||   الإشاعات وأثرها على الفرد والمجتمع    ||   الإسلام وصناعة الرجال    ||   خطة عمل خاصة لاسترداد بيت المقدس    ||   بنجلاديش: عن أكبر مجزرة جماعية في تاريخ البنغال    ||   الأمانة من اخلاق الانبياء    ||   الخطاب الدعوي في المرحلة الحالية آمال وآفاق    ||   خطبة بعنوان" اداء الامانة مفتاح الرزق " للشيخ محمد كامل السيد رباح    ||   معاونة الظالمين    ||   المرأة المميزة    ||   حرمة دم المسلم .. ما أعظمها تأمُّلات في ظلال سورة الفتح
>>زاد الخطيب
زاد الخطيب : إتقان العمل
2010-05-03
إتقان العمل واجب شرعي

الافتتاحية

الحمد لله الذى يجمعنا مع إخواننا الدعاة – خاصة الخطباء- فى واحة الزاد، الذى نجتمع فيه على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنتزود بما نخلص به في العمل، ونصحح العبادة، ونستعين به فى البلاغ. إن العلم النافع هو الذى ينتفع به صاحبه ويحثه على العمل بل أحسن العمل.. ونحن أمة يأمرها دينها بالعمل، فقال تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون )(التوبة:105) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" رواه مسلم. وفى الاتقان يقول تعالى (وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يجب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) خاصة ونحن فى عصر يشتد السباق فيه بين الافراد والجماعات والدول على التقدم والتفوق ولا مكان فيه للكسالى والعاطلين، بل لا مجال لمن لا يحسن علمه بعد أن أصبح العالم فى سوق واحدة لا تروج فيه إلا سلعة المتقنين فى كل المجالات.

ولا يمكن لأمتنا أن تتقدم وأن تعتلي مكانتها فى الريادة إلا إذا رجعت إلى تعاليم الإسلام وسادت فى أجوائها قيمة الإتقان فى العمل، ليس فى العبادات فحسب بل فى كل مجالات الحياة فى العمل السياسى والعمل الثقافى والاجتماعى والاقتصادى....

إننا مطالبون بترسيخ هذه القيمة التربوية الحياتية فى واقعنا وسلوكنا لأنها تمثل معيار سلامة الفرد، وقوة شخصيته، وسمة التغيير الحقيقي فيه.

والاتقان فى المفهوم الاسلامى ليس هدفا سلوكيا فحسب، بل هو ظاهرة حضارية تؤدى إلى رقي الجنس البشري وعليه تقوم الحضارات، ويعمر الكون، وتثرى الحياة ،ثم هو قبل ذلك كله هدف من أهداف الدين يسموبه المسلم ويرقى فى مرضاة الله والإخلاص له، لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه .

ولعلنا نلحظ أن من أسباب التخلف فى المجتمعات الإسلامية غياب قيمة الاتقان كظاهرة سلوكية وعملية في الأفراد والجماعات، وانتشار الصفات المناقضة للإتقان كالفوضى والتسيب وفقدان النظام وعدم المبالاة بقيمة الوقت، واختفاء الحس الجماعي والإهمال والغش والخديعة. والشباب المسلم يتعرض للكثير من المخاطر بفقدان هدف الإتقان فى حياته بينما كان المسلمون الأوائل يحرصون على تعليم الشباب إتقان العمل حتى كان طالب الطب مطالبا بتحسين خطه واتقانه قبل أن يتعلم مهنة الطب ليكون الإتقان سمة خلقية سلوكية وقيمة إنسانية.

ومن هنا أذكر الداعية الخطيب أن يتوسع فى بيان هذه القيمة وأن لا يقتصر قوله على الإتقان فى العبادات فحسب، بل يشمل جميع المجالات العلمية والصناعية والوظيفية على كل المستويات

وعليه في نشر هذه القيمة:

·   التعريف بالإتقان وبيان علو مكانته فى الإسلام.

·   التبصير بالآثار المترتبة على إتقان العمل فى الدنيا والآخرة .

·   بيان الأضرار المترتبة على غياب الإتقان فى الدنيا والآخرة.

·   إن لم تتقن أمتنا فى عملها على مستوى الفرد والجماعة وقعت فريسة لعدوها.

·   ضرب الأمثلة من حياة الأنبياء والمتقين فى تاريخ امتنا فى كل المجالات .

·   بيان أثر إتقان العمل على الفرد والمجتمع والأمة والبشرية.

والله أسأل أن يتقبل منا عملنا، ويسدد خطانا، وأن يبارك في هذه الجهود التى تسعى لخدمة أمتنا الإسلامية فتنعم بالسعادة والأمن وتقود البشرية بالعدل إلى ما يحبه الله ويرضاه.

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً...

ابو عبد الله

أحمد حسنين


في ظلال آية

قوله تعالى: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل: من الآية19)

اختيار الآية

عكفت علي كتاب الله تعالي أبحث عن الآيات التي تناولت العمل وإتقانه, فوجدت الآيات كثيرة جداً ووقفت محتاراً كما هي عادتي عند اختياري الآيات التي نتكلم في ظلالها, ويستغرق الأمر أياماً, إلى أن خفق قلبي, واستنار عقلي, وقصرت بحثي على عدة آيات هي (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الملك: من الآية2) وقوله (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: من الآية105)، وقوله (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة:8) وقوله (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (النحل: من الآية97) وقوله (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ) (غافر: من الآية58) وقوله (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) (لنجم: من الآية31) وقوله (وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (المؤمنون: من الآية51) وقوله (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ) (الأنبياء: من الآية94) وقوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر: من الآية10), وقوله (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الكهف:7) وقوله (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (محمد: من الآية33) والآيات كثيرة كلما انتهيت إلى آية جذبتني أخرى... فلكل آية حلاوة وتوجيه.. وكم تمنيت أن أتناول كل ما فتح الله به عليَّ في هذه الآيات, ولكن المقام لا يسع ذلك كله.. ثم بدأت في كتابة إحدى الآيات السابقة فوجدت هداية الله واطمئنان النفس إلى الاستقرار علي قوله تعالي في سورة النمل (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ) (النمل: من الآية19) فأقول والله المستعان.

الآية في سورة النمل

تدبرت مرات ومرات في سورة النمل, وطال التأمل في البحث عن موضع الآية في السور, وعلاقتها بمقاصدها, وهل لها ارتباط باسمها, وفائدة مكيتها, وذلك كله لأعيش مع الآية في ظلال السور, ومما وفقني الله إليه

(1) مكية الآية: فالآية مكية شأن بقية آيات السورة، فقد قال ابن عطية والقرطبي والسيوطي: إن السورة مكية بالاتفاق، قلت: وفى هذا دلالة إلى أن الدعوى إلى العمل, وحسن أدائه هو أمر ملاصق لكل دعوى للإيمان, فلا يفصل القول عن العمل في أي مرحلة من مراحل الدعوة, ولذلك لا نجد آية في كتاب الله يذكر فيها "أهل الإيمان" إلا ويتبعها "وعملوا الصالحات" كقوله تعالي (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (البقرة: من الآية25) أو يذكر العمل الصالح كقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) (البقرة: من الآية153) وقوله )الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ) (البقرة: من الآية165) أو تحذيراً عن عمل سيئ كقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ) (آل عمران: من الآية118) وقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً) (آل عمران: من الآية130)

ومن هنا نؤكد أن أي إيمان أو اعتقاد لا يتبعه عمل فهو ناقص يحتاج إلى برهان.

(2) اسم السورة: ذكر المفسرون للسورة ثلاثة أسماء, اشهرها "سورة النمل" وسورة الهدهد و "سورة سليمان" قال ابن عاشور: "ووجه الأسماء الثلاثة أن لفظ النمل ولفظ الهدهد لم يذكرا في سورة من القرآن غيرها فأما تسميتها "سورة سليمان" فلأن ما ذكر فيها من ملك سليمان مفصلا لم يذكر مثله في غيرها"(1 ).

قلت: والذي أراه أن اسم السورة في الغالب يرتبط بمقصدها, وعلينا النظر في وجه اختصاص كل سورة بما سميت به(2 ).

وآيتنا هذه لها علاقة بالمسميات الثلاثة للسورة كما سيأتي بيانه أن شاء الله

(3) محاور السورة: وبالتأمل في السورة نجد أن لها قمة محاور

المحور الأول: الاعتبار بأعظم ملك أوتيه نبي, وهو ملك داود وسليمان, وأشهر أمة أوتيت قوة وهى أمة ثمود, وعظم ملك سبأ، وفى ذلك كله إيماء إلى أن نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم رسالة تقارنها سياسة الأمة ثم يعقبها ملك, وهو خلافة النبي صلى الله عليه وسلم

المحور الثاني: العلم وفضله.. وهو واضح في عدة مواضع منها قوله (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) (النمل:6) وقوله (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً) (النمل: من الآية15) وقوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) (النمل: من الآية16) وقوله تعالي (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ) (النمل: من الآية22) وقوله (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) (النمل: من الآية40) وقوله (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (النحل: من الآية75) وقوله (قلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (النمل: من الآية65) وقوله (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (النمل: من الآية78) وقوله (وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً) (النمل: من الآية84)

المحور الثالث: شكر النعمة.. قال تعالي (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ) (النمل: من الآية19) وقوله (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) (النمل: من الآية40) وقوله (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ) (النمل:73)

المحور الرابع: العمل.. وهو واضح في عدة مواضع, في قوله تعالي (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ) (النمل:4) وقوله (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النمل: من الآية90) وقوله (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة: من الآية74) أما قصص السورة وأحداثها فمليئة بالعمل .. نحو هجرة موسي مع أهله وإرساله إلى فرعون, عمل جند سليمان من الجن والإنس والطير, وعمل النمل, وعمل الهدهد, والعمل في تشييد عرض بلقيس, ثم العمل في إحضاره إلى سليمان, ثم تنكير عرشها, .. إلى غير ذلك

المحور الخامس: النصيحة.. دعوة ونصيحة موسي لقومه, ثم قول النملة للنمل, ثم نصيحة الهدهد, ثم نصيحة صالح لثمود ولوط إلى قومه.. ونبينا صلى الله عليه وسلم لأمته..

المحور السادس: الشورى.. وذلك واضح في شوري بلقيس لقومها في أمر سليمان قالت: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) (النمل:32) وشوري سليمان لإحضار عرش بلقيس.

المحور السابع: النظام ودقته.

الآية تجمع هذه المحاور

وجمعت الآية كل هذه المعاني علي النحو التالي:

المحور الأول والثاني والثالث في قوله" (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) (النمل: من الآية19)

المحور الرابع والخامس: في قوله (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ) (النمل: من الآية19) والمحور السادس: (عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل: من الآية19) وهم أهل الشورى المحور السابع: سبب الآية: أن الآية من تعجب سلميان من قول النملة.

العمل في حياة داود وسليمان

فملكها كان عظيماً، فداود قال الله في شأنه (وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) (البقرة: من الآية251) وقال تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ* أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (سـبأ:11) وقوله (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ*وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) (الأنبياء:80) وقوله (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (صّ: من الآية17) (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإشراق) (ص:18)

(وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) (صّ:19) (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) (صّ:20) ومع هذا الملك.. كان يعمل ويأكل من عمل يده, فكما في الآيات أعانة الله علي عمل الدروع من الحديد ليحض المقاتلة من الأعداء وأرشده إلى صنعتها وكيفيتها وإتقانها فقال (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) (سـبأ: من الآية11) أي لا تدق المسمار فيغلق ولا تغلظه إلى نار ولا مطرقة وورد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود" كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه, وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفر إذا لقي فمع هذا الملك العظيم كان يعمل ويتقن عمله, ويأكل من كسب يده... وفى هذا عبرة لأولي الألباب وورث سليمان داود في النبوة والملك، وتربي علي يديه علي العمل وإتقانه،وقد وصف الله تعالى ملكه فقال (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) (النمل:16) وقوله تعالي (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) (النمل:17) وقوله تعالي (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ* وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) (الأنبياء:82) وقال تعالى (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ*وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ*وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ*هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (صّ:39) وقال تعالي (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ) (سـبأ: من الآية12) وقد كان لسليمان عليه السلام من أمور الملك واتساع الدولة وكثرة الجنود وتنوعها ما لم يكن لأمر قبله, ولا يعطيه الله أحداً بعده

الآية بين آيتين أو ناصحين

وقعت هذه الآية بين آيتين تحكى كل منهما عملاً ما أروعه:

أولهما: النملة ونصيحتها لأمتها:

قال تعالي (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (النمل:18)

فهذا سليمان عليه السلام يخرج يوماً في جيشه من الجن والإنس والطير في نظام عجيب لا يتقدم أحد عن موضعه, فهم يوزعون حتى إذا مر علي وادي النمل, سمع نملة أمرت وحذرت واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور فتبسم ضاحكاً من قولها, معجبا مسروراً بحرصها علي نصيحة أمتها, بالرأي السديد والأمر الحميد وذكر النمل في الآية فيه عدة إشارة تتعلق بإتقان العمل وهى: النظام والتعاون وبناء القرى، وشق الإنفاق.. إلى أخره وقال ابن القيم في قوله (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ) (النمل: من الآية18) تكلمت بعشرة أنواع من الخطاب في هذه النصيحة: النداء, والتنبيه, والتسمية, والأمر، والنص، والتحذير, والتخصيص, والتفهيم والتعميم والاعتذار" فاشتملت نصيحتها مع الاختصار علي هذه الأنواع العشرة, ولذلك أعجب سلميان بقولها وتبسم ضاحكاً منه, وسأل الله أن يوزعه شكر نعمته لما سمع كلامها, ولا تستبعد هذه الفطنة من أمة من الأمم تسبح بحمد ربها, كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج, ثم أحرق قرية النمل فأوحى الله إليه:- من أجل أن لدغتك نملة أحرقت امة من الأمم تسبح، فهلا نملة واحدة" (1) انظر تأملات ابن القيم ص220

ثانيهما: الهدهد ونصيحته

فهذا الهدهد الذي غاب عن بصر سليمان قد تغيب, ولم يكن في محل خدمته, وفى هذه دلالة علي قوة ونظام ملك سليمان وانتظام جنوده من الجن والإنس والطير, وإدارة سلميان لتلك المملكة الواسعة, وقد أتى الهدهد بخبر بلقيس ملكة سبأ وقال: (امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) (النمل: من الآية23) ثم يذكر من قصته (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ) (النمل:24) ثم تقدم النصحية والغيرة (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (النمل:26)

ثم ذكره القصة إسلام بلقيس, وذلك كله من نصيحة وعمل الهدهد

إذن آيتنا كانت بين آيتين فيهما:

1- الأولي من نملة تعيش في الأرض, والثانية من طائر يسبح في السماء

2- الأولي فيها نصيحة لإنقاذ الأمة, والثانية نصيحة وغيرة في الدعوة إلى الله

3- الأولي: علم بها سليمان, والثانية علم بها أحد جند سليمان

4- أثمرت النصيحتان, فأنقذ النمل, وأسلمت بلقيس وقومها

5- النمل في عمل دائم وكذلك الهدهد فهو جندي مع سليمان يقطع المسافة من الشام إلى اليمن مؤدياً عمله علي أكمل وجه

ووقوع الآية بين هاتين الآيتين وفيها دعوة سليمان (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ) (النمل: من الآية19) فهو يسأل التوفيق في العمل بوجه عام, وان يكون صالحاً "أي متقنا" ويزاد علي ذلك لمناسبة الآية للآيتين:

1- أن العمل الدعوى يحتاج إلى إتقان

2- انه العمل الذي أساسه النظام والإتقان

3- انه العمل المبنى علي العلم

4- انه العمل

إتقان العمل في الآيات

1- في وادي النمل: فهم في عمل لأنهم كانوا خارج مساكنهم كما في قول النملة (ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ) (النمل: من الآية18) وعن دقة وإتقان وتعاون النمل يقول ابن القيم: ثم تأمل هذه النملة الضعيفة.. ص 22

2- جنود سليمان: ففيهم العمل الجاد, حيث يعرف كل منهم وظيفته,ويؤديها على أكمل وجه, وتحكى الآيات صورة جمعهم مع كثرتهم لم يصطدم جندي بآخر كما قال تعالي (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) (النمل:17) أي يمتثلون للأمر والنهى, فلا يتقدم أحد عن موضعه ولا يتأخر عنه.

3- عمل سليمان: في إدارته لهذه المملكة وجمع جنوده ثم متابعة أحوالهم حتى إنه عليه السلام مع كثرتهم يتفقد الطير, ثم يلاحظ غياب الهدهد.. وهكذا الحاكم يتابع رعيته ويتفقد أحوالهم لأنه مسئول عنهم أمام الله واذكر قول عمر "لو عثرت بغلة بالعراق, لسئل عنها عمر لماذا لم تمهد لها الطريق" ثم يظهر سليمان إدارة جنوده بالحزم والعدل وذلك في قوله (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) (النمل:21) فهي العسكرية الحازمة العادلة يقول ابن منشور 1901/1240 وفى الآية إشارة إلى أن جمع الجنود وتدريبها من واجبات الملوك ليكون الجنود متعهدين لأحوالهم وحاجاتهم ليشعروا بما ينقصهم ويتذكروا ما قد ينسون عند تشوش الأذهان عند القتال وعند النفير"

4- عرش بلقيس: وصفه الهدهد بقوله ولها عرش عظيم إنه عرش بديع وعظمة العرش يدل علي إتقان صنعته في هذه المملكة ولا عجب في ذلك فقد قال الملأ منهم (قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ) (النمل: من الآية33) وسبحان الله كان أساس نجاح حكمها لقومها وجدد الشورى بينهم (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) (النمل: من الآية32) ولذلك جاء الأمر لنبينا "وشاورهم في الآمر" أمرهم شوري بينهم" وبالشورى تنهض الأمة

5- نقل العرش إلى سليمان: وكله دلالة علي القوة والأمانة وإتقان النقل بحيث لم يتغير فيه شيء أو ينقص

6- تنكير العرش: دقة في الصنعة قال سليمان "نكروا لها عرشها" حتى أنها لم تعرفه قالت "كأنه هو" وهو بلاغة في التعبير, فالحقيقة انه هو, ولشدة التنكير فيه لم تعرفه فقالت "كأنه هو"

يقول الشهيد سيد قطب: "غيروا معالمه المميزة له, لنعرف إن كانت فراستها وفطنتها تهتدي إليه بعد هذا التنكير, أم يلبس عليها الأمر فلا تنفذ إلى معرفته من وراء هذا التغيير ولعل هذا كان اختبار من سليمان لذكائها وتصرفها, في أثناء مفاجأتها بعرشها, ثم إذا مشهد الملكة ساعة الحضور "فلما جاءت قيل: أهكذا عرشها في مملكتها, عليها أقفالها وحراسها أين هو من بيت المقدس مقر ملك سليمان؟ وكيف جئ به؟ ومن ذا الذي جاء به؟ ولكن العرش عرشها من وراء هذا التغيير والتنكير، تري تنفي أنه هو بناء علي تلك الملابسات؟ أم تراها تقول: إنه هو بناء علي ما تراه فيه من أمارات؟ وقد انتهت إلى جواب ذكى أريب. "قالت كأنه هو" لا تنفي ولا تثبت, وتدل علي فراسة وبديهة في مواجهة المفاجأة العجيبة" إظلال القرآن 4/2642)

7- صرح سليمان: والصرح: هو صحن الدار, والظاهر انه صرح القصر, وقد كان بديعا يقول ابن عاشور: "وحكاية أنها حسبته لجة عندما رأته تقتضى أن ذلك بدا لها في حين دخولها فدل علي أن الصرح هو أول ما بدا لها من المدخل فهو لا محالة ساحة معينة للنزهة فرشت بزجاج شفاف وأجري تحته الماء حتى يخاله الناظر لجة ماء وهذا من بديع الصناعة التي اختصت بها قصور سليمان في ذلك الزمان لم تكن معروفة في اليمن علي ما بلغته من حضارة وعظمة بناء" (التحرير, والتنوير 9/275).

ويقول سيد قطب: "لقد كانت المفاجأة قصراً من البلور, أقيمت أرضيته فوق الماء, وظهر كأنه لجة فلما قيل لها: ادخلي الصرح, حسبت أنها ستخوض تلك اللجة, فكشفت عن ساقيها؟ فما تمت المفاجأة كشف لها سلميان عن سرها "قال إنه صلاح ممرد من قوارير" ... ووقفت الملكة مفجوءة مدهوشة أمام هذه العجائب التي تعجز البشر وتدل علي أن سليمان مسخر له قوى أكبر من طاقة البشر, فرجعت إلى الله" الظلال (4/2643).

إتقان العمل في الآية

1- الشكر عمل: وليس مجرد كلمات باللسان, ويحتاج الشاكر إلى إتقانه, وهذا ما طلبه سليمان (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ) (النمل: من الآية19) وقال تعالي (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سـبأ: من الآية13) وللشكر أثر في إتقان العمل.. فإذا شكر العامل صاحب العمل, وشكر صاحب العمل العامل بذل كل منهما حق الآخر عن رضا

2- التضرع إلى الله لإتقان عمله: "وأن أعمل صالحاً" أي عملاً نافعا مقبولاً متقناً, هذه كلها صفات العمل الصالح, ولذلك علي العامل أن يتعرف علي مقاييس جودة العمل ويسعى بكل جهده إلى تحسينه

إتقان العمل غايته رضا الله: "عملاً صالحاً ترضاه" هذا هو الأصل أن يتربى العامل علي مراقبة الله وابتغاء رضاه في إتقان عمله, ولا يتوقف إتقانه علي معاملة صاحب العمل, فإن أحسن أحسنوا وإن أساء قصروا, بل مراقبة الله والتماس الأجر منه يجعلهم يحسنون عملهم علي أي حال.


في رحاب السنة

صحيح ما ورد في السنة عن العمل وإتقانه

لقد تواترت الأحاديث النبوية في الدعوة إلى العمل الصالح, وان الإنسان محاسب علي عمله, وان أساس نفعه في الدنيا وقبوله في الآخرة يتوقف علي مشروعيته وإخلاصه وقدر إتقانه ونتناول أن شاء الله جانباً من أقوال المصطفي في العمل وإتقانه, مع التأكيد عموم الأدلة في إتقان العمل سواء كان بينه وبين ربه أو لنفسه أو مع الناس.

الإخلاص في الأعمال

1- عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى, فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله, فهجرته إلى الله ورسوله, ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" رواه البخاري (1) ومسلم (1907).

2- عن أبي أمامه الباهلي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر, ماله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا شيء له" فأعاد ثلاث مرات, يقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا شيء له" ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه" رواه النسائي (6/25) وحسنه العراقي

3- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم "إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" رواه مسلم (2564).

المسارعة إلى الأعمال:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم, يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافراً أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا, يبيع دينه بعرض من الدنيا" رواه مسلم (118).

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك, وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك, وفراغك قبل شغلك, وحياتك قبل موتك" رواه الحاكم (4/305) وصححه، الألباني في صحيح الجامع (1077).

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" رواه البخاري (6412) والترمذي (2405).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها أو الدخان, أو الدجال, أو الدابة, أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة" رواه مسلم (2947).

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن قامت علي أحدكم القيامة وفى يده فسيلة فليغرسها" رواه أحمد (3/184), والبخاري في الأدب المفرد (479)، الطيالسي (2068) وإسناده صحيح.

أفضل الأعمال

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله, أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهليها وأكثرها ثمنا، قال: قلت: فإن لم أفعل, قال: تعين صانعاً أو تصنع لأخرق -أي لا صنعة له- قال: قلت يا رسول الله, أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس, فإنها صدقة منك علي نفسك "رواه البخاري (2518), ومسلم (84).

وعن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: علي كل مسلم صدقة، قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعتمد بيديه فينفع نفسه ويتصدق قال أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قال: قيل له أرأيت إن لم يستطع قال: يأمر بالمعروف أو الخير" قال أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة " رواه مسلم (1008).

إتقان العمل

ورد إتقان العمل في عدة أحاديث بلفظ "الإتقان, الإحسان، والصالح، والسداد"

1- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملً أن يتقنه"

2- عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله: فقيل: كيف يستعملنا رسول الله, قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت" رواه الترمذي (2142) وقال: حديث صحيح.

3- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لكل عمل شرّة -أي نشاط ورغبة -ولكل شرَّة فترة- أي ضعف فإن كان صاحبها سدد وقارب فارجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدُّوه" رواه الترمذي (2453) وصححه.

4- وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سدودا وقاربوا, واعلموا أن لن يدخل أحدكم بعمله الجنة, وان أحب الأعمال أدومها وإن قلَّ" رواه البخاري (6464), ومسلم (782).

5- عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب الإحسان علي كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة, وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح, وليحد أحدكم شفرته, فليرح ذبيحته" رواه مسلم (1955).

وعن مسروق قال: سالت عائشة رضي الله عنها: أي العمل كان أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت الدائم" رواه البخاري (1132).

 


تيسير العلوم الشرعية

توحيد الله تعالى

أولا: التعريف:

أولا اللغة: التوحيد مصدر للفعل "وحد" توحيدا فهو موحدا إذا نسب إلى الله الوحدانية، ووصفه بالإنفراد عما يشاركه أو يشابهه في ذاته أو صفاته

أما في الاصطلاح: فهو إفراد الله تعالى بما يختص به من الإلوهية والربوبية والأسماء والصفات.

أقسام التوحيد:

 قسمه العلماء إلى ثلاثة أقسام توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات أما:

1- توحيد الربوبية:

فهو إفراد الله تعالى بأفعاله كالخلق والملك والتدبير والإحياء والإماتة ونحو ذلك، وقد كان الكفار الأوائل يقرون بقدرة الله تعالى وقيوميته على خلقه ويثبتون إرادته وتدبير شئون ملكه إلا أنهم لم يفردوه بالعبادة والسؤال والتوجه، واتخذوا الأنداد والشركاء ليقربوهم إلى الله زلفى؛ لذا وصفهم القرآن بالشرك، وأخرجهم من زمرة الموحدين، قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (سورة العنكبوت: 61)

وقوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (سورة العنكبوت: 63)

وقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (سورة الزخرف: 87)

2- توحيد الإلوهية:

هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة قولا وعملا، ونفي العبادة عن كل ما عداه قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) (سورة النساء: من الآية 36)، وسمي توحيد الإلوهية لأنه مبني على التأله وهو التعبد المصاحب للمحبة والتعظيم، وأيضا يسمى توحيد "الطلب والقصد والإرادة" لأن العبد لا يطلب ولا يقصد ولا يريد إلا وجه الله تعالى فيعبد الله مخلصا له الدين وهذا النوع وقع فيه الخلل ومن أجله بعثت الرسل، وأنزلت الكتب.

* لا إله إلا الله:

والتوحيد قائم على هذه الكلمة الشريفة ومعناها: أنه لا يستحق العبادة والطاعة والحب وإخلاص الوجهة أحد من الخلق مهما نال من وفرة العلم، وعظمة القدرة، وقوة الإرادة لأنه في النهاية محتاج إلى من يمده ويعينه ويغنيه ويكفيه أمره وهذا معنى "لا إله"

أم من هو جدير بالعبادة والتوكل عليه والرجاء منه والاستعانة به والتحاكم إليه فهو الله صاحب الصفات العليا والأسماء الكبرى وهذا معنى "إلا الله"، فهذه الكلمة المباركة تعني: نفي الألوهية عمن لا يستحقها وتثبتها لمن هو جدير بها وتقصرها على ذي الجلال والكمال (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) (سورة المؤمنون: 117)

(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) (سورة الأنعام: 3)

(قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) (سورة الأنعام: من الآية 91)

من مقتضيات التوحيد:

إن شهادة أن لا إله إلا الله ليست مجرد كلمة تقال بل لها تكاليف تبرهن على حقيقتها وتوضح مدلولها ومن مقتضيات الشهادة:

1 – أن الله تعالى بما أنه الخالق المدبر القدير المريد المالك فهو المشرع لنا الحلال والحرام والمبين لنا ما ينفعنا من الأحكام والأخلاق فنحن عبيده نعيش في ظل ملكه وندب على أرضه ونأكل من رزقه وهو يدير أمرنا بشرعه ويصلح حالنا بقانونه وأمره ونهيه، وفي هذا يقول تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (سورة الأعراف: من الآية 54)

وقد ذكر القرآن الكريم والسنة نصوصا تبرز انحرافات عن هذه الحقيقة الجلية وعن هذا الخط المستقيم وتحذر الأمة من الوقوع فيها حتى يظلوا على الجادة يقول الله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) (سورة التوبة: من الآية 31)

والأحبار هم: العلماء، والرهبان: هم العباد، وقد قرأها النبي –صلى الله عليه وسلم– بحضرة "عدي بن حاتم الطائي" وقد أسلم بعد أن كان نصرانيا فقال: إنهم لم يعبدوهم فقال النبي: بلى!!؛ إنهم حرموا عليهم الحلال وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم"[1]

قال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولهذا قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (سورة التوبة: من الآية 31) فإن الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله والدين ما شرعه الله " والآية الكريمة أشارت أن طاعة غير الله تعالى في الأحكام والحلال والحرام عبادة وتعظيم وهذا ينافي التوحيد الحق والمحبة الصادقة لله رب العالمين وهذا هو الشرك بعينه، يقول تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (سورة الشورى: من الآية 21) وقال تعالى: (وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً) (سورة آل عمران: من الآية 80) أي شركاء لله تعالى في العبادة،

وقال أيضا: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (سورة الأنعام: من الآية 121)

وبناء على ما تقدم فإن العلمانية القائمة على الاقتصار على العقل البشري وخبراته في إدراك الحقائق وتصريف شئون الحياة وتنحية شرع الله وحكمه وحصر الدين في المسجد وخبايا الضمير هي فكرة تتعارض مع عقيدتنا في الله تعالى الذي جعل التحاكم إلى غير شرعه في ثلاث آيات متتاليات كفرا وظلما وفسقا قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (سورة المائدة: من الآية 44) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (سورة المائدة: من الآية 45) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (سورة المائدة: من الآية 47)

وقال أيضا: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (سورة الملك: 14)

والإله عند هؤلاء العلمانيين صنع العلم وتركه وشأنه كالمهندس الذي يصنع الساعة لتعمل دون حاجة إليه كما قال "فولتير"[2]

وهو نفس التصور الذي كان يؤمن به "أرسطو" فالإله لا يعقل إلا ذاته ولا يفكر في غيره، وانقطعت صلته بالعالم منذ خلقه، وبهذا التصور أصبح العقل إلها جديدا يرسم حياة الإنسان، ويخطط له طريقة حكمه

ومعنى أننا نطرح شريعة الله تعالى ونرفضها أننا نتهمها بأنها لا تصلح لهذا الزمن، وأن الشرائح التي هي من وضع العقل الإنساني وخبراته أفضل من علم الله وهدايته لخلقه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا

2 – إيثار الله تعالى بالمحبة الكاملة وإخلاء القلب من الشركاء والأنداد قال الله تعالى مبينا أثر الإيمان في النفوس وتجليه في الأرواح: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (سورة المائدة: من الآية 54)

وعرض القرآن وجها لمحبة لا تليق بجلال الله وكماله حيث جعل أصحابها لله تعالى في المحبة شركاء وأمثال ولم يخصوه ويفردوه بها فقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) (سورة البقرة: من الآية 165)

وقد سمى الله ذلك ظلما وخروجا عن حدود العبودية الحقة لأنهم أعطوا الحب لمن لم يستحقه فقال تعالى: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) (سورة البقرة: من الآية 165) أي لو عاين هؤلاء الذين ساووا بين الله وخلقه في المحبة من العذاب لعلموا أن القوة لله والحكم له وحده له القهر والغلبة والسلطان، لو يعلمون ما يحل عليهم من السخط والعقاب المنكر الفظيع بشركهم في المحبة لانتهوا مما فيه من الضلال، ثم بين الحق تبارك وتعالى جزاء الذين جعلوا لله أندادا في المحبة النار خالدين فيها لا يتحولون عنها ولا يخرجون منها فقال تعالى: (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (سورة البقرة: من الآية 167) هذا لمن ساوى الله مع غيره في المحبة فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ بل كيف بمن لم يحب إلا الند وحده؟.

ويقول العلامة ابن القيم مبينا حقيقة هذه المحبة: وتوحيد الحب: أن لا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له فهذا الحب هو غاية صلاح العبد ونعيمه وقرة عينه وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن تكون محبته لغير الله تابعة لمحبة الله تعالى، ومحبة رسول الله هي من محبة الله ومحبة المرء إن كانت لله فهي من محبته وإن كانت لغير الله فهي منقصة لمحبة الله مضعفة لها، ويصدق هذه المحبة بأن تكون كراهيته لأبغض الأشياء إلى الله وهو الكفر بمنزلة كراهيته لإلقائه في النار أو أشد"

ثم يتحدث العلامة ابن القيم عن ما توجبه المحبة في حق العبد فيقول: "وهي تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد، وتقتضي كمال الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة والانقياد ظاهرا وباطنا؛ ولذا قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ) (سورة البقرة: من الآية 165) أي أن الذين آمنوا أشد حبا لله من أهل الأنداد لأندادهم فمحبة الله تعالى لا يماثلها محبة مخلوق أصلا، ومثل هؤلاء المخلطون في المحبة كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أورق فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده"[3]

3 – أن لا تسأل إلا الله ولا تدعو إلا إياه وفي الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنه: "كنت خلف النبي –صلى الله عليه وسلم– فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله"، وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (سورة البقرة: من الآية 186)

وتكمن حقيقة الدعاء أن فيه إظهار الافتقار إلى الله الغني والعجز البشري أمام القدرة المطلقة، والنقص أمام الكمال الإلهي، أو بمعنى آخر هو إحساس العبد بعبوديته وذله وفقره مع استشعار عظمة الرب وقدرته وجماله وكماله ورحمته، فالعبودية الحقة تتجلى في أجمل صورها وأعلى مراتبها في السؤال والطلب؛ ولذا قال النبي –صلى الله عليه وسلم– في حديث أنس مرفوعا: "الدعاء مخ العبادة" لذا على العبد أن يكثر من الدعاء ويلح في الطلب حتى في أبسط الأمور، وأدق الأشياء فالله تعالى يكفي عبده ما أهمه ويكون في حاجته لذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سلوا الله كل شيء حتى الشسع إذا انقطع"

وبالدعاء يتذرع المسلم ويتسلح أمام نوائب الدهر ومعضلات الحياة ويسأل من به تحل العقد ويسهل العسير وتفرج به الكرب وكان ذلك على الله يسيرا، قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم: "الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السماوات والأرض.."[4]

والدعاء لغير الله والطلب من سواه نقض للتوحيد وشرك لا يغفره الله تعالى (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) (سورة الأحقاف: 5-6)، وهؤلاء المرجون من دون الله لا يستحقون أن يسألهم الناس ويتوجهوا إليهم بالطلب؛ لأنهم عباد مثلنا لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) (سورة فاطر: 13)

والإنسان مهما طمست بصيرته، وانتكست فطرته وضل قلبه وعقله فإنه في لحظة الشدة ووقت المصيبة ينقدح في فؤاده نور التوحيد وتشتعل جذوة الإيمان في نفسه فينفض كل الشركاء ويكفر بكل الأنداد، ولا يبقى في قلبه إلا الله يسأله ويستغيث به ويتعلق بأستار رجاءه وحبال فرجه قال تعالى: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) (سورة الأنعام: 63)

وقال: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً) (سورة يونس: من الآية 12)،

وقال أيضا: (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) (سورة فصلت: من الآية 51)

(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) (سورة الأنفال: من الآية 9)

الحديث الضعيف

معرفة الحديث الضعيف من الأهمية بمكان لكل مسلم خاصة الدعاة والخطباء والكتاب, وفى هذه الدراسة نتناول أهم المباحث التي تكشف النقاب عن الحديث الضعيف وهى:

تعريفه - أسباب الضعف - أسماء الأحاديث الضعيفة الناتجة عن الضعف في الحديث - حكم روايته من غير بيان ضعفه وكيفية روايته - أوهي الأسانيد - لما روى الأئمة عن الضعفاء والمتروكين - وغيرها من المسائل المتعلقة به.

