||   مشروعية مقاومة الظلم والظالمين    ||   اشياء تدمر نفسيه طفلك    ||   الصمت بين الازواج    ||   المال في الإسلام    ||   مارأيك في موقع منارات    ||   خطبة الجمعة : حرمة المال العام والخاص    ||   لماذا اختص الله سبحانه وتعالى سيدنا عيسى عليه السلام بالنزول للأرض لمواجهة المسيح الدجال وإقامة العدل في الأرض وتطبيق شرع الله قبل يوم القيامة؟    ||   إلى أختي المسلمة: أين دورك في نهضة الأمة؟    ||   أمتنا المسلمة بين أسباب الضعف وعوامل القوة    ||   التبرج وأثره على الفرد والمجتمع
>>طلاب علم>>مصطلح حديث
المحاضرة السادسة من مصطلح الحديث لـ أ.د عبد الرحمن البر
2010-04-11
أ. د / عبد الرحمن البر

 شاهد الحلقة فلاش

تطور علم المصطلح منذ العصر الذهبي للسنة إلى الآن

1 - العصر الذهبي للسنة وبداية الكتابة في علم المصطلح:

تُعَدُّ الفترةُ من أواخر القرن الهجري الثاني حتى منتصف القرن الرابع فترةَ العصر الذهبي للسنة، وكان القرنُ الثالثُ بِحقٍّ عصرَ العنايةِ الكبرى بالسنةِ النبويَّةِ، وذلك على النحو التالي:

أ – وُضِعَت في هذا العصر المصنفاتُ الحديثيَّةُ العظيمةُ التي تعد أُمَّهاتِ كتب السنة، مثل: مسند الإمام أحمد بن حنبل (المتوفى سنة 241)، وصحيح الإمام البخاري (المتوفى سنة 256)، وصحيح الإمام مسلم (المتوفى سنة 261)، وسنن أبي داود السِّجِسْتَانِي (المتوفى سنة 275)، وسنن أبي عيسى التِّرْمِذِي (المتوفى سنة 279)، وسنن أبي عبد الرحمن النَّسَائِي (المتوفى سنة 303)، وسنن ابن مَاجَه (المتوفى سنة 275)، وغير ذلك من المصنفات العظيمة التي يضيق مقام هذه الدراسة عن حصرها.

ب – صنَّف العلماءُ كتباً كثيرةً في رواة الحديث: (وهو ما يسمى بعلم الرجال) مثل كتاب التاريخ الكبير، والتاريخ الصغير، والتاريخ الأوسط، وكلها للبخاري، وكتاب تاريخ يحيى بن مَعِين (المتوفى سنة 234)، وكتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد (المتوفى سنة 230)، وكتاب الضعفاء للبخاري، والضعفاء للنسائي، وكتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (المتوفى سنة 327)، وكتاب الثقات لابن حبان (المتوفى سنة 354)، وغير ذلك من الكتب التي جمعوا فيها أسماءَ رواةِ الأحاديث، وبيَّنوا حالَ كل راوٍ من حيثُ الثقةُ أو الضعفُ، ومن حيث قبولُ روايتِه أو ردُّها.

ج - صنَّف العلماءُ كتباً في أنواع من أنواع علوم الحديث، فمثلاً جمع بعضهم الأحاديث الصحيحة مثل الصحيحين للبخاري ومسلم، وصنف بعضُهم كتباً في الأحاديث المرسلة مثل أبي داود الذي صنف كتاب المراسيل، وصنف بعضُهم كتباً في الأحاديث الناسخة والمنسوخة مثل الناسخ والمنسوخ لأحمد بن حنبل، والناسخ والمنسوخ لأبي داود، وصنَّف بعضُهم كتباً في الأحاديث التي بها علة مثل العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل، وكتاب العلل لعلي بن الْمَدِينِي (المتوفى سنة 234) وكتاب العلل الصغير للترمذي، وصنَّف بعضُهم كتباً في الأحاديث التي يُشْكِل فهمُها نظراً لما يبدو من تعارضٍ بينها وبين القرآن أو بين بعضها وبعض، أو لأنها تُوهِم معنىً باطلاً، وهو ما يسمى: (مُخْتَلِف الحديث) أو (مُشْكِل الحديث) مثل كتاب: (اختلاف الحديث) للإمام الشافعي، وكتاب (تأويل مختلف الحديث) لابن قتيبة الدَّيْنَوَرِي (المتوفى سنة 276)، وغير ذلك من الكتب في أنواع الحديث المختلفة.

