تقدم المعرفة اللغوية الاصطلاحية فى الحركة العلمية العربية التراثية

ج- الوظيفة التعليمية ، ذلك أن هذا العلم أساسه التدريب و الممارسة ، وهو أمر كفيل بضرورة العناية بالجهاز الاصطلاحى تقريبا لمفاهيمه ، و سعيا نحو تحديدها

د- الوظيفة التاريخية ، وهو الأمر الذى كان مقصوده بيان التطور الذى أصاب خدمة هذه المصطلحات خلال التاريخ العلمى فى رحلة عنايته بعلم التجويد

هـ- الوظيفة الحضارية ، وهى الوظيفة التى تعنى إبراز المنجز العلمى الذى قدمه المسلمون بفضل خدمة الكتاب الكريم لحركة العلم الإنسانى.

و ليس من شك فى أن هذه العناية بجمع مصطلحات صوتيات القرآن خاصة ، و العربية عموما يعد شكلا من أشكال العناية بأداء كتاب الله العزيز ، ليتقرر مع مرور الزمن الأثر الجبار الذى أحدثه الكتاب الكريم فى ترقية الحضارة العربية ، و الإسهام فى تقدم المعرفة الإنسانية

 

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*