الخميس , 19 يناير 2017
جديد الموقع
الرئيسية » أئمة و دعاة » زاد الخطيب » خطب » وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا
وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا
ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها

وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا

 إعداد / الشيخ : السيد طه
 تحميل الخطبةPdf

الحمد لله رب العالمين … أمر بالاصلاح في الأرض فقال تعالي ﴿وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف 142). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو علي كل شيئ قدير ،نهي عن الإفساد في الأرض فقال تعالي {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا}( الأعراف 56 ) . وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله صلي الله عليه وسلم .. نهي عن ترويع الآمنين فقال صلي الله عليه وسلم : «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا». فاللهم صلى على سيدنا ونبينا محمد النبي الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وخلفائه الراشدين المهديين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعـــــــــــــد …. فيا أيها المؤمنون
لقد خلق الله الخلق لعبادته، وفطرهم على توحيده وحبه، وأسبغ عليهم نعمه من أجل تيسير طاعته، ورفع عنهم المشقة والعنت وجعل الدين رحمة لخلقه، فلله الحمد والمنة على نعمة الإسلام، ونعمة الإيمان، ولله الحمد في الأولى والآخرة على كل حالفقال تعالي ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) الذاريات : 56].. ولقد جاء الإسلام آمراً بكل خير للعباد، ناهياً عن كل شر، فأمر بالرحمة والعدل والإحسان، ونهى عن الفساد والظلم والعدوان، وجعل التعامل بين الخلق مبنياً على قوة الإيمان بلقاء الله الواحد الدَّيان وحذر من آثار الفساد والإفساد في الأرض ،فقال تعالي {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(الروم: 41)، فالفساد كثر في البر والبحر بسبب ذنوب الخلق، فعاد عليهم ذلك بفساد معايشهم ونقصها، وحلول الآفات بها، كما قال تعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (الشورى: 30). لذلك كان حديثنا حول هذا الموضوع يتناول هذه العناصر التالية :ــ
1ـ تعريف الفساد والفرق بين الإفساد والظلم .
2ـ النهي عن الفساد والإفساد في القرآن.
3ـ صور الإفساد في الأرض .
4 ـ أثر الإفساد في الأرض.
5 ـ سبل مواجهة الفساد .
6ـ الخاتمة .
العنصر الأول : تعريف الفساد والفرق بين الإفساد والظلم :ـ
الفساد مصدر فَسَدَ يُفْسُدُ فَسادًا، وهو ضد الإصلاح. قال الليث: الفساد نقيض الإصلاح. وقال الراغب: الفساد خروج الشيء عن الاعتدال سواء أكان الخروج عليه قليلا أو كثيرًا، وكل اعتداء على الدين، أو العقل، أو المال، أو العرض، أو النفس فهو إفساد . وأما الإفساد :فقد ذكر أهل العلم: أنه إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح . الفرق بين الإفساد والظلم:ــ الإفساد أشمل وأعم من الظلم، لأن الظلم هو النقص، فمن سرق من مال الناس فقد نقص حق غيره فقط، وأما من أفسد في أموال الناس فإنه يقع على هذا وعلى غيره. العنصر الثاني :ـ النهي عن الفساد والإفساد في القرآن :ـ جاءت آيات كثيرة في كتاب الله -عز وجل- تنهى عن الإفساد في الأرض، قال تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا} [الأعراف 56 ] . قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله، بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل، وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله، فإن عبادة غير الله ، والدعوة إلى غيره، والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به، ومخالفة أمره، قال تعالى: {ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [ الروم 41]، ولقد حذر القرآن أشد التحذير من المتظاهرين بالإصلاح وهم سدنة الفساد وأربابه، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) [:204-205]. ويدخل في الإفساد جميع المعاصي. يقول القرطبي ـ رحمه الله- {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة 205] قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ: الْفَسَادُ هُوَ الْخَرَابُ. وقد حذرمن هؤلاء القوم الذين تزيوا بزي الإصلاح ، ثم يمتهنوا العنف والقتل والتخريب وإشاعة الخوف والرعب بحجة الإصلاح والتقويم، وذلك هو الفساد بعينه، (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف:104]. ثم إذا ما دعوا للكف عن فسادهم قالوا نحن لا نفسد ولكننا نصلح، فهم ينادون بالتحلل والتفسخ والشهوات والشبهات واللهو والضياع والتنكر للدين، ويقولون هذا هو السبيل الأقوم للإصلاح ورقي الأمم قال تعالي في شأنهم (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ) [البقرة:10-12]. وجاءت رسُل الله عليهم الصلاة والسلام آمرة بالإصلاح والنهي عن الفساد، فتبدأ قصة الصلاح والفساد من قبل خلق ابونا آدم عليه السلام، حيث تخوفت الملائكة من وجوده في الأرض لأنها صالحة سليمة نقية، وقد يأتي إليها هذا المخلوق فيفسد فيها، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)(البقرة:30) وقال تعالي علي لسان نبيه صالح عليه السلام ينادي في قومه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) [الشعراء:150-152]. وقال تعالي أيضا{فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ}(الأعراف:74). وقال تعالي علي لسان شعيب -عليه السلام- يهتف بالنداء نفسه: (اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [العنكبوت:36)، وقال تعالي{ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا}(هود:85)، . وقال تعالي علي لسان موسي عليه السلام – ينادي في بني إسرائيل: (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة:60]؛ وها هو يقدم النصيحة الغالية لأخيه: (وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) [الأعراف:142]. وها هم الصالحون من قوم سيدنا يحذرون قارون من مغبة الفساد:{ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص:77]. . ولقد ابتلي موسى بفرعون وبني إسرائيل الذين بلغوا أقصى درجات الفساد والفسق والضلال: (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ* الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) [الفجر:10-12]. والأدهى من ذلك والأمر أن فرعون كان يدعي الصلاح والإصلاح ويتهم موسى -عليه السلام- بالفساد، قال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر:26]، وهذا هو المنطق المعكوس عند أهل الكفر والضلال في كل مكان وزمان . و قد رتب الله تعالي أشد العقوبة على أي عمل يؤدي إلى الفساد في الأرض، فقال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [المائدة:33].

