الأحد , 25 يونيو 2017
جديد الموقع
الرئيسية » مقالات » بأقلامكم » (3) شعبان يفضفض لي
(3) شعبان يفضفض لي
شعبان يفضفض لي

(3) شعبان يفضفض لي

قال شعبان: قبل أن يأتيكم أخي الحبيب رمضان؛ عليكم أن تقوموا بعملية تنقية نفسية، ومراجعة ذاتية؛ وكأنها عملية تزيين لداخلكم، وتصفية لقلوبكم من كل شائبة تحول دون حسن استمتاعكم بخيراته، والتنعم بفيوضاتهه، والفوز ببركاته، واقتطاف أعظم ثمراته؛ ألا وهي التقوى كما قال ربكم: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ“. [البقرة183]

كيف نجيد مهارات استقبال ومعايشة رمضان!؟:

قلت له ولهفتي تسبق كلماتي: وكيف تتم هذه العملية النفسية والقلبية؟!.

قال ضيفي: أخي الحبيب سأخبركم بالمهارات اللازمة لاستقبال أخي الحبيب رمضان؛ وهي تقوم على محورين أساسيين:

المحور الأول: كيف نتهيأ نفسياً لرمضان؟!. أو ماهي المهارات الشعبانية للتهيئة النفسية الرمضانية؟.

المحور الثاني: كيف نعايش معاني الصوم ذهنياً؟. أو ما هي المهارات العملية لمعايشة رمضان؟.

وكيف تطبقها أسرنا عملياً؟.

وكيف يجتهد كل فرد في الأسرة في فتح أبواباً للخير، وبالتالي غلق أبواباً للشر؟.

وكيف نرقى بأنفسنا وأولادنا وأزواجنا روحياً؟.

ويرى الله عز وجل منا قوة، واجتهاد، وحسن أخذ بالأسباب المستطاعة؛ فنرجوه أن نكون من الفائزين ليس في رمضان فقط؛ بل ومن الرابحين في الدنيا والآخرة؛ بعونه تعالى.

المحور الأول: ما هي المهارات الشعبانية للتهيئة النفسية الرمضانية؟:

قلت بلهفة: أرجوكم أنا في شوق لمعرفة هذه المهارات الشعبانية للتهيئة النفسية لحسن استضافة حبيبنا الغالي رمضان.

قال وعيناه تغرورقان بالدموع: لقد تأثرت كثيراً بتلك الكلمات الصادقة؛ والتي وصلتك من صديق  مبدع؛ فتأثرت بها أنت أيضاً وأبكتك ذات يوم كما أبكتني؛ فقمتَ أنت بترتيبها وتهذيبها ونشرها، فكسبت معه  ثوابها؛ لذا فإني أدعو له كما تدعو أنت له أيضاً ولو قابلته لقبلتُ رأسه لصدقه وأحسبه كذلك!.

فأسمح لي أن تكون موضوع حديثي معك الآن؛ وهي:

مراجعات نفسية راقية… ولمسات شعبانية رائعة:

1- قُرب رمضـــان… صالح نفسك:

صافح قلبك، ابتسم لذاتك، وصالح نفسك، وحاور نفسك طويلاً، وسافر في أعماقك، ابحث عن ذاتك، اعتذر لها، وأطلق أسر أحزانك، وعلّم همومك الطيران بعيداً، وردد: “أعوذ بك من الهم والحزن“.

2- قرب رمضــــان… رتب داخلك:

أعد ترتيب نفسك، لملم بقاياك المبعثرة، اقترب من أحلامك البعيدة، اكتشف مواطن الخير في داخلك، واهزم نفسك الأمَّارة بالسوء، وتمتم في سجدات السحر: “اللهم قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري“.

3- قرب رمضـــان… أغلق مدن أحقادك!؟:

واطرق أبواب الرحمة والمودة؛ فارحم القريب وود البعيد، وساعد نفسك على الاعتذار لهم، وازرع المساحات البيضاء في حناياك، وتخلص من المساحات السوداء في داخلك، ولا تمل رسائلك عند السحر: “اللهم بَلِّغنا رمضان، وارزقنا صيامه وقيامه إيماناً واحتساباً“.

4- قرب رمضــــان… أحمي صيامك:

جاهد نفسك قدر استطاعتك، واغسل قلبك قبل جسدك، ولسانك قبل يديك، وأفسد كل محاولاتهم لإفساد صيامك، واحذر أن تكون من أولئك الذين لا ينالهم من صيامهم سوى العطش والجوع، وتسلح بسلاح: “يا مالك يوم الدين إياك نعبد، وإياك نستعين”.

5- قرب رمضــــان… احذر ألغام صيامك:

سارع للخيرات، وتجنب الحرام، واخف أمر خبيئات يمينك عن يسارك، ولا تغتاب كي لا تفطر على لحم أخيك ميتاً، واحرس أعمالك من آفة الرياء بدعاء: “اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئاً أعلمه، واستغفرك لما لا أعلمه“.