وهكذا أصبح كلُّ نوعٍ من أنواع الحديث علماً خاصّاً، فصار هناك علم الصحيح وعلم الحسن وعلم المرسل وعلم العلل وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم مشكل الحديث... إلخ. وألف العلماءُ في كل نوع من تلك العلوم كتباً متعددة.

ملاحظات على مؤلفات هذه الفترة: 

يلاحَظ أن هؤلاء العلماءَ لم يهتموا ببيان أو تعريف هذه المصطلحات، فالبخاريُّ ومسلمٌ مثلاً لم يَقُمْ أحدٌ منهما بتعريف الحديث الصحيح في مقدمة كتابه أو بيان شروط الصحة ونحو ذلك، كما أن أحمد وأبا داود لم يَقُمْ أحدٌ منهما ببيان معنى النسخ وكيفية معرفة الناسخ من المنسوخ، ولم يَقُم المؤلفون في العلل أو المراسيل أو غيرها ببيان معاني هذه المصطلحات، بل كانت مؤلفاتُهم تطبيقيةً، وكانت تلك التعريفاتُ واضحةً عندهم لم يحتاجوا إلى بيانِها أو توضيحها.

د - بدأت في هذا العصر بواكيرُ الكتابة لبعض قواعد علوم الحديث ومصطلحه وأول من كتب شيئا من ذلك هو الإمامُ الشافعيُّ في كتابه (الرسالة)، وهو كتاب في أصول الفقه، وقد تناول فيه بعضَ القواعد مثل شروطِ الحديثِ الذي يُحْتَجُّ به، وحُجِّيَّةِ خبرِ الآحادِ، وشروطِ توثيقِ الراوي، والروايةِ بالمعنى، وحكمِ روايةِ المدلِّس وحكم الحديث المرسل، وغير ذلك من موضوعات علوم الحديث. وقد تكلم في كل ذلك ضمن أصول الفقه باعتبار السنة أحد المصادر الأساسية للحكم الشرعي، والدليل الثاني بعد القرآن الكريم.

كما ذكر الإمامُ مسلمٌ في مقدمة الصحيح بعض قواعد الرواية وأصول قبول الأخبار، وكذلك ذكر الترمذيُّ بعض القواعد والتعريفات في كتاب (العلل الصغير) الذي جعله في آخر كتابه (السنن).

لكن لا يُعَد أيٌّ من الكتب المذكورة كتابا من كتب علوم الحديث بالمعنى العلمي الاصطلاحي.

2 - بداية التأليف المستقل في علوم الحديث:

ابتداءً من منتصف القرن الهجري الرابع حيث كانت عملية جمع السنة قد قاربتْ على الانتهاء وبدأ العلماءُ في التوجُّه إلى جمع قواعد علم المصطلح في كتبٍ مستقلةٍ، معتمدين في ذلك على نَقْلِ ما صدر عن العلماء السابقين، مع توثيق تلك النقولِ بذكر أسانيدها إليهم، وعلَّقوا على تلك القواعد المنقولة عن العلماء، واجتهدوا في استنباطِ كثيرٍ من القواعد من خلال أقوال السابقين.

أ - وأول من فعل ذلك هو القاضي أبو محمد الحسنُ بنُ عبد الرحمن بن خَلاَّد الرَّامَهُرْمُزِِي (المتوفى سنة 360) في كتابه: (الْمُحَدِّث الفاصل بين الراوي والواعي) تناول فيه آداب الرواية وطرق التحمل والأداء وما يجب على المحدث من الإلمام بفقه الحديث وغير ذلك من المسائل المتعلقة بالراوي والواعي. ولكنه لم يَقُمْ بِجَمْعِ القواعدِ المختلفةِ للروايةِ والأنواعِ المتعددةِ لعلومِ الحديثِ بحيث يكون كتاباً شاملاً لهذا العلم.

ب - ثم تبعه الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البَيِّع النَّيْسَابُورِي المعروف بالإمام الحاكم (المتوفى سنة 405) الذي ألف كتاب (معرفة علوم الحديث)، وهو أولُ كتابٍ متخصصٍ يجمع علومَ الحديث، جمع فيه الحاكمُ اثنين وخمسين نوعاً من أنواع علوم الحديث، بحيث يذكر عنوانَ النوع، وقد يُعَرِّفه ويذكُر أقسامَه إن كان له أقسامٌ، ثم يضرب له أمثلةً تُوَضِّحُه.

