الأحد , 25 يونيو 2017
جديد الموقع
الرئيسية » غير مصنف » (2) شعبان يفضفض لي

(2) شعبان يفضفض لي

عدت إلى ضيفي الحبيب شعبان ووجدته مطرقاً، وهو يتمتم بأسى: تلك هي بعض أوجه الخير السابغ؛ والتي حدثتك عنها؛ والتي تحملها زيارتي إليكم كل عام، ولكنني أراني هنت عليكم!؟.

المتمردون!؟:

هتفت بمحدثي: أيها الحبيب؛ لا تبتئس؛ نعم لقد جهلنا جميعاً فضلك، وغفلنا عن دورك في حياتنا، وبخسناك حقك؛ فاعذرنا على جهلنا، ونعدك أن نجتهد فيما بقي من أيام زيارتك القصيرة والمباركة لنا، ونعدك ألا نغفلها كل عام أن شاء الله؛ إن بقينا أحياء وزرتنا!.

ثم ماذا عن السبب الآخر لحزنك منا وعلينا، وعلى غفلتنا؟!.

نظر إلىَّّّّّ ضيفي الكريم؛ وكأنه سُرَّ لشغفي لحديثه؛ وقال: السبب الآخر كما أخبرتكم؛ هو هوان أنفسكم عليكم وتهاونكم فيما يفيدكم، وجهلكم أو تجاهلكم لطرق فوزكم بجنة ربكم!.

إنها طبيعة البشر المتمردة؛ فتكرهون أي أمر، وتعارضون أي نهي، ولا تحبون أفعل ولا تفعل!؟.

كما قال أحد السلف الصالح رضي الله عنهم: أُمرنا بالصبر فجزعنا؛ ولو أُمرنا بالجزع لصبرنا!؟.

السر الدفين للهوان!:

سألت ضيفي الفاضل: ما هو سبب هواننا على أنفسنا؛ والذي أدى إلى هوانكم علينا؟!.

قال شعبان: لقد أخبرتكم أن الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ قد جاء بمنهج لصلاحكم وصلاح هذا الكون والوجود كله؛ كما ذكرت لكم حديث هذا التعديل الرباني لشهور السنة!؟.

فهو رحمة عامة وشاملة: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ“. [الأنبياء107]

وسأثبت لكم أن السر الدفين لهوان أنفسكم عليكم؛ هو تهاونكم في اتباع وصايا الحبيب صلى الله عليه وسلم، وانشغالكم بما لم يوص به!؟.

حقاً إنها طبيعة البشر المتمردة، وإنها السبل التي تفرقت فيها، فتاهت أقدامكم، وحادت بكم عن الطريق الوحيد الواضح السليم؛ ونسيتم قوله سبحانه: “وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ“. [الأنعام153]

آية المحنة … اختبار عملي!:

للأسف لقد أوقعتم أنفسكم في المحنة ولم ينجح فيها إلا من رحم ربك!؟.

وتذكر ما قاله الحسن رحمه الله للخروج من هذه المحنة: زعم قومٌ أنهم يحبون الله حباً شديداً؛ فأراد الله عز وجل أن يجعل لمحبته علماً؛ فأنزل آية المحنة: “قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ“. [آل عمران31]

فهي العلامة التي بها تقيس حبك للحق سبحانه عملياً وببساطة!؟.

إذن ابدأ الآن في عملية التغيير؛ فقس نفسك، وقيِّم علاقتك بربك على أساس هذا المعيار؛ فأساس محبتك لله عز وجل هو إتباعك للحبيب صلى الله عليه وسلم، ومستوى المحبة؛ هو مستواك في الطاعة.

وستعرف قدرك عند ربك؛ على أساس قدره سبحانه عندك!؟.

هل تهين نفسك!؟:

أسعدني حديث ضيفي؛ فاستزدته قائلاً: كيف إذن نكتشف مظاهر هذا الهوان النفسي؟!.

قال شعبان: ألا تذكر التعريف البسيط للتقوى؛ وهو أن يراك الله حيث أمرك، ويفتقدك حيث نهاك؟!.

بالضبط قيِّم نفسك الآن، واكتشف مدى هوان نفسك عليك، وقيِّم حالتك الآن؛ وفي هذه اللحظة؛ فقس مدى التزامك ـ قدر استطاعتك ـ مع وصايا الحبيب صلى الله عليه وسلم، لتعرف مقدار اتباعك له؛ وبالتالي مدى قدر حبك للحق سبحانه!؟.

قلت له: كلامك رائع، ولكن أرجو أن تجعل هذا المقياس عملياً!.

ابتسم الحبيب شعبان؛ وكأنه وصل لمقصده، وربت على كتفي بود؛ وكأنني تلميذ بين يدي أستاذه، أو ابن يحنو عليه والده، ثم قال: هناك مقاييس بسيطة وعملية لتجيب عن هذا السؤال: هل أنا أهين نفسي؟!.

اجلس الآن مع نفسك؛ وحيثما كنت زماناً ومكاناً؛ اسأل نفسك هذه الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات صريحة وغير خادعة؛ لأنك لن تخدع إلا نفسك، ولن تزيدها إلا هواناً فوق الهوان؛ فبيدك وحدك عزها وبيدك وحدك هوانها:

1- هل أنا في المكان والوضع الذي يريده مني الحق سبحانه؟!.

