الثلاثاء , 23 يناير 2018
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » علوم القرآن » موهم الاختلاف فى القرأن الكريم
موهم الاختلاف فى القرأن الكريم
موهم الاختلاف فى القرأن الكريم

موهم الاختلاف فى القرأن الكريم

دواعي دراسة هذا الموضوع:
قد يمر القارئ لكتاب الله تعالى بآيات منه عند النظر إلى ظاهرها يتوهم أن بينها وبين آيات أخري- وردت في نفس الموضوع- اختلافا أو تعارضا مما قد يوقع البعض في اللبس، والأمر في حقيقته على خلاف ذلك، فالواقع أن لهذه الآيات أوجها ومعاني تحمل عليها، فإذا هي بعد ذلك- في الفهم- متناسقة متوافقة ومتكاملة، وما ظنه الناظر أولا تعارضا إنما هو وهم لا حقيقة له.
ولذلك كانت تسمية العلماء لهذا المبحث- من مباحث علوم القرآن- تسمية دقيقة محرّرة عندما أطلقوا عليه عنوان: «موهم الاختلاف» فالتعارض هنا متوهم وليس حقيقة، لأنك- بحمد الله تعالى- غير واجد أبدًا بين آيات كتاب الله تعالى تعارضا حقيقيا، ولكن لما كان الناس متفاوتين في الفهم، ولا يملك كلٌ منهم القدرة العقلية على إزالة هذا التعارض الظاهري وفق قواعد مقررة- سنذكرها ضمن هذا الموضوع- ولما كان الحرص على صحة وسلامة فهم كتاب الله تعالى واجبا على العلماء في هذا الفن- أعني علوم القرآن الكريم- كانت الحاجة ماسة إلى دراسة هذا الموضوع دراسة تقعِّد فيه أصول التعامل وقواعده في هذه الآيات الكريمة.
ثانيا: المقصود «بموهم الاختلاف»:
في بيان المقصود بموهم الاختلاف قال السيوطي: «والمراد به ما يوهم التعارض بين الآيات، وكلامه تعالى منزه عن ذلك كما قال: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (النساء:82) ولكن قد يقع للمبتدئ ما يوهم اختلافا وليس به في الحقيقة فاحتيج لإزالته، كما صنف في مختلف الحديث وبيان الجمع بين الأحاديث المتعارضة»( ).
هذه الآية التي أوردها السيوطي- رحمه الله: في معرض تقرير نفي الاختلاف عن القرآن الكريم فصّل الغزالي- رحمه الله تعالى- القول فيها فيمانقله عنه الزركشي في البرهان، فقد ذكر تحت عنوان «فائدة» ما نصه: «سئل الغزالي عن معنى قوله تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً فأجاب بما صورته: الاختلاف لفظ مشترك بين معان، وليس المراد نفي اختلاف الناس فيه، بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن، يقال: هذا كلام مختلف، أي لا يشبه أولُه آخره في الفصاحة، أو هو مختلف أي بعضه يدعو إلى الدين وبعضه يدعو إلى الدنيا، أو هو مختلف النظم فبعضه على وزن الشعر وبعضه منزحف( ).
وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة، وبعضه على أسلوب يخالفه، وكلام الله تعالى منزه عن هذه الاختلافات، فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله آخره، وعلى مرتبة واحدة في غاية الفصاحة، فليس يشتمل على الغث والسمين، ومسوق لمعنى واحد، وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى، وصرفهم عن الدنيا( ) إلى الدين وكلام الآدميين يتطرق إليه هذه الاختلافات، إذ كلام الشعراء والمترسلين إذا قيس عليه وجد فيه اختلاف في منهاج النظم، ثم اختلاف في درجات الفصاحة، بل في أصل الفصاحة حتى يشتمل على الغث والسمين، فلا تتساوى رسالتان ولا قصيدتان، بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة، وأبيات سخيفة، وكذلك تشتمل القصائد والأشعار على أغراض مختلفة لأن الشعراء والفصحاء: فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (الشعراء:225). فتارة يمدحون الدنيا، وتارة يذمونها، وتارة يمدحون الجبن فيسمونه حزما، وتارة يذمونه ويسمونه ضعفا، وتارة يمدحون الشجاعة ويسمونها صراحة، وتارة يذمونها ويسمونها تهورا، ولا ينفك كلام آدمي عن هذه الاختلافات: اختلاف الأغراض، واختلاف الأحوال، والإنسان تختلف أحواله، فتساعده الفصاحة على انبساط الطبع وفرحه، ويتعذر عليه عند الانقباض.