أولاً: تعريف الضعيف

في اللغة: الضاد والعين والفاء أصلان متباينان يدل أحدهما علي خلاف القوة, ويدل الآخر علي أن يزاد الشيء مثله.

فالأول: الضَّعف أو الضُّعف بفتح الضاد وضمها هو خلاف القوة, وهو حقيقي في المحسوسات مجازى في المعنويات, وهذا المعنى هو المراد هنا:

والثاني: الضَّعف: بكسر الفاء: وهو زيادة الشيء مثله.

والجمع ضعفاء, وضعفي, وضعاف

وفى الاصطلاح: قال الحافظ ابن حجر: كل حديث لم تجتمع فيه صفات المقبول

وصفات المقبول هى شروط الصحيح والحسن وهى ستة شروط "اتصال السند, وعدالة الرواة, وضبطهم، والسلامة من الشذوذ, والعلة, ومجئ الحديث من وجه آخر يتقوى به, حيث كان في إسناده مستور لم تعرف أهليته وليس متهماً كثير الغلط أو به ضعيف سوء الحفظ أو في الإسناد انقطاع خفيف أو خفي أو كان مرسلا

ثانياً: تعدد أقسامه

قال ابن الصلاح: "وأطنب أبو حاتم ابن حبان في تقسيمه فبلغ به خمسين قسما إلا واحداً وقال السيوطي في التدريب" "ثم قسمه ابن الصلاح إلى أقسام كثيرة باعتبار فقد صفه من صفات القبول الستة وهى الاتصال والعدالة والضبط والمتابعة في المستور, وعدم الشذوذ والعلة, وباعتبار فقط صفة مع صفة أخري تليها أولاً, أو مع أكثر من صفة إلى أن تفقد الستة, فبلغت فيما ذكره العراقي في "شرح الألفية" اثنين وأربعين قسماً, ووصله غيره إلى ثلاثة وستين, وجمع في ذلك قاضى القضاة شرف الدين المناوى كراسة وقسمها إلي مائة وتسعة وعشرين قسماً باعتبار العقل وواحد وثمانين باعتبار إمكان الوجود، وإن لم يتحقق وقوعها, وقد كنت أردت بسطها في هذا الشرح, ثم رأيت شيخ الإسلام قال: إن ذلك تعب ليس وراءه أرب, فإنه لا يخلو إما أن يكون لأجل معرفة مراتب الضعيف, وما كان منها أضعف أو لا.. وإن كان لأمر غير معرفة الأضعف: فإن كان التخصيص كل قسم باسم فليس كذلك فإنهم لم يسموا منها إلا القليل كالمعضل والمرسل ونحوهما, أو لمعرفة كم يبلغ قسما بالبسط فهذه ثمرة مرة أو لغير ذلك, فما هو" فعدلت عن تسويد الأوراق بتسطيره" قلت وعدلنا نحن أيضاً عن بسطه.

وقال السخاوى في فتح المغيث (1/236): وصرح غير واحد منهم شيخنا -يعنى الحافظ العراقي- بأن ذلك مع كثرة التعب فيه قليل الفائدة ولا يقال إن فائدته كون فأكثر فقد شروط القبول فيه أضعف, لأنه ليس علي إطلاقه فقد يكون الفاقد للصدق وحده أضعف من فاقد ما عداه مما ذكر, لأن فقد العدالة غير منحصر في الكذب فالاشتغال بغيره من مهمات الفن الذي لا يتسع العمر الطويل لاستقصائه وقد خاض غير واحد ممن لا يعلم هذا الشأن في ذلك فتعبوا وتعبوا ولو قيل لأطولهم وأعرضهم أوجدنا مثالا بما يلقب منها بلقب خاص لبقي ساكنا, ووراء ذلك كله أن في بعض الأقسام نزاعا, وذلك أن اجتماع الشذوذ مع الضعيف أو المجهول غير ممكن علي الصحيح, لأن الشاذ تفرد الثقة عند الجمهور, وجوزه شيخنا بأن يكون في السند ثقة خولف وضعيف، قال: وفائدة ذلك قوة الضعف لكثرة الأسباب، لكن قد يقال إنه إذا كان في السند ضعيف بحال ما في الخبر من تعبير عليه, نعم إن عرف من خارج أن المخالفة من الثقة أو كان الضعيف بعد الراوي الذي شذ جاء ما قاله شيخنا وبالجملة: فلما كان التقسيم المطلوب صعب المرام في بادي الرأي لخصه شيخنا بقوله" فقد الأوصاف راجع إلى ما في رواية طعن أو في سنده سقط".

ثالثاً: خلاصة تقسيم الضعيف:

وفقد أوصاف القبول راجع إلى ما في سنده سقط أو في راوية طعن, والطعن إما في عدالته أو ضبطه قال الحافظ ابن حجر في نزهة النظر (ص 39): "المردود إما أن يكون لسقط من إسناد أو طعن في راو على اختلاف وجوه الطعن. أعم من أن يكون لأمر يرجع إلى ديانة الراوي أو إلى ضبطه, والسقط إما أن يكون من مبادئ السند من مصنف أو من آخره -أي الإسناد- بعد التابعي أو غير ذلك, فالأول المعلق يكون من مبادئ السند من مصنف أو من آخره أي الإسناد بعد التابعي، أو غير ذلك, فالأول المعلق سواء كان السقط واحداً أو أكثر, والثاني المرسل وهو ما سقط من آخره بعد التابعي والثالث أن كان باثنين فصاعدا علي التوالي فهو المعضل، وإلا فالمنقطع، ثم قد يكون واضحاً أو خفيا, فالأول يدرك بعدم التلاقي، والثاني المدلس ويرد بصيغة تحتمل اللقي: كعن وقال وكذا المرسل الخفي من معاصر لم يلق.

ثم الطعن إما أن يكون لكذب الراوي أو تهمته بذلك أو فحش غلطه أو غفلته أو فسقه, أو وهمه, أو مخالفته أو جهالته أو بدعته أو سوء حفظه, فالأول الموضوع, والثاني المتروك والثالث المنكر علي رأي، وكذا الرابع والخامس، ثم الوهم أن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق فالمعلل ثم المخالفة أن كانت بتغيير السياق، فمدرج الإسناد, أو بدمج موقوف بمرفوع فمدرج المتن أو بتقديم أو تأخير فالمقلوب، أو بزيادة راو: فالمزيد في متصل الأسانيد أو بإبدال ولا مرجح فالمضطرب، وقد يقع الإبدال عمداً امتحانا, أو بتغيير مع بقاء السياق فالمصحف والمحرف.

ومن هذا التحقيق في ضبط أقسام الضعف وسببه ينقسم الضعيف إلى قسمين رئيسيين,

الأول: الضعيف بسبب سقط في الإسناد: وينقسم إلى قسمين:

أولهما: سقط جلي: وينتج عنه أربعة أنواع من الحديث الضعيف وهى (المعلق - المرسل - المنقطع - المعضل).

والثاني: سقط خفي: وينتج عنه نوعان (المدلس - المرسل الخفي)

والثاني: الضعيف بسبب الطعن في الراوي: وينقسم إلى قسمين:

أولهما: الطعن في عدالة الراوي: وينتج عنه (الموضوع - المتروك - المنكر)

والثاني: الطعن في ضبط الراوي: وينتج عنه (المعل - المدرج - المقلوب - المضطرب -المصحف- الشاذ).

وسنتناول هذه الأنواع من الحديث الضعيف تباعاً إن شاء الله, وسأقتصر في هذا العدد علي النوع الأول بسبب السقط في الإسناد وهو السقط الجلي, فنقول والله المستعان.

أولاً: السقط الجلي

وهذا السبب لرد الحديث يدرك بسهولة ويسر، ككون الراوي مثلاً لم يعاصر من روى عنه. وقد نظر المحدثون إلى موضوع السقط وعدده, وعليه قسموه إلى أربعة أنواع

النوع الأول: المعلق

تعريفه: في اللغة اسم مفعول علق الشيء بالشئ أي أناطه وربطه به وجعله معلقاً والعلق: النشوب في الشيء يكون في جبل أو أرض أو ما أشبهها.

والاصطلاح: هو الحديث الذي حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر, ولو إلى آخر الإسناد"

صوره: للمعلق صور متعددة ذكرها العلماء منها:

1- أن يحذف جميع السند, ويقال مثلا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا

2- أن يحذف جميع السند إلا الصحابي، فيقال مثلا: قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا

3- أن يحذف جميع السند إلا الصاحبي والتابعي, فيقال مثلا: قال نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا

4- أن يحذف من حدثه ويضيفه إلى من فوقه, فإن كان من فوقه شيخاً لذلك المصنف فقد اختلف فيه هل يسمى تعليقا أم لا؟

قال الحافظ ابن حجر: والصحيح في هذا التفصيل: فإن عرف بالنص أو الاستقراء أن فاعل ذلك مدلس قضى به -أي حكم عليه بأحكام التدليس- وإلا فتعليق

حكم المعلق: قال الحافظ ابن حجر: وإنما ذكر التعليق في قسم المردود للجهل بحال المحذوف،وقد يحكم بصحته إن عرف بأن يجئ مسمى من وجه آخر, فإن قال: جميع ما أحذفه ثقات جاءت مسالة التعليق علي الإبهام وعند الجمهور لا يقبل حتى يسمى"

قلت: هذا الحكم علي المعلق بوجه عام, وأما المعلق في الصحيحين فعلي تفصيل.

المعلقات فى الصحيحين:

قال الحافظ ابن حجر: "قال ابن الصلاح: إن وقع الحذف في كتاب التزمت صحته كالبخاري, فان أتى بالجزم دل علي أن إسناده عنده، وإنما حذف لغرض من الأغراض، وما أتى فيه بغير الجزم ففيه مقال, وقد أوضحت أمثلة ذلك في النكت علي ابن الصلاح".

(1) المعلقات في صحيح البخاري

بلغت عدد الأحاديث المعلقة في صحيح البخاري (1314) حديثا, وأكثرها مخرج في أصول متونه, والذي لم يخرجه (160) حديثا تقريبا

وقد وصلها الحافظ ابن حجر في مؤلف له سماه "التوفيق"، وله مصنف آخر في الأحاديث المعلقة والموقوفة والمتابعات سماه "تغليق التعليق", وقد اختصره حاذفاً أسانيده في مصنف آخر سماه "التشويق إلى وصل المبهم من التعليق".

وقد أوضح الحافظ ابن حجر في نكته علي ابن الصلاح كل ما يتعلق بمعلقات البخاري، رأيت أن أذكرها بنصها حتى تتم الفائدة فقال رحمه الله: الأحاديث المرفوعة التي لم يوصل البخاري إسنادها في صحيحه:

منها : ما يوجد في موضوع آخر من كتابه

ومنها: ما لا يوجد إلا معلقاً.

فأما الأول: فالسبب في تعليقه أن البخاري من عادته في صحيحه أن لا يكرر شيئا إلا لفائدة فإن كان المتن يشتمل علي أحكام كرره في الأبواب بحسبها، أو قطعة في الأبواب إذا كانت الجملة يمكن انفصالها من الجملة الأخرى, ومع ذلك لا يكرر الإسناد بل يغاير بين رجاله أو شيوخه أو شيوخ شيوخه ونحو ذلك.

فإن ضاق مخرج الحديث ولم يكن له إلا إسناد واحد واشتمل علي أحكام واحتاج إلى تكرارها فإنه والحالة هذه إما أن يختصر المتن أو يختصر الإسناد, وهذا أحد الأسباب في تعليقه الحديث الذي وصله في موضع آخر

وأما الثاني: وهو ما لا يوجد إلا معلقا, فهو علي صورتين: إما بصيغة الجزم وإما بصيغة التمريض

فأما الأول: فهو صحيح إلى من علقه عنه, وبقي النظر فيما ابرز من رجاله, فبعضه يلتحق بشرطه, والسبب في تعليقه له إما لكونه لم يحصل له مسموعاً وإنما أخذه علي طريق المذاكرة أو الإجازة، أو كان قد خرج ما يقوم مقامه، فاستغنى بذلك عن إيراد هذا المعلق مستوفي السياق أو لمعنى غير ذلك, وبعضه يتقاعد عن شرطه, وإن صححه غيره أو حسنه، وبعضه يكون ضعيفا من جهة الانقطاع خاصة.

وإما الثاني: وهو المعلق بصيغة التمريض مما لم يورده في موضوع آخر فلا يوجد فيه ما يلتحق بشرطه إلا مواضع يسيرة قد أوردها بهذه الصيغة لكونه ذكرها بالمعنى كما نبه عليه شيخنا -الحافظ العراقي- نعم, فيه ما هو صحيح وإن تقاعد عن شرطه, أما لكونه لم يخرج لرجاله أو لوجود علة فيه عنده, ومنه ما هو حسن, ومنها ما هو ضعيف وهو علي قسمين:

أحدهما: ما ينجبر بأمر آخر, وثانيهما: ما لا يرتقي عن مرتبه الضعيف, وحيث يكون بهذه المثابة، فإنه يبين ضعفه ويصرح به حيث يورده في كتابه".

ثم ذكر رحمه الله أمثلة علي كل هذا حذفتها للاختصار.

(2) المعلقات في صحيح مسلم

وهى في صحيح مسلم قليلة جداً, إذ بلغت أثنى عشر موضعا, وقيل أربعة عشر موضعاً, وقيل: سبعة عشر موضعا.

وقد أجاب النووي عن هذه الأحاديث وذكر أنها موصولة من جهات صحيحة لاسيما ما كان منها مذكوراً علي وجه المتابعة.

فائدة: ولما كانت التعاليق لا تدخل في شرط الصحيح ميز علماء التخريج ما يروى في الصحيحين أو أحدهما معلقا بقولهم: رواه معلقا أو تعليقا.. أو علقة فلان، حتى لا يتوهم انه من جملة الصحيح المحكوم بصحته.

ونلتقي بإذن الله في العدد القادم مع ما بقي من المردود بسبب السقط في الإسناد.

أصول الفقه ميزان عقل وفهم نص

المباح

 لغة: المعلن والمأذون.

 شرعا: هو ما خير الشارع المكلف بين فعله وتركه ولا يتعلق بفعله أو تركه مدح ولا ذم. أي استوى فيه الترك والفعل ويقال له الحلال.

 بما تعرف الإباحة؟

1- تعرف الإباحة بمادة الحل أو الإباحة.

 كقوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم)، (وأحل لكم ما وراء ذلكم).

2- برفع الإثم أو الجناح أو الحرج.

 كقوله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه).

 وقوله تعالى: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء).

 وقوله أيضا: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج).

3- التعبير بصيغة الأمر مع وجود قرينة صارفة من الوجوب إلى الإباحة.

 كقوله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا) أي فالصيد مباح لكم، (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض)،

 (وكلوا وأشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود).

4- استصحاب الإباحة الأصلية للأشياء بناء على أن الأصل في الأشياء الإباحة، كحل أكل ما عدا الميتة والدم ولحم الخنزير والمذبوح لغير الله، وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير فما لم يرد دليل من الشارع يدل على حكمها صراحة فهي مباحة.

 حكم المباح:

لا ثواب فيه ولا عقاب ولا عتاب على فعله أو تركه، لكن قد يثاب عليه بالنية والقصد كمن يمارس الرياضة البدنية بنية تقوية جسمه ليقوى على الجهاد.

 النية في المباح لا لتحصيل الصحة إنما لتحصيل الثواب.

 ملاحظات على المباح:

 المباح حكم يتجه إلى الجزئيات لا إلى الكليات وإلى بعض الأوقات لا إلى جميع الأزمان. بمعنى أن المباح بالنسبة للجزء أما بالنسبة للكل فهو إما مطلوب الفعل أو الترك.

 مثال: الأكل: مباح للمكلف أن يختار من الأطعمة المباحة ما يشاء ويدع ما يشاء ويأكل وقتما يشاء ويترك وقتما يشاء، لكن أصل الأكل مطلوب فعله من حيث الجملة لأن حفظ الحياة مطلوب من المكلف.

 التمتع بالطيبات [مأكل – ملبس – مشرب] مباح من حيث الجزء وفي بعض الحالات فللمكلف أن يتمتع أو لا يتمتع بهذا الجزئي من الطيبات وله تركه في بعض الأوقات مع القدرة عليه ولا حرج عليه، لكن لو تركه جملة لكان على خلاف المندوب شرعا. لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".

 وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم".

- فترك الطيبات بالجملة مكروه وأخذها من حيث الجملة مندوب والتخير في جزئياتها فعلا وتركا ووقتا مباح حلال.

- أيضا اللهو البريء كالتنزه واللعب المباح والسماع المباح وغير ذلك مباح بالجزء بمعنى لو فعله المكلف في بعض الأوقات وفي بعض الحالات فلا حرج فيه، ولكن لو اتخذ اللهو عادة له وقضى أوقاته أو معظمها فيه كان ذلك خلاف محاسن العادات فيصير مكروها. فالكراهة منصبة على الدوام والاستمرار في اللهو لا عليه باعتبار الجزء أي باعتبار مباشرته في بعض الأوقات لا على وجه العادة والاستمرار.

- وطء الأزواج زوجاتهم مباح لكن تركه على وجه الدوام والاستمرار حرام لما فيه من الإضرار بالزوجة وتفويت لمقاصد النكاح. فالإباحة في الوطء منصبة على جزئياته وأوقاته والحرمة منصبة على تركه جملة.

العفو: ذكر الإمام الشاطبي أنه يصح أن يقع بين الحلال والحرام. مرتبة تسمى العفو أي غير مؤاخذ بها.

 وهناك نصوص تدل على مرتبة العفو، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها".

 وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما لم يذكر في القرآن فهو مما عفا الله عنه.

 وقال عبيد بن عمير رضي الله عنه: أحل الله حلالا وحرم حراما فما أحل الله فهو حلال وما حرم الله فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو.

قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم..... ثم قال تعالى (عفا الله عنها).

 وقال صلى الله عليه وسلم: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم".

مراتب العفو:

 متفق عليه كالخطأ والنسيان فإنه متفق على عدم المؤاخذة به والخطأ في الاجتهاد كذلك، والأخذ بمقتضى الدليل المرجوح، والمختلف فيه كالخمر مثلا قبل نزول النص القاطع بتحريمها،و تزوج امرأة لا يعلم أن بينها وبينه علاقة محرمة.

 فقد تفضل الله سبحانه وتعالى على المسلمين فجعل بعض الأمور مباحة إباحة نسبية بمعنى أن الله لا يعذب عليه لأنه قد عفا عنه دفعا للحرج مع أنه مشتمل على ما يسوغ تحريمه.

العزيمة والرخصة

 للأصوليين مسلكان في اعتبار العزيمة والرخصة من حيث الحكم فقال بعضهم أنهما من أقسام الحكم الوضعي باعتبار أن العزيمة تجعل الأحوال العادية للمكلفين سببا لبقاء الأحكام الأصلية واستمرارها وأن الرخصة ترجع إلى جعل الشارع الأحوال الطارئة غير الاعتيادية سببا للتخفيف عن المكلفين والسبب من أقسام الحكم الوضعي.

وقال الآخرون إنهما من أقسام الحكم التكليفي بناء على أنهما يرجعان إلى الاقتضاء والتخيير.

فالعزيمة اقتضاء والرخصة تخيير.

والعزيمة: اسم لما طلبه الشارع أو إباحة على وجه العموم.

والرخصة: اسم لما أباحه الشارع عند الضرورة تخفيفا عن المكلفين ودفعا للحرج عنهم.

والحقيقة أن كلاهما صحيح لأن الحكم متعلق بفعل المكلف. فالأول تقسيم الحكم باعتبار تعلقه بالفعل والآخر تقسيم الفعل، وقد يكون ما ذهب إليه البعض من أنهما من أقسام الحكم التكليفي هو الأظهر.

 العزيمة: لغة الرقية أو الإرادة المؤكدة والقصد المؤكد.

 قال تعالى: (إن ذلك لمن عزم الأمور)، (ونسى ولم نجد له عزما).أي لم يكن لآدم عليه السلام قصد مؤكد على عصيان أمر ربه.

 شرعا: هي ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء لعموم المكلفين في جميع الأحوال كالصلاة والزكاة وسائر العبادات.

 الرخصة: لغة السهولة واليسر وبفتح الخاء فهو الشخص الآخذ بها.

 اصطلاحا: هي الأحكام التي شرعها الشارع بناء على أعذار المكلفين رعاية لحاجتهم مع بقاء السبب الموجب للحكم الأصلي، ويعرفها الشافعية بأنها الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.

وهي في أكثر الأحوال تنقل الحكم الأصلي من مرتبة اللزوم إلي مرتبة الإباحة وقد تنقله إلى مرتبة الندب أو الوجوب.

 أقسام الرخص

 للشافعية والحنابلة تقسيم للرخصة إلى أربعة أقسام:

1- واجبة: كأكل الميتة للمضطر فإنه واجب لعذر وهو حفظ الحياة وشرب الخمر عند الظمأ الشديد.

2- مندوبة: كقصر الصلاة للمسافر لقول عمر رضي الله عنه: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته.

3- مباحة: الفطر في رمضان للمسافر والمريض دفعا للمشقة.

التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه.

 ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفا من ظالم.

 خلاف الأولى: فطر المسافر الذي لا يتضرر بالصوم – التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه.

أما الأحناف فقسموها إلى أربعة أيضا وهي:

1- إباحة المحرم عند الضرورة: كأكل الميتة والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه.

2- إباحة ترك الواجب: الفطر في رمضان للمسافر والمريض دفعا للضرر – ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفا من ظالم.

3- إباحة العقود والتصرفات التي يحتاج الناس إليها: كعقد السلم – الاستصناع.

4- رفع الأحكام الشاقة التي كانت مشروعة قبلنا: كاشتراط قتل النفس للتوبة، وهذه رخصة مجازا إذ لا شبه بينه وبين الرخصة لأن الأصل لم يبق مشروعا.

 وقد قسم الأحناف الرخص إلى قسمين:

أ- رخص ترفيه: حيث أن الحكم الأصلي باق لم ينعدم ولكن رخص للمكلف تركه ترفيها وتخفيفا عنه كالفطر في رمضان للمسافر والمريض.

ب- رخص إسقاط: حيث سقط الحكم الأصلي ولم يبق في المسألة إلا حكم واحد وهو الأخذ بالرخصة ويكون واجبا كأكل الميتة للمضطر إذا تعينت سبيلا لحفظ النفس.

 حكم الرخصة: الأصل في الرخصة الإباحة لأنها تنقل الحكم الأصلي من اللزوم إلى التخيير بين الفعل والترك.

 وقد يكون الأخذ بالعزيمة أولى.

 متى يكون الأخذ بالعزيمة أولى؟

 يكون الأخذ بالعزيمة أولى مع إباحة الأخذ بالرخصة وذلك مثل:

- إباحة التلفظ بالكفر مع اطمئنان القلب عند الإكراه فالأولى الأخذ بالعزيمة لما في ذلك من إظهار الاعتزاز بالدين والصلابة بالحق وإغاظة الكافرين وإضعاف نفوسهم وتقوية معنويات المسلمين.

 يدل على ذلك بما يروى أن مسيلمة الكذاب أخذ اثنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للأول: ما تقول في محمد؟

 قال الصحابي: رسول الله.

قال مسيلمة: فما تقول في؟

قال الصحابي: وأنت أيضا. [فخلى سبيله].

و قال للآخر: ما تقول في محمد؟

قال: رسول الله.

قال: فما تقول في؟

قال: أنا أصم لا أسمع.

فأعاد الكذاب عليه ثلاثا فأعاد الصحابي جوابه فقتله. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما الأول فأخذ برخصة الله وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له.

وقصة عمار بن ياسر وإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم له تدل على الإباحة والخبر الأول يدل على أن الأخذ بالعزيمة أفضل وأولى.

- الأخذ بالعزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو أدى ذلك إلي القتل فهو الأولى، يدل عليه ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قال كلمة حق لسلطان جائر فقتله)

فأمر الحاكم الظالم ونهيه مع احتمال بطشه أولى من السكوت عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله قرينا لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في مرتبة الشهادة العالية.

* ملاحظة:

 ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند خوف الضرر رخصة والأخذ بالعزيمة أولى.

 هذا الحكم باعتبار الجزء لا الكل، بمعنى أنه يخص الفرد لا الأمة كلها فلا يجوز أن تهجر الأمة كلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفا من جور السلطان وظلمه.

 لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية يجب أن يتحقق في الأمة وإن كان فيه هلاك النفس.

 والأمة آثمة كلها إذا تخلت عنه ويجب أن تقوم به الأمة وإن أدي إلى تلف الأرواح وذهاب المهج.

 لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوع من أنواع الجهاد المفروض على الأمة رغم ما فيه من هلاك النفس وذلك لأن حفظ حق الله أولى بالحفظ من حق النفس في الحياة.

هذا وبالله التوفيق


مواقف رائدة

الحسن البصري

وروي أن عمر بن هبيرة دعا بفقهاء أهل البصرة وأهل الكوفة وأهل المدينة وأهل الشام وقرائها فجعل يسألهم وجعل يكلم عامر الشعبي فجعل لا يسأله عن شيء إلا وجد عنده منه علما، ثم أقبل على الحسن البصري فسأله.

ثم قال: هما هذان، هذا رجل أهل الكوفة -يعني الشعبي- وهذا رجل أهل البصرة -يعني الحسن- فأمر الحاجب فأخرج الناس وخلا بالشعبي والحسن. فأقبل على الشعبي فقال: يا أبا عمرو إني أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ولزمني حقهم فأنا أحب حفظهم وتعهد ما يصلحهم مع النصيحة لهم، وقد يبلغني عن العصابة من أهل الديار الأمر أجد عليهم فيه فأقبض طائفة من عطائهم فأضعه في بيت المال ومن نيتي أن أرده عليهم، فيبلغ أمير المؤمنين أني قد قبضته على هذا النحو فيكتب إلي ألا ترده فلا أستطيع رد أمره ولا إنفاذ كتابه، وإنما أنا رجل مأمور على الطاعة. فهل علي في هذا تبعة وفي أشباهه من الأمور والنية فيها على ما ذكرت؟.

قال الشعبي: فقلت أصلح الله الأمير إنما السلطان والد يخطئ ويصيب.

قال: فسر بقولي وأعجب به ورأيت البشر في وجهه وقال فلله الحمد.

ثم أقبل على الحسن فقال: ما تقول يا أبا سعيد؟.

قال: قد سمعت الأمير يقول إنه أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ولزمني حقهم والنصيحة لهم والتعهد لما يصلحهم، وحق الرعية لازم لك وحق عليك أن تحوطهم بالنصيحة، وإني سمعت عبد الرحمن بن سمرة القرشي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة" (رواه البغوي في معجم الصحابة بإسناد لين، واتفق عليه الشيخان بنحوه. ويقول: إني ربما قبضت من عطائهم إرادة صلاحهم واستصلاحهم وأن يرجعوا إلى طاعتهم، فيبلغ أمير المؤمنين أني قبضتها على هذا النحو فيكتب إلي ألا ترده فلا أستطيع رد أمره ولا أستطيع إنفاذ كتابه، وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين، والله أحق أن يطاع ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله عز وجل، فإن وجدته موافقاً لكتاب الله فخذ به وإن وجدته مخالفاً لكتاب الله فانبذه.

يا ابن هبيرة: اتق الله فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين يزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك وتقدم على ربك وتنزل على عملك.

يا ابن هبيرة: إن الله ليمنعك من يزيد ولا يمنعك يزيد من الله وإن أمر الله فوق كل أمر وإنه لا طاعة في معصية الله، وإني أحذرك بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

فقال ابن هبيرة: أربع على ضلعك أيها الشيخ وأعرض عن ذكر أمير المؤمنين، فإن أمير المؤمنين صاحب العلم وصاحب الحكم وصاحب الفضل وإنما ولاه الله تعالى ما ولاه من أمر هذه الأمة لعلمه به وما يعلمه من فضله ونيته.

فقال الحسن: يا ابن هبيرة، الحساب من ورائك سوط بسوط وغضب بغضب والله بالمرصاد.

يا ابن هبيرة: إنك إن تلق من ينصح لك في دينك ويحملك على أمر أخرتك خير من أن تلقى رجلا يغرك ويمنيك.

فقام ابن هبيرة وقد بسر وجهه وتغير لونه.

قال الشعبي: فقلت يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوغرت صدره وحرمتنا معروفه وصلته.

فقال: إليك عني يا عامر.

قال: فخرجت إلى الحسن التحف والطرف وكانت له المنزلة واستخف بنا وجفينا فكان أهلا لما أدى إليه وكنا أهلا أن يفعل ذلك بنا. فما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء إلا مثل الفرس العربي بين المقارف، وما شهدنا مشهدا إلا برز علينا. وقال لله عز وجل وقلنا مقاربة لهم.

قال عامر الشعبي: وأنا أعاهد الله أن لا أشهد سلطانا بعد هذا المجلس فأحابيه.


عرض لكتاب

العمل في الإسلام

المؤلف: د/ عيسي عبده وأحمد إسماعيل يحيي

مقاس الكتاب: 17×24 سم، وعدد صفحاته 267

دار النشر: دار المعارف

والكتاب من الكتب النافعة في بابه, وهو كتاب يبحث في العمل والعاملين في الشريعة الإسلامية والنظم الوضعية، ولا غنى للمكتبة الإسلامية عنه

بدأ المؤلفان الكتاب بمقدمة وتمهيد

فالمقدمة بعنوان: القرآن والدراسات الاقتصادية.. وبين ماهية الدراسات الاقتصادية وأنها جملة شعب تعنى كل منها بناحية من نواحي دراسة الثروة, وعرف بعضها فقال: النظرية الاقتصادية: تبحث في الندرة النسبية وآثارها.. وعلم الاقتصاد: يبحث في السلوك الظاهري للفرد حال سعيه لتدبير معاشه, والتاريخ الاقتصادي: يأخذ مادته من تتابع الأحداث ذات الصلة بقدرة الإنسان علي تسخير موارد الطبيعية, والفكر الاقتصادي وهو الذي يخضع للجديد من الأحداث، ومن ثم يتأثر به ويتطور".. ثم بين موقف القرآن من هذه الدراسات وأنه كتاب يتفرد بالثبات, ومع ذلك فقد اشتمل علي القواعد التي تكفل للجنس البشري أوضاعاً اقتصادية عند أعلي مستويات الرفاهية.

والتمهيد بعنوان: أهمية العمل في الإسلام.. وان العمل صلة الحياة, ورفع الإسلام من منزلته, وانه لم يفرق بين العمل الفكري والعمل اليدوي, ثم دعوة الإسلام إلى حرية العمل والتنافس فيه في صدق وإخلاص, وتنأي بالمسلم عن الكيد والخديعة, ونهى الإسلام عن البطالة وحذر منها, وان الإسلام نظم حقوق العمال وواجباتهم، ونظم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وفصل في هذا كله تفصيلاً جيداً

وقسم الكتاب إلى عشرة فصول:

الفصل الأول: العمل تعريفات.. ومفاهيم

فعرف العمل في اللغة وعند الاقتصاديين والفلاسفة, ثم بين التعريفات الخاطئة ومنها اعتبار العمل سلعة.. فعزل عن كل اعتبار معنوي, أو مفهوم اعتبار البطالة ظاهرة أزلية.

ثم تكلم عن العمل في القرآن والسنة.

الفصل الثاني: مفهوم تقدمي للفظ (العامل) في الإسلام

وبدأ الفصل بأن لفظة عامل في قواميس اللغة من الفعل (عمل), فكيف اشتهرت هذه اللفظة وشاعت بمعنى "من يباشر عملاً يدوياً" دون غيره من المعاني, ثم إن هذه الكلمة مرت بأطوار مختلفة حتى جاء الإسلام واستعملها في مدلولها الصحيح وحررها من الرق الفكري, فأطلقت كلمة عامل في عهد النبوة علي الولاة، وكان الخلفاء الراشدون يطلقون عليهم (عمالاً, فيقولون" عامل عمر على مصر، وعامل عثمان على كذا, فكل وال على إقليم عامل, ثم تكلم بالتفصيل من استخدام الكلمة في عهد النبوة ثم عهد أبي بكر ثم في عهد عمر من حيث اختبارهم ومرتباتهم.. الخ

الفصل الثالث: العمل المشروع وغير المشروع والمنافسة في العمل

وقد عرف العمل المشروع بأنه العمل الطيب الذي يضفي علي صاحبه مصلحة وثمرة طيبة ويعود علي المجتمع بالخير, وأما العمل غير المشروع فهو الذي يؤذى صاحبه ويؤدى إلى ضرر الآخرين.. ثم فصل في أنواع العمل المشروع وهو التجارة, والزراعة, والصناعة ثم تكلم عن العمل غير المشروع وهو العمل مع الظلم والاحتكار والربا والعمل مع الإضرار، والعمل مع الغش ثم ختم الفصل بالمنافسة في العمل.. وان التنافس في العمل يكون في إتقانه بشرط عدم أذى وضرر الآخرين.

الفصل الرابع: التربية وأثرها في العمل الصالح

وتناول في هذا الفصل عن الإسلام واهتمامه بتربية الفرد وتجهيزه لنفع المجتمع، وانه ينظر إلى الفرد علي انه ثروة بشرية يستحق كل العناية قبل كل الثروات الأخرى, ثم تكلم بعناية الإسلام بالطفل في مراحله, وتكلم عن التربية والتنشئة, ثم علاقة الأطفال بموضوع العمل, ومنهج الإسلام في تهذيب النفوس.

الفصل الخامس: التأهيل للعمل والتدريب عليه

وتناول فيه التخطيط للقوى العاملة وقال: إن علماء إدارة الأفراد قالوا إنه ليس هناك معنى محدد لتخطيط القوى العاملة نظراً لحداثة هذا المفهوم, مما جعل الاستقرار علي تعريف موحد فيه مستحيلا لاختلاف معناه بتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية, وعموماً يمكن التعبير عنه بأحد مفهومين: (2) أن نعنى به توفير فرص عمل جديدة تتلاءم في الكم والكيف مع الموجود أو المتوقع وجوده من العناصر البشرية التي تعانى من البطالة

أن نعنى به توفير العناصر البشرية المناسبة في الكم والكيف مع فرص العمل المتاحة أو التي ستظهر في المستقبل

ثم قال: وعلي أية حال فإنه يجب الأخذ بالمفهومين معاً.

ثم تناول بالتفصيل: التوجيه الحرفي, والإعداد المهني, وعقد العمل المتدرج، ثم التدريب، ثم اختيار العمل والقيام به.

الفصل السادس: الإجارة وعقد العمل

وتناول فيه الإجارة في الإسلام, ثم عقد العمل من الناحية الشرعية, ثم تكلم عن الإجارة والعقود في القرآن والسنة, وتناول عناصر نظام الإجارة في الإسلام وأنها تقوم على (1) التفاوت في القدرات (2) التزام المجتمع بتحقيق العمالة الكاملة (3) كفاية الأجر

الفصل السابع: الأجور والحوافز

وتناولها في الشريعة الإسلامية وفى النظم الوضعية

الفصل الثامن: المعاشات القومية

وتناول فيها أنواع التأمين الاجتماعي, وحصر أنواعه في الأنظمة الستة هي نظام التأمين ضد الشيخوخة والعجز والوفاء، ونظام التأمين ضد إصابات العمل, ونظام التأمين ضد المرض, ونظام التأمين ضد البطالة، ونظام التأمين بالإعانات الاجتماعية, وتوفير الرعاية الاجتماعية لأصحاب المعاشات

الفصل التاسع: الإسلام والتشريعات العمالية.

وتناول فيها التشريعات العمالية في الإسلام, فبحث في: العاطل الذي ينشد العمل، وكيف أعانه الرسول صلى الله عليه وسلم لينتج ثم المبادئ القانونية وذكر ستة قوانين, القانون الأول: حث العامل في العمل, والثاني: واجب الدولة الاعتراف بهذه الحقوق للعاملين, والثالث: تدبير العمل للعاطلين واجب علي الدولة, والرابع: متابعة الدولة لحال العامل, الخامس: من حق العامل علي الدولة أن تهيئ له أدوات العمل, والسادس: التأمينات الاجتماعية في الإسلام أو واجب الدولة للعامل.

