الثلاثاء , 23 يناير 2018
جديد الموقع
الرئيسية » أئمة و دعاة » زاد الخطيب » دروس » ومضات فى مصطلح الحديث
ومضات فى مصطلح الحديث
ومضات فى مصطلح الحديث

ومضات فى مصطلح الحديث

تعريف وأهمية علم الرجال
علم الرجال: هو العلم بأحوال رواة الحديث من حيث القبول والرد( ).
والمقصود برواة الحديث: كل من روى شيئا من الحديث، ولو كان حديثا واحدا، رجلا كان أو امرأة، حرا كان أو عبدا، وإنما سُمي بعلم الرجال من باب التغليب.
والمقصود بقولنا: من حيث القبول والرد: أي ما يتعلق من أحوال الرواة بقبول مروياتهم أو ردها، كمواليدهم ووفياتهم وشيوخهم ورحلاتهم وتلاميذهم ومحال نزولهم، ونحو ذلك مما يتعلق باتصال الحديث أو انقطاعه، وكذلك ما يتصل بأمانتهم وعدالتهم وصدقهم، أما ما سوى ذلك من أمور لا علاقة لها بالرواية فليس مقصودا في هذا العلم.
فترى العلماء في هذا العلم يذكرون اسم الراوي، ونسبه، ونسبته، ووبداية سماعه الحديث، وشيوخه الذين لقيهم وسمع منهم أو أجازوه، والرحلات التي قام بها، والبلدان التي نزلها أو استوطنها، ووقت نزوله فيها، وخروجه منها، والعلماء الذين لقيهم فيها،، وما تعرض له الراوي من أحداث أو حوادث أثرت على حفظه أو عقله أو أدت لاختلاطه إن كان قد اختلط، ومن الذي سمع منه قبل الاختلاط، ومن الذي سمع منه بعد الاختلاط، على غير ذلك من الأمور التي تكشف شخصية الراوي ومدى قبول خبره أو رده.
أسماؤه: يطلق عليه (علم الرجال)، و(علم رجال الحديث) لتعلقه بالرجال الذين لهم رواية للحديث، و(علم تاريخ الرواة) لكونه يختص بتدوين تاريخ الرواة، و(علم التاريخ أو التواريخ).
أهميته وفائدته: وقعت رواية الحديث ممن يجب قبول خبره وممن يجب رده وممن يجب التوقف فيه، وهيهات أن يعرف الحق من الزيف إلا بمعرفة أحوال هؤلاء النقلة الذين تحملوا هذا العلم الجليل جيلا عن جيل، وذلك بأن يخبر كل إمام عارف عما يعلم من أحوال مَن لقيهم أو درس وخبر حديثهم بنفسه أو بالسماع من شيوخه، ومن ثَمَّ اهتم العلماءُ بمعرفة أحوال الرواة منذ وقت مبكر، وعدوا ذلك من أهم المهمات، حتى قالوا: معرفة الرجال نصف العلم.
وتبرز أهمية وفائدة هذا العلم فيما يأتي:
1 – تمييز الرواة الثقات الذين يقبل خبرهم من الرواة الضعفاء أو المجروحين الذين ترد رواياتهم أو يتوقف في قبول أخبارهم، وفق القواعد المقررة عند علماء الحديث.
2 – الوقوف على اتصال السند أو عدم اتصاله، ومعرفة ما إذا كان الراوي قد تلقى الحديث عن شيخه الذي رواه عنه أو لا، لما لذلك من أثر في الحكم على صدق الراوي أو كذبه، أو إرساله، ومن ثم الوقوف على صحة الحديث أو عدم صحته.
3 – الوقوف على المدلسين من الرواة، لتمييز ما يقبل من رواياتهم وما لا يقبل.
4 – الوقوف على المختلطين من الرواة، ومعرفة زمن اختلاطهم، ومن روى عنهم قبل الاختلاط فتقبل روايته عنهم، ومن روى عنهم بعد الاختلاط فترد روايته.
5 – الوقوف على المتقدم والمتأخر من الأحاديث من خلال معرفة الصحابة ووقت إسلام كل منهم ونحو ذلك، ومن رفع التناقض بين ما ظاهره التعارض من الأحاديث، ومعرفة الناسخ من المنسوخ ونحو ذلك.
أصل هذا العلم: هذا العلم ثابت القواعد راسخ الأصول، مبناه على توجيهات العليم الحكيم عز وجل وإرشادات الرسول العظيم ، فقد قال تبارك وتعالى  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا .
اهتمام الأمة بهذا العلم: من هذا المنطلق نهض أئمة السنة المباركة للقيام بواجب تبيين أحوال الرواة، فعرفوا أسماءهم وكناهم وألقابهم ومواليدهم ومحال نشأتهم، وتتبعوا رحلاتهم في طلب العلم، وتتبعوا حركاتهم وسكناتهم وعبادتهم ومعاملاتهم، وربما امتحونهم أو سألوا عنهم أهل المعرفة بهم، وقابلوا بين مروياتهم ومرويات الثقات المتقنين من أئمة الدين، ولم يدعوا سبيلا للتعرف على حال راو أو للتأكد من صدق رواية إلا سلكوه، مع المبالغة في الاحتياط، معلنين كل نتائج بحثهم في ذلك للناس، وكان نشاطهم في ذلك آية من آيات حفظ الله لهذا الدين وصدق الله العظيم  إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ، ولم يفتهم من ذلك شيء قليل ولا كثير، ويرحم الله الإمام الجليل عبد الله بن المبارك الذي قيل له: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة، وتلا قول الله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون.
من طرق العلماء في اختبار الرواة وكشف الضعفاء والكذابين:
1 – كانوا يحسبون تاريخ ميلاد الراوي، وتاريخ وفاة من يدعي أنه شيخه ويسألونه عن سنة سماعه من ذلك الشيخ، والبلد التي سمع منه فيها، ونحو ذلك؛ ليتبينوا هل هو صادق في ادعائه أو لا.
قال سفيان الثوري: (لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ)، وقال حفص بن غياث: (إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين)، وعن حسان بن زيد قال: (لم نستعن على الكذابين بمثل التاريخ، نقول للشيخ: سنة كم وُلدتَ؟ فإذا أخبر بمولده عرفنا كذبه من صدقه) قال أبو حسان الزيادي: فأخذت في التاريخ، فأنا أعمله من ستين سنة.
قال الخطيب البغدادي معلقا على ذلك: وضبط أصحاب الحديث صفات العلماء وهيئاتهم وأحوالهم أيضا لهذه العلة، وقد افتضح غير واحد من الرواة في مثل ذلك( ).
وقد طبق العلماء ذلك في حالات كثيرة، فكشفوا كثيرا من الكذابين، فعن محمد بن مسلم بن وارة: سألت أبا الوليد عن عامر بن أبي عامر الخزاز فقال: كتبت عنه حديث أيوب بن موسى عن أبيه عن جده عن النبي :((ما نحل يعني ولداً والدٌ أفضل من أدب حسن)) فبينا نحن عنده يوما إذ قال: نا عطاء بن أبي رباح أو سمعت عطاء بن أبي رباح وسئل عن كذا وكذا، فقلت: في سنة كم؟ قال: في سنة أربع وعشرين (يعني ومائة) قلنا: فإن عطاء توفي سنة بضع عشرة( ).
وعن أبي أحمد الفراء قال: كنا عند أبي نعيم (الفضل بن دكين شيخ البخاري) وعنده يحيى بن معين وأبو بكر بن أبي شيبة فذكروا هذا (يعني أبا خالد السقاء أحد الكذابين) فقال أبو نعيم: ابن كم يزعم أنه؟ قالوا: ابن خمس وعشرين ومائة سنة، وذلك سنة تسع ومائتين، فقال أبو نعيم: احسبوا، فجعل يلقي عليهم، فقال: بزعمه مات ابن عمر قبل أن يولد هو بخمس سنين، وذلك أنه قيل: إنه قال: رأيت ابن عمر جاء إلى ابن الزبير فسلم عليه وهو مصلوب( ).
وعن إسماعيل بن عياش قال: كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث فقالوا: ههنا رجل يحدث عن خالد بن معدان، فأتيته فقلت له: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ فقال: سنة ثلاث عشرة (يعني ثلاث عشرة ومائة) فقلت: أنت تزعم أنك سمعت من خالد بن معدان بعد موته بسبع سنين ! قال إسماعيل: مات خالد سنة ست ومائة( ).
وعن أبي علي النيسابوري الحافظ قال: لما حدث عبد الله بن إسحق الكرماني عن محمد بن أبي يعقوب أتيته فسألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة إحدى وخمسين ومائتين، فقلت له: مات محمد بن أبي يعقوب قبل أن تولد بتسع سنين، فاعلمه.
وقال الحاكم أبو عبد الله: لما قدم علينا أبو جعفر محمد بن حاتم الكسي وحدث عن عبد بن حميد سألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، فقلت لأصحابنا: سمع هذا الشيخ من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة( ).