ولذلك تختلف أغراضه فيميل إلى الشيء مرة، ويميل عنه أخرى، فيوجب اختلاف الأحوال والأغراض اختلافا في كلامه بالضرورة، فلا تصادف اللسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة، وهي مدة نزول القرآن، فيتكلم على غرض واحد، وعلى منهج واحد، ولقد كان رسول الله  بشرًا تختلف أحواله، فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجد فيه اختلاف كثير فأما اختلاف الناس فهو تباين في آراء الناس لا في نفس القرآن»( ).
ومقالة الغزالي هذه تحتاج منا إلى تعليق يتناول بعض ما ورد فيها بالإيضاح، ونحن نسوق هذا التعليق على النحو التالي:
1- أن الآية الكريمة: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً المراد منها نفي الاختلاف عن ذات القرآن، فالقرآن من هذه الجهة قد سلم من كلّ أوجه الخلاف التي تعيب الكلام كما فسّرها الغزالي في حديثه، وذلك لا يعني نفي اختلاف الناس فيه، فقد وقع الاختلاف حوله، وكان الكفار أكثر من وقع في هذا وتخبطوا فيه تخبطًا كشف عن حيرتهم وضلالهم: بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ (الأنبياء:5).
2- أن الاختلاف المنفي عن القرآن في الآية هو اختلاف التناقض لا اختلاف التنوع، وقد أكد على ذلك السيوطي- رحمه الله تعالى- فيما نقله عن الكرماني عند تفسير قوله تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (النساء:82) «قال: اختلاف تناقض وهو ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى خلاف الآخر، وهذا هو الممتنع على القرآن. واختلاف تلازم وهو ما يوافق الجانبين كاختلاف وجوه القرآء، واختلاف مقادير السور والآيات واختلاف الأحكام من الناسخ والمنسوخ والأمر والنهي والوعد والوعيد» انتهي كلام الكرماني الذي نقله عنه السيوطي( ).
3- أن الغزالي- رحمه الله تعالى- جعل من هذه الآية دليلا من أدلة إعجاز القرآن الكريم وكونه وحيا من عند الله تعالى، فقد نزل القرآن الكريم في ثلاث وعشرين سنة مفرقا على حسب الحوادث والملابسات، ومع ذلك فقد بلغ غاية الكمال من حيث فصاحته وبلاغته وترابطه وإحكامه وخلوه التام من أي خلاف يعاب به الكلام مما يدل على أنه كلام رب العالمين، إذ لو كان من كلام البشر لما سلم من كل ما سبق أو من بعضه: جاء ذلك في عبارته التي قال فيها: «ولقد كان رسول الله  تختلف أحواله، فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجد فيه اختلاف كثير».
تنبيه: في فهم وصف الاختلاف بالكثرة في قوله: لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً:
المقصود في هذا التنبيه أن نلفت النظر إلى أمرين:
الأمر الأول: بيان معني كثرة الاختلاف المنفية عن القرآن مما يكون في الكلام لو كان من البشر.
الأمر الثاني: هل لوصف الاختلاف بالكثرة مفهوم مخالفة أم لا؟
أما الأمر الأول: وهو بيان معني كثرة الاختلاف المنفية عن القرآن مما يكون في الكلام لو كان من البشر.
