الأحد , 24 سبتمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » مقالات » بأقلامكم » ومضات حول خطبة الوداع 2
ومضات حول خطبة الوداع 2
ومضات فى خطبة الوداع

ومضات حول خطبة الوداع 2

حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة واحدة، كانت أعظم حجة في التاريخ وأفضلها، أقام فيها شعائر الله تعالى، وعظّم حرماته، وصدع بدينه، وبين للناس مناسكهم، وخطب ينذرهم ويعلمهم ويبشرهم. لما عزم عليه الصلاة والسلام على الحج أذّن في الناس به، فتجهزوا للخروج معه، وسمع ذلك من حول المدينة، فقدموا يريدون الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووافاه في الطريق خلائق لا يحصون، فكانوا من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله مدّ البصر (جاء ذلك في حديث جابر رضي الله عنه في وصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعمل مثل عمله فخرجنا معه… ” أخرجه مطولاً مسلم [1905-1907-1908-1909]، وابن ماجه [3074]). كلهم شرفوا بالحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل حجة أفضل من حجة يؤمهم فيها أفضل البشر، وخاتم الرسل؟! يهتدون بهديه، ويستنون بسنته، ويقلدونه في أفعاله، وينعمون برؤيته، ويستمعون إلى خطابه، ويأخذون عنه مناسكهم، ويشاركونه في تعظيم الله تعالى وذكره وشكره، فيالله العظيم ما أعظم تلك الحجة! ويا لسعادة من حضرها! إن من حضرها طاف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت، ووقف معه في عرفة، وفي المشعر الحرام في مزدلفة، وشاركه في الهدي وفي الجمار، وبات معه في منى، واستمع إليه وهو يخطب في الناس يعلمهم مناسكهم ودينهم، ويحضهم على ما فيه فلاحهم، وينهاهم عما يضرهم. فلو كان الأمر بالاختيار لاختار كل المسلمين أن يحجوا معه عليه الصلاة والسلام، ولكن ذلك فضل من الله تعالى يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. لماذا سميت حجة الوداع؟! عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “كنا نتحدث بحجة الوداع والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، ولا ندري ما حجة الوداع” (رواه البخاري [4141] وأحمد [2-135]، وأبو يعلى [5586]). وفي رواية: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بهذا، وقال: «هذا يوم الحج الأكبر»، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم أشهد، وودع الناس»، فقالوا: “هذه حجة الوداع” (هذه رواية للبخاري [1655]). قوله: “ولا ندري ما حجة الوداع” كأنه شيء ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فتحدثوا به، وما فهموا أن المراد بالوداع وداع النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقعت وفاته صلى الله عليه وسلم بعدها بقليل، فعرفوا المراد، وعرفوا أنه ودّع الناس بالوصية التي أوصاهم بها: أن لا يرجعوا بعده كفاراً، وأكد التوديع بإشهاد الله تعالى عليهم بأنهم شهدوا أنه قد بلغ ما أرسل إليهم به، فعرفوا حينئذ المراد بقولهم حجة الوداع (فتح الباري لابن حجر [8-107]). عدد خطبه صلى الله عليه وسلم في حجته: الظاهر من سياق أحاديث حجته صلى الله عليه وسلم أنه عليه الصلاة والسلام خطب ثلاث خطب:
الأولى: يوم عرفة بعرفة.
والثانية: يوم النحر بمنى.
والثالثة: أوسط أيام التشريق بمنى.
خطبته صلى الله عليه وسلم بعرفة: وقف عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة في عرفة، وخطب في الناس خطبة عظيمة بليغة بين فيها الحقوق والحرمات، ووضع فيها مآثر الجاهلية تحت قدميه، وأوصى بالنساء، ودل الناس على سبيل العصمة من الضلال، ثم أشهدهم على بلاغه فشهدوا في ذلك الجمع العظيم شهادة ما اجتمع حشد مثله يشهدون على مثل ما شهدوا عليه، فقال عليه الصلاة والسلام في تلك الجموع العظيمة: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟» قالوا: “نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت”، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم أشهد، اللهم أشهد» ثلاث مرات (رواه مسلم [1218] وأبو داود [1905] وابن ماجه [3074] والدارمي [1850]). وهذه الخطبة فيها من المعاني شيء عظيم، وقد جمعت الأصول التي فيها صلاح الناس في معاشهم ومعادهم، ومن ذلك:
1- تحريم الدماء والأموال، وجعل حرمتها كحرمة الشهر الحرام، والبلد الحرام، ويوم عرفة.
