الأربعاء , 13 ديسمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » علوم القرآن » نشأة علوم القرآن، ومراحل تطوره وتدوينه
نشأة علوم القرآن، ومراحل تطوره وتدوينه
نشأة علوم القرآن، ومراحل تطوره وتدوينه

نشأة علوم القرآن، ومراحل تطوره وتدوينه

نستطيع من خلال ما ذكره المؤرخون لهذا الفن أن نقسم ما مرت به نشأةُ علوم القرآن وما تبعها من تطوره وتدوينِهِ إلى خمسِ مراحل، نُجْملها فيما يلي:
المرحلةُ الأولى: مرحلةُ بذور النشأة:
ترجع معرفةُ المباحث التي اصطلح الناس على تسميتها بعلوم القرآن إلى عهد النبي  نفسِهِ فما كان منها شيءٌ يخفي على النبي  أو على أصحابِهِ رضوانُ الله تعالى عليهم.
ذلك أن هذه المباحثَ في جملتِها ترجعُ إلى مصادرَ ثلاثةٍ كلُّها كانت معروفةً لهم:
أولُ هذه المصادر: ما يرجع إلى اللغة ويُبْنى عليها كبحوثِ: غريبِ القرآن، وإعجازِهِ، وجدلِهِ وأمثالِهِ، وكانوا يعرفونه ويدركونه تمام الإدراك بسليقتهم، فهم مطبوعون على اللغة وأساليبِ بلاغتِها منذ نشأتهم.
ثانى هذه المصادر: ما يرجعُ إلى الوحي: كالوجوه التي نـزل عليها القرآنُ ومعرفةُ ما نُسِخَ منه، وبيانُ ما يحتاج إلى بيانٍ، كل ذلك كان يوحى إلى النبي  ويبلغه أصحابَهُ.
ثالث هذه المصادر: ما يرجعُ إلى الحوادثِ التي تقع بين أظهرِهِم، كأسباب النـزول، وأوقاتِه، وهذه كانوا يعرفونها بأنفسهم، ويحيطون به بمجرد وقوعه.
إلا أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يدونوا تلك المعارف لأسباب من بينها:
1- أنهم رضى الله عنهم مع خصائصِ العروبة الخالصةِ التي كانوا يتمتعون بها كان أكثرُهُم أميين لا يقرأون ولا يكتبون.
أن أدواتِ الكتابةِ لم تكن ميسورةً لديهم.
أن أكثرَ ما عَرضَ لهم في ذلك كانوا يعرفونه إما بسليقتهم العربية أو هي حوادث وقعت بين أيديهم، ومن ثم لا يُخْشى عليها من الضياع.
وأهم من ذلك كله أن النبي  كان قد نهاهم عن كتابة شيء غيرِ القرآن في أول الأمر خشيةَ اختلاطِهِ بالقرآن.
يدل لذلك ما رواه مسلمٌ عن أبى سعيد الخدري  أن رسول الله  قال:»لَا تَكْتُبُوا عَنِّى، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّى غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمُحُه، وَحَدِّثُوا عَنِّى وَلَا حَرَجَ…». الحديث( )
المرحلة الثانية: مرحلة التمهيد لتدوين علوم القرآن:
ويمكن التمثيل لذلك بما صنعه عثمان  عندما جمع القرآن على حرفِ قريش في مصحفٍ إمامٍ، وأمَرَ بنسخِ مصاحف منه أرسلها إلى أقطار الإسلام، ليجتمع المسلمون على مصحف واحد، ولا يكونُ هناك فرقةٌ أو اختلاف وذلك ما يمكن أن نعتَبرهُ أساساً لعلم رسْم القرآن أو عِلْمِ الرسم العثمانى.
كما يأتي في هذا الإطار ما فعله عليُّ بن أبى طالب  عندما خشي على اللغةِ العربية من العُجْمةِ لدخول غير العرب في الإسلام واختلاطِهِم بالعرب مع بقائهم على لغتهم قبل أن يكتمل تعلُّمهُمْ للعربية، عندها أمر أبا الأسودِ الدؤلي بوضع بعض القواعد اللغوية للعربية لحماية لغة القرآن، وذلك ما يمكن أن نعتبرَهُ أساساً لعلم النحو، وينبنى عليه علم إعراب القرآن.