2 – ربما سألوا الراوي عن صفة شيخه وعن بعض أحواله؛ ليتأكدوا من صدقه: قال ابن عمار: عبد الله بن أذينة الأذيني لا تكتب حديثه، مر ههنا فقدم الموصل فنزل على حرب أبي علي، قال: فسمع منه ابن أبي الزرقاء وقاسم الجرمي، قال: فذهبت إليه، قال: فحدثنا عن محمد بن سالم، قال: فذكرت ذلك للقاسم – قال: وقلت: إني أخاف أن يكون هذا كذابا – قال: فقال لي قاسم: إن سفيان الثوري أخبرنا أن محمد بن سالم كان أعمى، فسله أصحيحا كان أم أعمى؟ قال: فأقبلت المسألة فقلت: محمد بن سالم كان أعور أم صحيحا؟ فقال: صحيح والله أصح بصراً منك. قال: فأخبرت قاسما بذلك، فألقوا حديثه( ).
3 – امتحان الراوي بالسؤال عن الموضع الذي سمع فيه:
من ذلك ما روي عن شريك عن أبي اسحق عن حبشي بن جنادة، قال شريك: قلت لأبي إسحق: أين سمعته منه؟ قال: وقف علينا على فرس له في مجلس في جبانة السبيع( ).
4 – وربما عرفوا كذب الراوي بحكايته عن شيخه خلاف المحفوظ عنه:
من ذلك أن محمد بن إسماعيل ومحمد بن يوسف بن الحكم قالا: لما قدم عبد الله بن عبد الرحمن الأسامي المديني بخارى كنا نختلف إليه وهو يحدثنا، فحدثنا يوما بحديث عن النبي  أنه كان يحتجم يوم السبت ثم قال: رأيت سفيان بن عيينة يحتجم يوم السبت غير مرة.قال محمد بن يوسف: فأتينا أبا جعفر المسندي فذكرنا له ذلك، فقال: أقيموني أقيموني، سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما احتجمت قط إلا مرة واحدة، فغشي عليَّ. قال: فعلمنا حينئذ أنه كذاب( ).
5 – ومن ذلك: امتحان الراوي بقلب الأحاديث وإدخالها عليه، فإن انتبه لذلك تأكدوا من ضبطه وعدالته، وإن لم ينتبه عرفوا غفلته وتركوا حديثه:
من ذلك ما فعله حماد بن سلمة قال: كنت أقلب على ثابت البناني حديثه، وكانوا يقولون: القصاص لا يحفظون، وكنت أقول لحديث أنس: كيف حدثك عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فيقول: لا، إنما حدثناه أنس، وأقول لحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى: كيف حدثك أنس؟ فيقول: لا، إنما حدثناه عبد الرحمن بن أبي ليلى.
وفي رواية عن حماد بن سلمة قال: قلبت أحاديث على ثابت البناني فلم تنقلب، وقلبت على أبان بن أبي عياش فانقلبت( ).
أدب المحدثين في الحديث عن الرجال: هم في ذلك كله يصدرون عن تجرد تام وأدب رفيع، فلا يجاملون في الحق أبا ولا أخا ولا ابنا، ولا يخلطون بين الخصومات الشخصية أو الخلافات المذهبية والفقهية وبين الرأي العلمي النزيه، حتى إنهم ربما وصفوا الراوي بالضعف ووصموا حديثه بالرد مع ثنائهم على أخلاقه وعبادته، وتحاشوا أن يتناولوا من أخطاء الراوي ما لا علاقة له بالرواية، ولم يتمادوا في الإساءة إلى الراوي الضعيف، فمهما أمكنهم أن يعبروا عن حال الراوي بكلمة واحدة فإنهم لا يعبرون بكلمتين.
كيف حفظ المحدثون أحوال الرجال: تناقل العلماء في المشارق والمغارب تلك الأخبار عن الرواة وحفظوها كما حفظوا الأسانيد والمتون، فكان المحدث يعرف أحوال من أدركهم ولقيهم بنفسه أو بإخبار الثقات له، ويتلقى أخبار وأحوال السابقين الذين تقدموه بإخبار الثقات له، أو بإخبار الثقات عن الثقات، ثم سجلوا ذلك كله في دواوين رائعة، بطرائق متنوعة، فوضعوا كتبا تتناول كل ما يتعلق بالراوي مما له علاقة بصحة حديثه أو عدمها ككتب الثقات أو كتب الضعفاء أو كتب الرجال العامة، ووضعوا كتبا تتناول الرواة الذين وصفوا بوصف خاص كالتدليس أو الاختلاط ونحو ذلك.
وسنتناول فيما يلي بإيجاز تاريخ ومراحل تطور هذا العلم إن شاء الله.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*