2- إلغاء شعائر الجاهلية وشعاراتها.
3- إبطال الثارات التي كانت بين القبائل في جاهليتهم.
4- وضع الربا الذي كان منتشراً بينهم، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس؛ وذلك ليكون قدوة في هذا الشأن يبدأ بنفسه وآله في تنفيذ الأوامر الربانية، فإن ذلك أدعى لقبول الناس، وتلك هي طريقة الأنبياء عليه السلام كما قال شعيب عليه السلام: {وَمَا أُرِ‌يدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِ‌يدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّـهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود:88].
5- الوصية بالنساء وبيان مالهن من الحقوق، وما عليهن من الواجبات، وكيفية التعامل مع الناشز منهن.
6- الوصية بكتاب الله عز وجل ولزوم التمسك به، ومن لوازم التمسك بالكتاب: العمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى في القرآن قد أحال على السنة في آيات كثيرة منها:
أ- قول الله تعالى: {مَّن يُطِعِ الرَّ‌سُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّـهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْ‌سَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء:80].
ب – قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ وَيَغْفِرْ‌ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّـهُ غَفُورٌ‌ رَّ‌حِيمٌ} [آل عمران:31].
ج – قوله – تعالى -: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) النساء: 65.
د – قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّ‌سُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۖ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر من الآية:7]. الشرح والمعاني (شرح هذه الخطبة مستفاد من المفهم للقرطبي، وشرح النووي على مسلم [8-183-184] والديباج على مسلم [3-326] وعون المعبود [5-262-264]): قوله: «كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» معناه: متأكد التحريم شديده، والمعنى: يحرم تعرضكم لبعضكم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. قوله: «كحرمة يومكم هذا»: يعني تعرض بعضكم دماء بعض وأمواله وأعراضه في غير هذه الأيام كحرمة التعرض لها في هذا اليوم. وإنما شبه حرمة الدماء والأموال والأعراض بحرمة يوم النحر والشهر الحرام والبلد الحرام؛ لأنهم كانوا لا يرون استباحة تلك الأشياء، وانتهاك حرمتها بحال (انظر: تحفة الأحوذي [6-313-314]). « تحت قدمي»: إشارة إلى إبطاله، كأنه يقول: إن كل شيء فعله أحدكم من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، أي: كالشيء الموضوع تحت القدم، والمعنى: عفوت عن كل شيء فعله رجل قبل الإسلام حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدم. قال النووي: “في هذه الجملة إبطال أفعال الجاهلية وبيوعها التي لم يتصل به قبض، وأنه لا قصاص في قتلها، وأن الإمام وغيره ممن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر ينبغي أن يبدأ بنفسه وأهله فهو أقرب إلى قبول قوله، وإلى طيب نفس من قرب عهده بالإسلام”. قوله: «ودماء الجاهلية موضوعة» أي: متروكة لا قصاص، ولا دية، ولا كفارة، أعادها للاهتمام أو ليبني عليه ما بعده من الكلام. قوله: «وأول دم أضعه» أي: أتركه، دماؤنا المستحقة لنا أهل الإسلام، أو دماء أقاربنا؛ ولذا قال الطيبي: “ابتدأ في وضع القتل والدماء بأهل بيته وأقاربه ليكون أمكن في قلوب السامعين، وأسدَّ لباب الطمع بترخص فيه”. «دم ابن الحارث» هو ابن عبد المطلب كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، قال الزبير بن بكار: “كان طفلاً صغيراً يحبو بين البيوت فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبني ليث بن بكر”. قوله: «وربا الجاهلية موضوع» يريد أموالهم المغصوبة والمنهوبة وإنما خص الربا تأكيداً؛ لأنه في الجملة معقول في صورة مشروع، وليرتب عليه قوله: «وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فهو موضوع كله» معناه: الزائد على رأس المال كما قال الله تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُ‌ءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} [البقرة من الآية:279]، فوضع الربا معناه: وضع الزيادة، والمراد بالوضع: الرد والإبطال. قوله صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله»، فيه الحث على مراعاة حق النساء والوصية بهن ومعاشرتهن بالمعروف، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بهن، وبيان حقوقهن، والتحذير من التقصير في ذلك. وقوله صلى الله عليه وسلم: «أخذتموهن بأمان الله» هكذا هو في كثير من الأصول، وفي بعضها «بأمانة الله». قوله صلى الله عليه وسلم: «واستحللتم فروجهن بكلمة الله» قيل: معناه قوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُ‌وفٍ أَوْ تَسْرِ‌يحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة من الآية:229]. وقيل: المراد كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم. وقيل: المراد بإباحة الله والكلمة قوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} [النساء:3] وهذا الثالث رجحه النووي، وبالأول قال الخطابي والهروي وغيرهما. وقيل: المراد بالكلمة: الإيجاب والقبول، ومعناه على هذا: بالكلمة التي أمر الله تعالى بها. قوله صلى الله عليه وسلم: «ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح» قال المازري: “قيل: المراد بذلك أن لا يستخلين بالرجال ولم يرد زناها؛ لأن ذلك يوجب جلدها؛ ولأن ذلك حرام مع من يكرهه الزوج ومن لا يكرهه”، وقال القاضي عياض: “كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء ولم يكن ذلك عيباً ولا ريبة عندهم، فلما نزلت آية الحجاب نهوا عن ذلك”. قال النووي: “والمختار أن معناه: أن لا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم، والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون له رجلاً أجنبياً أو امرأة، أو أحداً من محارم الزوجة؛ فالنهي يتناول جميع ذلك، وهذا حكم المسألة عند الفقهاء: أنها لا يحل لها أن تأذن لرجل، أو امرأة، ولا محرم، ولا غيره في دخول منزل الزوج إلا من علمت، أو ظنت أن الزوج لا يكرهه؛ لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن في ذلك منه، أو ممن أذن له في الإذن في ذلك، أو عرف رضاه باطراد العرف بذلك ونحوه، ومتى حصل الشك في الرضا ولم يترجح شيء ولا وجدت قرينة لا يحل الدخول ولا الإذن، والله أعلم” وما ذكره النووي كلام محرر متين. وأما الضرب المبرح فهو الضرب الشديد الشاق، ومعناه: اضربوهن ضرباً ليس بشديد ولا شاق، والبرح المشقة، وفي هذا الحديث: إباحة ضرب الرجل امرأته للتأديب، وذلك ثابت بنص القرآن فلا يلتفت إلى تخرصات المنافقين من دعاة تحرير المرأة وغيرهم في ردهم ذلك، والطعن فيه، على أن أكارم الرجال لا يضربون النساء، وقد جاء النهي عن ضرب المرأة ضرب العبد ثم مضاجعتها آخر النهار. قوله صلى الله عليه وسلم: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» فيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها وذلك ثابت بالإجماع. قوله: «وأنتم مسؤولون عني» أي: عن تبليغي وعدمه، فما أنتم قائلون في حقي؟ قولهم: «قد بلغت» أي: الرسالة “وأديت” أي: الأمانة “ونصحت” أي: الأمة. قوله: «اللهم أشهد» أي: على عبادك بأنهم قد أقروا بأني قد بلغت، أو المعنى: اللهم أشهد أنت؛ إذ كفى بك شهيداً. قوله: “فقال بأصبعه السبابة يرفعه إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم أشهد” قال النووي: “هكذا ضبطناه: ينكتها، وقيل: صوابه ينكبها بباء موحدة…ومعناه يقلبها ويرددها إلى الناس مشيراً إليهم، ومنه نكب كنانته إذا قلبها هذا كلام القاضي عياض”. وقال القرطبي: “روايتي وتقييدي على من اعتمده من الأئمة المفيدين بضم الياء وفتح النون وكسر الكاف المشددة وضم الباء الموحدة (يُنَكِّبُها) أي: يعدلها إلى الناس، وروي ينكتها بتاء باثنتين وهي أبعدها”. وقال في عون المعبود: “يشير بها إلى الناس كالذي يضرب بها الأرض، والنكت ضرب الأنامل إلى الأرض، وفي بعض النسخ بالموحدة وفي النهاية: بالباء الموحدة: أي، يميلها إليهم، يريد بذلك أن يشهد الله عليهم”. خطبته يوم النحر: خطب عليه الصلاة والسلام خطبة عظيمة بليغة يوم النحر؛ كما جاء ذلك في أحاديث عدة منها:
1- حديث أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة أثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، أيُّ شهر هذا؟» قلنا: “الله ورسوله أعلم”، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس ذا الحجة؟» قلنا: “بلى”، قال: «أيُّ بلد هذا؟» قلنا: “الله ورسوله أعلم”، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس البلدة؟» قلنا: “بلى”، قال: «فأي يوم هذا؟» قلنا: “الله ورسوله أعلم”، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس يوم النحر؟» قلنا: “بلى”، قال: «فإن دماءكم وأموالكم -قال محمد وأحسبه قال- وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلال يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه» وكان محمد إذا ذكره قال: صدق النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «ألا هل بلغت ألا هل بلغت» (رواه البخاري [5230] ومسلم [1679]).
2- حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «ألا، أيُّ شهر تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا: “ألا، شهرنا هذا”، قال: «ألا، أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا: “ألا بلدنا هذا”، قال: «ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا: “ألا، يومنا هذا”، قال: «فإن الله تبارك وتعالى قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟» ثلاثاً، كل ذلك يجيبونه: “ألا، نعم”، قال: «ويحكم أو ويلكم، لا ترجعنَّ بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» (رواه البخاري [5230] ومسلم [1679]).
3- حديث جابررضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال: «أي يوم أعظم حرمة؟» فقالوا: “يومنا هذا”، قال: «فأي شهر أعظم حرمة؟» قالوا: “شهرنا هذا”، قال: «أي بلد أعظم حرمة؟» قالوا: “بلدنا هذا”، قال: «فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، هل بلغت؟» قالوا: “نعم”، قال: «اللهم أشهد» (رواه أحمد [3-371]).
4- حديث سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع للناس: «أي يوم هذا؟» قالوا: “يوم الحج الأكبر”، قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولده ولا مولود على والده، ألا وإن الشيطان قد أيس من أن يُعبد في بلادكم هذه أبداً، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم، فسيرضى به» (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح [2159-3087] وابن ماجه [1851] وأحمد [3-426]). وفي رواية: «ألا إن المسلم أخو المسلم فليس يحل لمسلم من أخيه شيء إلا ما أحل من نفسه» (هذه الرواية للترمذي وقال: حسن صحيح [3087]).
5- حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال: «اتقوا الله ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح [616] وأحمد [5-215] وصححه ابن حبان [4563]). وباستعراض الأحاديث السابقة نجد أن هذه الخطبة العظيمة حوت من المعاني ما يلي:
1- تحريم الأشهر الحرم، وبيان عظمه يوم النحر، وحرمة مكة.
2- بيان أن الدماء والأموال والأعراض محرمة كما حرمت الأشهر الحرم ويوم النحر والبلد الحرام.
3- النهي عن الاختلاف والافتراق الذي ينشأ عنه التهارج والاقتتال.
4- بيان أن كل إنسان يؤخذ بذنبه، ويتحمل تبعات عمله، ولا يؤخذ غيره بذلك؛ خلافاً لما كان يفعله أهل الجاهلية من تحميل الأسرة أو القرابة أو القبيلة جريرة واحد من أفرادها.