وبعد انقضاء عهد الخلافة الراشدة جاء عهدُ بيى أمية، وفيه اتجهت همةُ مشاهير الصحابة وعلى رأسهم الخلفاءُ الأربعةُ، وابنُ عباس، وابنُ مسعود، وزيدُ بن ثابت وأبو موسى الأشعرى وعبدُالله بن الزبير وغيُرهُم، وكذلك مشاهيرُ التابعين، وفي مقدمتهم: مجاهدٌ، وعطاءُ، وعكرمةُ، وقتادةُ، والحسنُ البصُّرى، وسعيدُ بن جبير وغيرُهُم، اتجهت همةُ هؤلاء جميعا إلى نشر علومِ القرآن، لا بالكتابةِ والتدوين ولكن بالرواية والتلقين. وكانت لهم جهود كبيرة في هذا الشأن، حتى إننا يمكن أن نعتبرهم واضعي الأساس لما يسمى علمُ التفسير، وعلمُ أسباب النـزول، وعلمُ الناسِخ والمنسوخ، وعلمُ غريبِ القرآن ؛ لتوفر مصادرها لديهم بما طبعوا عليه من معرفةِ اللغة، وبما عاصروه من ملابسات نـزول القرآن الكريم، وذلك كله يمكن أن نعتبره تمهيدا لتدوين علوم القرآن الكريم.
المرحلةُ الثالثة: مرحلةُ تدوين علوم القرآن بالمعنى الإضافي:
شهد ميلادُ القرن الثاني الهجري بدايةَ تدوينٍ شامل لعلمي الكتاب والسنة، وذلك عندما أمر الخليفةُ الأمويُّ الراشدُ عمرُ بنُ عبدِ العزيز بتدوين سنةِ رسول الله.
قال البخارىُّ رحمه الله تعالى: وكتب عمرُ بنُ عبد العزيز إلى أبى بكر بن حزم – عامِلِه على المدينة –: انظر ما كان من حديثِ رسولِ الله  فاكتبه، فإنى خفتُ دروسَ العلم وذهابَ العلماء.( )
وكان حظُّ العلوم المتعلقةِ بالقرآن الكريم من ذلك حظاً وفيراً، فصنف العلماءُ في التفسير، وكان من أوائلِ من قاموا بذلك: يزيدُ بن هارون السُّلَمى (ت 117ه‍( وشعبةُ بن الحجاج (ت 160ه‍( ووكيعُ بن الجراح (ت 197ه‍( وهم من علماءِ القرن الثاني الهجري، وكان تدوينُ هذا العلم من علومِ القرآن وهو التفسيرُ على اعتبارِهِ باباً من أبواب الحديث، ثم تلا هؤلاء ابنُ جريرٍ الطبرى (ت 310ه‍( فصنَّف (جامع البيان) وهو أجل التفاسير وأعظمها.( )
أما علوم القرآنِ الأخرى، ففي القرن الثالث الهجري بدأت الكتاب في بعض جوانبها، ثم توالت بعد ذلك، فقد كتب علىُّ بن المدينى شيخُ البخارى (ت 234ه‍( في أسباب النـزول، وأبو عبيدِ القاسم بنِ سلام في الناسخ والمنسوخ، وفي القرن الرابع كتب أبو بكر السجستانى (ت316ه‍( في غريب القرآن، وفي القرنِ الخامس كتب علىُّ بنُ سعيدٍ الحوفي في إعراب القرآن، وفي القرنِ السادس كتب أبو القاسم عبدُ الرحمن المعروفُ بالسُّبَيلىُّ في مبهمات القرآن، وفي القرن السابع كتب علمُ الدينِ السخاوى (ت 741ه‍( في القراءات.
وقد كانت طريقةُ أولئك المؤلفين هي الاستيعابُ والاستقصاءُ فيحرصُ أصحابُها على أن يحيطوا بجزئياتِ القرآن من الناحية التي تناولوها بقدر طاقتِهِم البشرية.
المرحلةُ الرابعةُ: مرحلةُ تدوين علوم القرآن بالمعنى الاصطلاحي:
كان المعروف لدى الكاتبين في تاريخ هذا الفن أن أول عهد ظهر فيه اصطلاح علوم القرآن هو القرنُ السابع، ولكن الشيخَ الزرقانيَّ رحمهُ اللهُ تعالى قرر في «مناهِلهِ» أنه ظفرَ في دار الكتب المصرية بكتابٍ لعلي بن إبراهيم بن سعيد الشهير بالحوفي (ت 430ه‍( اسمه: (البرهانُ في علوم القرآن) يقع في ثلاثينَ مجلداً موجودٌ منه خمسة عشر مجلداً غيرَ مرتبةٍ ولا متعاقبةٍ من نسخة مخطوطة.