ج - أما أهم مَنْ كتب في علوم الحديث في تلك الفترة فكان الإمامَ الخطيبَ البغدادي أبا بكر أحمدَ بنَ عليِّ بنِ ثابت (المتوفى سنة 463) الذي ألف عدداً من الكتب في مختلف أنواع علوم الحديث، منها كتاب (الكفاية في علم الرواية) يتناول فيه أصولَ الرواية وقوانينَها ومذاهبَ العلماء فيها، وكتاب (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) يتناول فيه آدابَ الْمُحَدِّث وآدابَ طالبِ الحديث، وما يجب أن يكون عليه كلٌّ منهما، وكتاب (الرحلة في طلب الحديث) يتناولُ فيه رحلاتِ العلماءِ في طلبِ الحديثِ وما يتعلق بها، وكتاب (تقييد العلم) يتناول فيه أصولَ كتابةِ الحديثِ وتقييدِ العلم، وكتاب (المزيد في متصل الأسانيد) يتناول فيه هذا النوع من أنواع علوم الحديث، ولا يكاد يُوجَد علمٌ من علوم الحديث المتعلقة بالسند أو بالمتن إلا صنَّف فيه كتاباً أو رسالةً، وكانت تلك المؤلفاتُ مَحَطَّ إعجابِ العلماء من بعده، واستفادوا منها كثيراً حتى قال بعضهم: «كلُّ مَنْ أنصف علم أنَّ الْمُحَدِّثِين بعد الخطيب عِيَالٌ على كتبِه». 

د - وممن ألف أيضا في تلك الفترة: القاضي عياض بن موسى اليحْصُبي (المتوفى سنة 544) صاحب كتاب (الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع) وهو من عنوانه يتناول قواعد الرواية وأصول التَّحَمُّل والأداء للحديث.

وقد تميزت تلك الكتب في هذه الفترة بما يلي:

1 - أنها تُعَد الكتبَ الأمهاتِ والأصولَ لهذا العلم باعتبارها أولَّ ما صُنِّف فيه.

2 - أنها اهتمت بجمعِ أقوالِ السابقين من العلماءِ بالسَّنَدِ إليهم، مما يعينُنا على التأكد من أن هذه هي القواعدُ التي استخدمها العلماءُ قبل ذلك.

3 - أنها كانت مؤلفاتٍ تطبيقيةً في المقام الأول، فكان اهتمامُ مصنِّفيها بإيراد الأمثلة الكثيرة أكثرَ من اهتمامهم بتحديد القواعد أو وضع التعريفات.

4 - أن مؤلِّفيها كانوا من كبار العلماء، ولهذا ناقشوا القضايا التي كتبوا فيها مناقشةً علميةً رائعةً قائمةً على الأدلة والبراهين، دون الدخول في جَدَلٍ لفظي.

وبهذه المؤلفات مهَّد أولئك العلماءُ لمن جاء بعدهم السبيل لصياغة علم مصطلح الحديث وضبط قواعده على أسسٍ علميةٍ منهجيةٍ سليمة.

3 – تطور علم المصطلح على يد ابن الصلاح:

الحافظ أبو عمرو عثمان بن الصَّلاَح الشَّهْرُزُورِي (المتوفى سنة 643) هو أحدُ أعلام حُفَّاظ الحديث وأشهرُ مَنْ كَتَبَ في علم مصطلح الحديث، وكتابه (علوم الحديث) المعروف باسم (مقدمة ابن الصلاح) يُعَد أشهرَ كتب هذا العلم. والسبب في ذلك أن هذا الإمام كان رائدَ تَحَوُّلٍ مهمٍ في تدوين علوم الحديث في كتابه هذا، الذي امتاز بما يلي:

أ - العملُ على استيعاب كل أنواع علوم الحديث في كتابٍ واحد، وقد جمع ابن الصلاح في هذا الكتاب ما تفرَّق في كتب السابقين، وبلغت أنواعُ علوم الحديث التي تناولها خمسةً وستين نوعا.  

ب - حذْفُ الأسانيد التي امتلأتْ بها كتبُ السابقين والاكتفاءُ بذكرِ أقوالِ العلماءِ من غير إسنادٍ ؛ تخفيفاً على القارئ.

ج - تهذيبُ العباراتِ المستخدمةِ وتحريرُ مسائلِ العلمِ بدقَّةٍ، حتى يسهُلَ على القارئ فهمُها ومعرفةُ المقصودِ بها.

د - الاستنباطُ الدقيق لمذاهب العلماء، من خلال أقوالهم وتطبيقاتهم المأثورة عنهم، سواء التي بثُّوها في كتبهم أو التي نُقِلَت عنهم.