وقد صرح جمع من أهل العلم أنه بمجرد قطع الطريق، أو إخافة السبيل فهنا ترتكب الكبيرة، فكيف إذا أخذ المال، أو جَرَح، أو قَتَل، أو فعل كبيرة، فكل هذا لا يجوز. فالفسادُ خُلُق ذميم يبغضه الله تعالى، ولا يرتضيه لخلقه.
العنصر الثالث : صور الإفساد في الأرض :ــــ
الصورة الأولى:ـ الشرك بالله -عز وجل- والشرك هو مساواة غير الله بالله، فعبادة غير الله -عز وجل-، والذبح لغير الله، والنذر لغير الله، كل هذا من الإفساد في الأرض. وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله، وإقامة معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة، فإن الله أصلح الأرض برسوله، ودينه، وبالأمر بتوحيده، ونهي عن إفسادها بالشرك به، وبمخالفة رسوله. الصورة الثانية: نشر البدعة: لقد حذرالنبي -صلى الله عليه وسلم من الابتداع في الدين، فقال في حديث عائشة -رضي الله عنها- عنه -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» يقول ابْنُ الْمَاجِشُونِ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: “مَنِ ابْتَدَعَ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً، زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَانَ الرِّسَالَةَ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [ المائدة :3]، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا، فَلَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا. فمن يدعو الناس إلى البدع، وأن هناك بدعة حسنة، فإن هذا من تنقص دعوته -صلى الله عليه وسلم-، واتهام للنبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يؤد الرسالة كاملة -صلى الله عليه وسلم. الصورة الثالثة : نشر المنكرات والدعوة إليها:ــ مثل المخدرات،والتبرج، والسفور، والإختلاط ، ونشر الفاحشة بين الناس، وتحبيبهم لها، وتذليل الصعوبات التي تواجهها، والله -عز وجل- نهى عن ذلك فقال: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ}[هود :116]، فمدح الله -عز وجل- من يأمر الناس بالمعروف وينهى عن المنكر، وأنهم يسعون في الأرض بالإصلاح .
الصورة الرابعة : قتل النفس التي حرم الله :ــ
إن من أعظم الحرمات الاعتداء على حرمة المؤمن، فإنه حرمته من أعظم الحرمات، وهي أعظم من حرمة البيت الحرام، يقول ابن عمر -رضي الله عنه وأرضاه- وهو ينظر إلى الكعبة: “مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ” إن قتل الأنفس المعصومة من كبائر الذنوب، ومن الإفساد في الأرض، ومن عِظَمِ منزلة المؤمن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أولى الناس به في الدنيا والآخرة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه وأرضاه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} [ الأحزاب : 6] فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا، أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهُ» إن الدنيا وما فيها منذ أن خلقها ربنا -عز وجل- إلى قيام الساعة، إن زوال هذه الدنيا وما فيها أهون عند الله -عز وجل- من قتل رجل مسلم، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» وقال تعالي مبينا عقوبة ذلك {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء 93] وبَيَّنَ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن مجرد ترويع المسلم لا يحل فقال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» رواه البخاري ليس فقط الاعتداء على المسلم أو على النفس المعصومة، بل حمل السلاح عليها وترويعها وإخافة الآمنين، كل