ثم بحث في التأمينات الاجتماعية في مصر وتكلم عن التغرير بالأجير, والأجر علي قدر الإنتاج, والأجر علي أساس مدة الخدمة، والأجر علي أساس الحاجة, وحماية الأجر واجب الدولة، والحق في أجازت.

الفصل العاشر: المرأة في قوة العمل

وتناول في هذا الفصل: خروج المرأة للعمل, وخطة إعدادها ثم قدم دراسة قيم عن دراسة مصرية عن المرأة في قوة العمل ومن أبرز هذه الدراسة: التوزيع المهني للنساء العاملات, والتركيب العمري للنساء ذوات النشاط الاقتصادي, والحالة الاجتماعية للنساء العاملات، والتوزيع العددي للعاملات في المنشآت.. إلى أخره.

وفى الختام فهذا كتاب قيم ومرجع أساسي في موضوع العمل في الإسلام.

 


التخصص في العمل الدعوي

التخصص فكرة قديمة وطبيعية لكل من يريد أن يتقدم ويتميز في أي مجال؛ فهو يتيح القدرة على التركيز، ويعطي الفرصة للبحث والابتكار، وبالتالي التميز والتفوق والإبداع، ورغم أن الفكرة منفَّذة بالفعل في كل العلوم المدنية (فيزياء- كيمياء- تاريخ- جغرافيا.. إلخ) أو العلوم الشرعية (فقه- حديث- تفسير- عقيدة.. إلخ) إلا أنها لم تأخذ  نصيبها الكافي في المجال الدعوي من حيث الدراسة والتنفيذ، والذي أعتقد أنه لو حدث سيحقق طفرةً في تأثير الدعوة على المجتمع، ويحقق لها أهدافً أبعد مما نتصور في وقت أقل وبجهد أقل.

لم يعد مقبولاً أن يخوض الداعية في كل المجالات الدعوية، ليصبح داعية "سوبرمان" يسابق الوقت ليأخذ قطفةً من هنا وأخرى من هناك؛ ليصبح في النهاية داعيةً بلا تميز أو إضافة أو تأثير.

وليس معنى هذا ألا يقرأ الداعية في كل المجالات كنوع من الثقافة العامة التي تؤهِّله لأن يكون على دراية بما يحدث، وبما يموج حوله من أفكار وأحداث، وتمكِّنه من فهم الأمور واستيعابها وربطها بالمرجعية الدينية، وتمكِّنه من الدعوة العامة التي تطرق أبواب الموضوعات والعناوين الكبيرة دون الدخول في التفاصيل، فهو يتحدث مثلاً في أسس التربية ألإسلامية، ولكن الدخول في تفاصيل التعامل مع الطفل أو المراهق يحتاج إلى بحث ودراسة وتخصص، يتحدث عن العدل في الحكم والمساواة بين الناس ورفع المظالم والدفاع عن الحق، ولكن عندما تحتاج الدعوة إلى العمل بالسياسة، لا بد هنا من الدراسة والبحث في المذاهب السياسية ودراسة القانون والدستور واتفاقيات الدول.

وإذا كانت الدعوة قد قامت بعملية تقسيم لشرائح المجتمع؛ لتحديد الوسائل المناسبة لدعوة كل شريحة على حدة، من أطفال ومراهقين وكبار.. إلخ، فإن الحاجة ماسَّة إلى التخصص في دراسات خاصة بكل شريحة، وإنتاج كوادر على دراية كبيرة بالتعامل معها والطرق الفعالة للوصول بالدعوة إليها وحل مشكلاتها.

الإسلام والتخصص

أشار القرآن الكريم ونوَّهت الأحاديث الشريفة إلى فكرة التخصص، ودعمت السيرة الفكرة بالتطبيق العملي في طريقة اكتشاف الرسول قدرات الصحابة وتوظيفهم بالطريقة الصحيحة التي تمكِّنهم من النجاح والإبداع في مهماتهم؛ لأنها بُنيت على فكرة "أن كل فرد لديه ما يتميز به عن الآخر"، وبالتالي فهو يستطيع أن يحقق ما لا يحققه الآخرون في مجال ما.

إن قول الله تعالى في سورة الأنبياء ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (من الآية 7) تشير إلى أن هناك حتمًا من يجب أن نعود إليهم بالسؤال والمشورة عند الجهل والحيرة في أمر ما، فنبحث ساعتها عن أقدر الناس على الإجابة عن سؤالنا، وإسداء المشورة لنا عن علم وأمانة.. إنه ذو الخبرة المتخصص في عمله.

وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم "اعملوا فكل ميسر لما خُلِق له" يشير بقوة إلى أن لكل إنسان مجاله الذي يجب أن يتخصص فيه، وأن قانون الخلق قائمٌ على ذلك من الأساس، وأن مهمة الإنسان أن يبحث عن أنسب الأعمال التي تتفق مع ميوله ومواهبه وقدراته وظروفه ليحقق النجاحات والإنجازات والإبداعات، ويؤدي رسالة الخلافة في الأرض وإعمار الكون كأفضل ما يكون ويريد الله ورسوله.

لقد اختار الرسول صلى الله عليه وسلم بلال بن رباح ذا الصوت النديّ ليرفع أول أذان في الإسلام؛ ليصبح ابن رباح أشهر مؤذن في الإسلام، واختار مصعب بن عمير ليكون سفيرًا له إلى المدينة، فحقق نجاحًا مدويًا، وفرش الطريق بالورد لهجرة الرسول وبناء الدولة، وعندما لمح في زيد بن ثابت قدراته العلمية وجَّهه لتعلم اللغة استفاد منه الخليفة أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب بعد ذلك في جمع القرآن، ومن بعدهما عثمان بن عفان في نفس المهمة؛ ليقوم بأعظم مهمة بحثية في التاريخ.

ماذا يعني التخصص في المجال الدعوي؟

التخصص بشكل عام يعني اقتصار عضو أو فرد أو جماعة على القيام بعمل معيَّن، والتخصص في المجال الدعوي يُقصد به تناول المجال الدعوي بالبحث والدراسة المنهجية، التي تمكِّن الداعية من التعامل مع أفراد المجال الدعوي بصورة قائمة على نظريات علمية وتؤهله لأن يكون مرجعًا لغيره من أصحاب التخصصات الأخرى في مجال بحثه، وتؤهله للفتوى والمشورة عند حدوث مشكلات في مجاله.

كيف يتحقق التخصص في مجال الدعوة؟

رغم الجهد الكبير الذي تبذله معاهد الدعوة المنتشرة في كل مكان لتخريج الدعاة، إلا أنني أعتقد أنها غير قادرة على التأثير في المجتمع بفاعلية؛ لأنها ببساطة لا تعلم (فن) الدعوة، ولكنها تعلِّم العلوم الشرعية المؤسسة لعلم الدعوة، لكن قضايا الدعوة نفسها وفنيَّات التعامل مع النفس الإنسانية، ودور الدعوة في حلِّ مشكلات المجتمع، ووسائل انتشارها وأساليب تأثيرها.. كل هذا ليس له مكان في هذه المعاهد، وبالتالي فإنها تُخرِّج دارسين في العلوم الشرعية، وعندما يتجهون بها للدعوة العامة التي تتحدث في المبادئ العامة والأطر العامة للإسلام دون القدرة على التماس مع هموم الناس ومشكلات المجتمع والتحرك بالمجتمع نحو أسباب النهضة والتقدم.

لكن التخصص في مجال الدعوة يبدأ بتأسيس (علوم دعوية جديدة) تتصل اتصالاً وثيقًا بالدعوة وأهدافها ووسائلها، وتبحث في مشكلاتها وقضاياها، وقادرة على أن تُخرج شخصياتٍ دعويةً متكاملةً، تتمتع بمهارات ذهنية، وقدرات ومواهب دعوية، ونضج ثقافي فكري.. شخصيات قادرة على التأثير فيمن حولها بصورة ملحوظة.

تحتاج الدعوة إلى مناهج في علم الإدارة المتصلة بالدعوة، وعلم النفس الدعوي، ومناهج خاصة بكيفية دعوة الأطفال حسب الشرائح السنية المختلفة، وأخرى بالمراهقين، وثالثة خاصة بالشباب ورابعة بالمهنيين وخامسة بكبار السن، بصورة متخصصة بها فروق واضحة بين شريحة وأخرى.. تحتاج الدعوة إلى مناهج خاصة بالدعوة الفردية وتنمية مهارات الحوار والاتصال وأدب الخلاف وقبول الآخر، وتنمية مهارات الخطابة والقيادة والعمل الجماعي، والتدريب على المقاومة والصمود والصبر والجرأة والشجاعة.

كل هذا ينبغي أن يبلور في مناهج واضحة لتشكيل داعية يحمل المواصفات النفسية والمهارات الخاصة بداعية ناجح، ثم تتجه هذه المناهج في نهايتها إلى فرع للتخصص، ليخرج داعيةً متخصصًا في التعامل مع سن الطفولة، وآخر متخصصًا في علم النفس الدعوي، وثالثًا متخصصًا في الدعوة الفردية، وآخر متخصصًا في الإعلام الدعوي، وسادسًا في الإدارة الدعوية.. إلخ.

وكل هذا بشهادات معتمدة تُثبت قدرة هذا الداعية على التعامل في مجال معيَّن ومدى خبرته فيه.

معوقات التخصص في المجال الدعوي

يعوق الوصول إلى التخصص في المجال الدعوي ما يلي:

1- عدم وجود مناهج.. فوجود بعض الدراسات الدعوية كمؤلفات متناثرة في المكتبات يحتاج إلى تجميع ووضعها في صورة مناهج متدرجة وبسيطة للدارسين، بينما هناك دراساتٌ أخرى لم يصل إليها البحث بصورة كافية.

2- عدم نشر ثقافة التخصص.

3- عدم وجود كوادر دعوية كافية؛ مما يجبر الدعاة على الدخول في نطاقات غير مؤهلين لها.

نماذج من نجاحات الدعوة المتخصصة

عندما اتجهت الدعوة إلى مجال الإعلام الفضائي واستعانت بمتخصصين أحدثت طفرةً في الإعلام الإسلامي، فخرجت قناة (اقرأ) و(الرسالة)، كما نجحت قناة (طيور الجنة) نجاحًا مذهلاً في مخاطبة الأطفال بأدائها الرفيع المستوى في الكلمات والتصوير والألحان، كما انتشرت ثقافة التربية في المجتمع العربي عندما تناولها المتخصصون بصورة بسيطة، تفاعل معها الآباء بصورة كبيرة.

إن التخصص يعني التركيز والرغبة في الإضافة والتجديد، وكما قال أحد الناجحين: التخصص هو النجاح.


من سمات الخطيب الداعية

حسن المظهر

أن الخطيب الداعية عنوان لدعوته, وسفير لدينه أينما حلّ وأينما ارتحل, فليكن جميلا حسن المظهر، وليكن تطبيقا عمليا لمبادئ الدعوة الإسلامية الداعية إلى النظافة والتجمل والتطهر, وليضع نصب عينيه قول الله تعالي – يوصي الداعي الأول صلي الله عليه وسلم (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ*وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (المدثر:5), وقوله جل شأنه (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)  (البقرة: من الآية222) عن ابن مسعود رضي الله عنه, عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا, ونعله حسنة, قال: "إن الله جميل يحب الجمال, الكبر بَطَر والحق, وغَمْطُ الناس" (رواه مسلم)

ومعنى بطر الحق: دفعه وردّه, وغَمْط الناس: احتقارهم.

ثم إن الخطيب يكون محطَّ أنظار الجمهور, وفي دائرة الضوء، وأيّ إهمال في مظهره أو هندامه لا شك في انه سوف ينعكس بالسلب علي نظرة الجمهور له, وربما قلّل من احترامهم له وتقديرهم له, والعكس صحيح؛ فالخطيب الأنيق في ملبسه, الجذاب في مظهره، النظيف في سَمْته ومنظره، تكبره العين, وتهابه النفس، وتبعث علي الارتياح رؤيته.

وليس من المقبول أن يجد الناس أهل اللهو وأصحاب المجون ممن يُسَّمْن بالفنانين ويطلق عليهم النجوم؛ أن يجدهم الناس أحسن مظهراً من أهل الدعوة, وأرباب البلاغ والخطابة, من الدعاة الذين يدلون الخلق علي الخالق.

وإن ورثة الأنبياء يجب أن يستنوا بسنن الأنبياء, ويهتدوا بهديهم, وخاصة خاتمهم صلي الله عليه وسلم، الذي كان أبهي الناس مظهراً وأطهرهم باطنا  وجوهراً, وأعذبهم حديثاً, وأطيبهم ريحا.

بل أن حسن المظهر له اثر طيب وإيجابي علي الخطيب نفسه, إذ يمنحه شعوراً بالثقة والارتياح.

يذكر "دايل كارينغي" في كتابه "فن الخطابة" انه قد أُرسل سؤال إلى مجموعة كبري من الناس من قِبَل عالم نفسيّ ورئيس جامعة يتساءل عن التأثير الذي تتركه الملابس في أنفسهم, فأجمع كل الأفراد على أنهم عندما يكونون بمظهر لائق وأنيق, ويتأكدون من ذلك, يشعرون بذلك, ومن الصعب شرح ذلك الشعور, لأنه غير محدد, رغم كونه حقيقيا, فقد منحهم الثقة بالنفس, ورفع تقديرهم الذاتي.

الخطيب وإتقان الخطبة

أن الخطبة في نظر الخطيب الداعية رسالة خطيرة, ومهمة جسيمة, وأمانة ثقيلة, إذ إنه يوظَّف خطبته لإحقاق الحق وإبطال الباطل, ويتوسل بها إلى دعوة الناس وهدايتهم للإسلام عقيدة ومنهجا, وتحذيرهم من غيره, وإيقاظ المسلمين في هذا الزمن من سبات عميق, وإنعاشهم من غيبوبة طال أمدها, جعلتهم – بكل أسف – في مؤخرة الركب وذيل القافلة، وقد سبقهم من كان بالأمس خلفهم وتبعا لهم, فهو يعمل علي إنهاضهم من هذه الكبوة, والأخذ بأيديهم إلى صراط الله المستقيم, الذي يوصَّلهم إلى العزة والفلاح, في العاجلة والآخرة.

من أجل هذا وغيره كان من الضروري, بل من المفروض في حق الخطيب الداعية أن يتقن عمله فيهمَ بإعداد خطبته من شتى جوانبها, بأن يتحرى ويفكر بعمق في اختيار الموضوع المناسب للجمهور والزمان والمكان, ويجتهد في جمع الأدلة والمادة العلمية التي تثيريه, وينسق بين عناصر خطبته مراعيا التسلسل المنطقي, آخذاً في الاعتبار المقام والمخاطبين... وغير ذلك مما يتصل بالإعداد والأخذ بالأسباب لبناء خطبة نافعة, وتشييد بنيانها بدقة وعناية علي هدى وبصيرة, مع الإخلاص في هذا كله لله رب العالمين, كي تثمر أينع الثمار, وتحقق أنبل المقاصد, وأعظم الأهداف, مع شعور دائم من جانب الخطيب بالمسئولية، وعظم الأمانة وقدر المهمة التي يقوم بها واستحضار الأجر والمثوبة للعاملين المتقنين المحسنين.


قضايا إسلامية

دخول الإسلام دارفور

دخل الإسلام للسودان عام 31 للهجرة عن طريق اتفاقية البقط بين عبد الله بن أبي السرح وعظيم النوبة في دنقلة، وخلال 300 عام من هذه الاتفاقية تغلغل الإسلام رويدا رويدا إلى أهالي دارفور أسرع من النوبة، حيث نشأت أول سلطنة إسلامية في هذه المنطقة في القرن الثالث الهجري وهى سلطنة "الدايو" قبيلة أفريقية. ورغم أن سلطنة الدايو حافظت بشكل أساسي على العادات والتقاليد الأفريقية إلا أنها أدخلت الشريعة الإسلامية كمكون أساسي للحياة في دارفور جنبا إلى جنب مع قانون دالي.

 فكانت الأمور المتعلقة بالجرائم الجنائية من سرقة وقتل وزنا وغيرها يحتكمون فيها إلى قانون دالي، ويقوم على رعاية هذا القانون وتفسيره وتطبيقه أمين السلطنة الملقب بشيخ دالي. ووفقا لهذا القانون فقد كانت العقوبات تقدر بعدد من رءوس الماشية وفقا لفداحة الجرم؛ فالقتل مثلا كان له عدد من رءوس الأبقار والزنا كانت الأغنام كفيلة بإزالة آثاره.

وجاءت الشريعة الإسلامية فكان قاضي القضاة في السلطنة يقوم على رعايتها وتطبيقها في أمور مثل الزواج والطلاق والزكاة والحج والجهاد والمواريث والعقود وغيرها من الأمور الأخرى التي لا تدخل في النطاق الجنائي.

وفى عام 1445م. تأسست مملكة الفور الإسلامية في دارفور أيضا، وبعد 200 عام فقط سلمت الفور قيادة دارفور إلى العرب عبر السلطان سليمان صولون وذلك عام 1640م. بسبب زواج أبيه من أميرة دارفورية من بيت السلطان فازدهرت الحضارة العربية في السلطنة.

 ولكن السلطان عبد الرحمن الرشيد كان سبب الانتقال الحقيقي لهذا النفوذ في البلاط السلطاني بعدما بنى مدينة الفاشر عام 1792م. وجلب العلماء من الأزهر والدول العربية المجاورة لتعليم الناس أمور دينهم.

وفى عهد الرشيد انتشرت الخلاوي ( كتاتيب ) التي أوقف عليها الحواكير – وهي أراض زراعية يجعلها حكرا على شيخ الخلوة لينفق منها على تلاميذه وطلاب العلم وعلى شئون الخلوة- وكانت المراسيم السلطانية تمنع منعا باتا جباة الضرائب من أن يقتربوا منها أو أن يأخذوا منها شيئا.

ومع دخول العنصر العربي للحكم في دارفور تغيرت الألقاب في السلطنة ودخل لقب الأمين مكان شيخ دالي، والناظر وشيخ القبيلة مكان الألفاظ التي استعملت في السابق، واختفى تماما الحكم بقانون دالي عام 1812م. عندما أعدم السلطانُ محمدُ الفضل شيخَ دالي السلطنة بسبب صدام على النفوذ بين الرجلين، وبإعدامه أصبح المنصب والقانون في ذمة التاريخ وحكم العرب دارفور تماما.

ولكن التقليد الأساسي الذي احتفظ به سلاطين دارفور حتى سقوط السلطنة عام 1916م. هو تربية أبناء مشايخ القبائل داخل قصر السلطان، وكان ابن شيخ القبيلة عندما يحين دوره في قيادة قبيلته مكان أبيه يخرج من قصر السلطان في موكب خاص لينصب من قبل السلطان حال وفاة أبيه أو عجزه عن القيام بشئون القبيلة.

- حركة انتشار الإسلام

وقد تعددت العوامل في انتشار الإسلام في دارفور قبل قيام سلطنة دارفور الإسلامية قبيل منتصف القرن الخامس عشر الميلادي بزمن طويل، هذه العوامل كانت تؤتي ثمارها منذ أن انتشر الإسلام في بلدان غرب أفريقيا ووسط أفريقيا المعروفة جغرافيا باسم بلاد السودان الغربي والأوسط، منذ القرن الحادي عشر، حيث كان يمر حجاج هذه البلاد في طريقهم إلى بيت الله المقدس بإقليم دارفور، إضافة إلى الاتساع في حركة التجار العرب وغير العرب من المسلمين في هذا الإقليم والتي لاقت ترحيبا من سكان الإقليم؛ وهو ما ساعد على انتشار مسيرة الإسلام وتوطيد العربية لغة القرآن الكريم، والتخاطب في شتى المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

وعندما أسس السلطان سليمان سلونق سلطنة الفور الإسلامية عام (848هـ- 1445م) اهتم ببناء المساجد وفتح المدارس وتعمير الخلاوى بالمدن والقرى، كما واصل حفيده السلطان أحمد بكر (1726م-1746م) نهج أسلافه في هذا المضمار، فقد شجع هجرة العلماء للعمل بدارفور لنشر دين الإسلام بطريقة علمية مؤسسة، فأرسل رسله للدول المجاورة، فوفد نفر كريم من العلماء الأجلاء من تمبكتو غرب أفريقيا ومن دار شنقيط ومن سلطنة البرنو، وسلطنة باقرمي والمغرب العربي، ومصر وتونس وفزان والحجاز وسودان وادي النيل بناء على دعوته، دخل هؤلاء العلماء سلطنة دارفور في فترات متعاقبة واستقروا بها لأداء مهمتهم الجليلة، فوجدوا من السلاطين الرعاية والاحترام والتقدير والتكريم، فمنحوهم الأراضي والمال الوفير والخدم لراحتهم واستقرارهم، اعترافًا برسالتهم المقدمة، واستقروا بوطنهم الجديد دارفور، ونشطت مدارسهم، وازدهر العلم في ربوع البلاد، وقوي الإسلام، وتبحر الناس في علوم الدين.

 - قوافل من سكان دارفور

 كما هاجرت إلى دارفور قبائل أخرى ليست عربية الأصل، وكان لها أثرها في نشر الإسلام، نذكر منها قبيلة الفولاني التي جاءت من غرب جالون في القرن الثامن عشر، فكان منهم العالم مالك علي الفوتاوي، حفيد العالم عثمان دان فوديو، والعالم التمرو من شمال غرب أفريقيا، وأبو سلامة، والفقيه سراج.

أما العلماء الذين وفدوا من سلطنة برنو فنذكر منهم العالم الشيخ طاهر أبو جاموسي الذي تزوج شقيقة السلطان تيراب، أيضا وفد من سلطنة باقرمي علماء مقدرون. أما الميما فكان لهم دور عظيم في نشر الإسلام خاصة أيام سلطنة التنجر بشمال دارفور. كان لهؤلاء العلماء دور كبير في نشر الثقافة الإسلامية، كما كان لهم الفضل في تعليم مذهب الإمام مالك، والكتابة بخط الورش قبل العمل بالخط العمري.

واستفاد أهل دارفور من مدارس أخرى كمصر وتونس والحجاز وسودان وادي النيل، إلا أنهم في ذلك العهد تأثروا كثيرًا من ثقافة غرب أفريقيا الإسلامية وأيضًا المغرب العربي.

 - تعليم القرآن وعلوم الدين

ويعتبر أهل دارفور تعلم القرآن والقراءة والكتابة واجبًا دينيًّا على كل شخص -رجلا كان أو امرأة- خاصة في طور الطفولة؛ لذا كان يهاجر بعض التلاميذ إلى خلاوى بعيدة؛ وهو ما جعل حركة المهاجرين سمة من السمات الاجتماعية البارزة في دارفور، وهناك اعترافات بأن قبيلة الفور جعلت خلاوى المهاجرين مؤسسات قائمة بذاتها، لها نظم وقواعد ومفاهيم وقيم مرتبطة بها، ومن الطريف أنك قد تجد في بعض هذه الخلاوى تلاميذ كبار السن لم يحفظوا القرآن في سن مبكرة أيام طفولتهم، ثم اقتنعوا بأن طالب العلم ليس له حد في العمر، والعلم واجب تحصيله؛ لأن طالب القرآن في ذلك الزمان كان مقدرًا ومحترمًا من قبل سكان البلد، وبعد حفظ الطالب القرآن وتخرجه، تذبح له الذبائح، ويعرض له الزواج بواحدة أو اثنتين أو أكثر؛ لأنه أصبح شخصا مهما في المجتمع، ومن ميزات حفظ القرآن أن صاحبه لا يُطلب منه دفع المهر لزواجه إثر تخرجه إكرامًا له.

- حبال الفور وحفظ القرآن الكريم

لفقهاء الفور طريقة معينة لحفظ القرآن عُرفت بحبال الفور، وهي علم خاص، وفن راق له طريقة تعليم معينة، لا تجد مثله عند القبائل الأخرى الموجودة بدارفور، فلا يرضى العالم عند الفور بتحفيظ القرآن إلا إذا كان متبحرًا في علم الحبال، والحبل هو أولا عبارة عن وسيلة في عملية حفظ الآيات المتكررة، ثم يستعين بالحبال في حفظ الآيات المتشابهة، وهو أن يذكر جميع السور التي وردت فيها كلمة معينة وهذا أيضا بمساعدة الحبال، مثل الحبل "فبلاو" الذي يشير إلى الآيات التي فيها كلمة مصر والحروف المذكورة هي التي تلي كلمة مصر.

لذا لا بد لدارس القرآن في تلك المرحلة أن يعرف أعداد الحروف الواردة في الكتاب، ولا يعتبر الحافظ عارفا بالقرآن، إلا إذا كان عارفًا بفن الحبال والحرف، فمعرفة الحبال تعتبر قمة المعرفة عند أفراد قبيلة الفور، وعندهم علم التجويد وهو من العلوم التي يدرسها التلميذ المتخصص.

 ويوجد نوعان من الامتحانات للشهادات العليا في تعلم القرآن، فالنوع الأول هو امتحان القوني، فيجتمع عدد من العلماء الفقهاء، ثم يحضر الممتحن، وعليه أن يكتب ويقرأ من حفظه دون أن ينظر إلى المصحف، ثم عليه بالتجويد، وقد يطلب منه أن يقرأ من ثلاث عودات أو أكثر، كتابة وقراءة قبل أن تجاز له هذه الشهادة وهي لقب "قوني".

أما النوع الثاني فهو صعب غاية الصعوبة؛ لأن هذا الامتحان تحت إشراف وتنفيذ كبار المشايخ أي الفقهاء الذين اشتهروا بين الحفظة وبين أهل فن الحبال منذ سنين، في هذه المرحلة المتقدمة لا يسأل الممتحن عن حفظه بالقرآن، بل هذا الامتحان يرتكز على الحبال، فإذا نجح الطالب في الامتحان، فقد امتاز، ويسمح له بفتح خلوة جديدة، كما تقام له احتفالات ومهرجانات قد تستمر أسبوعًا كاملا، يحضرها الحفظة والمشايخ والقواني، هذه هي العادات والنظم التي يتميز بها التعليم عند مجتمع الفور.

 - مراكز العلم بدارفور

نذكر من أشهر مراكز العلم بدارفور كريو لمؤسسة مالك الفوتاوي وأسرته، ومركز كوبي للعالم عبد الرحمن كاكوم، ومركز جديد السيل الذي درس فيه فقهاء الجوامعة، ومركز هبيلة للفقيه عبد النبي ساجا، ومركز شوبا شمال جبل مرة، ومركز الدامرة شمال كتم لمؤسسة الشيخ عبد الباقي المسيري الفليتي، ومركز كونو شمال زالنجي.

كان بكل قرية مسجد يتعلم فيه القرآن، وكان لكل عالم مسجد بالقرب من منزله يصلي فيه الصلوات الخمس وبجواره خلاوى المهاجرين، كان بعض المهاجرين يذهب إلى الأزهر بالتعريف بالقاهرة، حيث بدأت هجرتهم منذ 1850م، وخصص لهم في ذلك الوقت رواق بالأزهر، اسمه رواق دارفور ما زال محتفظا بهذا الاسم إلى يومنا هذا كما هاجر أهل دارفور إلى تونس وغرب أفريقيا طلبا للعلم.

 - أكابر العلماء في عهد سلاطين الفور

 هنالك عدد من العلماء اشتهروا بسلطنة دارفور الإسلامية، نذكر منهم العالم عبد الرحمن كاكوم، الذي أتى دارفور من سودان وادي النيل، وهو من أبرز العلماء الذين نشروا العلوم الإسلامية في دارفور، زامن عصره عهد السلطان محمد تيران الذي تولى حكم سلطنة دارفور من 1768م إلى 1787م بعد فترة غادر الفقيه عبد الرحمن كاكوم سلطنة دارفور إلى الأزهر ودرس كل ما يخص علوم الدين، ومكث هنالك قرابة ثلاثين سنة، وكان يصوم السنة فأطلق عليه الضويمر أي صايم ديمه، ثم عاد إلى دارفور عالما في زمن السلطان عبد الرحمن الرشيد الذي حكم دارفور في الفترة من 1787م إلى 1806م.

فاستقبله بحفاوة بالغة، واستقر بمدينة كوبي، وشيد مسجده الذي صار معهدًا، وجذب الكثير من طالبي العلم حتى من سلطنة وداي المجاورة لدارفور.

ذكر الثقاة أن الإمام كاكوم هو الذي أشار للسلطان عبد الرحمن الرشيد بصلاحية الفاشر كعاصمة لدارفور، ظل أحفاد العالم كاكوم يزاولون مهنة العلم والتدريس والإمامية إلى عهد السلطان علي دينار الذي استشهد في نوفمبر 1916م.

ومن مشاهير العلماء في دارفور آنذاك الفقيه حسين ود عماري الذي ولد بطويلة وهو من قبيلة العريفات، فقد سافر حسين ود عماري إلى الأزهر بصحبة قافلة تجارية، ومكث هناك أكثر من خمس وعشرين سنة، درس علوم الدين الإسلامي وتفقه فيها.

بعدها عاد إلى السودان، وزار في طريقه دنقلا وشندي وأم درمان وكوستي والأبيض، وكان يقوم بحلقات دراسية في هذه المدن، ثم وصل الفاشر في عهد السلطان محمد الفضل أكرم السلطان محمد الفضل الفقيه حسين ود. عماري وقربه إليه، وجعله معلمًا ومربيًا لأولاده، ثم رئيسًا لديوان السلطان.

أيضًا من أكابر العلماء مولانا فخر الدين بن الفقيه محمد سالم شيخ الشغا، والفقيه سالم شيخ العزيمة، والإمام الضو بن الإمام المصري، إمام السلطان، والعالم عز الدين من الجوامعة حضر من كردفان وملاونا القاضي أحمد طه بكوبي، العالم سعد من أهل الخبير والفقيه أبو سلامة بن الفقيه مالك شيخ الموطأ والفقيه الشيخ الدرديري من كردفان.

- علاقة العلماء بالسلاطين

كانت علاقة السلاطين بالعلماء وطيدة وحميمة، فالحكام كانوا يهتمون بنشر الدين الإسلامي وازدهاره أشد الاهتمام، وكان للعلماء دور كبير في توثيق الصلات بين دارفور وبلاد مصر وتونس والمغرب والحجاز، فكان دور السلاطين احتضان العلماء والفقهاء في إثراء كل ما يخص الإسلام وتعاليمه.

فكان هناك تعاون وثيق بين الطرفين، حيث ضمن السلاطين للعلماء حياة رغدة آمنة مستقرة، كما دعم العلماء السلاطين بدعواتهم وإرشاداتهم ونصائحهم، فاستقام كل شيء في البلاد وتأكد أن ليس هناك اعتماد على غير الإسلام؛ لأن السلطنة كانت محاطة بدول إسلامية، وكان للعلماء دور عظيم في توحيد القبائل وتجميعها بدارفور، وهذا يرجع لفضل التعليم على المجتمع وعلى سياسة الدولة آنذاك.

ما هي قصة دارفور؟!

لعل من أهم الأسباب التي تفسِّر عدم وجود تعاطف شعبي إسلامي كبير مع مشكلة السودان - هو جهل المسلمين بحقيقة الأوضاع في داخل هذا البلد الإسلامي الكبير، خاصةً في منطقة دارفور، والتي برزت على الساحة فجأةً وبشكل كبير في السنوات القليلة السابقة.

نعلم جيدًا أهمية الإعلام في إثارة اهتمام الشعوب بقضية ما، وقد دأب الإعلام الغربي والصهيوني على الحديث عن قضية دارفور من منظوره لتحقيق أهدافٍ واضحة، يأتي في مقدّمتها فصل دارفور عن السودان، وتكاسُل الإعلام الإسلامي عن القيام بدوره في هذه القضية لعدة سنوات؛ مما نتج عنه ما نحن فيه الآن من اضطراب وفقدان للتوازن.

إن المعلومة قوةٌ كبيرة، وإننا لن نستطيع أن نفهم أو نتوقع طرق حل الأزمة السودانية دون فقهٍ عميق لجذورها وأبعادها، ولن نمتلك القدرة على طرح آليات لحل المشكلة إلا بوجود قاعدة معلوماتية ضخمة تشرح لنا أبعاد الموقف كله، كما تُعنى بشكل كبير بتحقيق المعلومة، والتثبُّت من صدقها. وهذا لا يكفي فيه جهد فرد أو أفراد، إنما يحتاج إلى جهود مؤسسيّة مخلصة، وإلى عددٍ كبير من المتخصصين والمهتمين بالشأن السوداني والإفريقي، كما يحتاج إلى زيارات ميدانية، ومتابعة للأحداث من داخلها، واستطلاعات رأي، واستبيانات مُحْكَمة، وقدرات عالية على التحليل والدراسة. وكل هذا يحتاج إلى جَهْدٍ ومال ووقت وفكر، وقبل كل ذلك وبعده يحتاج إلى عقول متجردة من الأهواء، لا تبغي بعملها هذا إلا وجه الله -تعالى- ، وتحرص كل الحرص على عدم الميل إلى جانب على حساب جانب آخر لمصالح معيّنة، أو منافعَ ذاتية.

إننا نواجه مشكلة كبيرة حقًّا عند الحديث عن مشكلة دارفور، وذلك لعدم ثقتنا فيما في أيدينا من معلومات، فهذا يؤكِّد وذاك ينفي، وثالث يهاجم ورابع يدافع؛ كما أنّ الأطراف المتصارعة كثيرة جدًّا، وهي في ازدياد مستمر، والموقف يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.. خاصةً أننا صرنا نقرأ اليوم عشرات بل مئات التحليلات عن الموضوع، ومن أسماء لا نعرف تاريخها، ولا مدى صدقها وشفافيتها؛ فمنها الحكيم الواعي، ومنها الصهيوني المُغْرِض، كما أن منها المنافق عليم اللسان.

إنها معضلة تجعل العقل يدور!!

ما هي قصة دارفور؟!

وهل يمكن أن تنفصل عن السودان؟

وما هي آليات الحل للمشكلة؟

إقليم دارفور أكبر أقاليم السودان:

إقليم دارفور أحد أكبر الأقاليم في السودان الآن، وهو يقع في غرب السودان، وتبلغ مساحته أكثر من نصف مليون كيلو متر مربع، ويقترب عدد سكانه من ستة ملايين إنسان معظمهم من المسلمين السُّنَّة، وعندهم توجُّه إسلامي واضح حيث تزداد فيهم نسبة الحافظين لكتاب الله بشكل لافت للنظر، حتى يصل بهم البعض إلى نسبة 50 % من السكان، وإن كنت أرى أن في هذا الرقم مبالغةً كبيرة، ولكنّه -بشكل عام- يعطي انطباعًا عن الطبيعة الإسلامية لهذا الإقليم، ولعلّ هذا من الأسباب التي جعلت اهتمام الغرب والصهاينة به أكثر وأعظم.

لقد ظهرت في هذا الإقليم حركات تدعو للتمرد والانفصال عن الكيان الأم السودان، وكان هذا في فترة التسعينيات من القرن العشرين، ثم تفاقم الوضع، ووصل إلى المحاولات العسكرية للانفصال في سنة 2003، وازداد الوضع اضطرابًا مع مرور الوقت، وأصبحت القضية مطروحة عالميًّا: هل ينبغي أن تنفصل دارفور عن السودان؟ أم أنّ بقاءَها كإقليم في داخل الدولة أمر حتمي؟!

ولكي يمكن الإجابة على هذا السؤال لا بد من مراجعة تاريخية وواقعية وسياسية ودينية للموقف في دارفور، كما ينبغي أن ننظر إلى الأمور بتجرُّد وحياديّة حتى نستطيع أن نصل إلى حلٍّ منطقي للمشكلة.

إن الذي يراجع ملف دارفور يجد أن احتمالات انفصال الإقليم عن السودان واردة جدًّا!!ويجد أيضًا أنه ما لم تأخذ الحكومة السودانية مواقف حاسمة، وفي ذات الوقت عاقلة وحكيمة فإن الأمور ستخرج عن السيطرة، كما أن المسلمين ما لم يتفاعلوا مع القضية بشكلٍ أكثر عملية وسرعة فإن كابوس الانفصال سيصبح حقيقة، وعندها لن يُجدى إصلاح.