هـ - ضبطُ التعاريف التي ذكرها السابقون، ووضع تعاريف لما لم يقوموا بتعريفه.

و - مناقشةُ أقوالِ العلماء السابقين بإنصافٍ وموضوعيةٍ، والتعقيبُ عليها بأسلوبٍ علميٍّ رصينٍ، وإضافةُ ما يراه من اجتهاداته في المسائل المختلفة.  

لهذا عَدّ العلماءُ هذا الكتابَ فتحاً جديداً في باب التصنيف في علوم الحديث، وحَظِي باستحسانِ المحدثين والعلماء، ونال عندهم مكانةً رفيعةً وشهرةً ذائعةً، وساعد على ذلك أنَّ ابنَ الصلاح كان يلقيه على طلابه في دروسٍ منتظمةٍ في المدرسة الأشرفية في دمشق التي تولى التدريسَ بها، وكان الطلابُ يتابعون دروسَه شيئاً فشيئاً حتى اكتمل الكتاب على الصورة التي خرج عليها، فتلقَّفوه ونشروه في الآفاق، وبلغ من شهرة الكتاب أن صار صاحبُه يُعرَف به، فيقال: ابن الصلاح صاحب المقدمة أو صاحب علوم الحديث. 

اهتمام العلماء بكتاب ابن الصلاح:

صار كتابُ ابن الصلاح عمدةَ علماءِ الحديثِ،  فعوَّل عليه مَن جاء بعده، فمن العلماء من اختصره، ومنهم من شرحه، ومنهم من شرح مختصراته، ومنهم من اختصر شروحه، ومنهم من نظمه شعرا، ومنهم من شرح ذلك النظم، ومنهم من علَّق على بعض مسائله:

فممن اختصره: الإمامُ أبو زكريا يحيى بن شرف النوويُّ (المتوفى سنة 676) وسَمَّى مختصره (الإرشاد)، ثم اختصر النوويُّ هذا المختصر وسماه: (التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير)، وكذلك اختصر الإمامُ ابنُ كثير (المتوفى سنة 774) كتابَ ابنِ الصلاح وسماه: (اختصار علوم الحديث).

وممن شرحه وعلَّق عليه: الإمام زين الدين العراقي (المتوفى سنة 806) في كتابه: (التقييد والإيضاح لما أُطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح). 

وممن شرح المختصرات: الإمامُ جلالُ الدين السيوطيُّ (المتوفى سنة 911) حيث شرح كتابَ التقريبِ للنوويِّ وسَمَّاه: (تدريبُ الراوي بشرحِ تقريبِ النواوي) والشيخُ أحمد شاكر الذي شرح اختصارَ ابنِ كثيرٍ في كتابه (الباعثُ الحثيثُ شرحُ اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير).

وممن نظمه شعراً: الإمامُ العراقي، نظمه في قصيدة سماها: (التبصرة والتذكرة) تتكون من ألف بيت عُرفت بألفية العراقي، ثم شرحها بعد ذلك في كتاب سماه: (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث)، كما شرحها أيضاً الحافظُ شمس الدين السخاوي (المتوفى سنة 902) في كتابه: (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) وهو نفس الاسم الذي جعله العراقي نفسه للشرح.

وكذلك نظمه الإمام السيوطي في ألف بيت سُمِّيت: (ألفية السيوطي).

وممن كتب عليه تعليقات ومراجعات: الحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفى سنة 852) في كتابه: (النكت على مقدمة ابن الصلاح).

وقد كثرت جداً الكتبُ التي دارتْ حول كتابِ ابنِ الصلاح ونَسَجَتْ على مِنْوَاله، وصار لقب (الشيخ) إذا أُطلق في أي كتاب من كتب علوم الحديث يكون المقصود به أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله.