ولكن الشيخَ رحمه الله تعالى عندما تعرض لوصفِ الكتاب قال: (استعرضت بعضَ الأجزاء الموجودةِ فرأيتُهُ يعرضُ الآيةَ الكريمةَ بترتيب المصحف، فيسوقها تحت عنوانِ «القول في قوله عز وجل» وبعد أن يفرغَ منه يضعُ هذا العنوان «القول في الإعراب» ويتحدث عنها من الناحية النحوية واللغوية، ثم يتبع ذلك بهذا العنوان «القول في المعنى والتفسير» ويشرح الآية بالمأثور والمعقول، ثم ينتقل من الشرح إلى العنوان الآتى «القول في الوقف والتمام» مبينا تحته ما يجوز من الوقف وما لا يجوز، وقد يفرد القراءاتِ بعنوان مستقل فيقول «القول في القراءة» وقد يتكلم في الأحكام الشرعيةِ التي تؤخذُ من الآية عند عرضها …) إلى أن يقول: (ويتكلمُ على أسباب النـزول وعلى النسخ وما إلى ذلك عند المناسبةِ، فأنت ترى أن هذا الكتابَ أتى على علوم القرآن، ولكن لا على طريقةِ ضمِّ النظائر والأشباه بعضِهَا إلى بعض تحت عنوانٍ واحد لنوع واحد، بل على طريقَةِ النشر والتوزيع، تبعا لانتشار الألفاظ المتشاكلة في القرآن وتوزعها، حتى كأنَّ هذا التأليف تفسير من التفاسير عرض فيه صاحبه لأنواع من علوم القرآن عند المناسبات).( )
وما قاله الزرقانُّى رحمه الله في آخر كلامه من أن مؤلَّف الحوفىِّ كأنه تفسير قطع به الداودي رحمه الله في طبقاته عند ترجمته للحوفي فقال (له تفسير جيد سماه البرهان في تفسير القرآن).( )
وفي القرن السادس كتب ابن الجوزي (ت 597ه‍( كتابَيْهِ «فنونِ الأفنان في علوم القرآن» و«المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن»، وفي القرنِ السابع كتب أبو شامةَ (ت 665ه‍( «المرشد الوجيز فيما يتعلق بالكتاب العزيز».( )
وفي القرن الثامن كتب الزركشى (ت 794ه‍( مؤلفَهُ الشهير «البرهانُ في علوم القرآن» وفي القرن التاسع كتب جلالُ الدينِ البلقيني كتاباً سماه «مواقع العلوم من مواقع النجوم» ثم نهض فارس العلومِ في هذا القرن الإمامُ جلالِ الدين السيوطيُّ (ت 911ه‍( وكتب: «التحبير في علوم التفسير» لكنه طمح إلى التبحر والتوسع والترتيب فوضع كتابَه الثانى «الإتقانْ في علوم القرآن» وهو عمدةُ الباحثين في هذا الفن، ذكر فيه ثمانينَ نوعاً على سبيل الإجمال، ثم قال بعد أن سردها نوعاً نوعاً: (ولو نوعتُ باعتبار ما أدمجته في ضمنها لزادت على الثلاثمائة).( )
المرحلة الخامسة: علوم القرآن في القرن الخامس عشر:
كانت الهمةُ قد فترت زمنا بعد السيوطي رحمه الله، لكن لم يلبث أن عاد النشاط في التأليف مرة أخرى، فكتب الشيخ طاهرُ الجزائري (التبيانَ في علوم القرآن) ومن بعده توالت الكتابةُ فكتب الشيخُ محمد علي سلامة (منهجُ الفرقان في علوم القرآن) وكتب الشيخ عبدُالعظيم الزرقاني (مناهلَ العرفان في علوم القرآن)، وكتب مصطفي صادقُ الرافعي (إعجازَ القرآن) وكتب الشيخُ محمد عبد الله دراز (النبأَ العظيم) وتولى من بعدهم الكثير في مدد لا ينقطع إن شاء الله تعالى.
سادساً: كلمة جامعة في ختام الموضوع:
ولا نختم هذا الموضوع قبل أن نجمع أشتات ما سبق في نشأةِ علوم القرآن وتطوره، وهنا نستبيح أن ننقل عبارة الشيخ الزرقاني رحمه الله تعالى في هذا الصدد، قال رحمه الله: (ويمكنك أن نستخلص –مما سبق- أن علوم القرآن كفَنِّ مدونٍ استهلت صارخةً على يد الحوفي في أواخر القرن الرابع وأوائلِ القرنِ الخامس، ثم تربت في حجرِ ابنِ الجوزي والسخاوي وأبى شامةَ في القرنين السادسِ والسابعِ، ثم ترعرعت في القرن الثامنِ بعناية الزركشي، ثم بلغت أشُدَّها واستوت في القرن التاسع بعنايةِ الكافيجي وجلالِ الدين البلقيني، ثم اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج في نهاية القرن التاسع وبدايةِ العاشر بهمةِ فارسِ ذلك الميدان صاحبِ كتابي التحبير، والإتقان في علوم القرآن: جلال الدين السيوطي، ثم وقف نموُّها بعد ذلك حتى هذا القرن الأخير، ثم بدأت تنتعش في هذه السنين من جديد)( ).

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*