وللأسف الشديد فإن كثيرًا منا يعيش بمبدأ التواكل، متخيِّلاً أن الله سيحفظ الأمّة حتى لو لم تعملْ، ولو كان هذا صحيحًا فقولوا لي بالله عليكم: أين الأندلس؟!وأين الهند؟!

ويعتقد كثير من المسلمين أيضًا أن غلق الملف مؤقتًا يعني حلَّه!ولا يدركون أن تأجيل حل المشكلة قد يفاقمها، وأن ما نراه مستحيلاً الآن قد يصبح أمرًا واقعيًّا غدًا.

لا بد من الاعتراف أنّ وضع دارفور خطير للغاية، وأن احتمالات انفصالها واردة جدًّا، وأننا نريد عملاً دءوبًا ليل نهار حتى نمنع هذه الكارثة.. ولا داعي للجُمَل العنترية بأن: دارفور ستبقى سودانية إلى الأبد مهما كانت الظروف!

ولماذا نقول إن احتمالات الانفصال واردة جدًّا؟!

إن هذا التخوُّف يأتي من عدة أمور:

أولاً: المساحة الضخمة لهذا الإقليم، والتي تؤهله أن يكون دولة مستقلة بإمكانيات قوية، حيث إنه ليس فقط أكبر من عشرات الدول في العالم، ولكنه أيضًا يمتلك البترول واليورانيوم، ولقد دأب المحللون الغربيون على وصف الإقليم بأنه يساوي مساحة فرنسا ليرسِّخوا في الوجدان أنه من الممكن أنْ يُستقلَّ بذاته.

ثانيًا: الحدود الجغرافية المعقَّدة للإقليم، فهو يتجاور من ناحيته الغربية مع تشاد بحدود طولها 600 كيلو متر، وكذلك مع ليبيا وإفريقيا الوسطى. ومن المعروف أن هذه المناطق الصحراوية والقبلية ليست مُحْكَمة الحدود كغيرها من الدول، وعليه فدخول الأفراد من وإلى دارفور سهل للغاية، وخاصةً أن هناك قبائلَ كثيرة ممن تعيش في الإقليم ترتبط بعَلاقات مصاهرة ونسب وعلاقات اقتصادية وسياسية مع القبائل في الدول المجاورة وخاصةً تشاد، وهذا جعل الكثير من المشاكل السياسية التي تحدث في تشاد تكون مرجعيتها إلى دارفور والعكس، وهذا يعني أن الدول المجاورة ستكون عنصرًا فاعلاً في مشكلة دارفور، شئنا أم أبينا.

ثالثًا: طبيعة القبائل في الإقليم تثير الكثير من القلق، فمع أن الجميع مسلمون، إلا أن الأصول الإثنيّة تختلف، فحوالي 80 % من السكان ينتمون إلى القبائل الإفريقية غير العربية، وهؤلاء يعملون في المعظم في الزراعة، أما بقية السكان فمن القبائل العربية التي هاجرت في القرن الماضي إلى منطقة دارفور، وهؤلاء يعملون في الرعي. وهذه الخلفيات العِرقيّة لها تأثير في الاختلاف بين الطائفتين، وهذا أمرٌ متوقّع، ومن الغباء أن ننكره، ونكتفي بالقول بأن الجميع مسلمون، فقد حدثت خلافات قبل ذلك بين المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج، وما لم يُؤخذ الأمر بجديّة وتعقُّل فإن الخلافات قد تتعقد جدًّا، ومِن ثَمَّ ينعدم الأمان في المنطقة، وهذا قد يدفع السكان إلى البدائل المطروحة، ومنها الانفصال تحت قيادة موحَّدة قوية تضم الجميع. ويزيد من تعقيد الموضوع في دارفور مشكلة التصحُّر وقلةُ المراعي؛ مما يدفع القبائل الكثيرة إلى التصارع على موارد الماء ومناطق الزراعة، وهو صراع من أجل الحياة، يصبح إزهاقُ الأرواح فيه أمرًا طبيعيًّا!

رابعًا: البُعد التاريخي المهمّ لمنطقة دارفور يجعل مسألةَ انفصالها أمرًا خطيرًا يحتاج إلى حذرٍ وحرص؛ فالمنطقة في معظم تاريخها كانت بالفعل مستقلة عن السودان، وكانت في واقع الأمر سلطنة مسلمة تضم عددًا كبيرًا من القبائل الإفريقية، وآخر سلاطينها هو السلطان المسلم الوَرِع عليّ بن دينار، الذي حكم من سنة 1898 إلى سنة 1917م، والذي كان يرسل كسوة الكعبة إلى مكة على مدار عشرين سنة كاملةً !، وكان يُطعِم الحجيج بكثافة، لدرجة أنه أقام مكانًا لتزويد الحجاج بالطعام عند ميقات أهل المدينة المعروف بذي الحُلَيفة. وقد وقف هذا السلطان المسلم مع الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الأولى من منطلق إسلامي، إلا أن هذا أزعج جدًّا السلطات الإنجليزية التي كانت تسيطر على السودان آنذاك، فقامت بضم هذا الإقليم إلى السودان في سنة 1917م، ومن يومها وهو جزء من السودان، وهذه الخلفية التاريخية تشير إلى نفسيّة السكان الذين إذا لم يشعروا بالأمان والاطمئنان لحكومة السودان، فإنهم سيرغبون في العودة إلى ما كانوا عليه منذ مئات السنين، وهو التجاور مع السودان وليس الانضمام لها.

عبد الواحد محمد نور خامسًا: التدخل الغربي الصهيوني الكثيف في المنطقة يغيِّر الكثير من الحسابات، ويدفع بقوة إلى فكرة الانفصال، وذلك لتحقيق مصالح استراتيجية خطيرة، وقد أصبح هؤلاء يتعاملون بمنتهى الوضوح مع قادة التمرد في دارفور؛ لكي يدفعوهم إلى الانفصال لتقوم دولة تدين بالولاء إلى الكيانات الغربية والصهيونية الموالية، وتأتي في مقدمة الدول المهتمَّة بإقليم دارفور فرنسا، حيث تمثِّل هذه المنطقة تاريخًا مهمًّا جدًّا لفرنسا؛ لأن دارفور هي أقصى شرق الحزام المعروف بالحزام الفرانكفوني (أي المنسوب إلى فرنسا)، وهي الدول التي كانت تسيطر عليها فرنسا قديمًا في هذه المنطقة، وهي دارفور وتشاد والنيجر وإفريقيا الوسطى والكاميرون، وقد استطاعت فرنسا الوصول إلى شخصية من قبيلة الفور، وهي أكبر القبائل الإفريقية في دارفور، وإليها ينسب الإقليم (دارفور)، وهذه الشخصية هي عبد الواحد محمد نور صاحب التوجُّهات العلمانية الفرنسية الواضحة، ومؤسِّس أكبر جماعات التمرد في دارفور، والمعروفة باسم جيش تحرير السودان، وهي حركة مختلفة عن الجيش الشعبي لتحرير السودان، والمتمركزة في جنوب السودان، وإن كانت الأيدلوجية الفكرية للحركتين متشابهة، بل هناك تنسيق واضح بينهما.

خليل إبراهيم أما إنجلترا فهي تضع أنفها في المنطقة عن طريق خليل إبراهيم، الذي أنشأ حركة تمرد أخرى تنتمي إلى قبيلة أخرى من القبائل الإفريقية، وهي قبيلة الزغاوة، حيث قام مدعومًا ببريطانيا بإنشاء حركة العدل والمساواة، وهي كذلك حركة علمانية تطالب بفصل دارفور عن السودان.

وإضافةً إلى فرنسا وإنجلترا فهناك أمريكا صاحبة الأطماع المستمرة ليس في دارفور فقط، ولا في السودان فحسب، بل ليس في القرن الإفريقي وحده، وإنما في العالم أجمع!!فهي تدفع بقوة في اتجاه وجود قوات دُوليّة لحفظ السلام في المنطقة تكون تحت السيطرة المباشرة لمجلس الأمن، ومِن ثَم لأمريكا. وأخيرًا تأتي دولة الكيان الصهيوني "إسرائيل" لتشارك بقوَّة وصراحة ووضوح في مسألة دارفور، وليس فقط عن طريق تحالف جماعات الضغط الصهيونية في أمريكا والمعروف بتحالف "أنقذوا دارفور"، ولكن أيضًا عن طريق التدخل السافر للحكومة الصهيونية نفسها حيث رصدت الحكومة الصهيونية مبلغ 5 ملايين دولار لمساعدة لاجئي دارفور، وفتحت الباب أمام الجمعيات الخيرية في إسرائيل للمشاركة. كما أعلنت عن استعدادها لشراء أدوية ومعدات لتحليل المياه بما يعادل 800 ألف دولار يتم جمعها من بعض الشركات الصهيونية!!كما سبق أن أعلنت تسيبي ليفني وزيرة الخارجية اليهودية في اجتماع لها مع بعض السفراء الأفارقة في تل أبيب سنة 2008 أن حكومتها ستسعى لإيجاد حل لأزمة دارفور!!

وبالطبع لن تترك المجال عند الحديث عن التدخل الأجنبي في المنطقة دون الإشارة إلى عشرات الجمعيات الإغاثية، والتي تمارس خليطًا من الأعمال الإغاثية من جانب، والتبشيرية التنصيرية من جانب آخر، والإجرامية من جانب ثالث، وليس ببعيدٍ ما فعلته جمعية "لارش دي زو" الفرنسية من خطف أطفال من دارفور لبيعهم لعائلات إنجليزية وفرنسية، حيث تم اكتشاف هذه الفضيحة في أكتوبر 2007، وما خفي كان أعظم!

سادسًا: الأخطاء الإدارية للحكومة السودانية:

الأخطاء الإدارية والفكرية الفادحة التي وقعت فيها الحكومة السودانية على مدار عِدَّة عقود أدت إلى الوصول إلى هذا الوضع المعقَّد؛ فواقع الأمر أن الحكومة السودانية لا تتعامل مع دارفور كجزءٍ مهم في الدولة السودانية، وذلك منذ عشرات السنين، وكان منطلقها في ذلك أنها أرض صحراوية تعيش فيها قبائل بدوية، وليس فيها ثروات تُذكر، ولا تداخل مع الشئون السودانية بشكل مؤثر؛ وهذا أدى إلى فقرٍ شديد للمنطقة، وفقدان للبنية التحتية، وانعدام للأمن، وعدم تمثيل مناسب في الحكومة أو البرلمان، وعدم وجود اتصال علمي أو إعلامي مع المنطقة، وغير ذلك من مظاهر الإهمال التي أفقدت الكثير من شعب دارفور الولاء لدولة السودان الأم، وحتى عندما تولى الرئيس عمر البشير الحكم بعد الانقلاب 1989 فإنه تولى في ظروف صعبة تزامنت مع الحرب المدمِّرة في جنوب السودان، والتي أخذت الاهتمام الحكومي السوداني كله، فازداد السقوط المعنوي في دارفور، وهذا كله قاد إلى تنامي حركات التمرد، وحتى عندما تتم جلسات مصالحة أو تفاوض مع زعماء المتمردين، فإنها تكتفي بتأجيل المشكلة لا حلها، وهذا يُهدِّئ الأوضاع لفترة محدودة لتعود لتشتعل بشكل أكبر بعدها بقليل!

سابعًا: ضعف سيطرة الجيش السوداني:

الضعف العسكري الشديد للحكومة السودانية، فجيشها لا يزيد على 90 ألف جندي، بإمكانيات عسكرية هزيلة للغاية، وخاصةً بعد المرور بحرب جنوب السودان على مدار عشرين عامًا كاملة، أرهقت الجيش بصورة كبيرة، وهذا الجيش الضعيف لا يستطيع بحال أن يسيطر على المساحات الشاسعة الموجودة بالسودان بصفة عامة، وفي دارفور بصفة خاصة؛ وهذا أدى إلى ظهور عصابات "الجانجويد"، وهي عصابات من قبائل عربية تركب الخيول وتلبس الملابس البيضاء وتحمل الرشاشات، وتتجول بِحُرِّية في ربوع دارفور، فتقتل وتسرق وتفرض ما تريد، ويتَّهِم الغرب الحكومة السودانية بالتعاون مع عصابات الجانجويد، وتنفي الحكومة السودانية ذلك، ولكنه في العموم مظهر من مظاهر الانفلات الأمني، والضعف العسكري غير المقبول؛ فإذا كانت الحكومة متعاونة مع الجانجويد كما يقول الغرب، فهذا مظهر من مظاهر الضعف حيث لا تستطيع الحكومة بنفسها السيطرة على الأمور فتلجأ إلى البلطجية والمجرمين!. وإذا كانت الحكومة غير متعاونة معهم، فهذا أيضًا مظهر من مظاهر الضعف، حيث تعلن الحكومة بصراحة أنها لا سيطرة لها على عصابات الجانجويد، وأنهم يقتلون من الجيش السوداني كما يقتلون من المتمردين، وهذا وضع في الحقيقة غير مقبول من حكومة مستقرة وجيش نظامي، وهو أمر يحتاج إلى مراجعة وحساب.

ثامنًا: تردي الأوضاع في دارفور:

حالة الجهل الشديدة التي يمر بها أهل دارفور، مع كون الكثير منهم يحفظ كتاب الله عزَّ وجلَّ، فمدارسهم ضعيفة جدًّا، وإعلامهم منعدم، ومِن ثَمَّ فإن السيطرة الفكرية عليهم تصبح سهلة للغاية. وليس بالضرورة أن يكون الأمر بالتحوُّل إلى النصرانية، ولكن يكفي أن يطبِّقوا ما تريده الحركات المتمردة والغرب الصليبي والعدو الصهيوني من فصلٍ للدين عن الدولة، وعلمانية المناهج، وفكرة الانفصال، وهذا أمر قد لا يستنكره الشعب هناك في ظل غياب المعلمين والدعاة والمفكرين المخلصين.

تاسعًا: عدم وجود دراسات علمية موثَّقة تشرح طبيعة المنطقة، وتشعباتها الجغرافية والتاريخية والسكانية، وطرق التعامل مع القبائل المختلفة، ومناهج تفكيرهم ومنطلقاتهم، ومِن ثَم فإن الذي يسعى لحلّ المشكلة ولجمع الأطراف لا يستطيع غالبًا أن يدخل من الباب الصحيح، وقد يفشل في الحل حتى لو كان مخلصًا متجردًا؛ حيث لا يملك آليات الحل السليم، ولا المعلومات الدقيقة.

عاشرًا: حالة "الطناش" الإسلامية الشنيعة! فهذه الأحداث المركَّبة تتفاقم منذ أكثر من عشر سنوات، ولا حراك، ولا شك أن ترك السودان بمفرده في هذه الأزمة سيجعل قضية انفصال دارفور أمرًا مسلَّمًا به، وعندها لن ينفع العويل، ولن تفيد العواطف، ولن يجدي البكاء على اللبن المسكوب!

كانت هذه النقطة العاشرة، فتلك عشرة كاملة!

وقد يكون هناك عوامل أخرى لم نذكرها لقلة المعلومات، أو لضيق الوقت، ولكن الشاهد من كل ذلك أن احتماليات انفصال دارفور واردة جدًّا نتيجة كل هذه المعطيات.

ومع ذلك فنحن لا نذكر كل ما سبق لنقول إنّ الدنيا مظلمة، وإنّ الأمل مفقود، بل إننا نسعى لإيجاد حلٍّ منطقي ومقبول للأزمة، ولا يكون ذلك إلا بمصارحة وشفافية وكشف للأوراق، ومع أننا ضدّ قرار المحكمة الجنائية الدولية قلبًا وقالبًا إلا أننا من منطلق الأخوّة الإسلامية، والأمانة العلمية ندعو إخواننا في الحكومة السودانية إلى إعادة النظر في "ملف دارفور" بهذه المعطيات التي ذكرناها، وبغيرها من التي لا نعرفها.

إن الأمر جِدُّ خطير، لكن الإصلاح ليس مستحيلاً، إنما له آليات معروفة، وطرق مجرَّبة، واحتفاظ السودان بدارفور واجب قومي وفريضة شرعية، لكن لا بد من الأخذ بالأسباب الصحيحة، والسير في الطرق المدروسة.

ولعلّ هذه فرصة لقُرَّاء المقال الأعِزَّاء أن يشاركونا بالرأي في آليات حل هذه الأزمة، وسوف يكون مقالنا في الأسبوع القادم -بإذن الله- عن هذه الآليات، فنسأله سبحانه السداد والتوفيق.

حَفِظَ الله السودان، وأهل السودان!!

ونسأل الله أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين.

لماذا تضخيم أزمة دارفور الآن؟

يسجل الكتاب أن أزمة دارفور لقيت صدى إعلامياً واسعاً بسبب الخلفيات الإستراتيجية والأطماع الغربية، وهكذا تم إحصاء (17) مليون مادة خبرية في عشرين شهراً خلال عام 2005 وبداية عام 2004 في أربع وكالات أنباء فقط، هي وكالة الأنباء الفرنسية ووكالة الأسوشيتدبرس ووكالة رويتر وال (بي بي سي)، 5% فقط منها أقرب إلى الاعتدال في معالجتها للمشكلة. لكن لماذا كل هذا الاهتمام العالمي، ولماذا قفزت أزمة دارفور إلى واجهة الأحداث بتلك السرعة بينما كان يجري استتباب السلام؟

منذ بداية الأزمة تغيرت مواقف كل من بريطانيا والولايات المتحدة من الترحيب بالمحاولات السودانية لحل النزاع إلى الهجوم، مدفوعين بالأزمات التي نشبت إثر احتلال كل من أفغانستان والعراق، من أجل الضغط في منطقة أخرى، وهكذا بدأت بعض وكالات الأنباء تبث أخباراً عن دارفور فيها الكثير من المبالغات، وتنشر صوراً مؤثرة على الرأي العام العالمي، وأخذ المسئولون الأمريكيون والأمميون يدلون بتصريحات تهوّل من الأزمة، مثل التصريح الشهير ل (موكيش كابيلا) المنسق الخاص للأمم المتحدة السابق في السودان الذي قال فيه: إن أزمة دارفور "أخطر مأساة إنسانية على الإطلاق"، ثم أردف ذلك بتصريح آخر ل (بي بي سي) وصف فيه ما يحصل في دارفور بأنه "إبادة عرقية". أما أخطر تصريح فهو ما أدلى به الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان عام 2003 قبيل زيارته للسودان، والذي قال فيه: إن ما يجري في دارفور أسوأ بكثير مما حصل في رواندا.

وليس خافيا علينا أن المنظمات الطوعية والإغاثية في العالم مرتبطة بأجندات إدارية لإبقاء نفسها واستدامة أهدافها ووجودها وكذلك التأثير الغربي المتعمد، فهناك منظمات إغاثية جاءت من أوروبا والولايات المتحدة، ومنظمات عالمية أخرى تنتمي إلى عدد من البلدان، وتهتم بالإغاثة وحقوق الإنسان ووضع حد للانتهاكات، ومنظمات مثل منظمة العفو الهيومان رايتس ووتش (الرقابة الإنسانية) والعديد من المنظمات العاملة في السودان وأطباء بلا حدود. مثل هذه المنظمات تعمل على إبقاء نفسها على الصورة دائماً عبر حملات لجمع الأموال والتبرعات، وبالتالي هناك شك في مصلحتها الحقيقية في استدامة أي نزاع حتى يكتب لها البقاء وهناك اطروحات أكاديمية كبيرة في اوكسفورد وغيرها تؤكد بأن منظمات الإغاثة تستهلك التمويل الذي بيدها لإدارة عملها أكثر من أعمال الإغاثة الإنسانية. وتصل مصروفاتها الإدارية الى70 -80%، والباقي يذهب للمحتاجين، وهو شي مضحك..

ورغم أن الجميع مسلمون، وأن الخلافات بين القبائل في إقليم (دارفور) قديمة، وكلها بسبب الاعتداءات التي تحدث من الرعاة على حقول المزارعين؛ لأجل إطعام قطعانهم، ويتم حلها بمجالس عرفية أحكامها ملزمة للطرفين، رغم كل ذلك إلا أن القوى الكبرى وعلى رأسها أمريكا نسجت خيوط حرب عرقية، وحوادث اغتصاب يقوم بها مسلمون ضد مسلمين آخرين ومسلمات، وقامت هذه الدول للدفاع عن حقوق هؤلاء المظلومين المسلمين ضد إخوانهم الظالمين المسلمين أيضاً.

وإذا كنا نعلم علم اليقين أن أمريكا وأتباعها من الدول الأوروبية تقود حرب (صليبية) علي المسلمين في كل مكان من الأرض تصل أيديهما إليه. فما بالهما في قضية (دارفور) تأتيان للتدخل من أجل حماية لفريق من المسلمين؟!! إن الأمر يمثل لغزاً لمن لا يدرك الأسباب الحقيقية للتدخل الغربي، ويدفعنا للتساؤل عن أبعاد هذا التدخل ومراميه.

فإن لهذا التدخل أربعة أسباب مهمة وأساسية:

أولها: خوف الدول الصليبية الاستعمارية من انتشار المدِّ الإسلامي في أفريقيا وسطاً وجنوباً، وخاصة في جنوب السودان، فهذه الدول التي ظلت تدعم التمرد في جنوب السودان طوال عشرين عاماً أو يزيد -حتى استطاعت الوصول لاتفاق السلام الذي يمهد لانفصال الجنوب- تطمح بعد هذا الانفصال إلى تحقيق حُلمها بإقامة دولةٍ مسيحيةٍ في جنوب السودان. هذه الدولة المستقبلية مُخطَّط لها أن تكون حاجزاً منيعاً أمام انتشار الإسلام في أفريقيا، وأن تمنع التواصل بين المسلمين والشعوب المسلمة المضطهدة وسط وجنوب قارة أفريقيا مع إبقاء دول الشمال المسلم في حالة قلق وعدم استقرار مستمرَّيْن، عن طريق تصدير الاضطرابات من هذه الدولة التي ستكون مرتعاً لأجهزة الاستخبارات العالمية.

ثانيها: قضية البترول السوداني، ومحاولات الاستيلاء عليه، من الشركات الكبرى بهذه الدول الاستعمارية الصليبية، حيث يصل الإنتاج الحالي إلى 350 ألف برميل يوميًا -في حالة استقرار الوضع السياسي- واحتياطي يصل إلى 3 مليار برميل، وتقع الاكتشافات النفطية بالجنوب، وجنوب شرق، وجنوب غرب، حيث جنوب دارفور، ذي المساحة الشاسعة، والبترول الواعد الذي يمد أمريكا حالياً -من خلال أنبوبة النفط الممتدة بداية من تشاد- بحوالي 16% من احتياجاتها الاستهلاكية اليومية من البترول.

وهناك ما هو أخطر من البترول.. حيث يختلط تراب إقليم دارفور باليورانيوم بكثرةٍ تجعله محط أنظار كل القوى الكبرى عالمياً وإقليمياً.

ثالثها: السيطرة على منابع النيل والضغط على مصر والسودان سياسياً، حيث سيصبح مصيرهما مرتبطاً بالدولة المسيحية المسيطرة على مجرى النيل، ومن ثَمَّ مرتبطاً بالدول الكبرى، ورغباتها، وعندها يصير القرار السياسي مرهوناً برغبات هؤلاء، وتفقد مصر والسودان استقلاليتهما عملياً، أو تضطران لخوض غمار حربٍ أمام القوى الكبرى دفاعاً عن الحياة ذاتها، كذلك تقديم مياه النيل هدية إلى إسرائيل التي مازالت تحلم ، وتخطط بوصول مياه النيل إليها ليروي ظمأ المحتلين، وييسر سبل العيش والزراعة لهم بأرخص الأثمان.

رابعها: الاستفادة من خصوبة أراضي السودان سلة غذاء العالم العربي، في توفير الغذاء بأنواعه لكل الدول الاستعمارية المشاركة في إشعال الأزمة، مع إبقاء الوضع في شمال السودان على ما هو عليه من عدم استخدام هذه الأراضي بالصورة التي تخدم السودان، والعالم الإسلامي، وذلك من خلال إبقائه في دوامة الصراع، والضغط عليه باستخدام سلاح المياه.

إذن تبدو الصورة في حقيقتها مختلفة عن الجزء الظاهر منها... الذي تظهر فيه الولايات المتحدة وأوربا، وهي ترتدي عباءة الأم الحنون التي تعطف على المساكين الذين يتعرضون للاضطهاد والإبادة، حيث يظهر الشكل الحقيقي لثعلبٍ ماكر يداور ويناور من أجل التهام ذلك الجزء من العالم الإسلامي، لتنفتح له أبواب أخرى ظل يخطط لفتحها طويلاً حتى آن الأوان.

 


إتقان العمل

إتقان العمل .. ثمرة الإحسان

 

الإنسان المسلم يفترض فيه أن تكون شخصيته إيجابية، مقبلة على الحياة، متفاعلة معها، وبما أن الإنسان المسلم مطالب باستيفاء شروط الخلافة في الأرض والسعي في مناكبها عبادةً لله، وإعمارًا للأرض، واستفادة مما فيها من ثروات وخيرات فلن يصل إليها إلا بالعمل والعمل الجاد. لذلك كانت مطالبة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتقن الإنسان عمله: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".

فالإتقان سمة أساسية في الشخصية المسلمة يربيها الإسلام فيه منذ أن يدخل فيه، وهي التي تحدث التغيير في سلوكه ونشاطه؛ فالمسلم مطالب بالإتقان في كل عمل تعبدي أو سلوكي أو معاشي؛ لأن كل عمل يقوم به المسلم بنية العبادة هو عمل مقبول عند الله يُجازى عليه سواء كان عمل دنيا أم آخرة. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ). (الأنعام: 162-163).

فهل نحن نربي الآن في مجتمعنا المسلم الشخصية المسلمة التي تهتم بإتقان أمور الحياة كلها؟ فردية أو جماعية؟ وهل سبب تخلفنا وتأخرنا يرجع إلى فقدان هذه الخاصية؟ وما قيمة الشعائر والوسائل التعبدية التي لا تغير في سلوك الإنسان ونمط حياته ووسائل إنتاجه؟

إننا فعلا نفتقد التربية الأسرية والمدرسية والاجتماعية التي تجعل عمل الإتقان في حياتنا مهارة داخلية تعبر عن قوة الشخصية التي تكسب الإنسان الاتزان والثقة والاطمئنان والتفرد إلى جانب اكتساب المهارة المادية والحركية.

لذلك نحن مطالبون بترسيخ هذه القيمة التربوية الحياتية في واقعنا وسلوكنا؛ لأنها تمثل معيار سلامة الفرد وقوة شخصيته وسمة التغيير الحقيقي فيه، كما أننا مطالبون ببذل الجهد كله في إتقان كل عمل في الحياة يطلب منا ضمن واجباتنا الحياتية أو التعبدية.

الإتقان في المفهوم الإسلامي

إن الإتقان من أسس التربية في الإسلام، وهو هدف تربوي في حد ذاته؛ لأن الإتقان في المجتمع المسلم ظاهرة سلوكية تلازم المسلم في حياته، والمجتمع في تفاعله وإنتاجه، فلا يكفي الفرد أن يؤدي العمل صحيحا بل لا بد أن يكون صحيحا ومتقنا، حتى يكون الإتقان جزءا من سلوكه الفعلي اليومي وعندها تتميز الأمة بالإخلاص في العمل وتقوى المراقبة الداخلية وتجرد العمل من مظاهر النفاق والرياء، حيث ما زال كثير من الناس يتقن عمله ويجوّده إن كان مراقبا من رئيس له، أو قصد به تحقيق غايات له أو سعى إلى السمعة والشهرة؛ لأنه يفتقد المراقبة الداخلية التي تجعله يؤدي عمله بإتقان في كل الحالات دون النظر إلى الاعتبارات التي اعتاد بعضهم عليها.

إن الإتقان في المفهوم الإسلامي ليس هدفا سلوكيا فحسب، بل هو ظاهرة حضارية تؤدي إلى رقي الجنس البشري، وعليه تقوم الحضارات، ويعمر الكون، وتثرى الحياة، وتنعش، ثم هو قبل ذلك كله هدف من أهداف الدين يسمو به المسلم ويرقى به في مرضاة الله والإخلاص له؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، وإخلاص العمل لا يكون إلا بإتقانه.

ولعلنا نلحظ أن من أسباب التخلف في المجتمعات الإسلامية افتقادها خاصية الإتقان كظاهرة سلوكية وعلمية في الأفراد والجماعات، وانتشار الصفات المناقضة للإتقان كالفوضى والتسيب وفقدان النظام وعدم المبالاة بقيمة الوقت واختفاء الإحساس الجمعي والإهمال والغش والخديعة، وهذا منعكس في فقدان المسلمين للثقة في كل شيء ينتج في بلادهم مع ثقتهم فيما ينتج في غير بلاد المسلمين مع أن صفة الإتقان وصف الله بها نفسه لتنقل إلى عباده (صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) (النمل: 88).

الإتقان والإحسان

هناك علاقة متداخلة بين الإتقان والإحسان، غير أن الإتقان عمل يتعلق بالمهارات التي يكتسبها الإنسان، بينما الإحسان قوة داخلية تتربى في كيان المسلم، وتتعلق في ضميره وتترجم إلى مهارة يدوية أيضا؛ فالإحسان أشمل وأعم دلالة من الإتقان، ولذلك كان هو المصطلح الذي ركز عليه القرآن والسنة، وقد وردت كلمة الإحسان بمشتقاتها المختلفة مرات كثيرة في القرآن الكريم، منها ما ورد بصيغة المصدر اثنتي عشرة مرة، بينما وردت كلمة المحسنين ثلاثا وثلاثين مرة، وبصيغ اسم الفاعل أربع مرات، واللافت للنظر أنها لم ترد بصيغة الأمر إلا مرة واحدة للجماعة: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: 195).

وكما ذكر الأستاذ سعيد حوى في كتابه "جند الله ثقافة وأخلاقا": إن الإحسان ذو جانبين، عمل الحسن أو الأحسن ثم الشعور أثناء العمل بأن الله يرانا أو كأننا نراه، وهذا هو تعريف الرسول صلى الله عليه وسلم للإحسان بأن "تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

فالإحسان مراقبة دائمة لله، وإحساس بقيمة العمل، وعلى هذا تندرج كل عبادة شرعية، أو سلوكية أو عائلية تحت مصطلح الإحسان الذي يعني انتقاء الأحسن في كل شيء؛ فالشخصية المسلمة تتميز بالإحسان الذي يرتبط بالتقوى وعبر عنه كمرحلة سامية من مراحل الإيمان المصاحب للعمل، يقول تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة: 93).

فإذا كان المسلم مطالبا بالعبادة، والعمل المترجم للإيمان فإنه مطالب دائما بالإحسان في العمل والحياة، غير أن هناك تفاوتا في مجالات الإحسان حيث ركز القرآن الكريم في طلب الإحسان في أمور منها: الإحسان إلى الوالدين، مع دوام الإحسان في كل شيء، يقول الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) (النساء: 36)، فالإحسان بنص هذه الآية انفتاح على قطاعات كثيرة في المجتمع، يطالب المسلم بالتعامل معها والتفاعل على أساس من التقوى والحرص على الجماعة حتى يكون الجهد المبذول في سبيل الإحسان إليها ذا قيمة اجتماعية يراعى فيها رضاء المولى عز وجل لقوله تعالى: (وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء: 128).

والرسول صلى الله عليه وسلم يربط بين الإتقان والإحسان فيقول: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة"؛ فالإحسان هنا مرادف لكلمة الإتقان، وقد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يزرع بذلك الرحمة في قلب المسلم ويكسبه عادة الإتقان في العمل حتى ولو لم يكن للعمل آثار اجتماعية كالذبح الذي ينتهي بإتمام العمل كيفما كان.

وأول عمل يتطلب الإتقان في حياة المسلم هو الصلاة حيث يطالب بها في السابعة ويسأل عليها في العاشرة، فإذا وصل مرحلة الشباب والتكليف كان متقنا للصلاة مجودا لها محسنا أداءها؛ فالمسلم في الصلاة يتقن عددا من المهارات المادية والمعنوية؛ فإقامة الصلاة وما يطلب فيها من خشوع واستحضار لعظمة الخالق، وطمأنينة الجوارح، وتسوية الصفوف، ومتابعة الإمام، ثم ممارسة الصلاة خمس مرات في اليوم كل هذه من الممارسات التي تتطلب التعود على الإتقان حتى تنتقل هذه العادة من الصلاة إلى سائر أعمال المسلم اليومية دنيوية أو أخروية.

الإحسان والشخصية المثالية

إن الإحسان دعوة إلى إيجاد الشخصية المثلى، الشخصية التي اتجهت حركة المجتمع وجهود التربية إلى إيجادها، هذه الشخصية تمثل المثالية التي تحققت في واقع المجتمع المسلم في الماضي، ويمكن أن تتحقق في واقعنا إذا توافرت الشروط الموضوعية لتحقيقها. وقد اختصر القرآن الكريم الصورة الإنسانية المثالية في آية واحدة؛ يقول تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة: 83)، وللوصول إلى شخصية المسلم التي تحققت فيه معاني الإحسان نرى أن الأمر يحتاج إلى مجاهدة شديدة للنفس تتحقق فيها كثير من الصفات، منها قول الله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 134).

ولأن الإحسان مجاهدة وجهاد يقول سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: 69) وقد وصف الله سبحانه الأنبياء جميعا بأنهم من المحسنين الذين يستحقون حسن الجزاء عند الله؛ لأنهم كانوا يجاهدون أنفسهم خوفا من الله وتقوى، يقول الله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ* كَانُوا قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ* وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ* وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (الذاريات: 15-16- 17-18-19).

وإلى جانب المجاهدة هناك وسيلة أخرى لاكتساب صفة الإحسان وهي الإقبال على الله بالطاعة والعبادة والذكر، يقول الله تعالى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) (الإسراء: 7).

الإحسان والحياة

إن الإحسان في أمور الدنيا يشمل الحياة كلها؛ إذ إن الحياة لا تنمو ولا تزدهر، والحضارات لا تبنى ولا تتقدم إلا بالإحسان، إحسان التخطيط وإحسان التنفيذ وإحسان التقدير (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) والمسلم لا يتربى على الإحسان إلاّ إذا قصد الإحسان في تفاعله مع المجتمع، ليس بقصد اللياقة الاجتماعية المظهرية؛ بل بقصد مراعاة حق الإنسان وحق الأخوة الإسلامية في إحسان التعامل على قاعدة من الأمانة والصدق والإخلاص والتقوى والمسئولية الاجتماعية المتجذرة في وجدانه وكيانه.

الإحسان والإيجابية المنشودة

الإحسان إيجابية، والمسلم مطالب بأن يكون الإحسان هدفه، وغايته لأن الله يأمر بالعدل والإحسان قولاً وعملاً، يقول تعالى: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (الإسراء: 53)، ويقول تعالى: (لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (التوبة: 121)، وكذلك فإن الإسلام توجه في تربيته إلى مجتمع العمل ليكون متقنا كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجعل الإسلام العمل المعيار الأوحد لما يكسبه الإنسان في الحياة، وجعل إتقان العمل عبادة تحبب العامل إلى الله، وتحقق له سر استخلافه ووجوده؛ فالمجتمع العامل هو المجتمع المنتج الذي يعتمد أفراده في كسبهم على جهدهم العضلي والفكري؛ لذلك دعا الإسلام إلى العمل وباركه وجعل له جزاء في الآخرة مع جزاء الدنيا.

كما أن الإسلام يحرم استغلال الإنسان، وسلب جهده وطاقته، كما أكد الإسلام على حق العامل في ملكية أجره وحمايته والوفاء له والتعجيل بإعطاء الأجير حقه قبل أن يجف عرقه، بل جعل الإسلام كل عمل يقوم به المسلم طاعة لله إذا قصد مصلحة البشر وأتقنه وأخلص فيه، وجعل العمل عبادة وقربى يعتبر من أعظم الدوافع لبذل الجهد وكثرة الإنتاج، وفي المقابل حرم الإسلام البطالة وعابها فجعل اليد العليا خيرا من اليد السفلى وحض على العمل، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه".

مبادئنا بين النظرية والتطبيق!