هل كان هؤلاء العلماء مجرد تابعين لابن الصلاح:

يجب التنبيهُ على أمرٍ مهمٍ جداً هنا، وهو أن هؤلاء العلماء الذين داروا في دراساتِهم حول كتاب ابن الصلاح لم يكن عملُهم مجرَّدَ اختصارٍ وشرحٍ، ولم يكونوا مجرَّدَ مقلِّدين، بل كان بعضُهم أكثرَ حفظاً وأرسخَ قدماً في العلم من ابن الصلاح نفسه، ولهذا امتلأتْ كتبُهم بكثيرٍ من الفوائدِ العلميةِ العظيمة، وكَثُرَتْ مناقشاتُهم لأقوال ابن الصلاح وتَعَقُّبَاتُهم له، حتى عُدَّت هذه الفترة من القرن السابع إلى نهاية القرن العاشر العصر الذهبي لعلوم الحديث، ويتضح ذلك بأدنى تَأَمُّلٍ لمن طالعَ أسماءَ العلماء الذين اهتموا بكتاب ابن الصلاح، كالنووي وابن كثير والعراقي والزركشي وابن حجر والبُلْقِينِي والسَّخَاوِي والسيوطي وغيرهم من الأعلام البارزين رحمهم الله أجمعين، لكنهم كانوا يقدِّرون لابن الصلاح سبْقَه في الميدان وابتداءَه هذا المنهج وتمهيدَه السبيلَ لمن بعده، وهذا هو الأدبُ اللائقُ بأهل العلم.

4 – عمل ابن حجر في النخبة وأثره في التأليف من بعده:

الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العَسْقَلاني (المتوفى سنة 852) هو أحدُ أبرزِ علماءِ المسلمين، وأحدُ كبارِ المشاهيرِ من العلماء، نبغ في علومِ الشريعةِ المختلفةِ، وخصوصاً في علم الحديث، وكتابُه (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) أشهر من أن يُعَرَّف به.

رأى الحافظُ ابنُ حجر أن ابنَ الصلاح رحمه الله لم يُرَتِّبْ كتابَه ترتيباً منهجيّاً متسلسلاً، وذلك لأنه - كما سبق - كان يلقيه دروساً على الطلاب، ويمليه عليهم درساً فدرساً من غير نظامٍ واضحٍ، فربّما كان أحدُ الدروس يتعلق بنوعٍ من أنواع علوم الحديث المتعلقة بالسند، يليه درسٌ في نوعٍ آخرَ من العلومِ المتعلقةِ بالمتن ولهذا ربما فصل بين الأنواعِ المتشابِهةِ أو المتقاربة.

كما رأى ابنُ حجر أن هممَ طلابِ العلمِ ضعفتْ عن مطالعةِ الكتبِ الكبيرةِ مثل كتابِ ابنِ الصلاحِ وشروحِه، فأراد ابنُ حجر رحمه الله أن يؤلف كتاباً مختصراً يَسْهُلُ على الطلابِ حفظُه، ويكون مرتَّباً بطريقةٍ علميةٍ سهلةٍ، يجعل فيه الأنواعَ المتقاربةَ في موضعٍ واحدٍ، ويقسم فيه علومَ الحديث تقسيماً منطقياً يُسهِّل على أي دارسٍ استيعابَها، فألَّف كتابَه (نُخْبَة الفِكَرِ في مصطلحِ أهلِ الأثر) وهو عبارة عن ورقاتٍ قليلةٍ جمعت كلَّ علوم الحديث، ومع اختصارِه الشديدِ فقد امتاز بفوائدَ كثيرةٍ، أهمُّها الترتيبُ الجيدُ، والتحريرُ الدقيقُ للمصطلحات،  والوضوحُ والسهولةُ في العبارات والألفاظ.

ثم قام الحافظُ ابنُ حجر نفسُه بشرح هذا المختصر شرحاً وجيزاً جداً، سماه (نُزْهَة النظر شرح نُخْبَةِ الفِكَر)، وفيما بعد قام الشيخ على بن سلطان القاري (المتوفى سنة 1014) بشرح النزهة في كتاب أُطلق عليه اسم: (شرح الشرح)، كما شرحها الشيخ محمد أكرم النصربوري السِّنْدي في كتاب (إمعان النظر شرحُ شرحِ نخبة الفكر). 

أثر كتاب ابن حجر فيمن بعده:

كان للطريقةِ المبتَكَرَة التي رتَّب على أساسها ابنُ حجر كتابه: (نُخْبَة الفِكَر) أثرٌ كبيرٌ فيمن جاء بعد ذلك من العلماء والباحثين، وقد أصبحتْ تلك الطريقةُ تستهوي أكثرَ الباحثين الذين يكتبون في علوم الحديث من شيوخنا وشيوخ شيوخنا جزاهم الله خيراً، وهي نفسُ الطريقة التي سندرس على ضوئها في هذه المحاضرات إن شاء الله تعالى.