هذا من الإفساد في الأرض يقول -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا» رواه البخاري ومسلم فهذه الأحاديث والأقوال تبين خطر الاعتداء على دماء المسلمين، كل الدماء لا فرق بين دم ودم سواء في سيناء أوغيرها من أرض الإسلام بل إن أول ما يحكم بين الناس يوم القيامة في الدماء، كما ثبت ذلك عند البخاري ومسلم ، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ» فإن من صور الإفساد في الأرض ليس قتل نفس المؤمن المسلم، بل أيضا يشمل ذلك المعاهد، والمستأمن، فإن الله -عز وجل- قد حفظ له حقه، فقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» الصورة الخامسة: زعزعة الأمن :ــ إن الأمن في الأوطان مطلب للجميع ، فإنه أول مطلب طلبه إبراهيم عليه السلام من ربه فقال جل وعلا في كتابه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} [إبراهيم :35]، ثم في الآية الثانية: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}[البقرة :126]، فأول طلب طلبه لتحقيق العبادة أن يكون هناك أمن، ثم كرر الطلب في الآية الثانية . فقريش أنعم الله عليها بنعمة الأمن، فأطعمها من جوع وآمنهم من خوف، هذه الآيات تبين وجوب الاهتمام بهذا الأمر، وأن من يسعى لزعزعة الأمن والإفساد في هذه البلاد إنما يريد الإفساد في الأرض، وأن تعم الفوضى والشر بين عباد الله، فما حصل في بلادنا إنما هو إرادة للإفساد في الأرض، إنما حملهم على ذلك الحسد لهذه النعمة نعمة الأمن، ونعمة التوحيد، ونعمة الاستقرار الذي ننعم فيه في هذه البلاد. فمن زعزعة الأمن حمل السلاح على الناس وقطع الطريق ونهب أموال الناس بالإكراه ، ونشر الأقوال الفاسدة، والتشكيك في ثوابت الدين، كما نسمع من يشكك في صحيح البخاري ويطعن في أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم مثل الشبهات التي تثارحول الصحابة رضوان الله عليهم مثل سيدنا خالد ابن الوليد رضي الله عنه ، كل هذا من الإفساد الي يجب التصدي له . الصورة السادسة: السعي إلى الفرقة وإلى تحزب الأمة :ــ وقد نهى الله عن الفرقة والتحزب، وأمر الله بالاجتماع، ونهى عن الاختلاف: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [سورة الأنفال : الآية 46]، ويقول -جل وعلا-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [سورة آل عمران : الآية 103]، فالله -عز وجل- أمر بالاجتماع ونهى عن الاختلاف، فنشر الفرقة بين الناس بسبب الْحَسَبِ، أو النَّسَبِ، أو تُوالي وتعقد الولاء من أجل الرجال، فإن هذا سبب من أسباب الفرقة، ومن يسعى إلى نشر الفرقة بين المجتمع ويسعى إلى الإفساد فيهم فيجب نصحه، وإلا حذرنا منه لأنه يسعى للإفساد في الأرض. وقد بين النبي صلي الله عليه وسلم خطورة هذا الأمر وبين سبيل النجاة فقال صلي الله عليه وسلم، فعن أبي نجـيـج العـرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: وعـظـنا رسول الله صلي الله عليه وسلم موعـظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها الدموع، فـقـلـنا: يا رسول الله ! كأنها موعـظة مودع فـأوصنا، قال: { أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعــش منكم فسيرى اخـتـلافـا كثيراً، فعـليكم بسنتي وسنة الخفاء الراشدين المهديين عـضو عـليها بالـنـواجـذ، وإياكم ومـحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلاله{ )رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح) فعلى المسلم أن يسعى لجمع الكلمة وإلى توحيدها، فإن الله -عز وجل- أمر به، وأمر به نبينا -صلى الله عليه وسلم.