6-  قرب رمضــــان… أشفق على ظالميك:

احذر الظن السيئ، أو الإساءة لأولئك الذين دمّروا شيئا جميلاً فيك، واسمو فوقهم، وأشفق على ظالميك؛ فلا تظلم فالظلم ظلمات يوم القيامة، وانظر إلى هذا الكون العظيم وقدرة ربك وحلمه على ظالميك، ثم احتقر ما يعادونك بسببه، وتذكر أنه سينصرك؛ ولو بعد حين؛ كما يرى، وكما يقدر؛ فلا تستعجل، وثق أن: “دعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب عز وجل: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين“. [مسند الإمام أحمد]

7- قرب رمضــــان… صالح ضحاياك:

اكتب رسالة اعتذار مختصرة لأولئك الذين ينامون في ضميرك، ويقلقون نومك، ويغرسون خناجرهم في أحشاء ذاكرتك، لإحساسك بأنك ذات يوم سببت لهم بعض الألم؛ فانهض الآن واستسمحهم ورد المظالم؛ ولو كانت لفظة جارحة، أو حركة مؤلمة، أو نظرة نازفة، وأعن نفسك اللوامة بمناجاته: “رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ“. [الأعراف23]

8- قرب رمضــــان… سامح قاطعيك:

افتح قلبك المغلق بمفاتيح التسامح، واطرق الأبواب المغلقة بينك وبينهم، وضع باقات زهورك على عتباتهم، واحرص على أن تبقى المساحات بينك وبينهم بلون الثلج النقي، وتذكر أن من يسير في المقدمة؛ ينبغي أن يترفع عن هفوات الصغار، ولا يستسلم لمن يحاول إعاقته، ولا يقلقنَّك مشاغبات من هم أضعف منك، وتذكر كيف استمع سليمان عليه السلام لأحاديث النمل؛ فتواضع شاكراًً: “فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ“. [النمل19]

9- قرب رمضــــان… صل محبيك:

افتح أجندة ذاكرتك، تصفح كتاب أيامك، تذكر وجوهاً تحبها وأصواتاً تفتقدها، وأحبة مازالوا أحبة برغم أمواج البعد؛ خاصة ذوي رحمك، هاتفهم بحب، اذهب إليهم، ولا تنتظر أن تأتي بهم الصدفة إليك، أو تلقي بهم أمواج الحنين فوق شاطئك!؟.

وإذا آلموك وقاطعوك، ومزقوا حبال الود معك، وأغلقوا أبواب الصلة في وجهك؛ فتذكر عن أبي هريرة: أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلُم عنهم ويجهلون عليّ!؟. فقال: لئن كنت كما قلت؛ فكأنما تُسِفّهم المَل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك. [صحيح مسلم]

أي (كأنما تطعمهم الرماد الحار وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم ولا شئ على هذا المحسن. وقيل معناه أنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم). [شرح النووي على مسلم]

10- قرب رمضــــان… اغفر لطاعنيك:

افقد ذاكرتك الحزينة قدر استطاعتك، فلا تتحسس طعنات الغدر في ظهرك، ولا تحص عدد هزائمك معهم، ولا تسجن نفسك في زنزانة الألم، ولا تجلد نفسك بسياط الندم، واغفر للذين خذلوك، والذين ضيعوك، والذين شوهوك، والذين قتلوك، والذين اغتابوك، وأكلوا لحمك ميتاً على غفلة منك، ولم يشفع لك لديهم سنوات الحب الجميل، وتذكر الحكمة: (كلما كبرت السنبلة انحنت وكلما تعمق العالم تواضع).

11- قرب رمضــــان… تذكر راحليك:

تذكر أولئك الذين كانوا ذات رمضان يملأون عالمك، ثم غيبتهم الأيام عنك ورحلوا كالأحلام، تاركين خلفهم البقايا الحزينة، تملأك بالحزن كلما مررت بها، أو مرت ذات ذكرى بك، ولا تنس هداياك لكل حبيب منهم: “اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه“.

12- قرب رمضــــان… لا تنس خاتمتك:

أغمض عينيك بعمق، لتدرك حجم نعمة البصر، ولتتذكر القبر، وظلمة القبر، ووحشة القبر، وعذاب القبر، وأحبة رحلوا تاركين خلفهم حزناً بامتداد الأرض، وجرحاً باتساع السماء، وبقايا مؤلمة تقتلك كلما لمحتها، وذكريات جميلة أكل الحزن أحشاءها، وتباكى إن عجزت عن البكاء، لعل الله يغفر لك ولهم، ولا تمل مناجاته: “اللهم ارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه“.

هدية شعبانية تامة:

أغرورقت عيناي وأنا استمع لهذه المراجعات النفسية الرائعة والمؤثرة؛ وكأنني أنا المقصود الوحيد بها؛ والتي هزتني من الأعماق؛ وتمتمت بالدعاء لضيفي الحبيب ولهذا الصديق الذي أهداني تلك الكلمات ذات يوم.

ثم قلت لحبيبي شعبان: أنا الآن في كامل التهيئة النفسية لأعرف المحور الثاني من مهارات استقبالنا لرمضان؛ وهو كيف نعايش معاني الصوم ذهنياً؟. وكيف تطبقها أسرنا عملياً؟.

فقال: ما رأيكم لو أجلنا هذا الحديث حتى نصلي ركعتين بعد هذه الجلسة النورانية الروحية؛ فنقتنص أجر الحجة والعمرة؛ كما وعدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم: “مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْس،ُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ، وَعُمْرَةٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ“. [سنن الترمذي ـ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ]

فهتفت مشجعاً: نعم الرأي ما قلت يا صاحب الخيرات.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*