5 – فترة الركود العلمي ودور علماء الهند في تلك الفترة:

امتدت هذه الفترة منذ سنة (1000) تقريبا إلى مطلع القرن الرابع عشر الهجري وقد كانت تلك الفترةُ فترةَ ركودٍ عامٍ في الأمة على كل مستوياتها وفي كل مجالاتها علميّاً وسياسيّاً وعسكريّاً واقتصاديّاً.

وكان أكثرُ التأليف في هذه الفترة عبارةً عن بعض المختصرات أو الشروح أو الحواشي والتعليقاتِ الممتلئةِ بالمناقشاتِ اللفظيةِ والمماحكاتِ الجَدَلية، وقلَّ الاجتهادُ والتحقيقُ لكثيرٍ من مسائل العلم.

غير أنَّ هذا لم يمنع من وجودِ بعضِ العلماءِ الأفذاذِ الذين كتبوا كتباً قيمةً نافعةً في هذه الفترة وإن كانوا قِلَّة، منهم الأميرُ محمد بن إسماعيل الصنعاني (المتوفى سنة 1182) الذي ألف كتاب (توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار) وهو كتابٌ حافلٌ بالمناقشات الجيدة والأبحاث المفيدة في علم مصطلح الحديث، ومنهم الشيخ عمر بن محمد بن فَتُّوح الْبَيْقُوني (المتوفى سنة 1080) الذي نظم قصيدة مختصرة سماها (المنظومة البيقونية) بلغت بضعة وثلاثين بيتا، جمعت علومَ الحديث بعبارةٍ سهلةٍ مختصرةٍ يسهُلُ حفظُها وتداولُها، وقد شرحها عددٌ من العلماء.

النهضة الحديثية في بلاد الهند:

في هذه الفترة أقام الله تعالى للحديث وعلومه نهضةً طيبةً في بلاد الهند (التي هي الآن الهند والباكستان وبنجلاديش) وبدأ ذلك مع بداية القرن الحادي عشر الهجري، حيث ظهرت هذه النهضة في عصر الشيخ أحمد السرهندي (ت 1034هـ)، ثم على يد الإمام العلامة المحدث الفقيه شاه ولي الله الدهلوي، وقويت في عهد أنجاله وتلاميذه، وبخاصة ابنه الكبير شاه عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي (1159- 1239هـ) حيث استفادوا من منهج الدهلوي في الدعوة والإرشاد والتدريس والإفادة والتأليف، ونبذ الجمود والتعصب المذهبي، وزادت قوتها وانتشارها في عهد حفيده الإمام إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي قائد الدعوة والجهاد وصاحب كتاب (تقوية الإيمان)، والمعروف باسم إسماعيل الشهيد حيث استشهد في معركة بالاكوت (1243هـ)، ثم على يد تلاميذهم، حيث كان لهم دور بارز في إحياء ونشر الثقافة الإسلامية من خلال الاهتمام بمجال التأليف والتصنيف في القرآن وعلومه، وعلوم الحديث، وبيان السنة وشروحها، مع الدفاع عن العقيدة، والرد على المبتدعة وأهل الاعتقادات الباطلة، فكان منهم العلماء والمحدثون.

ومن أبرز العلماء في هذا المجال: العلامة صديق حسن خان البهوبالي (ت 1307هـ) حاكم بوبهبال، الذي اشتغل بالتصنيف والتأليف ونشر كتب الحديث ودواوين السنة فألَّف ما يقرب من ثلاثمائة كتاب، كما شكل مجلساً علمياً يقوم بمهمات التأليف والترجمة وإفادة المسلمين بالتدريس، وأنشأ لذلك عدة مطابع على حسابه الخاص لطبع ونشر وتوزيع كتب العلم.

ومن علماء الهند الكبار في تلك الفترة: الشيخ أبو الحسنات محمد بن عبد الحي اللكنوي (ت1304هـ)، صاحب (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل)، وشمس الحق العظيم آبادي (ت 1329هـ)، مؤلف (عون المعبود شرح سنن أبي داود) والعلامة عبد الرحمن المباركفوري (ت1353هـ)، صاحب (تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي)، ثم الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي، وغيرهم من العلماء الذين ألفوا كتباً كثيرةً في علم مصطلح الحديث تزخر بكثيرٍ من الفوائد النافعة، فضلاً عن جهودِهم العظيمةِ في شرحِ كتبِ السننِ والاعتناءِ بكتبِ الرجال.

وكان علماء الهند من أنشط الناس في إحياء كتب التراث وتحقيقها وطباعتها ونشرها من خلال دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، فجزاهم الله عن دينه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم خير الجزاء.