العنصر الرابع :آثر الافساد في الأرض :ــ
إن الفساد وترك الإصلاح هو سبب كل نقمة، وأساس كل بلية، وعنوان كل شقاء وقال أهل العلم في قول الله تعالي {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا} [الأعراف 56 ]“ولا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم”، وقال غير واحد من السلف: “إذا قحط المطر فإن الدواب تلعن عصاة بني آدم وتقول:اللهم العنهم، فبسببهم أجدبت الأرض، وقحط المطر”. وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله-، فإن سبب فساد الناس أنهم تركوا التوحيد، وتركوا العمل به، وتركوا الاهتمام به . يقول الله تعالى: {ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم 41]، فالفساد في الأرض إنما ظهر بسبب ذنوب العباد، ومعاصيهم، ومخالفتهم لشرع ربهم، ولو استقاموا على الهدى والحق لنالوا الخير قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [ المائدة 65- 66]. وقال تعالي ( وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ) [الشورى:30].
العنصر الخامس : سبل مواجهة الإفساد :ــ
إن الصلاح والإصلاح ومحاربة الفساد والإفساد طريق للعزة، وسبيل للكرامة، وعنوان للفلاح، ورفعة للأمم، وحفظ للشعوب، وكسب لمرضاة الواحد الأحد، ونجاة من عقابه: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ) [هود:116]، وإن الحاجة إلى الإصلاح من الأمور الملحة في حياة الفرد والأمة: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود:117) إن الطريق إلى الصلاح والإصلاح يقتضي العقل والعدل والحكمة حتى تثمر جهود المصلح، وتؤتي أكلها؛ وأما سلوك سبيل المفسدين فلا يصلح، والسير في ركب المنافقين والشهوانيين لا يصلح، وكذلك التهور باسم الدين لا يصلح، والعنف والتخويف والإرهاب لا يصلح، بل هو سبيل المنهزمين، وطريق العابثين؛ إن الطريق الوحيد للإصلاح الحقيقي، الإصلاح النافع الماتع الخيِّر النيِّر:ــ
أ ـ طريق الأنبياء عليهم الصلاة و السلام :ـ وكما قال الإمام مالك رحمه الله (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها) . ب ـ البعد عن الأهواء والرغبات الشخصية من طرق الإصلاح ، قال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} (71 سورة المؤمنون)؛ ولذلك لم يكل الله الناس إلى أهوائهم ورغباتهم بل رسم لهم طريقاً يسيرون عليه في حياتهم وهو ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه ، فتضمن هذا الطريق صالح البشرية إلى أن تقوم الساعة؛ فلا صلاح ولا إصلاح إلا باتباع هذا الطريق المرسوم ، قال الله تعالى: وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام:153].
ج ـ وأيضا الإصلاح في الأرض إنما يتحقق بإقامة شرع الله الأرض، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (40 :41 الحج). وقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: (.. ولحدّ يقام في الأرض خير لها من أن تمطر أربعين صباحاً) ). و صح عنه- صلى الله عليه وسلم- أنه قال:” مثل القائم في حدود الله- أي الذي يأمر وينهى- والواقع فيها، كمثل قوم استهموا في سفينة، فكان قوم أعلاها، وقوم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على الذين في أعلاها، فظنوا أنهم آذوهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في الجانب السفلي لما آذينا الذين فوقنا” ثم قال- عليه الصلاة والسلام-: “فإذا تركوهم هلكوا، وهلكوا جميعًا، وإذا أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا.” وهذا هو إصلاح الأرض وإصلاح أهل الأرض وما خالفه فهو تدمير للأرض ومن عليها وإن ادعى أصحابه أنه تعمير وإصلاح؛ فهذا من تسمية الأشياء بأضدادها ومن غش الخلق. إن المصلح الذي يحبه الله ويحبه عباد الله هو الذي يمضي على نور من الله واتباعٍ لنبيه صلي الله عليه وسلم يدعو إلى الكتاب, ويقيم الصلاة, ويستقيم على الجادة, قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) [الأعراف:170]. يجب أن يكون المسلم صالحا ومصلحا في مجتمعه، ونفسه، وبيته، وبين أسرته، يسعى بكل ما يستطيع إلى إغلاق أبواب الشر والإفساد، ويسعى إلى كل خير. الخاتمة :ــ

إن على المسلمين أن يسعوا لإصلاح قلوبهم، وإصلاح نياتهم، وإصلاح أعمالهم، وإصلاح مسيرتهم الحياتية سياسيا واقتصاديا وإداريا، إصلاحاً ينبعث من قلوب مخلصة، وأنفس مؤمنة، وأرواح زكية تسعى للإصلاح؛ رغبة في الإصلاح، رغبة في الرقي، رغبة في العزة، رغبة في الكرامة، لا تسعى للإصلاح وتنادي به, ويبقى مجرد شعارات جوفاء، وعبارات خرقاء، ثم يمارس الفساد، ويعاقر الفسق، ويستمرأ الظلم، فأولئك عاقبتهم الخسران في الدنيا والآخرة: (وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) (البقرة:220).
تمت بفضل الله تعالي ورحمته

Print Friendly

تعليق واحد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*