إننا للأسف نقر المبادئ السابقة نظريا ونحدث عنها كثيرا، ولكننا لا نترجمها في واقع مجتمعنا الذي يتميز بضعف الإنتاج، والتهرب من العمل، وعدم الإتقان بل يحمل قيما فكرية نحو العمل مخالفة لمفهوم الإسلام. مجتمعنا يحتاج إلى تغيير جذري في مفاهيم العمل وأهمية الإنتاج ويحتاج إلى تعليم مكثف لأهمية الإتقان لكل عمل يقوم به؛ فنحن لا نتعلم من ديننا ولا نتعلم من غيرنا، وتربيتنا الأسرية والمدرسية والحياتية لا تقوم على أهمية أن تعمل، وتكد وتجتهد وتبني في الحياة بل إن مفاهيم خاطئة لا تفرق بين التكافل كقيمة حياتية، والتواكل والتكاسل كعيوب سلوكية وحياتية، وإلى الآن لم توضع البرامج التي ستغير من أساليب العمل. ومفاهيم الإنتاج في المستقبل والتعليم العام والجامعي في بلادنا يدلان على أننا لا نسعى لتغيير هذا المجتمع إلى الأفضل والأحسن، وسنظل عالة على غيرنا نستهلك ما يصنعون وينتجون ونمارس فضيلة المناقشة والجدال والتنظير والتجديد للشعارات والأماني وأحلام اليقظة التي أدمنها مجتمعنا.

قيمة المجتمع المتعلم

إن المجتمع المتعلم هو المجتمع الذي يبشر بالحضارة والرفاهية والنظام والتخطيط والإنتاج والازدهار، وهو المجتمع المعصوم من الفوضى والتسيب، والمبرأ من الأمية والجهل والخرافة، وكل مظاهر التخلف الحضاري والعلمي، وهو المجتمع الذي يربط الأسباب بالمسببات، والنتائج بالمقدمات، ويكتشف قوانين الله في الكون، ويحسن التعامل معها والاستفادة منها، وأول آيات الوحي كانت دعوة إلى المجتمع المتعلم المعتمد على المنهج العلمي.

والمنهج العلمي الذي أصله المسلمون وعممه علماء الحديث، وقبل ذلك وضع أساسه القرآن الكريم هذا المنهج هو الذي أوجد مجتمع العلم والحضارة وكان سر التقدم وبناء العقلية المسلمة على منهجية العلم والإيمان.

والذين يظنون أن أكثر المؤسسات الفارغة من المضامين العلمية الحقيقية يمكن أن تحدث تغييرا في المجتمع -هؤلاء واهمون- لأن هذا النوع من التغيير سيكون تغييرا شكليا مظهريا أجوف لا قيمة له في الحياة ولا أثر له في عملية التنمية والتقدم وسنظل نحرث في البحر ونضرب في حديد بارد.

إتقان العمل

عناصر الموضوع

1- مفهوم العمل

2- نظرة الإسلام للعمل

3- لماذا نعمل؟؟

4- ماهية الإتقان

5- أهمية الإتقان

6- عوامل تساعد على الإتقان

7- صور تنافي الإتقان!!

أولا: مفهوم العمل:

هو كل فعل يكون من الإنسان أو الحيوان فهو أخص من الفعل لان الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد"[5]                    

وهذا التعريف يفهم منه أن الحركة المقصودة والفعل المتعمد يطلق عليه لفظ "عمل" وهو لا يكون إلا من الإنسان صاحب العقل والإرادة وقد جاءت الآيات والأحاديث بهذا المعنى قال الله تعالى: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله..."[6] ويقول -صلى الله عليه وسلم--: "إنما الأعمال بالنيات" رواه البخاري و مسلم في صحيحهما.

وبهذا القصد في الفعل يترتب عليه أثره ونتيجته فيحمد الإنسان على عمله الصالح ويذم ويلام على عمله الطالح

وقد جاء العمل في اللغة: بمعنى المهنة ولقد تطور مفهوم المهنة بمجيء الإسلام فهي كانت تعني في لغة العرب قديما" الخدمة والابتذال قال الجوهري: "امتهنت الشيء أي ابتذلته ورجل مهين أي حقير" وكان العرب يكرهون العمل باليد وينظرون إليه بتدن ويفضلون عليه التجارة وأوكلوا أمر المهن إلى الموالي وجاء الإسلام ليغير هذه النظرة القاصرة الخاطئة للعمل الشريف فشجع كثيرا على العمل، ووعد عليه بالأجر العظيم كما سنرى لاحقا وقد جاء في المعجم الوسيط ما يشير إلى هذه التطور في مفهوم المهنة الذي عرفها: بأنها العمل والعمل يحتاج إلى ومهارة وحذق بممارسته يقال: ما مهنتك أي عملك"[7]

فالعمل المثمر المنتج الذي يرقى بالأمة هو ما كان أساسه الخبرة وعموده العلم والحرفية العالية في الأداء

ثانيا: نظرة الإسلام للعمل:

1 - لقد اعتنى الإسلام بالعمل المهني وجعله نعمة تستحق الشكر قال تعالى: "ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم ألا يشكرون"[8] فالآية تشير أن ما يتغذى عليه الإنسان هو من كسبه وكده سواء كان بزراعة الأرض وهو ما أومأت أليه الآية: "من ثمره" أو بالتجارة المشروعة كما في قوله: "مما عملته أيديهم" وهذه القدرة التي منحها الله تعالى للإنسان والعلم الذي وهبه إياه لاستخراج ما في بطن الأرض من الخيرات والثمرات وإدارة موارد الطبيعة وحسن توظيفها هو نعمة عظيمة تستحق الشكر الجزيل والاعتراف بالجميل

2 - اعتبر الإسلام العمل نوعا من الجهاد ينال به المسلم  درجة المجاهدين وشرف المرابطين" وقد رأى الصحابة شابا قويا يسرع إلى عمله فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله؟! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تقولوا هذا فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان " ولما لا يعد العمل جهادا؟ وهو الذي يوفر الطعام والشراب والكساء والسلاح والمال للمرابطين في أرض المعركة ولولا العمال الكادحين والصناع المهرة ما قامت لنا قائمة، وبعث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- "سفيان بن مالك" ساعيا بالبصرة فمكث حينا ثم استأذنه في الجهاد فقال له عمر: أو لست في جهاد؟

3 - والعمل الجاد مكفر للذنوب ومطهر للآثام فقال -صلى الله عليه وسلم-: "من بات كالا من عمله بات مغفورا"[9] وقال: "من بات وانيا من عمله بات والله عنه راض"

4 - والعمل مهما كان حجمه إذا نوى صاحبه إطعام الجائع وكساء العاري وشفاء المريض وإغناء الفقير كان له بذلك صدقة جارية وأجر غير ممنون ما انتفع الناس والحيوان بثمرة عمله قال -صلى الله عليه وسلم-  "من بني بنيانا من غير ظلم ولا اعتداء أو غرس غرسا في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجر جار ما انتفع به خلق الله"[10]

وقال أيضا: "ما من رجل يغرس غرسا إلا كتب الله عز وجل له من الأجر قدر ما يخرج من ثمر ذلك الغراس"[11] وقال أيضا: "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة"[12]

5 - كما رفع الإسلام من قيمة العمل وأعلى قدر العاملين وحرم التبطل وحارب الخمول والكسل وهناك أحاديث تنهى عن القعود وتشحذ همم العاملين كقوله صلى الله عليه وسلم-: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه"[13] وكان عبد الله بن مسعود يقول: "إني لأكره الرجل فارغا لا في عمل الدنيا ولا في الآخرة"

6 - ومما يؤكد على قيمة العمل أن القرآن الكريم أشار إلى كثير من الصناعات التي لا يستغني عنها الناس مثل صناعة الحديد: "وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس"[14] وصناعة الأكسية "ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين"[15] والصناعات الحربية: "وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد"[16]، وصناعة الجلود: "وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخلفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم[17]، وصناعة الملابس: "وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم"[18] والسربال: القميص من أي شيء، وصناعة السفن والمراكب: "فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا"[19]

والصناعات المسكنية: "وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا"[20]، كما كان كثير من الأنبياء لهم حرف يرتزقون منها فآدم -عليه السلام- حراثا، وداود صناعا للسرد والدروع، وموسى راعيا، وكذا نبينا اشتغل بالرعي، فقد حث الإسلام المسلم على أن يكون ديدنه في حياته كلها العمل والعطاء وتعمير الأرض وبناء الحياة حتى يدركه الموت  أو الساعة قال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها"

لماذا نعمل؟؟:

أولا: العمل مهما كان قدره ومهما كان ربحه وعائده فهو يمنع صاحبه من التبذل وسقوط ماء الوجه وضياع هيبته بالسؤال وبذلك ينال العامل توقير المجتمع واحترامه ويحيى عزيزا كريما ويموت جليلا حميدا واليد العليا خير من اليد السفلى وفي حديث البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خيرا له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه" وفي حديث البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه: "لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه"[21]

ثانيا: أن تقدم الأمة في الصناعات المختلفة وريادتها في الأعمال المبتكرة يحقق لها المنعة من الأعداء المتربصين بها والطامعين في ثرواتها وكنوزها، وقد رأينا يوم أن أصبحنا عالة على غيرنا في ما نأكل ونشرب ونلبس ونركب ونحن لا حول لنا ولا قوة نهبت أموالنا وصودرت أراضينا ومقدساتنا؛ ولذا كان من مخطط الغرب لنا أن يبقينا شعوبا جاهلة متسولة لكل تقنية تعيش وتقتات على صناعات غيرها يقول أحد الساسة الفرنسيين: " إن العالم الإسلامي يقعد اليوم على ثروة خيالية من الذهب الأسود والموارد الأولية الضرورية للصناعة الحديثة ؛ فلنعط هذا العالم ما يشاء ولنقو في نفسه عدم الرغبة في الإنتاج الصناعي والفني فإذا عجزنا عن تحقيق هذه الخطة وتحرر العملاق من قيود جهله وعقدة الشعور بعجزه عن مجاراة الغرب في الإنتاج فقد بؤنا بالإخفاق السريع وأصبح خطر العالم العربي وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة خطرا داهما يتعرض به التراث الغربي لكارثة تاريخية ينتهي بها الغرب وتنتهي معه وظيفته القيادية " لذا فإن العمل والإنتاج لسد حاجة المجتمع وتقوية بنيته، وتحقيق تقدمه وريادته في شرعنا فرض تأثم الأمة كلها إذا لم يتحقق لها ذلك، يقول ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "لهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما كأبي حامد الغزالي، وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهم: إن هذه الصناعات فرض على الكفاية فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها"

ضوابط العمل:

1 - أن لا يكون هذا العمل مما نصت الشريعة على حرمته وبان ضرره وعظم خبثه كزراعة المخدرات والاتجار  فيها وتعاطي الربا في المعاملات المالية وغير ذلك، والمحرمات في ديننا معروفة ومحدودة ودائرة الحلال واسعة تستوعب كل النشاط الإنساني

2 - العمل ليس هدفا في حد ذاته؛ وإنما هو وسيلة تغني المسلم وتكفل له حياة كريمة فينبغي أن لا تشغله عن أخرته وتعطله عن ربه وتعوقه عن خدمة دينه بل ترفعه إلى العطاء ورعاية واجباته الدعوية؛ ولذا جاء في وصف المؤمنين الصادقين: "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله"[22] وقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادك عن ذكر الله"[23] "فالمؤمنين ليسوا عالة على غيرهم تشغلهم عبادتهم عن العمل والكسب، وليسوا طلاب دنيا وعبيد مال تحجزهم مصالحهم وتلهيهم تجارتهم عن أداء حقوق الله تعالى، "ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك.."[24]، ودخل عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- السوق، فأقيمت الصلاة فأغلق التجار حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال: فيهم نزلت: "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.."، وقال مطرف الوراق: "كانوا يبيعون ويشترون ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة"

3 - أن يقنع المسلم بما قسمه الله له ويرضى برزقه وهذا يمنعه من التطلع إلى ما في أيدي الناس، وسلوك طرق محرمة لزيادة دخله كالرشوة والسرقة والتزلف لذوي الأموال

هي القناعة لا تبغي بها بدلا         فيها النعيم وفيها راحة البدن

انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها      هل راح منها بغير القطن والكفن

4 - في المال حق لله تعالى إذا بلغ النصاب يجب إخراجه بتمامه في موعده دون تلكأ أو تأخير: "وآتوا حقه يوم حصاده"[25]، "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها"[26] وبذلك يساهم العامل في سد حاجة الفقراء وإغاثة الملهوفين ونجدة المحرومين ويساعد بماله الذي من كده وتعبه في بناء مجتمع قائم على التكافل والرعاية

ماهية الإتقان:

يقول الفيروز أبادي في معجمه: "تقن الأمر أحكمه والتقن الرجل الحاذق ورجل من الرماة يضرب بجودة رميه المثل" والإحسان يرادف كلمة الإتقان وهو "يقال على وجهين:

أحدهما: الإنعام على الغير يقال: أحسن إلى فلان

والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا علم علما حسنا أو عمل عملا حسنا" وعلى هذا قول أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه-: "الناس أبناء ما يحسنون، أي منسوبون إلى ما يعملونه من الأفعال الحسنة"[27] وفي ضوء التعريف اللغوي لكلمتي الإحسان والإتقان ندرك أن اللفظين يتفقان على ممارسة النشاط الإنساني بمهارة عالية ودرجة كبيرة من الإحكام والجودة، وفي تعريف الإحسان بأنه "الإنعام على الغير" ندرك أن المحسن في عمله والمميز في مهنته والبارز في صنعته بالإضافة أنه يضيف إلى مهنته ويرتقي بها هو في ذات الوقت ينال شرف آخر وهو الإحسان إلى أمته وكل من يستفيد من صنعته إذ يقدم لها منتجا جيدا سواء كان في أمر الدين أو الدنيا أو العلم والعمل، وقد حضنا ديننا على إتقان العمل فقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته"[28] والنبي -صلى الله عليه وسلم- ضرب مثلا في الحديث بأعمال يجب فيها الإحسان وهي أمور هينة لا يترتب على عدم الإحسان فيها آثار بالغة ليؤكد أمرين:

الأول: إذا كان الإحسان مأمورا به شرعا في الأمور البسيطة فإنه أشد وجوبا وأكثر إلزاما في الأعمال الجليلة التي تتوقف عليها حياة الناس وتتحقق بها ضرورياتهم

الثاني: أن يصير الإحسان في الأعمال ثقافة عامة في المجتمع وخلقا واقعا وسلوكا حيا تجده متجليا وبارزا على كل كلمة أو قول أو فعل أو مهنة أو شريحة أو مؤسسة عامة أو خاصة ؛ هذا هو غاية الإسلام في تعاليمه وأحكامه، إيجاد أمة محسنة وهي إذ تتخلق بهذا إنما تتصف بما وصف الله به نفسه القائل: "صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون"[29]، ولو دققت النظر في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"[30]  لوجدت كلمة "عملا" جاءت مطلقة من غير تحديد لنوع معين من الأعمال يجب الاهتمام به والإحسان فيه دون غيره لتشمل أعمال الدنيا والآخرة، وهذا ما أشار إليه الحديث السابق: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" وقوله: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان"[31]

أهمية إتقان العمل:

أولا: على مستوى الفرد:

1 - أن المسلم الذي يحسن في صنعته ويتقن حرفته ويخلص في أداء عمله ينال حب الله تعالى ورحمته ففي الحديث الصحيح: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه" وفي رواية "إن الله يحب من العامل إذا عمل عملا أن يحسن"

2 - ينال المتقن احترام الآخرين ويكسب تقديرهم لمهارته وينال ثقتهم فيه يقول الإمام علي -رضي الله عنه-: "قيمة كل امرئ بما يحسن، وما لا يحسن لا يحمد" بالإحسان تتفاوت أقدار الرجال وأسوق إليك هذه القصة التي تؤكد هذه الحقيقة"  (تعطلت ماكينة ضخمة متطورة في سفينة تجارية كبيرة؛ فقام أصحاب السفينة بإحضار خبراء لإصلاحها واحدا وراء الآخر، ولكن دون جدوى ولا نتيجة ولعدة أيام، ولم يعرف أحد من هؤلاء الحرفيين ما هي العلة في عطل ذلك المحرك الضخم المطور!!، وبالطبع فإن تعطل مثل هذه السفينة الضخمة عن العمل يؤدي إلى خسارة آلاف الدولارات يومياً وبلا مبالغة؛ لذا قام أصحاب السفينة باستدعاء خبير قد تجاوز الستين من العمر، والذي قضى عمره في إصلاح محركات السفن الضخمة، وجاء معه حقيبة كبيرة مليئة بالعدد والأدوات، وكان أول ما فعله عند وصوله مباشرة هو تفحصه للماكينة الضخمة بدقة من أعلاها لأسفلها، وكان هناك اثنان من ملاك السفينة يتابعون هذا الخبير العالمي بشغف، ويتمنون في أنفسهم أن يعرف العلة في عطل ذلك المحرك العنيد العاصي على الإصلاح!!. بعد أن انتهى هذا الرجل من تفحص الماكينة أو المحرك اتجه لحقيبة معداته وأخرج منها مطرقة صغيرة وطقطق برقة على مكان معين من سطح المحرك فعلى صوته بالحركة مجلجلاً، لقد دار المحرك الضخم العنيد بعد عناء، وبعد تعطل لمدة أسبوعين كاملين عن العمل، خسر خلاله أصحاب السفينة العملاقة عشرات الآلاف من الدولارات، قام ذلك الخبير بإصلاح ذلك المحرك بهدوء بوضع المطرقة في مكانها وتأكد ملاك السفينة من إصلاح ذلك المحرك بعد أن قامت تلك السفينة برحلة تجارية تجريبية قصيرة نسبياً في عرض البحر بنجاح. بعد أسبوع استلموا فاتورة من ذلك الخبير المخضرم بعشرة آلاف دولار قيمة الإصلاح!!؛ فصرخ ملاك السفينة العملاقة قائلين (بينهم وبين أنفسهم): ماذا فعل هذا الشائب العجوز ليطلب هذا المبلغ الضخم؟!  وقاموا على الفور بإرسال رسالة له يطلبون فيها فاتورة مفصلة عن تكاليف الإصلاح؟!؛  ماذا تتوقعون عن رده عليهم؟!، لقد أرسل لهم فاتورة كتب فيها تفاصيل التكاليف: الكشف على المحرك خمسمائة دولار. الضرب بالمطرقة على موضع الخلل عشرة دولارات. معرفة مكان الطرق بالمطرقة 9490 دولاراً. المجموع: عشرة آلاف دولار أمريكي فقط لا غير. هذا هو ثمن الخبرة النادرة، والتي قد يضطر بعض أصحاب رؤوس الأموال إلى دفع الكثير والكثير ليستفيدوا من تلك الخبرة النادرة فيما يخصهم!!"

وعلى الوجه الآخر فإن الإنسان المهمل المتهاون في عمله أول من يجني أثر ذلك ويصطلي بنار التسيب ويكتوي بلهيب الفوضى وإليك هذه القصة "كان هناك نجار تقدم به العمر، وطلب من رئيسه في العمل وصاحب المؤسسة أن يحيله على التقاعد ليعيش بقية عمره مع زوجته وأولاده. فرفض صاحب العمل طلب النجار ورغّبه بزيادة مرتبه إلا أن النجار أصر على طلبه!! فقال له صاحب العمل إن لي عندك رجاءً أخيراً وهو أن تبني منزلاً أخيراً وأخبره أنه لن يكلفه بعمل آخر ثم يحال للتقاعد فوافق النجار على مضض  وبدأ النجار العمل ولعلمه أن هذا البيت هو الأخير فلم يحسن الصنعة واستخدم مواداً رديئة الصنع وأسرع في الإنجاز دون الجودة المطلوبة..!! وكانت الطريقة التي أدى بها العمل نهاية غير سليمة لعمر طويل من الإنجاز والتميز والإبداع!! وعندما انتهى النجار العجوز من البناء سلّم صاحب العمل مفاتيح المنزل الجديد وطلب السماح له بالرحيل، إلا أن صاحب العمل استوقفه وقال له: إن هذا المنزل هو هديتي لك نظير سنين عملك مع المؤسسة فآمل أن تقبله مني!! فصعق النجار من المفاجأة لأنه لو علم أنه يبني منزل العمر لما توانى في الإخلاص في الأداء والإتقان في العمل"

ثانيا: على مستوى الأمة:

فبالإتقان ترتقي الحياة وتتقدم الأمة ويحصل لها غنى عظيم وثروات طائلة وريادة في المجالات المختلفة صناعية وتجارية وزراعية وبهذا يفرض الإسلام نفسه على العالم الذي لا يقدر إلا الأقوياء ولا يعترف إلا بأصحاب المال والجاه وللأسف أن المسلمين في ذيل الدنيا ونهاية القافلة ؛إذا ذكرت صناعتهم فلا تذكر إلا بالرداءة والركاكة والهشاشة مع ارتفاع ثمنها فليس عندنا كأمة كتب الله عليها الإحسان في ذبح طائر ما تقدمه للعالم وتبهر به البشرية

عوامل إتقان العمل:

أولا: من جهة العامل:

1 - أن يعتقد المسلم أن عمله محل نظر الله تعالى قال تعالى: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"

2 - أن يعلم أن عمله أمانة عنده فلا يضيعها ويفرط فيها وقد قال الله تعالى: "والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون"[32]

3 - الجد والمثابرة في العمل فالإتقان يحتاج إلى مجاهدة ومغالبة لعوامل الكسل والإهمال لذا يقول ربنا: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين"[33]

ويقول الشاعر:

ذريني أنال ما لا ينال من العلا    فصعب العلا بالصعب والسهل بالسهل

تريدين إدراك المعالي رخيصة      ولا  بد  دون  الشهد  من  إبر  النحل

4 - أن يختار الإنسان العمل أو المهنة التي يحبها ويقتنع بها وتنسجم مع ميوله وإمكاناته ويعد هذا من الأمور الضرورية لنجاح الإنسان في عمله والإبداع فيه

5 - التخصص في الأعمال يعين على التميز والتفرد وما رأيناه من تراث ضخم للمسلمين في شتى العلوم كان أحد أسباب وجوده الأساسية التخصص فمنهم من برز في القراءات ومنهم من برز في الحديث أو الفقه ومنهم في الأصول والطب والنحو واللغة ومن أراد أن يأخذ كل شيء يخرج بلا شيء لأن الإنسان له قدرات محدودة إذا فرقها في كثير من العلوم ضاعت

ثانيا: من جهة المؤسسة أو الدولة:

1 - احترام العمل وحسن معاملته تنفيذا لأوامر الإسلام "وقولوا للناس حسنا"[34]

2 - إعطاء العامل الأجر الذي يتناسب مع جهده فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثلاثة أن خصمهم يوم القيامة منهم  رجل استأجر أجيرا فستوفى منه فلم يعطه أجره"[35] ، وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم: أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه"[36]

3 - أن يكون أجر العامل عادلا بحيث يوفر له الحياة الكريمة من الطعام والشراب والملبس والمسكن، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  "إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس"[37]

4 - عدم تكليف العامل ما لا يطيق وعدم إرهاقه بالأعمال الشاقة التي لا يقدر على إنفاذها فإن فعلنا شيئا من ذلك أعناه بأنفسنا أو بغيرنا، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم"[38]

5 - الضمان الاجتماعي فمن حق كل مواطن تأمين راحته ومعيشته كائنا من كان ما دام مؤديا واجبه أو عاجزا عن هذا الأداء بسبب قهري لا يستطيع أن يتغلب عليه، ولقد مر عمر بن الخطاب على يهودي يتكفف الناس فزجره واستفسر عما حمله على السؤال فلما تحقق من عجزه أرجع على نفسه باللائمة وقال له: ما أنصفناك يا هذا أخذنا منك الجزية قويا وأهملناك ضعيفا أفرضوا له من بيت المال ما يكفيه"

6 - التشجيع المستمر والثناء على المجدين في عملهم والمتقنين في مهنتهم والمتفانين في صنعتهم وهذا من أعظم الحوافز للإتقان والجد وزيادة الدقة والإحكام

صور تنافي الإتقان:

1 - أن يذهب العامل إلى عمله  متثاقل الخطى خامل النفس متأخرا عن الموعد المحدد وتجده يزاحم زملاءه ليوقع انصرافه فيخسر العمل ساعة في أوله وساعة في آخره

2-  في أثناء فترة العمل المحددة تجده يخرج لقضاء مصالحه الشخصية ويعطل مصالح الناس، يفطر ويشرب الشاي ويقرأ الصحف ويهاتف الأصحاب والبيت.

3 - يعامل الناس بغلظة شديدة وبدل أن ييسر لهم مصالحهم ويسعى في إنجازها يضع العراقيل حتى ييأس الناس ويدركوا أنهم لا محالة سيرجعون خائبي الرجاء يفعل ذلك ليجبر الناس على البحث عن حلول ملتوية كالرشوة والوساطة وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي " كما في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو إنه بهذا يرتكب جريمتين عظيمتين: الخيانة في العمل وأكل أموال الناس بالباطل

4 - غش الصنعة ومداراة ذلك طمعا في الربح السريع ألا يعلم ذلك المحتال أن فعلته الشنعاء تلك تخرجه من جماعة المسلمين لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "من غشنا فليس منا"[39] ووجود مثل هذه الصور البغيضة التي لا تحتكم إلا إلى المنفعة الذاتية والمصلحة الشخصية الضيقة عقبة كأداء في نمو الحياة وتطورها بل إنها تفرز عللا وأمراضا تنخر في عظام المجتمع وتهد بنيانه كالقضاء على الفقر والاحترام والتقدير وانتشار الكذب والنفاق واللعن والسب والدعاء بالشر وأخيرا أد أخي المسلم عملك وراقب ربك وأحسن إلى إخوانك حتى وإن لم يكافئك أرباب العمل حتى وإن كان الراتب زهيدا ويكفيك أن الله سيعطيك "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان"[40]

هذا وبالله تعالى التوفيق والسداد

نظرة الصحابة إلى العمل.

من الوهلة الأولى نرى الفارق الكبير بين نظرة الصحابة إلى العمل، وبين نظرتنا نحن إليه، فارق هائل جدا بين جيل الصحابة، وبين من لحق بهم، فقد كان تلقى الصحابة رضوان الله عليهم للكتاب والسنة بهدف التطبيق، كانوا يسمعون بهدف الطاعة، إنه مبدأ جميل جدا عند الصحابة، مبدأ السماع للطاعة (وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ) (البقرة285)

كان الصحابة رضوان الله عليهم مثل المريض الذي يتلقى الدواء من الطبيب، والطبيب ينصحه بإجراء عملية جراحية، والطبيب يقول للمريض، أنا سوف أجري لك عملية جراحية، حتى تشفى من هذا المرض الموجود في بطنك، سوف تفتح بطنك، وتترك عملك، وسوف تدفع أموالا كثيرة تصل إلى ألف، أو عدة آلاف، والمريض يسمع ويطيع، ويتحمل الألم، ويضحي بالمال، ويضحي بالوقت، وتجري له العملية، لأنه يدرك أن هذه العملية في مصلحته، ويأمل أن يشفى من مرضه، وعند المريض ثقة كبيرة في طبيبه.

وإنه من الأهمية بمكان التأكيد على أهمية الثقة في إنجاح المهمة، الصحابة كانوا مثل الجنود في ميدان المعركة، بل الجندي في أرض العدو، ينتظر أمرا من الأوامر ليوضح له كيف يتحرك؟

فهو لا يستطيع التحرك بغير هذا الأمر، يخشى أن يقع في مهلكة، أو يدخل في كارثة، أو تصبه مصيبة من مصائب الزمان والمكان.

هل الجندي في هذه الظروف يتلقى الأوامر على التراخي؟

بالطبع لا، فالجندي في ميدان المعركة لا يدري أين يتوجه، وما هي الناحية التي يكون فيها طوق النجاة، فيسلكها حتى تكتب له السلامة، ويتلهف الجندي على سماع أمر القائد حتى يسير عليه لأنه يثق في قائده، ولذلك يسمع منه دون جدل، ولا نقاش؛ لأنه يدرك أن القائد يريد مصلحته هو وإخوانه، كذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم، وكل مؤمن فطن ذكي يتلهف على أمر الله عز وجل في أي قضية من القضايا في أي أمر من الأمور، ويعلم أن الله عز وجل يريد به الخير، فيريد أن يعلم ماذا يريد الله عز وجل منه في هذه النقطة؟

إن علم أن الله عز وجل راضيا عن ذلك فعله، وهو مطمئن، بل سارع بفعله، وإن علم أن الله لا يرضى عنه تركه، بل بالغ في الابتعاد عنه.

يا ترى أنت فعلا مطمئن إلى أن الحق سبحانه وتعالى ما أمر به هو فعلا الخير لك وللأرض؟ أم عندك شك في هذا؟

لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يسارعون إلى كل أمر من أوامر الله عز وجل، وهذا من أهم الأشياء التي ميزت جيل الصحابة، فقد فقهوا الحقيقة القرآنية الكبرى التي تقول:

(أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ) (الأعراف:54).

إننا نجد فعلا فارقا هائلا بين جيل الصحابة، وبين الأجيال التالية.

إن الأمر لمن خلق، والحكم لمن خلق، هو الذي خلق النفس البشرية، ويعلم ما يصلح شأنها، ولذلك يقول رب العزة تبارك وتعالى:

 (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينً) (الأحزاب:36).

وكن فطنا، فطالما أن الأمر مرتبط بالله فليس لدينا أي اختيار، طالما عرفنا أن هذا أمر لله سبحانه وتعالى أو أمر الرسول صلى الله عليه وسلم إذن لابد من تنفيذ أوامر الله، سواء كانت هذه الأوامر مع رغبتنا أو عكس تفكيرنا، أم لا، أو عكس تفكير الشرق والغرب أو عكس القانون الدولي أو عكس التقاليد أو عكس أي شيء.

نحن ليس لدينا اختيار، وفي بعض الأوقات يجد الإنسان أن تنفيذ الأمر يكون صعبا على النفس، ويكون فتنة، لذلك يقول الله عز وجل يقول إن من ينفذ أوامر الله بنفس راضية هو المؤمن والمؤمنة:

 (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينً) (الأحزاب:36).

المؤمن والمؤمنة هم الذين يُقْبِلون على تنفيذ أوامر الله بنفس راضية، واثقة من ربها. ومؤمنة برسولها صلى الله عليه وسلم، ومن سوف يخالف أوامر الله سوف يضل في هذه الدنيا، ويكون كالذي يتخبطه الشيطان من المس، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينً) (الأحزاب:36).

لذلك بعد هذا الفهم لهذه الآيات، وغيرها فإنه من المستحيل أن يصلح العلم بغير عمل يصدقه، انظر إلى الحسن البصري رحمه الله يقول:

إن الإيمان ليس بالتحلي، ولا بالتمني، إن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل.

لا بد أن تعرف أولا ما وقر في القلب، فلا بد من الإخلاص لله عز وجل في القلب الذي لا يطلع عليه إلا الله عز وجل، ولكن الأهم وصدقه العمل، فالإيمان بغير العمل كشجرة بلا ثمر، وواهم من يظن أنه يصل إلى الجنة بدون العمل، فهذا ضد النواميس العادلة التي وضعها رب العزة سبحانه وتعالى.

روى الترمذي، وابن ماجه، وأحمد عن شداد بن أوس رضي الله عنه و أرضاه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. قال: قال رسول الله:

الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ.

يعمل كل الآثام، والشرور، ثم يتمنى على الله، يقول: إن الله غفور رحيم.

إن هذا الكلام نسمعه كثيرا، يعمل الإنسان كل المعاصي، ويقول: ربنا غفور رحيم.

سبحان الله، لماذا يتذكر الإنسان آيات الرحمة، ولا يتذكر آيات العذاب

 (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العَذَابُ الأَلِيمُ) (الحجر:49،50).

وإننا نجد من يقول: إن الله ينظر إلى القلوب، وما دام القلب نظيفا فلا يضر الإنسان شيئا.

إن القلب النظيف يأتي عليه الوقت الذي يعصي فيه الله عز وجل، ويكسل القلب النظيف، ولا يسمع كلام مَنْ خلقه، هذا كلام حق يُرَاد به باطل، إن الله سبحانه وتعالى غفور رحيم، ونظافة القلب شيء من الأهمية بمكان، ولكن لا بد من العمل مع الإيمان.

تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ

وهناك من يقول بمنتهى الاستهتار: لن يضرنا شيء، ولن يصيبنا شيء، إن الله غفور رحيم.

لو أحسن هؤلاء الظن بالله لأحسنوا العمل، فلا بد من العمل، والإنسان عليه أن يأخذ بالأسباب، فهل يعقل أن ينجب الإنسان الأولاد بغير زواج، وهل يعقل أن ينبت الزرع بدون أن يزرعه الإنسان، وهل تسير السفينة في الصحراء، وتقول: إن الله سوف ينزل المطر من السماء، وسوف ينزل طوفان من السماء مثل طوفان نوح عليه السلام.

هذا ضد السنن الكونية، والله عز وجل لا يخالف سننه إلا في ظروف خاصة جدا، والإنسان مأمور بالسير في ضوء السنن الكونية، إن الله عز وجل يقف بجوار من يأخذ بالأسباب، ويسعى في الأرض منفذا قوله تعالى:

(فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك:15).

وعلى المرء أن يسعى، وليس عليه إدراك النتائج، والإنسان مأمور إذا قامت القيامة، وفي يده فسيلة، وهي النخلة الصغيرة أن يزرع هذه الفسيلة، رغم أن القيامة قد جاءت، وسوف يقوم الناس للبعث، والنشور، ولكن الإنسان مأمور بالعمل، أما النتائج فهي في علم الله عز وجل، فكيف يدخل الإنسان الجنة بدون العمل، أوقاته يقضيها في اللهو واللعب، والإعراض عن ذكر الله، وعن أوامر الله، فمن الطبيعي بعد كل هذا هو عدم دخول الجنة.

فلا بد أن تسير في السنة الكونية، وسنة الله عز وجل

(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزَّلزلة:7،8). وعلى قدر العمل يأتي الثواب، والجزاء من جنس العمل، إنما التواكل على الله عز وجل، واعتقاد النجاة بدون عمل، هذا ليس مسلك الصالحين، وهذا لم يكن أبدا مسلك الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، هذا المسلك سلكه الضالون من أهل الأرض.

هذا المسلك الخاطئ كان ثمة مميزة لبني إسرائيل، على سبيل المثال بنو إسرائيل قال الله عز وجل في حقهم:

(يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (آل عمران:70،71).

كان بنو إسرائيل يعلمون هذه الحقائق، ولكنهم أعرضوا عنها، فلم يتمسكوا بها، ولم يطبقونها، إنهم علموا، ولكنهم لم يعملوا، فكانت النتيجة ضلال، وكفر، ولعنة، وجهنم، انظر إلى حيي بن أخطب، يقول لأخيه، وحيي بن أخطب من أكابر اليهود أيام الرسول فلما ذهب إلى الرسول سأله أخوه عن هذا الرجل، عن رسول الله: أهو هو؟

هل هذا هو الرسول الذي جاءت به كتبنا؟

قال: نعم.

قال: وما تفعل معه.

انظر إلى كلام حيي بن أخطب، وهو يعرف أنه هو رسول الله، قال:

عداوته ما بقيت.

أحارب هذا الرسول إلى أن أموت، علم ولا عمل، عجز، وحماقة، وغباء، حقا حتى تاريخ اليهود يشهد بهذه الصفة دائما علم بلا عمل.

روى البخاري، ومسلم، وغيرهما، وهذه الرواية للبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا، وَقُولُوا حِطََّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ.

فَبَدَّلُوا، فَدَخَلُوا الْبَابَ يَسْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ.

فبدلا من السجود، دخلوا بالزحف، وقالوا: حبة في شعرة.

يعني بدل ما يقولون: حطة. قالوا: حبة في شعرة.

في رواية قالوا: حنطة.

سبحان الله، لا يريدون أن يطبقوا، وهم يدركون الحقيقة، ويعرفونها، فإنهم كانوا علماء في دينهم، كما قال الحق سبحانه وتعالى في حقهم:

(أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (الشعراء:197). لكن أين العمل؟

لا عمل.