6 – النهضة الحديثة ودور العلماء في العصر الحديث:

مع مطلع القرن الهجري الرابع عشر بدأت الأمةُ الإسلاميةُ مرحلةَ النهوضِ واليقظةِ، والعملِ على التحرُّرِ من سَطْوَةِ الاستعمار، والانفلاتِ من سيطرة الجمودِ والركود، وأخذ العلماءُ يهتمون برد الشُّبُهاتِ التي أثارها المستشرقون وأَذْنَابُهم حول السنة المباركة وتسلُّلِ الوضع إليها وإثارةِ الغبار حول كتب السنة الصحيحة وحول بعض الأحاديث التي أُسيء فهمُها، وبدأ الكلامُ يكثر من أولئك الناس في رد الاحتجاج بالسنة والدعوة إلى نبذها. ومن ثَم رأى العلماءُ وجوبَ القيام بالرد على تلك الشبهات الزائفة، ورأوا أن من الأهمية بمكان إعادةَ النظر في التراثِ العلميِّ العظيمِ الذي كتبه العلماءُ في مصطلح الحديث، وإعادةَ كتابتِه بأسلوبٍ مناسبٍ للعصر يكشف مدى اهتمامِ المسلمين بالسنة وحمايتِها من كل دخيل، وحَمَل الجامعُ الأزهرُ في مصر لواءَ هذه النهضةِ العظيمة، وتتابعت جهودُ العلماءِ في كلياتٍ ومعاهدَ علميةٍ وجمعياتٍ إسلاميةٍ في أرجاء الوطن العربي والإسلامي، وتمثلت جهود العلماء في عدة محاور على النحو التالي:

أ - العكوفُ على كتب التراث وجمعُ المخطوطات وتحقيقُها وشرحُ غوامضِها وتقريبُها للباحثين ؛ ليسهل عليهم قراءتُها وفهمُها والتعاملُ معها. وقد طُبع من هذه الكتب مئاتٌ، بل ألوفٌ تمتلئ بها المكتبة الإسلامية، ولا يزال العمل في هذا المحور مستمراً ممتداً، يكشف كل يوم عن عظمة التراث الذي تزخر به المكتبة الإسلامية.

ب - فهمُ هذه الكتب واستيعابُ مضامينِها، ثم إعادةُ صياغةِ تلك المضامين بأسلوبٍ سهلٍ يناسبُ العصرَ ويساعدُ الناشئةَ والباحثين على معرفة علوم الحديث. ومن أشهر الكتب في ذلك: كتاب (قواعد التحديث) للشيخ جمال الدين القاسمي، وكتاب (المنهج الحديث في علوم الحديث) للدكتور محمد محمد السماحي، وكتاب (توجيه النظر إلى أصول الأثر) للشيخ طاهر الجزائري، وكتاب (المنهل الحديث في علوم الحديث) للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني،وكتاب (منهج النقد في علوم الحديث) للدكتور نور الدين عتر، وكتاب (تيسير مصطلح الحديث) للدكتور محمود الطحان، ومئات الكتب التي ألفها أعضاء هيئات التدريس في أقسام الحديث بكليات أصول الدين وغيرهم من المشتغلين بهذا العلم الكريم، وإني لأرجو أن يكون لهذا الكتاب إن شاء الله مكان بين هذه الكتب القيمة.

ج - مناقشةُ بعضِ مسائلِ هذا العلمِ وقضاياه بصورةٍ تفصيليةٍ دقيقةٍ فيها عرضٌ ومناقشةٌ لأقوالِ أهلِ العلمِ وموازنةٌ بينها، وتحقيقٌ لها، وبيانٌ لوجه الحق فيها  من خلال الرسائل العلمية (الماجستير والدكتوراه) في الكليات المختلفة، ومن خلال البحوث والدراسات التي كتبها بعضُ المشتغلين بالسنة النبوية المباركة، مثل كتاب (التدليس وأثره في الحديث) للدكتور مسفر بن غرم الله الدميني، وكتاب (التصحيف وأثره في الحديث والفقه وجهود المحدثين في مكافحته) لأسطيري جمال، وكتاب (الحديث المرسل حجيته وأثره في الفقه الإسلامي) للدكتور محمد حسن هيتو، وغيرها من الكتب التي تناولت بعض أنواع علوم الحديث بالبحث والدراسة بصورة دقيقة مُعَمَّقة. 