5- التحذير من طاعة الشيطان فيما يُحتقر من الأعمال صغيرها وكبيرها.
6- التأكيد على الأخوة في الدين، وعدم استحلال المسلم لأخيه المسلم في نفسه أو ماله أو عرضه.
7- الوصية بالتقوى، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وطاعة ولاة الأمر، وبيان أن ثواب ذلك الجنة. 8- الأمر بحمل العلم وتبليغه لمن لم يحضره؛ فقد يكون أفقه ممن حضره.
9- سؤالهم هل بلغ رسالة ربه إليهم، وإشهاد الله – تعالى -على إقرارهم له بالبلاغ. الشرح والمعاني (شرح هذه الأحاديث ومعانيها مأخوذ من: شرح النووي على مسلم [2-55-56] وفتح الباري لابن حجر [12-194] وتحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي [6-314- 315] وشرح الطيبي على المشكاة): قوله: «يوم حرام» أي يحرم فيه القتال، وكذلك الشهر، وكذلك البلد. قوله صلى الله عليه وسلم: «أي يوم هذا؟» سأل عنه وهو عالم به؛ لتكون الخطبة أوقع في قلوبهم وأثبت. وقولهم: “الله ورسوله أعلم” هذا من حسن الأدب في الجواب للأكابر، والاعتراف بالجهل، ولعلهم قالوا ذلك لأنهم ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه. قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفاراً» قال القاضي عياض: “معناه بعد فراقي من موقفي هذا، وكان هذا يوم النحر بمنى في حجة الوداع، أو يكون: بعدي، أي: خلافي أي: لا تخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به، أو يكون تحقق صلى الله عليه وسلم أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد مماته”. وجملة ما في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» من الأقوال ثمانية: أحدها: قول الخوارج، إنه على ظاهره. ثانيها: هو في المستحلين. ثالثها: المعنى كفاراً بحرمة الدماء، وحرمة المسلمين، وحقوق الدين. رابعها: تفعلون فعل الكفار في قتل بعضهم بعضاً. خامسها: لابسين السلاح، يقال: كفر درعه إذا لبس فوقها ثوباً. سادسها: كفاراً بنعمة الله – تعالى -. سابعها: المراد الزجر عن الفعل، وليس ظاهره مراداً. ثامنها: لا يكفر بعضكم بعضاً كأن يقول أحد الفريقين للآخر: يا كافر، فيكفر أحدهما. ورجح النووي الرابع. وقوله: “ثم رفع رأسه”، زاد الإسماعيلي من هذا الوجه: “إلى السماء”. قال ابن عباس رضي الله عنهما: “فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته يريد بذلك الكلام الأخير، وهو قوله صلى الله عليه وسلم «فليبلغ الشاهد الغائب» إلى آخر الحديث. فائدة: قال ابن بطال رحمه الله تعالى: “في الحديث من الفوائد أن الإنصات للعلماء لازم للمتعلمين؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء… وذلك أن الخطبة المذكورة كانت في حجة الوداع، والجمع كثير جداً، وكان اجتماعهم لرمي الجمار وغير ذلك من أمور الحج وقد قال لهم: «خذوا عني مناسككم». فلما خطبهم ليعلمهم ناسب أن يأمرهم بالإنصات، وقد وقع التفريق بين الإنصات والاستماع في قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِ‌ئَ الْقُرْ‌آنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْ‌حَمُونَ} [الأعراف:204] ومعناهما مختلف؛ فالإنصات هو السكوت وهو يحصل ممن يستمع وممن لا يستمع كأن يكون مفكراً في أمر آخر، وكذلك الاستماع قد يكون مع السكوت، وقد يكون مع النطق بكلام آخر لا يشتغل الناطق به عن فهم ما يقول الذي يستمع منه. قال سفيان الثوري: “أول العلم الاستماع ثم الإنصات ثم الحفظ ثم العمل