2- هل أعرف جيداً هذه الخيرات التي يحملها شعبان؟.

3- هل أعرف الدور التربوي لشعبان؟.

4- هل أدري الحكمة التي من أجلها جاء شعبان ليفصل بين رجب ورمضان؟.

5- هل سرت على الطريق القويم؛ أم تفرقت بي السبل؟.

ثم اجمع إجاباتك؛ فإذا كان في أغلبها؛ قد أجبت (نعم)؛ فأبشر فلقد أعززت نفسك، وأحسنت ضيافتي، وأبشرك باستعدادك الجدي لأخي رمضان الكريم، وأنك تحب الحق سبحانه.

وإذا غلب على إجاباتك (لا)؛ فلا تحزن، ولا تتقاعس؛ فلم تزل أمامك الفرصة، وباب الاستدراك مفتوح؛ لأن باب رحمة ربك لم يزل مفتوحاً!؟.

ما هي أصناف الذين أهانوا أنفسهم؟!:

هتفت به: أيها الحبيب كم أنت كريم ورحيم وودود، لأن الذي أرسلك لنا كريم ورحيم وودود!؟.

ولكن قل لي بعض الأخطاء التي نقع فيها، أو ما هي السبل التي تَفَرَّق بنا عن سبيل الحق أثناء زيارتكم السنوية لنا؟!.

قال لي ووجهه يلمع بالسرور والبشر؛ وكأنه رأي جديتي في الاستماع لكلماته الذهبية والرائعة: الأمر بسيط وتستطيع أن تكتشفه من خلال مراجعة إجاباتك على أسئلة التقويم النفسي التي حدثتك عنها!.

ولكنني سأبسط لكم بعض أخطاءكم التي تحزن ضيفكم؛ ولنقل هي إجابات لهذا السؤال:

ما هي صفات الذين أهانوا أنفسهم مع شعبان؟. أو ما هي علاماتهم؟. أو ما هي أصنافهم؟!:

الصنف الأول: الغافلون:

وهي العلامة الأولى؛ لأنهم يفوتون فرص زيارتي السنوية عاماً بعد عام دون معرفة الحكمة من وجودي بينكم، ودون اقتطاف ثمار خيراتي التي أحملها إليكم كل عام.

وتأمل قول الحبيب: “ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاس عَنْهُ بَيْنَ رَجَب وَرَمَضَان“. [حسنه الألباني صحيح النسائي]

الصنف الثاني: التائهون المبتدعون:

وهم الذين يتركون ما ورد من وصايا الحبيب صلى الله عليه وسلم في حسن استضافتي، والبحث عن طرق أخرى لم ترد عنه، حتى وإن كانت نيتهم سليمة، وغايتهم سليمة، ولكن الوسيلة التي تصل هذه النية السليمة إلى غايتهم المرجوة، غير شرعية، ولا تشفع لهم!؟.

ولعل أقرب مثال على ذلك اهتمامهم بليلة النصف، والتي لم يرد في فضلها أي رواية صحيحة، واستمع إلى فتوى الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في هذا الموضوع: (الصحيح أن جميع ما ورد فى فضل ليلة النصف من شعبان ضعيف لا تقوم به حجة, ومنها أشياء موضوعة مما ورد, ولم يعرف عن الصحابة أنهم كانوا يعظمونها, ولا أنهم كانوا يخصونها بعمل, ولا يخصون يوم النصف بصيام, وأكثر من كانوا يعظمونها أهل الشام  ـ التابعون ليس الصحابة ـ والتابعون في الحجاز أنكروا عليهم أيضاً, قالوا: لا يمكن أن نعظم شيئاً بدون دليل صحيح. فالصواب: أن ليلة النصف من شعبان كغيرها من الليالي، لا تخص بقيام, ولا يوم النصف بصيام, لكن من كان يقوم كل ليلة, فلا نقول: لا تقم ليلة النصف, ومن كان يصوم أيام البيض لا نقول: لا تصم أيام النصف, إنما نقول: لا تخص ليلها بقيام ولا نهارها بصيام).

الصنف الثالث: المفرطون:

فهم يفرطون في أيامي وساعاتي؛ فلا يستغلونها في الاستعداد الروحي لرمضان بخطة محكمة تجتمع الأسرة فيها لتقرر ما هي غايتهم من رمضان، وكيف سيستغلون زيارته بعدي.

الصنف الرابع: المنشغلون:

بالأمور المادية استعداداً لرمضان من مأكولات ومواد غذائية فقط وكأنه الغاية المقصودة.

ونحن لا ننكر هذه المباحات طالما لم تتعدى على الطاعات المرجوة.

قمت وقبَّلْتُ جبين ضيفي؛ شكراً وامتناناً على حديثه التربوي الرائع، ثم قلت له: ألا تزيد مضيفك السعيد بزيارتك علماً وفقهاً وتربية؛ فتجيبني على هذا السؤال المهم: كيف نستقبل حبيبك وأخاك رمضان؟!.

ضحك شعبان الحبيب، وقال: هذه قضية تحتاج إلى جلسة تربوية أخرى!؟.

قلت: وأنا كلي آذان صاغية.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*