د - الكتابة في علوم جديدة يحتاج المعاصرون إلى معرفتها، مثل:

1 - الكتابة في تاريخ هذا العلم وتطوره لكشف الحقيقة الثابتة، وهي أن المنهجيةَ العلميةَ قد ظهرت في أروع صورها في تعامل المسلمين مع السنة النبوية بدءاً من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما يسمى بعلم تاريخ السنة. ومن أول من ألف في ذلك الأستاذ محمد عبد العزيز الخولي في كتاب (مفتاح السنة أو تاريخ فنون الحديث)، ثم الدكتور محمد محمد أبو زهو في كتابه (الحديث والمحدثون)، وكتب شيخنا الدكتور السيد نوح الجزء الأول من (شفاء الصدور في تاريخ السنة ومناهج المحدثين) ولا أدري هل أتم الكتاب أو لا. ثم كتب إخوانٌ أفاضلُ عددا من رسائل الماجستير والدكتوراه في التأريخ للسنة في عصورها المختلفة.

2 - الكتابة في مناهج العلماء في جمع السنة وحفظها والتعامل معها، وهو ما يسمى بعلم مناهج المحدثين، مثل كتاب (السنة النبوية قبل التدوين) للشيخ الدكتور محمد عجاج الخطيب، وكتاب (أعلام الحديث) للدكتور محمد محمد أبي شهبة، وكتاب (منهج النقد عند المحدثين) للدكتور محمد مصطفى الأعظمي، وكتاب (مناهج المحدثين في تقوية الأحاديث الحسنة والضعيفة) للدكتور مرتضى الزين أحمد، وكتاب (كيف نتعامل مع السنة النبوية) للدكتور يوسف القرضاوي. كما كتب عدد من الباحثين رسائل لدرجتي الماجستير والدكتوراه في مناهج بعض العلماء في كتبهم في الحديث أو المصطلح أو الرجال أو غيرها من علوم السنة المتعددة المتنوعة. وقد كشفت تلك الكتبُ والدراساتُ الجهودَ العظيمةَ التي بذلها علماءُ الإسلام لحماية السنة من تسرُّب الكذب والخطأ.

3 - الكتابة في بيان حُجِّيَّة السنة والرد على المرجفين والمشكِّكين، وبيان مكانة السنة في الإسلام، ودحْض الشبهاتِ التي أثارها أولئك المغرضون على السنة النبوية، ومن ذلك كتاب (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) للدكتور مصطفى السباعي، وكتاب (دفاع عن السنة) للدكتور محمد محمد أبي شهبة، وكتاب (حجية السنة) للشيخ عبد الغني عبد الخالق، وغير هذا كثير. 

4 - الكتابة في طرق تخريج الأحاديث من كتب السنة المختلفة، بما يمكن الباحث من الوصول إلى الحديث الذي يريد الوصول إليه بسهولة، وبيان كيفية وأصول دراسة الأسانيد للحكم على كل حديث بما يستحقه، وهو ما يسمى بعلم التخريج ودراسة الأسانيد، مثل كتاب (أصول التخريج ودراسة الأسانيد) للدكتور محمود الطحان، وكتاب (كشف اللثام عن أسرار تخريج حديث سيد الأنام) للدكتور عبد الموجود محمد عبد اللطيف، وكتاب (طرق تخريج حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم) للدكتور عبد المهدي عبد القادر، وغير ذلك من الكتب الكثيرة التي ألفها عدد من أعضاء هيئات التدريس بجامعة الأزهر وغيرها من الجامعات.  

وهكذا طال النشاط العلمي المتعلق بالسنة النبوية مختلف فروع علوم الحديث، ليكون ذلك برهاناً متجدداً على أن الله تعالى يحفظ هذا الدين بتوفيق العلماء إلى بذل الجهود في حمايته وتقريبه للناس، والله ولي التوفيق.

 

Share |


 تصويت هل ترى أن التكنولوجيا الحديثة كانت سببًا في التباعد الأسري؟ 

  نعم
  لا

 أضف بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:
   
 
     الرئيسية | الأخبار | من نحن | اتصل بنا | المدرسة العلمية | دراسات وبحوث | زاد الخطيب | طلاب علم | رسالة المسجد | استشارات دعوية | شبهات وردود | مكتبة الكتب | برامج فضائية | وسائط | قرأت لك | مشاريع دعوية | بيوتنا | ركن الشباب | بنات X بنات | فارس | قصص وعبر | أدب وفنون | مشاكل وحلول | للمناقشة | حوار مباشر | بأقلامكم     
     الآراء الواردة على الموقع تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى الموقع
حقوق النشر محفوظة © 2005 - 2014 منارات ويب