ثم النشر”. وعن الأصمعي تقديم الإنصات على الاستماع. وعن مطرف قال: “الإنصات من العينين”، فقال له ابن عيينة: “وما ندري كيف ذلك؟” قال: “إذا حدثت رجلاً فلم ينظر إليك لم يكن منصتاً” وهذا محمول على الغالب والله أعلم. قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يجني جان إلا على نفسه» ألا للتنبيه، والجناية الذنب والجرم، وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العذاب أو القصاص في الدنيا والآخرة. والمعنى: أن الإنسان لا يطالب بجناية غيره من أقاربه وأباعده، فإذا جنى أحدهما جناية لا يعاقب بها الآخر كقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ‌ وَازِرَ‌ةٌ وِزْرَ‌ أُخْرَ‌ىٰ} [فاطر:18]. قوله: «لا يجني جان على ولده ولا مولود على والده» يحتمل أن يكون المراد النهي عن الجناية عليه؛ لاختصاصها بمزيد قبح، وأن يكون المراد تأكيد “لا يجني جان إلا على نفسه”، فإن عادة أهل الجاهلية جرت بأنهم يأخذون أقارب الشخص بجنايته، والحاصل أن هذا ظلم يؤدي إلى ظلم آخر. والأظهر: أن هذا نفي فيوافق قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ‌ وَازِرَ‌ةٌ وِزْرَ‌ أُخْرَ‌ىٰ} [فاطر:18]، وإنما خص الولد والوالد لأنهما أقرب الأقارب، فإذا لم يؤاخذا بفعله فغيرهما أولى، وفي رواية: «لا يؤخذ الرجل بجريمة أبيه». قوله: «ألا وإن الشيطان» وهو: إبليس الرئيس، أو الجنس الخسيس «قد أيس أن يعبد» قال القارئ: “أي: من أن يطاع في عبادة غير الله تعالى؛ لأنه لم يعرف أنه عبده أحد من الكفار”. وقيل: معناه: إن الشيطان أيس أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم، ولا يرد على هذا مثل أصحاب مسيلمة، ومانعي الزكاة، وغيرهم ممن ارتد؛ لأنهم لم يعبدوا الصنم. ويحتمل معنى آخر: وهو أنه أشار عليه الصلاة والسلام إلى أن المصلين من أمته لا يجمعون بين الصلاة، وعبادة الشيطان؛ كما فعلته اليهود والنصارى. ولك أن تقول: معنى الحديث: إن الشيطان أيس من أن يتبدل دين الإسلام، ويظهر الإشراك، ويستمر، ويصير الأمر كما كان من قبل، ولا ينافيه ارتداد من ارتد، بل لو عبدت الأصنام أيضاً لم يضر في المقصود، ولكن ستكون للشيطان طاعة فيما تحقرون من أعمالكم التي هي دون الكفر من القتل والنهب ونحوهما من الكبائر، وتحقير الصغائر، فسيرضى بالمحتقر؛ حيث لم يحصل له الذنب الأكبر؛ ولهذا ترى المعاصي من الكذب والخيانة ونحوهما توجد كثيراً في المسلمين، وقليلاً في الكافرين؛ لأنه قد رضي من الكفار بالكفر، فلا يوسوس لهم في الجزئيات، وحيث لا يقدر على المسلمين بالكفر فيرميهم في المعاصي. قال الطيبي رحمه الله تعالى: قوله: «فيما تحتقرون» أي: مما يتهجس في خواطركم، وتتفوهون عن هناتكم، وصغائر ذنوبكم، فيؤدي ذلك إلى هيج الفتن والحروب، كقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان قد يئس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم» (رواه مسلم [5812] والترمذي [1937] وأحمد [3-313] من حديث جابر رضي الله عنه، وجاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد [2-368] وعن ابن مسعود رضي الله عنه عند الحاكم [2-32]). خطبة أيام التشريق: خطب النبي صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق خطبة عظيمة دل عليها حديث سراء بنت نبهان رضي الله عنها قالت: “خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرؤوس فقال: «أي يوم