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ) (البقرة:67).

انظر كيف يردون على النبي: أتتخذنا هزوا.

سوء أدب، ومجادلة، وعناد، وحماقة، وعدم رغبة في التطبيق، يسمعون نعم، يسمعون، ولكن لا يطيعون، ولكن لكي يعصوا، سبحان الله يسمعون حتى يعصوا، انظر إلى كلام الله عز وجل:

(مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) (النساء:46).

كل هذا العناد من بني إسرائيل يلخصه الله عز وجل في وصفهم الذي وصفهم فيه في سورة الجمعة، قال سبحانه وتعالى:

(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الجمعة:5).

إن الله عز وجل ساعدهم مرة، والثانية، والثالثة أن يقوموا بهذه المهمة المكلفين بها، وهي حمل التوراة، لكنهم عصوا مرة، والثانية، والثالثة. اختارهم وأرسل لهم الرسول الواحد تلو الآخر، رفضوا، وأراهم الآيات الواضحة واحدة وراء الثانية، ولكنهم أصروا على رفض مهمة الإنسان، وعملوا مهمة ثانية، وقبلوا مهمة الحمار، الحمار يحمل الأشياء بصرف النظر عن قيمتها، ومحتواها، يحمل الكتب مثلما يحمل الأكل، مثلما يحمل البرسيم، مثلما يحمل الحجارة، فهو لا يستفيد مما يحمله، وهذا ليس عيبا في الحمار، لأنه مخلوق لوظيفة الحمل، ولكن العيب هو عيب الإنسان الذي خلق من أجل العمل والعبادة، ولكنه لا يعمل وظيفته الرئيسية.

إن الله عز وجل أعطاهم التوراة حتى يعملوا بها، ويعلموها لغيرهم، هم قاموا بوظيفة الحمار، وهي حمل التوراة دون أن يفقهوا ما بداخلها، ولا أن يعلموا بمحتواها، كمثل الحمار يحمل أسفارا.

وعلى الجانب الآخر المسلم الذي سوف يحتفظ بكتاب ربنا سبحانه وتعالى وبسنة الرسول صلى الله عليه وسلم يحتفظ بها في البيت، أو في السيارة، أو غيرها من الأماكن، ولا يعمل بها واقع تحت نفس الوصف، كمثل الحمار يحمل أسفارا.

من يقرأ آيات الربا، ويتعامل بها، ومن يقرأ آيات الرفق واللين والدعوة وما زال يتعامل بالعنف.

ومن يقرأ آيات حفظ اللسان، ويطلق لسانه، ومن يقرأ عن بر الوالدين، وصلة الرحم، ومن يقرأ آيات الإنفاق، والجهاد وهو ما زال بخيلا بالمال، والنفس كمثل الحمار يحمل أسفارا، وسبحان الله، عندما يكون الإنسان من خارجه مسلم، واسمه مسلم، وأبوه وأمه مسلمين، ويخالف أوامر الله باستمرار يأخذ اسم قبيح جدا في الإسلام يأخذ اسم منافق، سبحان الله إنه شيء خطير، انظر إلى الحق سبحانه وتعالى يصف المنافقين في كتابه ويقول:

(وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلً) (النساء:81).

يسمعون الدرس ويقرءون الأحاديث، يقولون: إن شاء الله سوف نطيع، وهو لا ينوي تنفيذ الأمر، وربما يأمر الناس بالخير وهو لا يعمله، ولا يريد أن يعلمه، بل من الممكن أن يكون منهم الذين يعظون الناس، ويقوم بدور المصلح بين الناس، وممن يعتلون المنبر، ويذهل العقول بحسن بيانه ولباقته، وهو على النقيض من هذا تماما، يقف وسط الناس خطيبا، يأمر الناس بعدم الحقد، وعدم الكذب، وعدم التعرض للحرام، وعدم الظلم، ومن الممكن أن يكون حافظا لآيات، وحافظا لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن أين العمل؟

هؤلاء يوم القيامة في موقف في غاية الخطورة.

روى البخاري، ومسلم، واللفظ للبخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم اسمع الحديث جيدا لأننا نقع في نفس الموقف هذا، يقول صلى الله عليه وسلم:

يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقَ أَقْتَابَهُ فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ.

وانظر إلى تشبيهه بالحمار؛ لأنه كان في الدنيا مثل (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الجمعة:5).

فهذا الرجل يُجَاءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقَ أَقْتَابَهَ فَي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ، فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ، مَا شَأْنًُكَ؟

أَنْت كنت رجلا عظيما جدا في الدنيا، كنت تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، كنت خطيبا، كنت تعطي دروسا، وتعطي نصائح، ماذا حدث لك؟ أين كل الخير الذي كنت تأمر به؟

يَقُولُونَ: أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟

قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ.

أمر خطير أن يكثر الإنسان من القول ولا عمل، الأمر خطير، ويحتاج إلى وقفات، ونجد بعض المسلمين مصاب بما أسميه التخمة العلمية، عنده تخمة علمية فعلا، معلومات هائلة، ولكن لا تدفع إلى عمل، وهذا ليس سلوك الصحابة، وليس سلوك الصالحين بصفة عامة.

إتقان العمل وآدابه.. وحقوق العامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، وبعد..

إن قواعد الإسلام وسلوك الأنبياء ومنهج الصالحين من المؤمنين يحثُّ على وجوب العمل واكتساب المال من وجوه الحلال؛ للإنفاق منه والارتقاء به؛ فبالمال يقتات الإنسان ويكتسي، ويربي عياله، ويصل رحمه، ويحفظ عرضه، ويصون دينه، ويذود عن وطنه، ويصطنع الرجال، ويستغني عن السؤال، ويحيا عزيزًا كريمًا، ويموت جليلاً حميدًا.

ولهذا نجد أن الإسلام يحض على العمل، ويحثُّ على السعي والكسب، ويأمر بالانتشار في الأرض للنيل من فضل الله والأكل من رزقه قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) (الملك: من الآية 15)، وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أمسى كالاًّ من عمل يديه أمسى مغفورًا له".. وعن المقداد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده".

ولقد ضرب الأنبياء عليهم السلام المثل في السعي والعمل، وكانت لهم حرف يرتزقون منها، ومن أمثلة ذلك:

- كان آدم عليه السلام حراثًا.

- وكان داود عليه السلام صانعًا للسَّرد والدروع.

- وعمل موسى عليه السلام أجيرًا عند الرجل الصالح في الرعي.

- وعمل رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في الرعي والتجارة.

واجبات العامل المسلم

1- أن يكون قويًّا أمينًا.. والقوة تتحقق بأن يكون عالمًا بالعمل الذي يسند إليه، وقادرًا على القيام به، وأن يكون أمينًا على ما تحت يده، قال الله تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: من الآية 26)، والبلاء الذي ينزل بالأمة ينجم عن فقد هذه الصفات؛ فالأعمال وخاصةً التي تتحكَّم في مصائر الشعب تُسند لذوي القربى والمحسوبيات، ولو كانوا لا يعرفون شيئًا عن العمل، أو انعدمت عندهم الأمانة فيشقى الناس بهم.

2- إتقان العمل.. فالإسلام يحضُّ المسلمين على الإتقان في كل جوانب حياتهم وسائر أعمالهم.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".

فالعامل المخلص المتقن هو ذلك الإنسان الحاذق لصنعته وحرفته، والذي يقوم بما يُسنَد إليه من أعمال ووظائف بإحكام وإجادة تامة، مع المراقبة الدائمة لله في عمله، وحرصه الكامل على نيل مرضاة الله من وراء عمله، وهذا النوع من العمال والموظفين لا يحتاج إلى الرقابة البشرية؛ والبَون شاسع بين من يعمل خوفًا من إنسان، يغيب عنه أكثر مما يوجد، وخداعه ما أيسره، وبين آخر يعمل تحت رقابة من لا يغيب عنه لحظة، ومن لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء!!.

والمجتمعات الإسلامية، ومصر منها، في تعطُّش وظمأ لهذا النوع من العمال والموظفين المخلصين المتقنين لأعمالهم؛ لكي تنهض من كبوتها وتتقدَّم من تخلُّفها، وتصير كما كانت في سالف عهدها خير أمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: من الآية 110).

3- التوكل على الله.. فالمسلم في سعيه يجب عليه أن يحسن التوكل على الله، ثم يأخذ بالأسباب؛ فقد مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوم فقال: من أنتم؟ قالوا: المتوكلون، فقال: "أنتم المتأكلون، إنما المتوكل رجل ألقى حبة في بطن الأرض وتوكل على ربه".

4- التجمل في طلب الرزق.. والمسلم يمارس العمل في حكمة وأناة وتعفُّف وتجمُّل، ويوقن أن رزقه لن يفوته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "..لا يستبطئن أحد منكم رزقه، فإن جبريل ألقى في روعي أن أحدًا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه؛ فاتقوا الله أيها الناس وأجملوا في الطلب؛ فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية الله؛ فإن الله لا يُنال فضلُه بمعصيته".

من حقوق العامل في الإسلام

وإذا كان الإسلام قد أوجب على العامل إتقان العمل والنصح فيه؛فإنه أعطى للعامل حقوقًا تجعله يعيش حياةً كريمةً عزيزةً، ومن هذه الحقوق:

- احترام العامل وحسن معاملته؛ تنفيذًا لأوامر الإسلام في الإحسان للناس.. قال الله تعالى: (وَقُوْلُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة: من الآية 83).

- إعطاء العامل أجره كاملاً غير منقوص.. وفق ما تم الاتفاق عليه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: منهم رجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره".

- الإسراع في دفع أجر العامل.. وعدم تأجيله مهما كانت الأسباب؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه".

- أن يكون أجر العامل عادلاً.. بحيث يوفر له الحياة الكريمة من الطعام والشراب والملبس والمسكن،  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم؛ فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس".

- عدم تكليف العامل ما لا يطيق.. وعدم إرهاقه بالأعمال الشاقة التي لا يقدر على إنفاذها؛ فإن فعلنا شيئًا من ذلك أعناه بأنفسنا أو بغيرنا؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولا تكلفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلفتموهم فأعينوهم".

- الضمان الاجتماعي.. فمن الحق لكل مواطن تأمين راحته ومعيشته، كائنًا من كان، ما دام مؤديًا واجبه، أو عاجزًا عن هذا الأداء بسبب قهري لا يستطيع أن يتغلب عليه، ولقد مر عمر على يهودي يتكفَّف الناس، فزجره واستفسر عما حمله على السؤال، فلما تحقق من عجزه رجع على نفسه باللائمة وقال له: "ما أنصفناك يا هذا، أخذنا منك الجزية قويًّا وأهملناك ضعيفًا، افرضوا له من بيت المال ما يكفيه"، وهذا مع إشاعة روح الحب والتعاطف بين الناس جميعًا.

أيها المسلمون.. أيها الناس أجمعون..

هذا هو الإسلام العظيم الرحيم العادل.. ما أعظم هذا الدين؛ الذي يجعل حق العامل على صاحب العمل أن يمنحه من الأجر ما يمكنه من أن يكفي نفسه ومن يعول من الطعام والشراب والكساء، وأن يمكنه من العلاج، وتعليم أبنائه، ولا يكون ذلك إلا بمراعاة العدل في توزيع عائد العمل!!.

الشركات بين التمصير والخصخصة

من قبل كانت الدعوة إلى تمصير الشركات، وإحلال رؤوس الأموال الوطنية محلَّ رؤوس الأموال الأجنبية كلما أمكن ذلك، وتخليص المرافق العامة، وهي أهم شيء للأمة، من يد الشركات الأجنبية التي تنعم بأرباحها، ولا يصيب الجمهور الوطني ولا العامل الوطني منها إلا البؤس والشقاء والحرمان.

والآن الدعوة إلى خصخصة الشركات العامة وتيسير السبل وتذليل الصعاب للأجنبي ليتملك ما يشاء، مع منحه كل التسهيلات، في الوقت الذي توضع فيه كل العقبات لرأس المال الوطني أن ينافس، فنجم عن ذلك:

- طرد للعمالة الوطنية.

- استجلاب عمالة أجنبية.

- هروب رأس المال الوطني لفقده الأمن والأمان.

وإذا استمسك شخص حر شريف بوطنه، وآثر أن يسعى لرفعته، واستطاع أن يشيِّد شركةً بعرقه يستوعب فيها مئات العمال، أو يقيم مصنعًا بكدِّه يشغل فيه آلاف العاطلين؛ فإنه لا يعدم أن يجد من يصادر ماله ويغلق شركاته، ويزجُّ به في السجن، بتُهَم من نسج خياله؛ في حين نرى من يتاجرون بحياة المرضى بالدم الفاسد، ويبيعون المصانع الحكومية وشركات القطاع العام بالتواطؤ مع الأجانب بأبخس الأسعار.

تخبُّط وضياع

أيها الراغبون في الخير لأوطانكم..

إننا لم نَسِرْ على نظام اقتصادي معروف، لا نظريًّا ولا عمليًّا، وإن هذا الغموض والارتجال قد أدَّيا بنا إلى ضائقة أخذت بمخانق الناس جميعًا.

وليس الشأن أن نرتجل الحلول، ونواجه الظروف بالمخدِّرات والمسكِّنات؛ التي يكون لها من رد الفعل ما يُنذر بأخطر العواقب، ولكن المهم أن ننظر إلى الأمور نظرةً شاملةً محيطةً، وأن نردَّها إلى أصل ثابت تستند إليه، وترتكز عليه، وليس ذلك الأمر إلا "النظام الإسلامي" الشامل الدقيق، وفيه خير السداد.

لقد صبر الشعب المصري صبرًا طويلاً على هذه الحياة الجافية القاسية، وهذا الحرمان العجيب الذي لا يصبر عليه آدميٌّ إلا بمعجزة من معجزات الإيمان، ومن نظر إلى العامل المصري والفلاح المصري والموظف المصري ومن يليهم من عامة الشعب المصري، أخذه العجب مما يشاهد من فاقة وصبر!!.

أيها الحكام.. تعالوا إلى الإصلاح الشامل

إن بين أيدينا النظام الكامل الذي يؤدي إلى الإصلاح الشامل؛ في توجيهات الإسلام الحنيف، وما وضع من قواعد كلية أساسية، لو علمناها وطبَّقناها تطبيقًا سليمًا؛ لانحلت مشكلاتنا، وعرفنا كيف يرتفع مستوى المعيشة، وتستريح كل الطبقات، ووجدنا أقرب الطرق إلى الحياة الطيبة.

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

إتقان العمل عبادة والتكاسل عنه معصية

علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العمل عبادة وقربى إلى الله، وأنه ضرورة من ضرورات الحياة ولا يمكن أن يعيش الإنسان عزيزا كريما وسط الناس دون أن يعمل وينتج ويكسب ما يوفر له احتياجاته ويحقق لأسرته ما يلزمهم من نفقة، وأرشدنا صلى الله عليه وسلم أن الذي يقعد عن العمل مع القدرة عليه لا يستحق الحياة، لأنه بذلك يصبح عبئا على غيره، فالقعود عن العمل كسل ممقوت.

وربط رسول الله صلى الله عليه وسلم بين العمل والإيمان، فالعمل النافع هو ثمرة إيمان حقيقي، فقال عليه الصلاة والسلام "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قوما غرتهم الأماني وقالوا نحسن الظن بالله، وكذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل".

يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر: لقد تعددت وتنوعت التوجيهات النبوية الكريمة التي تحث على العمل وتبين منزلته السامية، وتؤكد ضرورة الحرص عليه وإتقانه، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أتباعه على كل ما يحقق لهم العزة والكرامة، وكل ما يرقى بأحوالهم المعيشية ويحسن وضعهم بين الناس، ولذلك رفض كل الحجج التي ارتكن إليها الكسالى والخاملون الذين يريدون أن يعيشوا عالة على الآخرين، وقال في الحديث الصحيح: "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده".

ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقصد الأكل من عمل اليد فقط، ولكن المراد هنا كل أنواع الانتفاع من المال الذي يحصل عليه الإنسان من عمل يده، وليس المراد تخصيص الأكل بالذات، إلا أنه نص على الأكل، وخصه بالذكر لأنه أظهر وجوه الانتفاع وأهمها.

وقد أوضح علماء الحديث أن الخيرية المقصودة في قوله "خيرا من أن يأكل من عمل يده" تكون في الدنيا، وفي الآخرة.

أما في الدنيا فإن النفع يعود على العامل وعلى غيره ممن يصل إليه نفعه، كما أن الإنسان بالعمل يحفظ ماء وجهه، ويصون كرامته الإنسانية من المذلة لإنسان آخر.

وأما في الآخرة فالخيرية تكون بما يحصل عليه الإنسان من ثواب عظيم وأمر كريم، حيث استجاب لله ورسوله، فسعى في الحياة وحظي بشرف العمل ومثوبته.

أخلاقيات الإسلام

ويشمل العمل أنواعا كثيرة دعا إليها الدين، وحث عليها القرآن الكريم والسنة النبوية الكريمة، فهناك العمل الزراعي، وفيه يقول الله تعالى: (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون. وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون. ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون)، والرسول صلى الله عليه وسلم يوجهنا بأن كل ما يغرسه الإنسان وينتفع به الإنسان أو الحيوان أو الطير هو مثاب عليه فيقول في الحديث الصحيح "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة".

وكما حببنا رسولنا الكريم في الزراعة وهي أساس كل عمل نافع ومفيد لكل الكائنات الحية وليس للإنسان وحده، حثنا عليه الصلاة والسلام على ممارسة التجارة وطالب كل من يعمل في ميدان التجارة أن يلتزم بالصدق والأمانة فلا يخدع الناس ولا يكذب عليهم ويضللهم ويسرقهم ويستغلهم، وبيّن صلوات الله وسلامه عليه أن التاجر الصادق الملتزم بآداب وأخلاقيات التجارة سيحظى بكل ما يطمح إليه من مكاسب في الدنيا والآخرة، فقال: "التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع الصديقين والشهداء".

وحيث أن أحوال المسلمين لا يمكن أن تستقيم بالزراعة والتجارة وحدهما، فلا بد من الصناعة لتلبية احتياجات المجتمع الإسلامي من الآلات والمعدات والسلع الغذائية ووسائل المواصلات والاتصالات وغيرها مما يحتاج إليه الناس ليعيشوا عيشة طيبة وكانت توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم بإتقان كل الصناعات وتعلم كل الحرف، وإعمال العقل وتدريب الأيدي العاملة لكي تبتكر وتخترع كل ما يحقق للمسلمين التقدم والازدهار ويجعلهم يعتمدون على أنفسهم، ولا يلجأون إلى استيراد منتجات عقول ومصانع غير المسلمين إلا عند الضرورة، ونرى توجيهاته صلى الله عليه وسلم واضحة في العديد من الأحاديث النبوية ومنها قوله: "إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة، صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله".

وكما وجهنا الإسلام إلى الانتفاع بخيرات الأرض وما تصنعه الأيدي وتبتكره العقول، فقد وجهنا كذلك إلى الانتفاع بخيرات البحر، فقال تعالى: "وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً" وكذلك وجه الإنسان إلى الانتفاع بالثروة الحيوانية عامة فقال تعالى: (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون. ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون. وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم. والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً ويخلق ما لا تعلمون).

لا كسل ولا إهمال

والإسلام لا يريد أن يؤدي الإنسان العمل وهو مهمل وكسول، بحيث يعمل لمجرد أن يظهر أمام الآخرين أنه يعمل ويؤدي عمله الوظيفي دون رغبة ويهدر الوقت فيما لا يفيد بل أحيانا يلحق الضرر بالجهة التي يعمل بها لإهماله وكسله، وهنا يوجهنا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة إتقان العمل وأدائه بأمانة وإخلاص فيقول في الحديث الصحيح: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه" أي يحسنه ويخلص لله فيه، والعمل المتقن هو القائم كذلك على أساس علمي، وتخطيط مدروس، يبذل فيه أفراد المجتمع غاية ما في وسعهم نهوضًا بالأمة وتقدمًا بالمجتمع.

لقد رفع الإسلام من قيمة العمل مهما كان نوعه حتى لا يتخاذل الناس في ميدان العمل أو يتحرج بعض أصحاب الأعمال البسيطة، فبيّن أن العمل خير للإنسان من أن يسأل الناس، لأن ترك العمل يؤدي إلى الفقر والبطالة، فأرشدنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن العمل مهما كان نوعه وشكله وحجمه هو أفضل وأكرم للإنسان من أن يسأل الناس، يقول عليه أفضل الصلاة والسلام "لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه".

اعمل.. وتوكل

ويفند الدكتور إسماعيل الدفتار أستاذ الحديث بجامعة الأزهر مزاعم خصوم الإسلام ومن تشرب فكرهم السام وثقافتهم المضللة في بلادنا الإسلامية والذين يروجون بين الناس، أن عقيدة التوكل تدفع المسلمين إلى التواكل وأن ما تعاني منه المجتمعات الإسلامية حاليا من إهمال للعمل والإنتاج والتهرب منه بدعوى العبادة هو نتيجة سيطرة ثقافة إسلامية تدفع المسلمين إلى ذلك على عكس ما يحدث في الغرب من التزام بأوقات العمل وحرص على الإتقان ومحاسبة كل مقصر.

يقول الدكتور الدفتار: كل النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي جاءت في مجال العمل تحث المسلم على أن يعمل ويبذل أقصى طاقته، فالعمل في نظر الإسلام عبادة وقربى إلى الله، والكسالى الذين لا يعملون، أو يعملون ولا ينتجون الإنتاج المنتظر منهم، والذين لا يتقنون أعمالهم أو يتهربون منها هم في نظر الإسلام آثمون ومحاسبتهم واجبة، والإنسان بعد أن يبذل كل طاقته في العمل ويؤدي كل ما هو مطلوب منه عليه أن يفوض أمره إلى الله، فالإنسان قد يعمل ويكد ويكافح ولا يجد الثمرة التي ينتظرها من عمله، ولذلك عليه أن يعمل ويترك النتائج على الله، وهذا معنى التوكل، فهو في كل الأحوال لا يعني التواكل والسلبية وإهمال الواجبات.

مفاهيم خاطئة

الدكتور محمد عبد السلام عمر أستاذ المحاسبة ومدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر يؤكد أن المسلمين اليوم في أمسّ الحاجة إلى توجيهات رسولهم صلى الله عليه وسلم التي تحث على العمل وتؤكد ضرورة إتقانه، فقد شاعت بين كثير من المسلمين مفاهيم خاطئة في التعامل مع العمل خاصة في المؤسسات الحكومية، فقلّ فيها الإنتاج، وتراجع أداء العاملين، وتفنن البعض في عدم الالتزام بمواعيد العمل الرسمية، وكل الإحصاءات والدراسات تؤكد تراجع معدلات العمل والإنتاج في بلاد المسلمين، وهذه مصيبة كبرى تجسد تراجعنا الاقتصادي واعتماد مجتمعاتنا على ما ينتجه الآخرون ليس من الطائرات والسيارات والصناعات الثقيلة والدقيقة فحسب، بل للأسف من كل المنتجات البسيطة، فقد أصبحت مجتمعات المسلمين سوقا رائجة لما ينتجه الآخرون خاصة بعد أن عجز المسلمون عن إنتاج ما يحتاجون إليه.

وهنا يحذر الدكتور عمر من ارتفاع معدلات البطالة في عالمنا العربي والإسلامي ويؤكد على ضرورة توفير فرص عمل مناسبة لكل قادر على العمل، لأن مخاطر البطالة لن تقف عند تعطيل قوى قادرة على العمل والإنتاج وعدم الاستفادة منها، بل تتجاوز المخاطر والتداعيات ذلك، فالعاطلون قنابل موقوتة داخل مجتمعاتنا العربية والإسلامية يهددون أمنها وسلامتها.

البعد الحضاري لقيمة إتقان العمل

لقد احتفى الإسلام بالعمل وأشاد بالعاملين، ورفعهم إلى درجة كريمة في الدنيا وبوأهم بالعمل أسمى المراتب في الآخرة فكثيرا ما تكررت مثل هذه العبارات في القرآن الكريم (ونعم أجر العاملين) (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا)، (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) وهكذا كان العمل دائما هو بطاقة التميز عند الله تعالى وشارة الاحترام لدى الناس لذلك أكد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه)

فهل لهذه القيمة -قيمة إتقان العمل- بالفعل بعدها الحضاري في الدنيا؟ وما المقصود بالبعد الحضاري؟ وما دور إتقان العمل فيه؟

أولا: المقصود بالبعد الحضاري:

البعد الحضاري هو الأثر الذي يمثله عامل من العوامل في قيام حضارة من الحضارات، بمعنى: أن للحضارة أسباب كثيرة تسببت في قيامها كل سبب من هذه الأسباب يمثل بعدا حضاريا فإذا ما نظرنا إلى ما نحن بصدده من قيمة إتقان العمل وهل تمثل بعدا من أبعاد أي حضارة؟ وجدنا أنها الركن الثاني مباشرة الذي يلي البعد الفكري التصوري والعقائدي لذا كانت قيمة إتقان العمل من الأهمية بمكان بحيث لا يمكن لأي حضارة أن تبرز للوجود فضلا عن أن تدوم بغير تأصيل هذه القيمة في أصحابها

ثانيا: إتقان العمل كقيمة ضرورية في الحضارات عموما والحضارة الإسلامية خصوصا:

لو نظرنا لأي حضارة في القديم أو الحديث لوجدنا أنها قامت على دعامتين أساسيتين هما:

الدعامة العقدية الخلقية وهي ما استقر في نفوس أهلها من فكر وعقيدة وقيمة خلقية كمنطلق لبناء هذه الحضارة أو تلك

 الدعامة الثانية: فهي ملكة العمل المتقن الدءوب على المستوى الفردي والجماعي المؤسسي ومن غير هاتين الدعامتين لا يمكن لأي حضارة أن تقوم وتنهض حتى إن قامت ونهضت شكليا فلن تدوم بل سرعان ما تنهار وصدق شوقي رحمه الله تعالى:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت       فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وقال في موضع آخر:

وليس بعامر بنيان قوم         إذا أخلاقهم أمست خرابا

والقرآن زاخر بمثل هذه الإشارات قال تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) ومن هنا كانت قيمة إتقان العمل تمثل الركيزة الثانية والهامة لنهوض واستمرار أي حضارة والناظر إلى الحضارات القديمة كالفرعونية والبابلية والآشورية وكذلك إلى الحضارات الحديثة كالحضارة الغربية أو الصينية يجد أن القاسم المشترك بين كل هذه الحضارات هو إتقان العمل فرديا وجماعيا مع اختلاف الأساس الفكري أو العقائدي كل حضارة على حده،

ترى ما حظ حضارتنا الإسلامية من قيمة إتقان العمل ودورها كبعد حضاري أصيل لامتنا؟ إن التاريخ الإسلامي على امتداده الطويل ليشهد بأن الذين أشادوا صرح الحضارة الإسلامية ورفعوا بنيانها كانوا أناسا فائقين في عقيدتهم وأخلاقهم كذلك كانوا فائقين متميزين في تخصصاتهم وأعمالهم ولقد كانوا منذ العهد الأول لهذه الحضارة قبلة الراغبين من الشرق والغرب كي يتعلموا على أيدي هؤلاء وحضارة دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة كلها تشهد بذلك والحسن بن الهيثم والفارابي والبيروني وابن رشد وجابر بن حيان والخوارزمي وغيرهم أسماء شاهدة على عظمة حضارتنا الإسلامية وسبق رجالها وتميز وإخلاص بناتها

كلمة أخيرة:

علمنا أن إتقان العمل يمثل بعدا حضاريا هاما ورئيسيا في كل أمة وفي كل مجتمع وأن هذه البعد برز بوضوح في الحضارة الإسلامية من خلال ما تركه الأجداد العظام من آثار شاهدة على تفوقهم وإخلاصهم وإتقانهم لكل ما خرج من أيديهم من أعمال في عالم الهندسة والمعمار أو عالم الطب والعلاج والدواء أو في عالم الفلك أو الجيولوجيا أو في العلوم الإنسانية فلم يدعوا شاردة ولا واردة إلا وكان لهم فيها بصمة واضحة متمثلين دائما قول الله عز وجل: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-:( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) وقوله: (إن الله كتب الإحسان على كل شئ) وقوله أيضا: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)

 وصلى الله وسلم على معلم الناس الخير وإمام حضارة المسلمين

الأضرار المترتبة علي عدم الجودة في العمل

قد يظن البعض أن الكتابة في هذا الموضوع من الطرف, لأن الجميع يعلم هذه المعلومة وأن إساءة العمل أو عدم إتقانه يسبب أضرراً فلماذا الكتابة إذن, أقول: نعم الكل يعلم أنه توجد أضرار, ولن أضيف له في هذه المعلومة جديداً , وليس لهذا قصدت الكتابة, ولكني كتبت لأبين لكثيرين ممن لا يقدرون العواقب والأضرار الناتجة عن سوء عملهم أو عدم إتقانه

 وسوء العمل وعدم إتقانه يقسم العمال إلى قسمين:

أولهما: عامل يسئ العمل ويفسده عمداً من أجل نفسه ويخون ما أؤتمن عليه, فهذا ظالم لنفسه ولرعيته ويزداد جرمه بعظم خيانته... وهذا الخائن نذكره بقوله صلى الله عليه وسلم "ما من عبد يسترعيه الله عز وجل رعية يموت يوم يموت وهو غاش رعيته إلا حرم الله عليه الجنة " متفق عليه" (1) وعن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً لا يفكه إلا العدل" رواه أحمد(2).

والثاني: عامل يؤدى عمله ولكنه لا يتقنه إما بسبب الإهمال أو عدم بذل الجهد المطلوب أوتحصيل الدراسة أوالتدريب اللذان يحتاجهما لإتقان عمله, أو لأن مسؤوله لا يريد الإصلاح والإتقان.. ونحو ذلك

وإلي هؤلاء أقول: اتقوا الله وأدوا الأمانة في عملكم من حيث الإتقان والوقت والنصح , وقدَّروا الآثار السيئة المترتبة علي الإخلال في العمل .. والتي تتعاظم بعدة أسباب أهمها:

1- موقع العامل من المسؤولية:

فابتداء من رئيس الدولة إلى الغفير عمال عند الأمة ينالون أجراً مقابل وظيفتهم في مصالح الرعية, ويزداد جرم عدم إتقان العمل كلما علا موقع المسؤول فسوء عمل الرئيس يتأثر به الشعب كله, ثم من يليه من وزرائه ومعاونيه, ثم من يليهم من العمال.. حتى نصل إلى أدنى درجات المسؤولين.

فالظالم لنفسه يظنها مغنماً فيسعي إليها وقد يبيع دينه أو أمته من أجل البقاء فيها, وأما الصالح فلا يسألها ويكلف بها من أمته مع شدة خوفه كلما ازداد في عظم المسؤولية

وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ستحرصون علي الإمارة, وستكون ندامة يوم القيامة, فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة" رواه البخاري(3), وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة, فإنك إن أعطيتها من غير مسالة أعنت عليها, وإن أعطيتها عن مسالة وكلت إليها" متفق عليه

(وإساءة ولي الأمر اشد جرماً من غيره لأن أثر إساءته تقع علي كل الرعية.. فهذه معاهدات كامب ديفيد والصلح مع العدو الصهيوني ما زالت الأمة الإسلامية بأسرها تعانى من ضررها, وتكتوي بنارها.

فلا يفرح العامل بعلو منصبه وكثرة مسؤولياته, فإن لم يتقن عمله, ويؤدى الحق الذي عليه فيه فهو محاسب عن كل ضرر وأذى أصاب الناس بسوء عمله, وأصابه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم , فاشقق عليه, ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم, فارفق به" رواه مسلم (5).

2- العمل أو المنتج

كلما كان العمل أو المنتج يمس ضروريات الرعية كان الضرر أشد من الحاجيات , وضرر الحاجيات أشد من التحسينات.

والضروريات هى: ما لابد منه في قيام مصالح الدين والدنيا, بحيث إذا فقدت حل الفساد وعمت الفوضى, واختل نظام الحياة, والضروريات ما حصرها العلماء في خمسة أمور وهى الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

والحاجيات: وهى كل ما يحتاجه الناس ليعيشوا بيسر وسعة, وإذا فاتتهم لم يخل نظام الحياة ولكن يصيبهم الضيق والحرج.

والتحسينات: هى التي ترجع إلى محاسن العادات ومكارم الأخلاق, وإذا فاتت لا يختل نظام الحياة ولا يصيب الناس حرج, ولكن تخرج حياتهم عن النهج الأقوم , بما تستدعيه الفطرة السليمة والعادات الكريمة (6).

3- عدد المتضررين من الإساءة

فكلما زاد عدد المتضررين من سوء عمل العامل كلما عظمت الأضرار الناتجة, وازداد حساب المسئ عمله عند الله عز وجل

فعن أبي أمامة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله تعالي مغلولا يوم القيامة يده إلى عنقه, فكّه بره, أو أوثقه إثمه, أولها ملامة وأوسطها ندامة, وآخرها خزي يوم القيامة" رواه أحمد (7)

فإذا كان حال من يلي ولاية عشرة, فما حسابه إن كانوا ألفاً , أو مليوناً , أو (80) مليون ولنأخذ بعض الأمثلة والأضرار المترتبة عن عدم إتقان العاملين في بعض الوظائف

 رئيس الدولة وحكومته (كجهة مسؤولة ومنفذه)

رئيس الدولة هو القدوة والمثل الأعلى لأعوانه, فإن أحسن عمله, كانوا عوناً له علي حسن الأداء, وإن أساء كان قدوة سيئة , ويصدق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم "من سن سنة حسنة فله أجرها, وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عملها بها لا ينقص من أجورهم شيئا" (8)

ومن أعظم الأضرار علي الرعية من سوء عمل الحاكم

عدم الحكم بشريعة الإسلام: والتحاكم للقوانين الوضعية.. فكم من خير أضاع علي الأمة لحرمانها من عدل وخير الشريعة, وكم من شر أصاب من للتحاكم لقوانين بشرية قامت علي القصور والجور فالفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي.. كله بسبب غياب حكم الشريعة..

إساءة اختيار معاونيه: وهذه مصيبة ضررها عظيم, وهو مسئول أمام الله والناس, عن اختيارهم ابتداء, ثم إذا تولوا ووقع منهم أخطاء تحدث أضراراً للغير بسبب التجاوز أو الإهمال أو التقصير, أو بسبب الانحراف والشطط وتغليب المصالح الخاصة علي العامة, فعليه محاسبتهم وفى صدد مسؤولية الحاكم عن معاونيه كان عمر بن الخطاب يقول لأصحابه: أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم , ثم أمرته بالعدل.. أيبرئ ذلك من ذمتي؟ قالوا: نعم. قال: كلا حتى أنظر في عمله.. أعمل بما أمرته أم لا؟ وكان يقول: أيما عامل لي ظلم أحداً وبلغني مظلمته ولم أغيرها فأنا ظلمته.. وعلي هذا النحو تكون مسؤولية الحاكم عن أعمال معاونيه في الإسلام متحدة لا تنفصل لأن المعاون يستمد سلطانه من سلطان الحاكم.

والعجيب أن دول الغرب يستقبل رئيس حكومتها أو أحد وزرائها أن ظهر فساد في حكومته أو وزارته لأنه المسؤول وأما في أنظمتنا فينتشر الفساد في بعض الأماكن أو الوزراء , وكأن الوزير ومن فوقه غير مسؤول عن الفساد.

الحكم الدكتاتوري الذي لا يستمع إلى أهل الاختصاص والرأي والمشورة

إتقان العمل

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله الطاهرين وصحبه الطيبين

يالله باسمك أبدأ.- ورحمتك أرجو ربى صلى على المختار محمد، وعلى من تبعه وبعد،،،

لا تقف المعادلة عند حدود أن تعمل أو لا تعمل، فمتطلبات الحياة ومستلزماتها تفرض عليك حداً من العمل والحركة، لكن المعادلة الأصعب والأعمق تكمن في التنافس على مستوى العمل ودرجة إتقانه.