فقد توسع العلماء توسعًا محمودًا في بيان ما يتناوله معني الكثرة في قوله: لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً فلم يحصروه في نفي تناقض الآيات بعضها مع بعض فحسب، إنما تجاوزوا ذلك إلى نفي أي اختلاف يورث تناقض القرآن مع واقع العرب عندما نزل عليهم، ولا فيما أخبرهم به من قضايا الإعجاز في الأخبار ونحوها إلى سائر صور الاختلاف الذي به يعاب الكلام، ولا غرو فهو كلام رب العالمين سبحانه:
يقول الشيخ محمد أبو زهرة- رحمه الله تعالى-: «فالقرآن الكريم يحمل بين جنباته دلائل صدقه، وبراهين أنه من لدن حكيم حميد، إذ لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه تناقضا في القضايا، واختلافا في الألفاظ، وتضاربا في المعاني، ولضربت الآيات بعضها بعضا، لأن الإنسان من البشر إذا تكلم بكلام كثير لابد أن يوجد في كلامه اختلاف، لاختلاف مزاجه بني الحين والحين، ولما يعتوره من الصحة والمرض، ولاختلاف مواقفه في الزمان والمكان، فيظهر ذلك كله في صورة تناقض في اللفظ أو الوصف، أو في المعاني، أو الصدق والكذب إلى غير ذلك من صور الاختلاف.
ولكن القرآن الكريم بين أيديهم، فليتدبروه حق التدبر، فلن يجدوا اختلافًا في وصف، ولا ردًا في معني، ولا تناقضا في قضاياه، ولا كذبا فيما يخبر به من أمور الغيب، ولكن بإعراضهم عن التدبر يظلون كالأنعام بل هم أضل قد أغلقوا قلوبهم عن الهدي، وأصموا آذانهم عن صوت البشير النذير»( ).
وأما الأمر الثاني: وهو ما يتعلق بمفهوم المخالفة:
فمعناه: أنه لو كان القرآن من عند غير الله- أي من البشر- لكان فيه اختلافٌ كثير، فهل معني ذلك: أنه ما دام من عند الله سبحانه يكون فيه اختلاف، ولكن ليس كثيرًا، بل اختلاف ؟
وهنا نقول: المقطوع به أنه ليس لهذا الوصف مفهوم مخالفة فالاختلاف منفي عن القرآن جملة وتفصيلا بالمعني الذي ذكرناه، فليس فيه اختلاف يعيبه على الإطلاق لا من قبيل الكثرة ولا من قبيل القلة، والسؤال الذي يترتب على ذلك هو: إذن فما معني الكثرة في الوصف، وهلا جاء مثلا: أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوه مختلفا أو متناقضا؟
والجواب هنا: أن هذا الوصف إنما هو قيد لبيان الواقع: واقع الاختلاف عندما يكون الكلام للبشر فهو ليس مجرد اختلاف ولكنه اختلاف كثير ليظهر الفرق جليا بين كلام رب العزة الذي لا تشوبه شائبة اختلاف من أي نوع في مجال التناقض أو التضارب وبين كلام البشر الذي يكثر فيه الخطأ واللبس والتضارب ونحو ذلك، وهذا على غرار ما جاء في قول الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ… (الأعراف:33) فوصف البغي في الآية بأنه بغير الحق لا يعني أنّ هناك بغيا بحق، وكذلك ما جاء في قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (آل عمران:21) فوصف قتل النبيين بكونه بغير حق لا يعني أن ثمة قتلاً للنبيين بحق، ولكن الوصف في الموضعين وأشباههما قيد لبيان الواقع أي لإظهار شناعة البغي، وكذلك شناعة قتل النبيين، وأن كلا منهما لا يكون ظلما وتعديا وجورًا لا يشوبه عدل أو صواب أو حق فيرتدع من تسول له نفسه البغي أو الجور.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*