هذا؟» قلنا: “الله ورسوله أعلم”، قال: «أليس أوسط أيام التشريق؟» قال أبو داود، وكذلك قال عم أبي حرة الرقاشي: “إنه خطب أوسط أيام التشريق”. وفي لفظ أنه عليه الصلاة والسلام قال: «هل تدرون أي يوم هذا؟» قال: وهو اليوم الذي يدعون يوم الرؤوس قالوا: “الله ورسوله أعلم”، قال: «هذا أوسط أيام التشريق، هل تدرون أي بلد هذا؟» قالوا: “الله ورسوله أعلم”، قال: «هذا المشعر الحرام»، ثم قال: «إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد هذا، ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلغت»، فلما قدمنا المدينة لم يلبث إلا قليلاً حتى مات (رواه أبو داود [1953] والبيهقي والرواية الثانية له [5-151]) وقد تضمنت خطبته تلك ما يلي:
1- التأكيد على حرمة الدماء والأموال والأعراض؛ كحرمة أيام الحج وشهره وبلد الله الحرام. وهذا المعنى تكرر في خطبته بعرفة ويوم النحر؛ مما يدل على عظيم العناية به وأهميته. ومن رأى ما وقع في الأمة عقبه عليه الصلاة والسلام من الاختلاف والفرقة التي أدت إلى الاقتتال بظهور الخوارج على عثمان وعلي رضي الله عنهما وما استتبع ذلك عبر القرون والدول علم أن النبي صلى الله عليه وسلم نصح لأمته أشد النصح، وحذر الناس من ذلك أشد تحذير في آخر أيامه عليه الصلاة والسلام. وهذا من معجزاته عليه الصلاة والسلام: أن يحذر من هذا الأمر العظيم ثلاث مرات في حجته، ثم يقع عقبه؛ مما يدل على علمه بما سيؤول إليه حال أمته، أو أنه توقع حدوث ذلك، فكرره وأعاده؛ ولكن قدر الله تعالى نافذ، ومشيئته ماضية.
2- الإشارة إلى توديعهم بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد هذا».
3- بيان أن الناس سيرجعون إلى ربهم، وسيسألون عن أعمالهم.
4- الأمر بتبليغ وصاياه من لم يحضرها من الناس. الشرح والمعاني: قوله: “الرؤوس” هو اليوم الثاني من أيام التشريق، سمي بذلك لأنهم كانوا يأكلون فيه رؤوس الأضاحي. قال الزمخشري: “أهل مكة يسمون يوم القر يوم الرؤوس؛ لأنهم يأكلون فيه رؤوس الأضاحي”. وأما يوم القر فهو اليوم الأول من أيام التشريق؛ لأن الناس يقرون في منى. قال في عون المعبود: “وهذه هي الخطبة الثالثة بعد صلاة الظهر فعلها ليعلم الناس بها المبيت، والرمي في أيام التشريق وغير ذلك؛ مما بين أيديهم”. وقال ابن القصار: “إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكره؛ لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا” (انظر: نيل الأوطار للشوكاني وعون المعبود [5-301]). آية ومعجزة: عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي رضي الله عنه قال: “خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار” (رواه أبو داود [1957] والنسائي [5-249]، والبيهقي [5-127]). الشرح والمعاني: قوله:”ففتحت أسماعنا” أي: اتسع سمع أسماعنا وقوي، من قولهم قارورة فُتُح، أي: واسعة الرأس، قال الكسائي: “ليس لها صمام وغلاف”، وهكذا صارت أسماعهم لما سمعوا صوت النبي صلى الله عليه وسلم وهذا من بركات صوته إذا سمعه المؤمن قوي سمعه، واتسع مسلكه حتى صار يسمع الصوت من الأماكن البعيدة، ويسمع الأصوات الخفية. قوله: “ونحن في منازلنا” فيه دليل على أنهم لم يذهبوا لسماع الخطبة؛ بل وقفوا في رحالهم وهم يسمعونها، ولعل هذا فيمن له عذر منعه عن الحضور لاستماعها وهو اللائق بحال الصحابة رضي الله عنهم

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*