فالسباق والتنافس الشديد بين دول العالم اليوم ليس في مجال القدرة على الإنتاج أو كمية الإنتاج فحسب، وإنما الأهم من ذلك هو السعي للتفوق في الجودة والإتقان- وبذلك استطاعت بعض الصناعات اليابانية منافسة مثيلاتها من المنتجات الأمريكية في داخل أسواق أمريكا.

وإذا كان التنافس في الماضي يتم ضمن رقعة وحدود معينة، فإنه الآن يجري على مستوى العالم والذي أصبح قرية واحدة- فالمنتج لا يقارن اليوم بأمثاله على مستوى منطقة إنتاجه، بل يدخل معركة التنافس مع ما يشاكله من مختلف بلدان العالم.

من هنا تبرز أهمية تأكيد القرآن الكريم على الارتقاء بالعمل إلى المستوى الأفضل والأحسن، وليس مجرد أداء العمل في أي مستوى:

1- فالإنسان في هذه الحياة جاء ليواجه تحدي التفوق والتقدم يقول تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾.

2- وحينما يريد الإنسان المؤمن أن يقدم أفكاره ومعتقداته للآخرين، ويعرضها عليهم، فعليه أن يجتهد في اختيار أفضل أسلوب، وأحسن طريقة للطرح والتقديم، وإلا فإن عرضه سيكون ضعيفاً غير مقنع، أو سيئاً منفرا- يقول تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

3- وإذا تحمل الإنسان مسؤولية الإشراف على ثروة يتيم قاصر، فعليه أن يتوخى إدارة أمواله بأفضل نحو ممكن للحفاظ عليها وتنميتها يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

4- وتخاطب الإنسان مع من حوله، وكلامه لهم، لا ينبغي أن يأتي كيفما اتفق أو من وحي الانفعالات والأحاسيس، وإنما يجب أن يختار الإنسان أجمل الكلمات، وأنسب المعاني في تحدثه مع الآخرين، يقول تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبـَادِي يَقـُولُوا الَّتِي هِـيَ أَحْسَـنُ﴾.

5- ومجمل تعامل الإنسان وتعاطيه مع الآخرين، عليه أن يجتهد لجعله في أرقى مستوى، وأفضل صيغة، مهما كانت مواقفهم نحوه، يقول تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

6- ولتركيز قيمة الإتقان، والارتقاء بالعمل إلى أفضل مستوى، فإن القرآن الكريم يؤكد على ثبوت هذه الصفة للفعل الإلهي، وما على الإنسان إلا أن يتأمل في عظمة خلق الله تعالى، ليرى أن كل شيء صنعه الباري جل وعلا، فهو في غاية الكمال والإتقان- يقول تعالى: ﴿صُنْـعَ اللَّهِ الـَّذِي أَتْقـَنَ كـُلَّ شَـيْءٍ﴾﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ﴿الَّذِي أَحْسـَنَ كـُلَّ شَيْءٍ خَلَقـَهُ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.

وبلغة واثقة حاسمة يتحدى القرآن الكريم أبناء البشر، على مدى أجيالهم الصاعدة، وتقدم مستوياتهم العلمية والتكنولوجية، أن يجدوا ثغرة أو نقطة ضعف أو خلل في كمال وجمال آفاق هذا الكون البديع، والذي تخضع كل ذرة فيه لنظام متقن رصين- يقول تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ- ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.

مقاييس الجودة والإتقان:

للتنافس الشديد على تسويق المنتجات، وللاهتمام العالمي بمسألة الجودة والإتقان، أصبحت هناك أنظمة ومؤسسات لتحديد مواصفات الجودة، وتقرير مدى انطباقها على أي منتج من المنتجات- ويوجد الآن ما يعرف بـ(إيزو9000) وهو نظام للمواصفات القياسية في الجودة.

ومن الدول المتقدمة في الاهتمام بالتدقيق في المواصفات القياسية للجودة هي اليابان، ويذكرون أن هذا الاهتمام عندهم مر بثلاث مراحل تاريخية:

المرحلة الأولى:

من عام 1955 إلى عام 1965م وهي التي ركزوا فيها على الجودة النسبية، بالتقليل من نسبة الخطأ والثغرات في المنتج، فمثلاً في إنتاج السكر، يكون التفاضل بخفض أكبر نسبة للشوائب فيه، بحيث تصبـح نسبـة الشـوائب10% أو 5% أو ما أشبه-

فالمصانع تتنافس على تقليل نسبة الخطأ.

المرحلة الثانية:

من عام 1965 إلى 1975 م انتقلوا لمرحلة انعدام الخطأ، بحيث يكون المنتج سليماً 100%.

المرحلة الثالثة:

ما بعد 1975 م وهي مرحلة الجودة النوعية، حيث تتنافس المنتجات على إحراز أكبر قدر من الميزات الإضافية.

إن خلوص العمل من الخلل والنقص هو الحد الأدنى لإتقانه وجودته، لكن هناك مستويات ومقاييس أخرى، تؤخذ الآن بعين الاهتمام والاعتبار، ومنها مدى سرعة الإنجاز، فقد تجد أمامك خيارات عديدة لتصنيع منتج معين، أو إنشاء بناء أو مشروع، وقد تتساوى عروضها من حيث المواصفات والتكلفة، لكنها تتفاوت في جانب توقيت الإنجاز والإكمال، فيكون لذلك دخل في ترجيح الأسرع والأقل استهلاكا للزمن.

كما أصبح التطوير، وإضافة المزيد من الامتيازات، مضماراً للتنافس على الجودة والإتقان، في مختلف مجالات العمل والإنتاج.

كيف نتعامل مع العمل؟

في بلداننا تنفق ميزانيات ضخمة، وتصرف أوقات كثيرة، وتستهلك جهود طائلة، على القيام بمشاريع، وأداء أعمال، من قبل القطاع العام والخاص، لكن الملحوظ غالباً هو ضعف الاهتمام والعناية بجودة العمل وإتقانه، لذلك تكثر الثغرات والخلل في المشاريع، ويتأخر إنجازها، كما لا تحقق العديد من الأعمال النتائج المرجوة منها، وتفشل بعض المنتجات في ميدان منافسة البضائع المستوردة.

ولعل من أبرز الأسباب والعوامل التي تكرّس هذه الحالة ما يلي:

1- ضعف الرغبة الإخلاص:

حيث يقوم البعض بعمله وكأنه مكره عليه، ومضطر إليه، فلا يتوفر لديه اندفاع ورغبة داخلية لأداء العمل، فيمارسه بتثاقل وكسل، وكما قال الإمام جعفر الصادق: (الكسل يضرّ بالدين والدنيا). وقال: (عدو العمل الكسل) ويذم الله تعالى المنافقين على صلاتهم، لأنهم لا يؤدونها بإخلاص واندفاع، بل بتثاقل وكسل، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قَامـُوا إِلَى الصـَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى﴾.

2- ضعف الوعي الاجتماعي والوطني:

كلنا نمارس النقد، ونظهر التذمر من المستوى المتدني للإنتاج، وأداء الأعمال في مجتمعاتنا، لكننا في الواقع نتذمر من أنفسنا، وندين سلوكنا، لأننا شركاء في صنع هذه الحالة العامة، كل في موقعه، ومن خلال دوره وعمله.

3- غياب المحفزات:

فالمجتمعات التي تهتم بالجودة والإتقان، تخضع لقوانين عادلة موضوعية، تقدر الكفاءات، وتحترم الجهود والعطاء، وتقدم المحفزات وعناصر التشجيع للمتفوقين، والأكثر عطاءً وإتقانا- وذلك عامل مهم للتطوير والتقدم.

4- انعدام الرقابة والتقويم: لأن التستر على الأخطاء، وغض الطرف عن الثغرات والنواقص، وسيادة أجواء المجاملة والمحاباة، كل ذلك يكرّس حالة الإهمال والاسترسال، واستمرار التدني في العمل والإنتاج.

ثقافة الإتقان:

يحتاج المجتمع إلى توجيه مكثف وثقافة عامة تدفع نحو الإتقان، وأن يؤدي الإنسان أي عمل يقوم به وإن كان بسيطاً بدقة وضبط، وترتيب واهتمام.

لذلك وردت النصوص والأحاديث الدينية التي تؤكد على هذه الأخلاقية الهامة، روي عن رسول الله أنه قال: (إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).

وفي حديث آخر عنه: (إن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل أن يحسن).

النماذج والقدوات:

إن على كل واع في المجتمع، وخاصة من يكون في موقع القيادة والمسؤولية، أن يجعل من نفسه إنموذجاً وقدوة في مجال ضبط العمل وإتقانه، فالوالدان في البيت يؤثران بسلوكهما في صنع نفوس الأبناء وأخلاقهم، فالأب المنظّم في حياته، والملتزم بالدقة في أعماله، عادة ما تنطبع أخلاقياته هذه في شخصيات أبنائه، والأم التي تدير دفة شؤون المنزل بترتيب وإتقان، يحاكيها أبناؤها غالباً في سلوكهم بهذا الاتجاه.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم للإخلاص في العمل وإتقانه وإحكامه وأن يتقبل منا أعمالنا إنه ولي القبول والتوفيق.

المتقن لا يعرف الكسل

إن الكسل آفة عظيمة تعود على الأفراد والمجتمعات بالعواقب الوخيمة فهو يهدم الشخصية، ويذهب بنضارة العمر، ويؤدي بصاحبه إلى الإهمال والتأخر في ميادين الحياة الفسيحة.

من أجل هذا فإن المؤمنين الصادقين يكرهون الكسل ويحتقرونه، ويستعيذون بالله منه، ويدعون بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال".

الكسل انسلاخ من الإنسانية

قال الإمام الراغب رحمه الله: من تعطّل وتبطّل انسلخ من الإنسانية، بل من الحيوانية وصار من جنس الموتى.

ومن تعود الكسل ومال إلى الراحة فقد الراحة، وقد قيل: إن أردت ألا تتعب فاتعب حتى لا تتعب، وقيل أيضا: إياك والكسل والضجر، فإنك إن كسلت لم تؤد حقا، وإن ضجرت فلن تصبر على الحق.

ولأن الفراغ يبطل الهيئات الإنسانية، فكل هيئة، بل كل عضو تُرك استعماله يبطل، كالعين إذا غمضت، واليد إذا تعطلت، ولذلك وضعت الرياضات في كل شيء.

ولما جعل الله للحيوان قوة التحرك لم يجعل له رزقا إلا بسعي منه لئلا تتعطل فائدة ما جعل له من قوة التحرك، ولما جعل للإنسان قوة الفكر ترك من كل نعمة أنعمها عليه جانبا يصلحه هو بفكرته لئلا تتعطل فائدة الفكرة، فيكون وجودها عبثا.

وكما أن البدن يتعود على الرفاهية بالكسل، كذلك النفس تتعود بترك النظر والتفكر، مما يجعلها تتبلد... وترجع إلى رتبة البهائم.وإذا تأملت قول النبي صلى الله عليه وسلم: "سافروا تغنموا" ونظرت إليه نظرا عاليا علمت أنه حثك على التحرك الذي يثمر لك جنة المأوى، ومصاحبة الملأ الأعلى، بل مجاورة الله تعالى.

القرآن يشنع على الكسالى

لقد ذم الله تعالى الكسل والتباطؤ وجعلهما من صفات المنافقين.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا، وإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا،وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا).

فقد دعا الله المؤمنين في هذا النص إلى أن ينفروا مجاهدين في سبيل الله ثبات -أي جماعات متفرقة- أو جميعا -أي عصبة واحدة في نفير عام- وذلك حسب مقتضيات المصلحة. وأنحى باللائمة على المبطئين، وهم من المنافقين الموجودين في صفوف المؤمنين، فهم فريق طلاب مغانم، ولكنهم غير مستعدين أن يبذلوا أي جهد في سبيل الله، فإذا دعا الداعي إلى الجهاد تباطؤوا ولم يخرجوا، فإذا نال المجاهدين مكروه فرحوا هم بالسلامة، وإذا ظفر المجاهدون وغنموا ندموا هم وتحسروا على أنفسهم، وقال قائلهم: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما، ويعتبر الغنيمة هي الفوز العظيم؛ لأنه منافق لا يؤمن باليوم الآخر، ولا يسعى للفوز فيه، ولو كان مؤمنا حقا لتوقد إيمانه حرارة فنفى عنه التباطؤ والتكاسل، وخرج إلى القتال في سبيل الله ورجا الشهادة والأجر عند الله.

وقال الله تعالى في سورة النساء: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا).

وقال الله تعالى في سورة التوبة: (قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين. وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون).

فقد ذم الله المنافقين بأنهم لا يقومون إلى الصلاة إلا وهم كسالى، فمن كان فيه هذا الوصف من المؤمنين كانت فيه صفة من صفات أهل النفاق.

وعلة المنافقين أنهم غير مؤمنين بفائدة الصلاة وجدواها، لذلك فهم إذا اضطرهم نفاقهم أن يقوموا إليها مسايرة للمؤمنين، وحتى لا ينكشف نفاقهم، قاموا إليها متباطئين كسالى.

بخلاف المؤمنين الصادقين فإنهم يقومون إلى الصلاة بهمة ونشاط، ورغبة صادقة، ولذلك وصف المؤمنين بأنهم يقومون إلي التهجد في الليل أو إلي صلاة الفجر تتجافى جنوبهم عن المضاجع،وهذا عنوان مصارعة همتهم لحاجة أجسادهم إلى الراحة والنوم، فقال تعالى في سورة السجدة: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون. فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون).

التكاسل عن العبادات من وساوس الشيطان

ولما كان الشيطان عدوا للإنسان، وكان يكره منه الإيمان وعبادة الله والأعمال الصالحة، كان من وسائله تثبيط الهمم عن العبادة، والوسوسة بما يميل بالنفس إلى الكسل.

ومن أعماله أنه يعقد على قافية رأس الإنسان إذا هو نام، ليمنعه من اليقظة والنهوض إلى عبادة الله في جوف الليل. وقافية الرأس قفا الرأس ومؤخره. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة. فإن توضأ انحلت عقدة. فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان".

فهي عقد كسل مضروب عليها بوساوس شيطانية، ومتى تراكمت على الإنسان صارت خبلا، وقد عبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا الخبل المقعد عن النشاط والهمة إلى طاعة الله وعبادته بأنه أثر خبيث من آثار وساوس الشيطان.

فقد روى البخاري ومسلم عن بن مسعود قال: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقيل له: ما زال نائما حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة قال: "ذلك رجل بال الشيطان في أذنه" أو قال: "في أذنيه".

فمن لطائف التوجيه الإسلامي ربط الكسل وظواهره بالشيطان، وتربية المسلمين على مدافعة كل ظواهر الكسل.

الكسل دليل هوان النفس

إن الإنسان في هذه الحياة إذا ركن إلى الراحة والدعة والخمول هان على نفسه وعلى الآخرين، فالكسل حلقات متتالية، فمن كسل عن شيء جره ذلك إلى الكسل عن آخر وثالث ورابع حتى يلتحق بالأموات وهو يمشي على الأرض، ولربما تكاسل عن أسباب المعاش فلجأ إلى سؤال الناس فكان دنيئا.

وهذه الشريعة الغراء تربي أبناءها على العزة والاستغناء والعفة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره، فيتصدق به ويستغني به من الناس، خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه ذلك، فإن اليد العليا أفضل من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول".

إتقان العمل والإخلاص (الخطبة الأولى)

الحمد لله رب العالمين يرفع أقدار المخلصين ويؤيد بنصره العاملين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر عباده بالعمل وحثهم على إتقانه والإخلاص فيه فقال تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)(1) وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله كرم العمل والعاملين اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله اتقوا الله وحققوا إيمانكم بإتقان العمل والإخلاص فيه بقوله تعالى مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )(2) في هذه الآية الكريمة يوجه الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم  وجهة الخير  ويرشده إلى الطريق المستقيم في كل أمره حين يذكره بأن من واجبه أن يكون في سلوكه وقوله وفعله متجهاً إلى ربه و لا يشرك  به  أحداً  من خلقه مخلصاً له في سره وعلنه ودينه ودنياه و لا ينظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر قال تعالى (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين )(3)بذلك المنهج أمر صلى الله عليه وآله وسلم  طول حياته وهذا هو إتقان العمل والإخلاص فيه الذي أمر الله به المؤمنين حين قال (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) فإتقان العمل والإخلاص فيه نور يقذفه الله في قلوب المصطفين من عباده يصلهم بالله خالقهم ويحيي منهم موات قلوبهم ويهبهم في الحياة طاقات من القوة تسمو بهممهم وتعلو بعزائمهم وتنهض بمثلهم ومبادئهم وتحلها المكان الأول في حياتهم في أثرة دون أنانية و لا رياء ولا نفاق ولكن طهر وصفاء وكمال ونقاء.

أيها المسلمون إن إتقان العمل والإخلاص  في أدائه وسيلة حضارية لتقدم المجتمع والنهوض به إذ به يبلغ المجتمع الذروة من التقدم والازدهار ويحتل المكانة الرفيعة والمنزلة العالية بين سائر المجتمعات فإتقان العمل هو الذي يوزن به الرجال وتقدر به الأعمال والله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى الناس إلى المظاهر والأشكال وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال والعمل لا نور له ولا يعتد به إلا إذا صدر عن نية طيبة خالصة وكانت غايته تحقيق الخير للفرد والجماعة ويبتغى الإنسان به وجه الله يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه).

الصانع الذي استعمله الله في الآلات والمعدات أن يعمل عمل إتقان وإحسان بقصد نفع المجتمع ولا يعمل على نية إن لم يعمل ضاع مستقبله ولا على مقدار الأجرة وإن كانت حقاً له بل حسب إتقان ما تقتضيه الصنعة وهكذا كل عامل في أي حرفة من الحرف إذ لا يمكن أن يتقدم المجتمع ويتطور ويأخذ مكانة مرموقة بين المجتمعات إلا بجهود أبنائه المخلصين الذين يؤدون عملهم بإتقان  وإخلاص واضعين نصب أعينهم إرضاء الله أولاً ثم خدمة المجتمع والحرص الشديد على تطوره وتقدمه والنهوض به لأن المجتمع الإسلامي ليس إلا الأفراد التي منها يتكون وبها يبنى وعليها يقوم وإذا كان كمال المجتمع بكمال أفراده فإنه من غير الممكن أن يسعد المجتمع مع شقاء الأفراد أو يشقى مع سعادتهم فإنما يصلح الفرد يصلح المجتمع. ويرى بعض العلماء أن المراد بالإتقان هو الإخلاص في العمل فالله عزّ وجل يحب من العامل إذا عمل عملاً أن يتقنه أياً كانت صنعته أو نوع عمله بأن لا يترك فيه مقالاً لقائل ومغمز العاتب بل يتحرى الصدق في صناعته ويقبل على عمله ويطلب مرضات ربه بقدر وسعة ويؤدي الأمانة بقدر جهده.

إن المجتمع الذي يتخلق أفراده بصفة الإخلاص والصدق في العمل هو المجتمع المتحضر الراقي الذي يكسب التقدير والاحترام بين سائر المجتمعات. والجماعة التي تتألف من أفراد مخلصين تتميز بسمو غايتها ونبل مقصدها وتتورع عن التورط فيما يعيبها أو يحط من قدرها وتعيش وهي تظلها ألوية المحبة والرخاء ويعمها الأمن والسلام ويجعل الله لها من كل ضيق فرجا ومن كل شدة مخرجا.

أيها المسلمون إن المتأمل في القرآن الكريم يجد الدعوة الى العمل وافرة زاخرة فالإيمان إذا لم يقرن بالعمل الصالح لا يكون مستوفياً لشرائطه  محققاً للغاية المنشودة منه ومن هذا اقترن الإيمان بالعمل الصالح في كثير من الآيات الكريمة وأثمر اجتماعهما أينع الثمار في الدنيا والآخرة قال تعالى (إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) وقال عزّ وجل :(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ  لهم  دينهم  الذي  ارتضى  لهم  وليبدلنهم  من  بعد خوفهم أمنا).

أيها المسلمون قد يقول بعض الناس هناك من الناس من يؤدون واجبهم خير أداء  ويقومون بأعمالهم على أحسن وجه ولكنهم في ضيق من الرزق ولا يجدون تقديراً من المجتمع و جزاءْ من الإنسانية  وهذا الصنف من الناس لابد أن يجد نتيجة إخلاصه في العمل وسيجني ثمرة أداء واجبه في الدنيا وفي الآخرة وسيعوض هؤلاء المخلصون أن عاجلاً أو آجلاً بالصحة في الجسم وبالبركة في الرزق ولا أن فقدوا تقدير المجتمع فلن يفقدوا تقدير الله وإن لم يجدوا الجزاء الحسن من الناس فالله سيتولى الجزاء.

إتقان العمل والإخلاص ( الخطبة الثانية )

الحمد لله رب العالمين حمداً يليق بجلاله وكماله وإنعامه وإفضاله  وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله أنار لنا طريقنا في الحياة وبصرنا بما فيه رضا الله.

اللهم  صلّ سلم وبارك على سيدنا  محمد وعلى  آله وأصحابه أجمعين

أما بعد فيا عباد الله أوصيكم ونفسي أولاً بتقوى الله وطاعته.

أيها المسلمون قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة.

إن عمل الدنيا يتحقق بالسعي للرزق والعمل للكسب والقيام بما يحفظ للجسم قوته وصحته ويجعله قادراً على العمل والكسب وأداء الفرائض التي افترضها الله علينا وعمل الدنيا واجب على كل مسلم لنفع الناس وتعمير الأرض  التي جعله الله فيها خليفة وجعل رسالته أن يعمرها  أما عمل الآخرة فيتمثل في صدق الإيمان وطهارة الروح وصفائها ونظافة القلوب من الحقد والتمسك بالفضائل ومراقبة الله في السر والعلن وأداء الفرائض التي أوجبها الله تعالى بإحسان. سبيل ذلك أيها الأخ المسلم أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك هذا هو الجانب الإيماني جانب العمل المثمر الجاد النافع البنّاء أما الجانب الآخر فهو كف الأذى والبعد عن منكرات الأقوال والأفعال.

قال الله عزّ وجل (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره).

أيها المسلمون إن الأمة الإسلامية إذا استمسكت بهذا الدين القويم وعملت بأحكامه وشرائعه وبنوده في جميع الشؤون وعلى كل الأحوال والظروف على مستوى الإفراد والحكومات والشعوب  سعدت وبلغت في العز أعلاه وارتقت في المجد ووصلت إلى ما تصبو إليه من السيادة والتمكين والنصر المبين كما كانت عليه أمتنا الإسلامية في عصورها الزاهية وقرونها المفضلة حيث استطاعت أن تنشر الإسلام وعدالته في كثير من البلاد شرقاً وغرباً في زمن قليل مع ما كانت عليه من قلة في العدد ونقص في العتاد وما ذلك إلا بفضل الله تعالى ثم بتمسكها بدينها حقاً وصدقاً واستبسالها برفع راية الإسلام وإعلاء كلمة الله وما حققته للبشرية من معالم الخير والبر وما كانت عليه من نشر ألوية الفضيلة والأخلاق وضمان العدل والإحسان لبني الإنسان حتى أصبحت خير الأمم شاناً وأقواها نفوذاً واعزها سلطاناً وتحقق لها وعد الله (ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز).

أيها المسلمون ما أحوجنا إلى التمسك بأحكام الدين في هذا العصر الذي هانت فيه حقوق الإنسان وتلاعبت بها الأهواء حتى أصبحت حرمة النفس منتهكة وغير مصانة وأصبح لا قيمة للإنسان ولا لحريته وصار منطق القوة والجبروت في أغلب الأحيان هو التشريع.

إن الإنسانية اليوم في حاجة ماسة إلى تصحيح هذه الأوضاع الجائرة والمخالفة لرسالات السماء وللفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها.

إن العالم عندما ترك التمسك بالشرائع السماوية والقيم الأخلاقية كبا ودخل في نفق مظلم وأصبحت الإنسانية الآن تتقلب في ظلمات بعضها فوق بعض  وتخرج من محنة لتدخل في محنة أشد منها وفتنة أعظم فيجب علينا التمسك بهدى الله القويم وصراطه المستقيم فالمنهج النبوي الشريف الذي أظهر حقوق الإنسان بأكمل صورها وأتممها حيث قال تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا).

أيها المسلمون الدين يأمرنا بالإخلاص في جميع أعمالنا دينية أو دنيوية ويحثنا على إتقان ما وكل إلينا من أمور سواء كانت من قبل الله أو المجتمع فلنؤدي الأعمال كلها بأمانة وإخلاص ضمير ولنحاسب أنفسنا على التقصير فاليوم عمل ولا حساب وغداً في الآخرة حساب ولا عمل ورب قائل يقول : هناك كثير من الناس يهملون أعمالهم ولا يخلصون في أداء واجبهم ولكنهم مع هذا في رغد من العيش وبسطة في الرزق وصحة في البدن ولهذا القائل نقول إن هؤلاء المهملين المقصرين وأولئك الذين إنعدم لديهم الضمير وأقفرت قلوبهم من روح الإخلاص لابد من أن ينالوا العقاب الشديد من الله وإذا لم يعاقبوا في الدنيا فعقابهم في الآخرة مؤكد وعذابهم في دار الجزاء محتم وهم بذلك السلوك الآثم عرضوا أنفسهم لتلك العاقبة السيئة وقد ظلموا أنفسهم وما ظلمهم الله.

تلبيس إبليس  علي العمال والموظفين

يتعرض العامل أثناء عمله إلى فتن كثيرة بإغواء الشيطان أو باتباع هواه, أو بسبب جهله بالأحكام الشرعية, أو يتزين له العمل كما قال تعالي (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً) (فاطر: من الآية8) وقوله تعالي (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (الكهف:103-104)

فرأيت أن أبين الأحكام الشرعية في صور محرمة يظن العامل أنها حسنة أو أن هذا حقه..

1- الرشوة

تجد بعض الناس يتعاملون بالرشوة, وإذا سئل قال: أعلم أن هذه رشوة, فهذا آثم ويأكل من حرام ونذكره بقوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) (النساء: من الآية29) وبقوله في ذم الكافرين (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) (المائدة: من الآية42) أي الحرام. ولما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم" رواه أحمد وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما" رواه أحمد وتجد آخرين يتعاملون بالرشوة, فإذا نهيتهم قالوا: هذه ليست رشوة، إنما هي هدية مقابل إنجازي لطلبه, أو تقديراً لجهودي, أو مراعاة لظروفي وضعف راتبي.. وقد تقدم الرشوة عن طريق الخدمات وتبادل المصالح أي خدمة مقابل خدمة... أو تكون الرشوة بالترقيات والتسهيلات سواء كانت داخل العمل أو خارجه.. إلى غير ذلك من الصور التي يبحثون بها عن مبررات كقولهم أن الهدية مستحبة لقوله صلى الله عليه وسلم "تهادوا, فإن الهدية تذهب وحَرَ الصدر"، وإلي هؤلاء أقول: اتقوا الله وضعوا النصوص في مواضعها, فالفرق بين الهدية والرشوة كبير, وقد ألف فيه الإمام عبد الغنى النابلسي كتابه" تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية"، فالرشوة تعطى لينال بها باطلا ويتوصل بها إلى ظلم أو يتقرب بها إلى ضياع حق أو تأييد باطل، ولا تكون بطيب نفس، بخلاف الهدية فإنها بطيب نفس.

وأما العامل فلا تجوز له الهدية كما في الصحيحين عن أبى حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية علي الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدى لي قال: فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحدكم منه شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله علي رقبته إذا كان بعيرا له رغاء, وبقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه: اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت (ثلاثاً)

قال النووي: وفى هذا الحديث بيان أن هدايا العمال حرام وغلول لأنه خان في ولايته وأمانته, وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث السبب في تحريم الهدية, وأنها بسبب الولاية, وبخلاف الهدية لغير العامل فإنها مستحبة, وقال الخطابي: "في هذا بيان أن هدايا العمال سحت, وانه ليس سبيلها سبيل سائر الهدايا المباحة وإنما يهدى إليه للمحاباة وليخفف عن المهدى ويسوغ له بعض الواجب عليه وهو خيانة منه وبخس للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله.

وذكر البخاري في صحيحه في باب من لم يقبل الهدية لعلة, قال عمر بن عبد العزيز" كانت الهدية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، واليوم رشوة"، وقد وصله الحافظ في شرحه كما عند ابن سعد بقصة من طريق فرات بن مسلم قال اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئا يشتري به, فركبنا معه، فتلقاه غلمان الدير بأطباق التفاح, فتناول واحدة فشمها ثم رد الأطباق، فقلت له في ذلك فقال: لا حاجة لي فيه فقلت: ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية؟ فقال: إنها لأولئك هدية وهى للعمال بعده رشوة".

2- الزوغان من العمل

ساعات العمل, هل هي من حق العامل يخرج كيف يشاء ما دام يؤدى واجبات وظيفته, أم هي لصاحب العمل ولا يجوز أن يغادر العامل المكان إلا بإذنه أما أن في المسألة تفصيل؟ وبداية أقول أن المؤمنين عند شروطهم, والعقد شريعة المتعاقدين ما لم يكن اثما, وهو الفاصل في المسألة

1- إذا كان العقد ينص علي أن الأجر مقابل الإنتاج وبموصفات معلومة,  والعبرة بالانتاج فللعامل أن يتصرف في وقته ما يشاء ما لم يخل بشرط الإنتاج

2- وإذا كان العقد ينص علي عمل محدد, وشرط صاحب العمل وجود العامل بالمكان لإنجاز عمله وفى حالة تأخره عن العمل أو انصرافه قبل الوقت بغير إذن يتعرض إلى المخالفة القانونية, فلا يجوز له ترك  مكان العمل المتفق عليه إلا بإذن صاحب العمل, وهذا ما تعمل به شركات القطاع الخاص والعام, إلا إنه تطبق القوانين في القطاع الخاص, ويتهاون ويتحايل عليها في القطاع العام, ونتيجة لذلك خسائر القطاع العام فادحة, ونمو وربح القطاع الخاص الناتج عن تطبيق النظام كبير

والعجب إننا قد نجد بعض موظفي القطاع العام يحتالون علي القانون, ويزوغون من العمل ليتعاقد أو يعمل بعد الظهر في شركات القطاع الخاص فيتقيد بالوقت كاملاً.. وما هو إلا أن القطاع الخاص يراقبه وينال حقه, أما القطاع العام فلا رقابة أو ضعف الرقابة.

ونتيجة لفساد نظام بعض الحكومات, وعدم توظيف عمالها التوظيف الأمثل, فتظهر البطالة المقنعة والتكدس في المكاتب, والروتين القاتل الذي يعطل المصالح, ويشق علي الناس.. والمشهور علي الألسنة "يوم الحكومة بسنة" إلى غير ذلك.. ويوجد صنفان في هذا النظام متضادين.

أولهما: عامل يحرص علي أداء عمله.. ولكن الفساد الذي حوله يعوقه من أداء عمله, كما قال تعالي عن قوم لوط (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (النمل: من الآية56) ولما كان قانون العمل لا يسمح بالإخراج "أي الفصل" فيحول هذا العامل إلى مكان إداري أو تخصص آخر لا يفهم فيه, فيهدر وقته وقدراته.. فمثل هذا إن أراد استغلال وقته بعمل نافع فلا حرج عليه.

والثاني: عامل يهرب من أداء واجبه في العمل, ويبحث عن الحيل للخروج ويعطل مصالح العمل والناس نتيجة عدم وجوده في مكان عمله.. ولا يظهر إلا عند توقيع الحضور والانصراف إن فعل, أو يطلب بالمحمول في حالة التفتيش، فإنا لله وإنا إليه راجعون.. هل هذا راتبه حلال؟ والعجب انه يجادل زملائه أو رئيسه ويقول خروجي بالقانون.. ألا يعلم أن عليه رقيب؟!!!.

3- استغلال المال العام في المصالح الشخصية.

العامل أو الموظف مهما علا منصبه فهو أجير في ولايته, وخادم لأمته, ومؤتمن علي عهدته, ويحرم عليه استغلال هذه العهدة أو المال العام في مصالحة الخاصة أو نهبه باسم القانون بالطرق الملتوية.فالسيارة، والتليفون, والأوراق، والأدوات, والمعدات الثقيلة والخفيفة... وكل ما أوتمن عليه من أجل أداء وظيفته.. يحرم استغلالها, وقد يلبس عليه إبليس بأن النظام يسمح له, ورئيسه، فأقول له اتق الله. فهذا عطاء أو إذن من لا يملك لمن لا يستحق.. فأنت ورئيسك وإن علا أجراء لهذه الأمة.. واعلم أن المال العام ملك للأمة, مالك فيه إلا أجرك.. واحذر أن يعتدي عليه أو ينقص منه بالطرق الملتوية.. فإن الضرر سيصيبك وإن لم تمتد يدك إليه بسوء، حيث انك رأيت المعتدين عليه ولم تحرك ساكنا, وكان بإمكانك أن تنهاهم وان تزجرهم, وان تقدم له النصح.. ألم تعلم أنك مسئول ومؤتمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" يقول الحافظ ابن حجر: "الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما أوتمن علي حفظه فهو مطلوب بالعدل فيه, والقيام بمصالحه" فانتبه أخي الموظف وكن منضبطا مع المال العام ولا تستخدمه إلا فيما أوقف عليه, وتعامل معه برفق ومحافظة لينتفع به الأمة.

واذكر ما جاء في الحديث عن أبى أمامة إياس بن ثعلبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار, وحرم عليه الجنة" فقال رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ فقال: وإن كان قضيباً من أراك" رواه مسلم

فما بالك لو كان حق المسلمين جميعاً, ثم الاعتداء أزيد من قضيب الأراك

وإياك إياك أيها الموظف المؤتمن: أن تمكن غيرك من المال العام أو تيسير له سبل الاعتداء عليه مقابل هدية أو عمولة... فإنها رشوة... وتذكر أن هدايا العمال محرمة" ولا يجوز للموظفين الكبار ولا صغار هم أن يستغلوا مناصبهم في الإثراء باسم العمولات أو الهدايا  فقد علم كل ذي عقل وذي ضمير أنها رشوة.

واقتد بسلف الأمة في المحافظة علي المال العام, فهذا أبو بكر رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال لعائشة رضي الله عنها: أما إنا منذ تولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً, ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا, ولبسنا من خشن ثيابهم علي ظهورنا, وليس عندنا من فئ قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بها إلى عمر وابرئي منهم, فلما جاء الرسول عمر بكى وقال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من جاء بعده. فهذا الخليفة العظيم ترك تجارته وتخلي عن ذرائع كسبه، اشتغالاً بأمور المسلمين وقياماً بوظائف الخلافة, فاضطر إلى أخذ نفقته من بيت المال بما لا يزيد عن الحاجة.. ولما حضرته الوفاة أمر بردها.

وهذا عمر رضي الله عنه, مرض يوما فوصفوا له العسل دواء, وكان في بيت المال عسل جاء من بعض البلاد المفتوحة فلم يتداو عمر بالعسل كما نصحه الأطباء حتى جمع الناس وصعد المنبر واستأذن الناس, إن أذنتم لي وإلا فهو حرام، فبكى الناس إشفاقاً عليه وأذنوا له جميعاً, فمضى بعضهم يقول لبعض لله درك يا عمر لقد أتعبت الخلفاء بعدك.

ومنع أهله من الاستفادة من المرافق العامة.. فعن ابن عمر قال:  اشتريت إبلاً أنجعتها الحمى فلما سمنت قدمت بها قال: فدخل عمر السوق فرأي إبلاً سمانأً فقال: لمن هذه الإبل؟ قيل لعبد الله بن عمر: قال فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر بخ بخ ابن أمير المؤمنين, قال: ما هذه الإبل قلت: إبل اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى ابتغى ما يبتغي المسلمون.. قال فقال: فيقولون ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين, يا عبد الله بن عمر اغد إلى راس مالك, واجعل باقية في بيت مال المسلمين.

ومرة طلب من عامله أن يشتري له عسلا، فحمل له علي دواب البريد, فأمر ببيع العسل وجعل ثمنه في بيت المال وقال له: أفسدت علنيا عسلك.

وهذا عمر بن عبد العزيز.. اشتهى يومأً اللحم, فأرسل غلامه بقطعة يشويها ليأكلها فيقيم بذلك أورد فرجع الغلام بها سريعأً, فقال له عمر: أسرعت بها؟ قال: شويتها في نار المطبخ, وكان للمسلمين مطبخ يغذيهم ويعشيهم – فقال لغلامه: كلها يا بنى, فإنك رزقتها ولم أرزقها" لقد تورع عن أكلها لأنها شويت في مطبخ المسلمين، وتركها لغلامه لأنه واحد من الرعية له حق في المطبخ العام. هذا المستشار حسن الهضيبي، لقد طلب منه ولده أوراقا يسود فيها بعض دروسه، وأمامه أوراق كثيرة  جلبها من دار القضاء لتسويد القضايا ثم تبيضها, فيأبى إلا أن يعطيهم مالا ليشتروا به حاكتهم فيقولون له كيف يكون ذلك والأوراق أمامنا؟ فيقول: إن هذه ليست ملكاً لنا وإنما هي أمانة عندنا لا يحل الانتفاع بها إلا في مسائل القضاء.

إن في هذا لبلاغاً, وإنها لموعظة لقوم يعقلون.

4- المشاركة في الفساد لأنه نظام العمل

يشارك بعض العمال في الفساد بصور متنوعة, فقد يكون بصورة مباشرة وفيها يشارك أهل الفساد في كل شيء من إقرار باطل ودفاع عنه, واقتسام مال مسروق, أو تعدى علي حقوق الآخرين, ويجاهر بذلك كله, فهذا أمره واضح، ووزره ثقيل, (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة:67) وقد تكون المشاركة بالسكوت علي ظلمهم، أو بغض الطرف عنهم لأنهم يسرقون بحيل القانون, أو يسهل لهم في فسادهم لأنه كما يقولون "عبد المأمور" ونحو ذلك من الصور, ويلبس عليه إبليس عمله فيقول له: إنك لا تأخذ من سرقتهم شيئا, ووهم المسئولون أمام الله, أو هذا أمر لا يعنيني أو هذا هو النظام السائد ولن أصلح الكون, أو أن هنا يسبب كره زملائي لي.. أو غير ذلك من المبررات الشيطانية السلبية، واذكر هؤلاء بقوله تعالى (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود: من الآية113) وقال تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: من الآية2) وفى الحديث عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم، فقد تودع منهم" رواه أحمد وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مثل الذي يعين قومه علي غير الحق كمثل بعير تردى في بئر, فهو يُنزع منها بذَنَبه" رواه أبو داود وأحمد وفى حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة أعاذك الله من إمارة السفهاء قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: يكونون بعدى لا يهتدون بهدي ولا يستنون بسنتي فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم علي ظلمهم فأولئك ليسوا منى ولست منهم, ولا يردوا علي حوضي, ومن لم يصدقهم بكذبهم, ولم يعينهم علي ظلمهم فأولئك منى وأنا منهم وسيردون علي حوضي" رواه احمد والترمذي.

وليحذر أن يكون إمعة، فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كما في حديث حنيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا, وإن أساءوا فلا تظلموا" رواه الترمذي.

5- البخل بالإتقان في تحسين العمل أو الإنتاج

ويتم ذلك بدعاوى كاذبة، منها أن صاحب العمل لا يستحق لكونه (غنى, أو غير مسلم, أو فاسق وظالم...) أولاني لن أنال زيادة في الأجر إن أحسنت فالأمر سواء خاصة موظف الحكومة، أو لماذا أبذل الجهد والنظام العام فاسد, ونحو ذلك من الدعاوى وإلي هؤلاء أقول: اتقوا الله فالإحسان في العمل وجودة الإنتاج يجب أن نراقب فيه الله عز وجل سواء أثني الناس أم لم يثنوا، وسواء أخذت حوافز أو أجراَ إضافياَ أو لم آخذ, فكل ذرة عمل تبذلها في الخير لن تضيع عليك" فمن يعمل مثقال ذرة خير يره, والذي يجتهد في تحسين وإتقان عمله يعينه الله.. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت: من الآية69) كما أن إتقان العمل ليس له علاقة بدين أو خلق صاحب العمل.. بل علاقته بعقد العمل.. حيث أنني أنال أجراً مقابل أداء عمل.. ومن الأمانة في العمل أن أوديه علي الوجه الأكمل حتى يكون أجري حلال.

رشوة المسئولين والموظفين في ضوء الفقه الإسلامي

من واجبات أي مسئول أو موظف قيامه بواجبه الوظيفي وما توجبه عليه المسئولية في إطار القوانين واللوائح الواجب اتباعها، وليس له شرعا ولا قانونا الامتناع عن تقديم خدماته الوظيفية لمن يستحقها ولا أن يمنح تلك الخدمات لغير أهلها سواء أكان ذلك بمقابل مادي أم غير مادي.

وما تقدم يدخل في باب الأمانة التي يجب شرعا على كل مسئول وموظف أداءها؛ إذ بمجرد قبول الشخص الوظيفة والمسئولية تعين عليه شرعا القيام بمهامها والالتزام بضوابطها وحدودها، وأصبح ما في يده وما تحت مسئوليته من حوائج الناس ومصالحهم أمانة يجب عليه أداؤها لأهلها.

قال تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) (النساء: 58) وقال تعالى (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) (المؤمنون: 8) وفي الحديث الذي أخرجه الحاكم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: أن نبي الله صلى الله عليه و سلم قال: اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم و أوفوا إذا وعدتم و أدوا إذا اؤتمنتم و احفظوا فروجكم و غضوا أبصاركم و كفوا أيديكم"

والأمانة المأمور بأدائها في الآيات الكريمة والحديث الشريف  ليست هي الودائع والدين فقط إنما كما قال القرطبي في تفسير آية النساء "هذه الآية من أمهات الأحكام تضمنت جميع الدين والشرع" (تفسير القرطبي: 5/255 دار إحياء التراث العربي) وقال ابن كثير "وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله عز وجل على عباده من الصلوات والزكوات والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه ولا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك، فأمر الله عز وجل بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة" (تفسير ابن كثير: 1/637- دار الفكر)

كما ورد النهي عن الخيانة سواء أكانت الخيانة لله أم لرسوله أم خيانة أمانات الناس  كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وانتم تعلمون) (الأنفال: 27)

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء كل صاحب حق حقه حتى ولو كان صاحب الحق غير مسلم، ففي حديث أبي الدرداء الشهير الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ختمه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "أعط كل ذي حق حقه"

وأداء الأمانة في الوظيفة والمسئولية يقتضي القيام بثلاثة واجبات:

الأول: سرعة أداء وتقديم متطلبات الوظيفة من خدمات ونحوها لأهلها في وقتها المحدد دون مماطلة أو تسويف، فإن ماطل الموظف في تقديم ما يجب عليه تقديمه وسوَّف وأجَّل مع قدرته على الإنجاز، فهو ظالم، ويحل عرضه وعقوبته شرعا؛ لأن هذا نوع من المطل واللي الذي جاء فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم فيما اتفق عليه الشيخان (مطل الغني ظلم) وإذا كان ظاهر الحديث ينصرف إلى مطل المدين الغني في سداد ما عليه من دين إلا أنه يدخل في حكم المدين كل من ثبت في عنقه وذمته التزام ويقدر على بذله لأهله ولم يفعل سواء اكان موظفا عاما أو غير موظف، قال ابن دقيق العيد في شرح الحديث (فيه دليل على تحريم المطل بالحق) (إحكام الأحكام:1/145) أيِّ حق سواء أكان دَيْناً أم في حكم الدَّين.

وأخرج أبو داود والنسائي وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَيُّ الواجد يُحِل عرضه وعقوبته) ومعنى "اللي" التسويف والممطالة، ومعنى "الواجد" القادر على الوفاء. وقد أحل النبي صلى الله عليه وسلم التغليظ عليه ونهره وشكايته وتعزيره.

كما أن المماطلة والتسويف في أداء الواجب الوظيفي لأهله تدخل في باب الإشقاق على الخلق وقد تصيبه دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يشق الله عليه يوم القيامة كما أخرج ذلك مسلم وغيره (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به.)

الثاني: أداء الواجب الوظيفي من خدمات وغيرها لأهلها،  فلا يرد طالب خدمة قد تقررت له بموجب اللوائح والأنظمة، فلا يمنع أحدا من شغل وظيفة هي له بحكم القانون، ولا يمتنع عن إصدار رخصة لمستحقها ونحو ذلك.

وهذا الواجب هو معنى قوله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)

والأهل في كل أمانة بحسبها، فمن كان مسئولا  مثلا- عن تعيين موظفين أيا كانوا فيجب عليه إسناد الوظيفة للمستحقين لها المؤهلين لها، فإذا مّكَّن غير المؤهل من شغلها كان خائنا لله ورسوله وللأمة، كما أخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: من استعمل رجلا من عصابة و في تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله و خان رسوله و خان المؤمنين " ومعنى " استعمل رجلا من عصابة " أي ولاه وظيفة ما.

ومن كان مسئولا عن إصدار رخص استيراد أو تصدير أو النظر في مناقصات أو مزايدات أو مقاولات ونحو ذلك فأداء الأمانة إلى أهلها يقتضي منح الرخصة أو إرساء المناقصة، أو المزايدة لمن تتوافر فيه الشروط لا لمن يدفع لهذا المسئول أو ذاك. 

وتتمة هذا الواجب هو وجوب بذل الخدمة ونحوها دون طلب أجرة خاصة له غير ما يتقاضاه من راتب على عمله بحكم القوانين واللوائح، وهذه آفة العصر، فقلما ينجز موظف عام أو خاص اؤتمن على مصالح الخلق وقضاء حوائجهم إلا إذا طلب أو قَبِل مالا زيادة على راتبه أو أجرته التي يتقاضاها وإلا ماطل أو شدد على الناس وضيق عليهم إن لم يمنعهم أصلا هذا الحق.

وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم وشدد في النكير والوعيد على من أخذ شيئا من مال ونحوه زيادة على أجرته، فقد أخرج الحاكم في المستدرك على شرط الشيخين عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:" من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول". والحديث وإن كان ظاهره ومناسبته أنه في حق من ولي عملا من أعمال بيت المال (الخزانة العامة)، من جباة الزكاة والعشور ومثلهم في زمننا موظفو الضرائب والجمارك وتحصيل الرسوم وغيرها، حيث قد تمتد أيديهم إلى الأخذ مما حصلوه فإنه أيضا ينصرف إلى ما يطلبه الموظفون لقاء أدائهم للخدمات والواجبات الوظيفية من المواطنين زيادة على راتبهم المقرر، وهذا ضرب من ضروب الرشوة المحرمة شرعا كما سيرد. 

الثالث: ألا يعطي حقا اؤتمن عليه لغير أهله والمستحقين له،وهو مقتضى الواجب الثاني، فمن أعطى حقا أو قدم خدمة لغير المستحقين لها فقد ارتكب من الكبائر ثلاثا: الأولى: إعطاؤه من لا يستحق. الثانية: حرمانه صاحب الحق من حقه؛ لأنه ما يعطي غير المستحق إلا خصما من صاحب الحق. الثالثة: الرشوة؛ لأنه لا يصنع ذلك إلا بمقابل مادي، أو معنوي. 

وأمثلة ذلك كثيرة في واقعنا المعاصر وخاصة في بلداننا التي احتلت القمة في الفساد وانعدام الشفافية-بحسب تقارير المنظمات والمؤسسات الدولية والمحلية -  فكم من محتل لوظيفة مرموقة أو غير مرموقة هو ليس من أهلها لكنه استطاع بحكم النفوذ والمال أن يشغلها على حساب الكفء المؤهل الذي لا يملك جاها ولا نفوذا.

الحكم الشرعي لما يتقاضاه الموظف أو المسئول من مال مقابل إنجازه للخدمات:

إن ما يتقاضاه الموظف أو المسئول أيا كانت رتبته مقابل أدائه لعمله غير ما يمنح له حسب الأنظمة الوظيفية سواء أكان مقابل بذل الخدمة لأهلها أم لغير أهلها هو من باب الرشوة التي تعد بابا من أبواب الكبائر.

أما اعتبار ذلك رشوة؛ فلأن الرشوة كما جاء في تعريفها: الجَُِعل-مثلثة-  وما يعطى لقضاء مصلحة. وقيل: ما يعطيه الشخص للحاكم أو غيره ليحكم له, أو يحمله على ما يريد. وهي: الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة... وهي: ما يعطيه المرء ليحكم له بباطل، أو لِيُوَلَّى ولاية، أو ليظلم له إنسان. وقيل: أخذ المال ليحق به الباطل أو يبطل به الحق. والراشي: من يعطي الذي يعينه على الباطل،  والمرتشي: الآخذ، والرائش: الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا, ويستنقص لهذا (المصباح المنير: 228، النهاية لابن الأثير 1/ 103، أحكام القرآن لابن العربي: 3/487)

وهذه التعريفات المتقدمة التي ذكرها الفقهاء واللغويون تصدق على الموظف او المسئول الذي يمتنع عن تقديم خدماته الوظيفية إلا بمقابل من المستحقين لها، أو يعطي الخدمة من لا يستحقها بمقابل..

وقد جاء النهي والوعيد الشديد في ذلك من الكتاب والسنة وأقوال السلف:

ومن ذلك -قوله تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون) (البقرة188) وقد فسرت الآية بحرمة دفع الرشاوى إلى الحكام لأخذ وأكل أموال الناس بالباطل، وإن كان البعض قد فسرها بحرمة إقامة الحجج الباطلة لأجل هذا الغرض.

قال القرطبي: "المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها" (تفسير القرطبي: 2/340)

وقوله تعالى في ذمه لليهود أس الفساد في العالم كله حديثه وقديمه (سماعون للكذب أكالون للسحت) (المائدة 42)

وقد فسر جمع من السلف  السحت:  بالرشوة بل منهم من بالغ واعتبر السحت هو الهدية على الحكم أما الرشوة فهي كفر، في المصنف لابن أبي شيبة بسنده عن مسروق  قال: القاضي إذا أخذ هدية فقد أكل السحت, وإذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر، وذكر مثله عن إبراهيم، وخيثمة، وسعيد بن جبير، وطاوس. (مصنف ابن أبي شيبة: 5/228)

- ومن السنة: ما رواه الشيخان واللفظ للبخاري عن أبي حميد الساعدي أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- استعمل ابن اللتبية على صدقات بني سليم، فلما جاء إلى  رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وحاسبه،  قال: هذا الذي لكم،وهذه هدية أهديت لي.  فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فهلا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا؟! ثم قام رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال:  أما بعد فإني أستعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله فيأتي أحدكم فيقول هذا لكم وهذه هدية أهديت لي، فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا، فوالله لا يأخذ أحدكم منها شيئا -قال هشام- بغير حقه إلا جاء يحمله يوم القيامة.."

قال النووي في شرحه على مسلم: "وفي هذا الحديث بيان أن هدايا العمال -الموظفين- حرام وغلول؛ لأنه خان في ولايته وأمانته، ولهذا ذكر في الحديث عقوبته وحمله ما أهدي إليه يوم القيامة كما ذكر مثله في الغال، وقد بين -صلى الله عليه وآله وسلم- في نفس الحديث السبب في تحريم الهدية عليه، وأنها بسبب الولاية "

وعند مالك في الموطأ عن سليمان بن يسار أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود خيبر، قال: فجمعوا له حليا من حلي نسائهم، فقالوا له: هذا  لك، وخفف عنا، وتجاوز في القَسْم. فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر اليهود  والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليّ، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها، فقالوا بهذا قامت السماوات والأرض"

- قال الباجي في شرح الموطأ "قوله: (وأما ما عرضتم من الرشوة فإنه سحت يريد حراما, وقد وصف الله اليهود بأكلها فقال (سماعون للكذب أكالون للسحت). وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله) فراموا أن يستنزلوا ابن رواحة لما علموا من ورعه وأمانته , وحرصوا أن يدخلوه فيما يتلبسون به من أخذ الرشوة وأكل السحت قال الله عز وجل (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق). وقال (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) فعصمه الله ورد ذلك عليهم , ولم يعاقبهم امتثالا لقول الله تعالى (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره)" (المنتقى شرح الموطأ: 5/118 دار الكتاب الإسلامي)

وعند أحمد وغيره  عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ يَعْنِي الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا" واللعن من الله هو الطرد والإبعاد عن مظان رحمته , نعوذ بالله من ذلك، وهو لا يكون إلا في كبيرة.

 ولعن كل من اشترك في هذه الجريمة آخذا أو معطيا أو متوسطا بينهما يدل على تحريم هذا الصنيع؛ لما في انتشار هذه الآفة الخطيرة من فساد وفتنة تحل بالبلاد والعباد، وهو ما لا تخطئه عين في حالة بلادنا.

صور الرشوة المعاصرة:

اتخذت الرشوة في عالمنا صورا متعددة وأسما متنوعة فهي الهدية والإكرامية وأحيانا عمولة، وأخرى شاي أو قهوة أو دخان وكل يوم نسمع عن اسم جديد.

كما أنها قد تكون مبالغ نقدية وهو الغالب، وقد تكون أعيانا أو  قضاء إجازات في مصايف أو مشات، أو تعيين ولد في وظيفة مرموقة، أو خدمة غير مشروعة مقابل خدمة غير مشروعة وهكذا.

وجميع ما تقدم رشوة لا يختلف الحكم باختلاف الصورة ولا الشكل بل كل ما تقدم حرام. قال ابن القيم:"  أما استحلال السحت باسم الهدية وهو أظهر من أن يذكر- كرشوة الحاكم والوالي وغيرهما , فإن المرتشي ملعون هو والراشي ; لما في ذلك من المفسدة , ومعلوم قطعا أنهما لا يخرجان عن الحقيقة وحقيقة الرشوة بمجرد اسم الهدية , وقد علمنا وعلم الله وملائكته ومن له اطلاع إلى الحيل أنها رشوة" إعلام الموقعين عن رب العالمين: 3/95)

وهناك شبهة يثيرها من تلوث بالرشوة وملأ بطنه بها أنه مضطر لأخذها وطلبها؛ لأن ما تعطيه له الدولة من راتب لا يكاد يكفيه ومن ثم فهو مضطر إليها حتى يتمكن من قضاء حوائجه وحوائج عياله.

وهذه شبهة ساقطة، وعذر أقبح من ذنب؛ إذ لو سوغ لكل من لم يكفه دخله أن يلجأ إلى وسيلة كسب حرام لجوز للص والمرابي وقاطع الطريق والبَغِي وتاجر المخدرات ونحو ذلك أن يفعلوا ما يفعلوا؛ لأن الكثير منهم -كما يزعمون-  ألجئ إلى ذلك إلجاء، ومن ثم تؤكل أموال الناس بالباطل وتضيع الحقوق ليحيا هذا الموظف وأولاده وعائلته ببذخ.

والضرورة وإن كانت تبيح بعض المحظورات لكن لها ضوابط وشروط لا تنطبق غالبا على أمثال هؤلاء المرتشين، ويمكن لهؤلاء مضاعفة دخلهم بالاعتدال وترتيب الأولويات والإنفاق على المباحات، والتقليل من الكماليات والترفيهيات، والعمل الإضافي المباح لكن أن يجبر العجز في دخله بالسطو على أموال الناس بغير حق فهذا إثم كبير وفساد عريض.

دفع الرشوة للحصول على الحقوق ودرء المفاسد:

مما عمت به البلوى أنه لا يتمكن الكثير من الحصول على حقه أو دفع مفسدة عنه إلا إذا قدم رشوة أو وعد بها لهذا المسئول أو ذاك، ولو لم يفعل لن يحصل على حقه السليب، ولن يتمكن من درء المفاسد عنه، فهل يعذر الراشي في هذه الحالة؟

إذن نحن أمام شخص له حق شرعي معتبر يطالب به، أو يتعرض لظلم فادح أو مفسدة وضرر، وليس أمامه سبيل لتحصيل الحق أو دفع الضرر إلا بهذا، فعندئذ يقول ابن حزم "فأما من منع من حقه فأعطى ليدفع عن نفسه الظلم فذلك مباح للمعطي، وأما الآخذ فآثم" (المحلى: 9/157 دار الفكر) وما قاله ابن حزم هو قول جمهور الفقهاء.

هذا وفي الموضوع تفصيلات أخرى ينبغي الإحاطة بها والله أعلم.

وسائل عملية لإتقان العمل

 إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبد ورسوله. أما بعد:

 فهذه عدة وسائل في إتقان العمل وإحكامه أوصى بها نفسي وإخواني لنقوم بالعمل على الوجه اللائق من غير خلل أو تقصير.

 وهذه الوسائل هي:

الوسيلة الأولى: معرفة الإتقان وفى أي شيء يكون؟.

الوسيلة الثانية: مراقبة الله عز وجل والحرص على رضاه.

الوسيلة الثالثة: النظر إلى العمل باعتباره واجب ديني وعبادة وقربى إلى الله.

الوسيلة الرابعة: الإدراك الجيد لأهمية الإتقان وخطورة التقصير والإهمال.

الوسيلة الخامسة: الحرص على تطييب الرزق وحل الكسب.

الوسيلة السادسة: قيام العمل على العلم والمعرفة.

الوسيلة السابعة: الحرص على التنظيم والتخطيط.

الوسيلة الأولى: معرفة الإتقان وفى أي شيء يكون؟

أيها الأحباب: كل من يريد الإتقان لابد أن يعرف ما هذا الإتقان الذي ينبغي على أن أقوم به وفى أي المجالات يكون؟.

أما الإتقان في اللغة: فهو الإحكام "أتقن الشيء أي أحكمه والإتقان الإحكام للأشياء وفى التنزيل العزيز (صنع الله الذي أتقن كل شيء) ورجل تِقْنٌ -وتَقِن- متقن للأشياء حاذق."([41]).

والإتقان في الاصطلاح عند العلماء (الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق)([42])، وبلوغ مرتبة الكمال فيما يحاول أن يأتي به الإنسان من الأعمال([43]). ومن معاني الإحسان الإتقان والإجادة - يقال أحسن فلان عمله إذا أتقنه وأجاده([44]) ومنه قوله تعالى: "الذي أحسن كل شيء خلقه" (السجدة الآية 7).

 أما الشق الثاني لهذه الوسيلة.. في أي شيء يكون الإتقان؟ وفى أي الأعمال يتقن الناس؟ هل يتقن الناس الأعمال المادية والحرفية من صناعة وتجارة وزراعة وغير ذلك؟ أم أن الإتقان يشمل الأعمال الفكرية والعلمية؟.

 الحقيقة أيها المسلمون أن الإتقان يشمل هذا كله، يشمل الأعمال المادية والفكرية والعلمية، وكل ما يقوم به المسلم من أعمال - عمله الدنيوي يحتاج إلى إتقان وإحسان، عبادته تحتاج على إتقان وإحسان كما جاء في الحديث (إن الله كتب الإحسان على كل شيء)([45]). فالعامل في مصنعه والباحث في معمله، والفلاح في حقله، والمعلم في محرابه، والتاجر في سوقه ومتجره، والمحاسب أمام حاسوبه وفى دفتره، والطالب في دراسته وكل إنسان في مجاله مطالب بالإتقان والإحسان والإتيان بالأعمال على الوجه اللائق " ومن هنا المجتمع كله يحتاج إلى الإتقان والإجادة..إذ أن كل جهد أو عمل مشروع مادي أو معنوي أو مؤلف منهما معاً يعتبر عملاً في نظر الإسلام فقد اعتبر الإسلام كل عمل من أدنى الأعمال شأناً إلى أعظمها رتبة " كرياسة الدولة " عملاً لكن الإسلام راعى التفاوت بينهما في النوع والمقدرة المؤهلة لها وعلى هذا يكون المجتمع في نظر الإسلام مؤلفاً من مجموع العاملين وكلهم يسمون عمالاً.([46])

الوسيلة الثانية: مراقبة الله عز وجل والحرص على رضاه.

 أيها الأحباب: المسلم الذي يراقب ربه يتقن عمله، وهو إذا يفعل ذلك لا ينظر ما يأتيه من وراء إتقانه من مكسب مادي وإنما يتقن عمله إرضاءً لله -عز وجل- وقياماً بحق العمل وفى الحديث [إن الله يجب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه]([47]) أي يحكمه. والمسلم يتقن عمله لشعوره العميق واعتقاده الجازم بأن الله يراقبه في عمله، ويراه في مصنعه أو في مزرعته أو في أي حال من أحواله وأنه تعالى: [كتب الإحسان على كل شيء] وقد فسر نبي الإسلام هذا الإحسان في جانب العبادة فقال: "الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"([48]) وهذا هو شعور المؤمن في كل عمل من الأعمال -لا في العبادة وحدها- أن يؤدى العمل كأنه يرى الله، فإن لم يبلغ هذه المرتبة فأقل ما عليه أن يشعر أن الله يراه وشعار المؤمن دائماً في أدائه لعمله إني أرضي ربي.... فراقب ربك أيها المسلم واحرص على رضاه فمن ثمار المراقبة أنها تقوم بحراسة الأعمال من دواعي التفريط والإهمال أو التقصير والنقصان. لأن من يراقب الله في أعماله وقلبه ممتلئ بجلاله وعزته حتى كأنه ماثل أمامه فإنه لا بد أن يأتي بها على الوجه اللائق، وهذه المرتبة أقل من الأولى لأنه في الأولى يعمل كأن الله حاضر أمامه بذاته فيستحى منه كل الحياء وأما الثانية فإنه يرى الله غائباً عنه ولكنه حاضر بعلمه فيحذره ويخشاه...([49])

الوسيلة الثالثة: النظر إلى العمل باعتباره واجب ديني وعبادة وقربى إلى الله وهذا النظر -أيها الأحباب-: يحمل صاحبه على إتقان العمل والإحسان فيه وأدائه على الوجه اللائق، لأن العامل هنا لا ينظر على العمل باعتباره وسيلة تكسب المال فقط، وإنما ينظر إليه أيضا باعتباره وسيلة لرضي الله -عز وجل- وابتغاء مرضاته، ومن ثم فهو يتعبد لله عز وجل بعمله وبسعيه وبحركته فيه، وبالتفاني من أجل إتقانه، من أجل ذلك فهو يريد أن يقدم لله أحسن ما عنده و أجود ما لديه وأطيب ما صنعت يداه لأنه يؤدى عبادة ولأن سعيه وعرقه وجهده مدخر له عند ربه وخالقه -عز وجل- وقد سمى القرآن الكريم تجويد الصناعات الحربية -لدعم الحق بداهة- سماها عملا صالحاً، فقال عن نبي الله داوود: [وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحاً إني بما تعملون بصير]([50]) وأخرج الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب([51]) (عن كعب بن عجرة -رضي الله عنه- مر على النبي - رجل فرأى أصحاب رسول الله من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله؟!!، فقال رسول الله-: "إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو فى سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، و إن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً فهو في سبيل الشيطان" فالزارع في حقله، والعامل في مصنعه، والتاجر في متجره، والموظف في مكتبه، وكل ذي حرفة في حرفته، يستطيع أن يجعل من عمله صلاة وجهاداً في سبيل الله إذا التزم فيه الشروط الآتية([52]):

1- أن يكون العمل مشروعاً في نظر الإسلام، أما الأعمال التي ينكرها الدين كالعمل في الربا والحانات، والمراقص ونحوها، فلا تكون ولن تكون عبادة أبداً... إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.

2- أن تصحبه النية الصالحة: نية المسلم إعفاف نفسه، وإغناء أسرته ونفع أمته وعمارة الأرض كما أمر الله.

3- أن يؤدى العمل بإتقان وإحسان: ففي الحديث الشريف "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" و "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"

4- أن يلتزم فيه حدود الله فلا يظلم ولا يخون ولا يغش ولا يجور على حق غيره.

5- ألا يشغله عمله الدنيوي عن واجباته الدينية كما قال تعالى: "يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون "، " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة..."

الوسيلة الرابعة: الإدراك الجيد لأهمية الإتقان وخطورة التقصير والإهمال.

على المسلم أن يدرك أهمية الإتقان والإحسان بالنسبة له وللمجتمع من حوله وللأمة الإسلامية، أما عن أهمية الإتقان والإحسان بالنسبة للفرد فتتمثل في قبول المجتمع لإنتاجه واحترام الناس له، فهو ذو إنتاج مقبول وبضاعة رابحة، وسمعة طيبة، وهو في نفس الوقت قدوة حسنة لكل من أراد أن يكون من المتقنين، وعندئذ يجد المتقن من الحافز المادي ما يكفيه ويغنيه عن الحاجة، ويجد من الحافز المعنوي ما يدفعه إلى الإحسان والإتقان وهذه فيه من الخير الكثير والكثير، هذا بالنسبة للأفراد.

أما عن أهمية الإتقان بالنسبة للمجتمع فظاهر جلي، فالمجتمع الذي يقوم أفراده بتبعاتهم على الوجه اللائق فإنه لا شك سيسعد بهذا الإتقان والإحكام وسيجد المجتمع عندئذ في إتقان وإحكام أفراده ما يوفر الجهد والمال والوقت وما يحفظ الحقوق من الضياع أو التقصير والإهمال. وهنا تسعد الأمة كلها وتنعم بهذا الإتقان والإحكام وتجد فيما تنتجه عقول وسواعد أبناءها في شتى الميادين الفكرية والمادية ما يغنيها عن غيرها وما يحفظ لها كرامتها وعزتها، هذا عندما يسود الإتقان وينتشر الإحسان. أما إذا أهمل الناس وقصروا في أعمالهم، ولم يؤدوها على الوجه اللائق فإن هذا التقصير وذلك الإهمال سيعود بالضرر البالغ عليهم ولسوف يتجرعون مرارته أفراداً وجماعات، ولسوف يشقى به الفرد المهمل المقصر في عمله عندما ينفض الناس من حوله وعندما تكسد سلعته أو تبور تجارته وعندما تكثر منه الشكوى، فإذا به يخسر مادياً ومعنوياً، ومن ثم تسوء حالته ويخسر ثقة الناس به، وعندئذ لا يجد من المال ما يعف به نفسه وما يغنى به أهله وعشيرته، وما يجرى على الفرد يجرى على المجتمع وعلى الأمة كلها، فشيوع الإتقان وانتشار الإحسان بين الأفراد يخدم الفرد ويُسْعد المجتمع ويدفع الأمة إلى التقدم والنهوض وبإهمال الأفراد وتقصيرهم يشقى المجتمع ويسهم ذلك في تخلف الأمة برمتها؛ وهنا ندرك أن التقدم المادي الهائل للغرب في الميادين المختلفة من أهم أسبابه إتقان العمل وإحسانه وقيام كل فرد بواجبه وما يناط به من عمل على خير وجه، فمن أتقن وأحسن تقدم وإن كان كافراً ومن أساء وقصر شقي وتأخر وإن كان مسلماً... فهذه سنة الله في خلقه وهذا قانون الله في الحياة الدنيا وقديما قال آباؤنا في أمثالهم: "بيت المهمل يخرب قبل بيت الظالم". وهذا حق فإن الله تعالى قد جعل لكل شيء قدراً، أي نظماً وسنناً تنظم علاقته بكل ما في الكون فمن أخذ كل شيء بسنته أقبلت عليه السنة بمالها من إخلاف الرزق ومكنون الثروة، وقد بلغ من اطراد ذلك أن جعله الله قانوناً منقاداً لكل من عمل به واستغله بحقه، مؤمناً بالله، أو غير مؤمن وهو سبحانه يقول في سورة هود: "من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون"، وتقرأ في سورة هود نفسها قوله -جل شأنه-: "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون". فقد ذكر علماء التفسير من معاني الظلم في الآية: الشرك بالله ووجهوا المعنى إلى أن الله -جل شأنه- لا يخلف سننه مع من يصلحون بها دنياهم ولو كانوا أهل إشراك.وواضح لكل ذي لب أن هذا التأويل يفسر لنا انقياد سنن الطبيعة - في الزرع وغير الزرع لأهل الغرب على ما هم فيه من إثم وبُعد من الله([53]). فإذا ما أدرك المسلم أهمية الإتقان وضرورته وما يؤدى إليه من نتائج جيده وإذا أدرك كذلك عاقبة الإهمال والتقصير وخطورته وما يؤدى إليه من عواقب وخيمة كان ذلك دافعاً له على الإتقان وباعثاً له على الإحسان فيما يقوم به من أعمال لينفع نفسه ومجتمعه من حوله وأمته كذلك.

أيها المسلم: ما الفرق بين اليابان والصين؟ وما الفرق بين ألمانيا وروسيا؟ بل وما الفرق بين الهند ومصر؟ إنه الإتقان والتطوير إلى جانب الإبداع، إن غير المتقن فوضوي مضيع للوقت وللثروة إن من لا يتقن ولا يتطور يحكم على نفسه بالإعدام، بل إن المحكوم عليه بالإعدام سيموت مرة واحدة، أما من لا يتقن ولا يتطور فإنه يموت في كل يوم موته، ويا لها من موته رديئة([54]).

الوسيلة الخامسة: الحرص على تطييب الرزق وحل الكسب.

أيها الأحباب: مما يعين على الإتقان والإحسان، إن المسلم إذا حَرَصَ على تطييب أجره ورزقه دفعه هذا الحرص على الإتقان والإحسان والإتيان بالأعمال على الوجه اللائق، لأنه يريد مالاً حلالاً طيباً نظير عمل قد بذل في سبيل تحقيقه كل ما في وسعه من عناية وإتقان ؛ لأنه إن حصل على أجر بدون عمل، كان سحتاً، وإن عمل عملاً ولم يتقنه لم يطب له رزقه ودخله.

وهذا الحرص وذلك الإصرار على الحلال يقوى في نفس المسلم بأمور:

أولا:- بعلمه أن الله سبحانه وتعالى سائل كل إنسان عن مصدر كسبه وعن الطريقة التي من خلالها جمع المال أمن حلال؟ أم من حرام؟ كما جاء في الحديث: عن أبى برده -رضي الله عنه- أن رسول الله قال: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ما عمل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟([55]).

ثانياً:- يَقْوى هذا الحرص في نفس المسلم أيضاً بمعرفة العاقبة السيئة للذين تلوثت أرزاقهم وأجورهم بالحرام واستساغوها فهؤلاء سيكونون حطباً لجهنم كما جاء في الحديث: "كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به"([56])؛ من أجل هذا فإن المسلم الحريص على أكل الحلال الحريص على ألا يدخل جيبه أو بيته جنيه من حرام، الحريص على إطعام أولاده وأهله من الحلال، هو الإنسان الذي يعطى عمله ما يستحق من عناية وإتقان.

 الوسيلة السادسة: قيام العمل على العلم والمعرفة:

أيها الأحباب: يستطيع المسلم أن يتقن عمله وأن يحسنه، إذا كان عمله قائماً ومرتكزاً على علم ومعرفة، وإذا كان يؤدى عمله على علم ودراية وخبرة. لأنه إذا عمل بغير علم كان خطأه أكثر من صوابه وإهماله وتقصيره أكثر من إحسانه وإتقانه، فالعلم يرشده إلى الصواب وإلى الأصول المتبعة في العمل، وإلى أفضل الطرق إلى النجاح والإتقان، فالعلم في الإسلام يسبق العمل وهو دليله ومرشده، روى سفيان بن عيينة عن عمر بن عبد العزيز قال: "من عمل في غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح"، وقال الإمام الحسن البصري: "العامل على غير علم كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم يفسد أكثر مما يصلح"([57])؛ إن هذا يفرض على من يريد الإتقان ويبغى الإحسان أن يتتلمذ في مجال عمله على يد أهل الخبرة والاختصاص، وأن يأخذ بنصائحهم وتوجيهاتهم وأن يسأل عما لا يعلم ولا حرج في هذا فإن الله -عز وجل- يقول: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون". ولفت الأنظار إلى الاستفادة من أهل الخبرة والاختصاص في الفنون المختلفة فقال: "فاسأل به خــبيراً". وقال: "ولا ينبئك مثل خبير". ويتحتم أيضاً على مريد الإتقان أن يُحَصِّلَ ما يعينه على إتقان عمله من علم ومعرفة ولو من عند غير المسلمين فيما يتصل بفنون الحياة وعلومها فقط، وما يهتدي إليه الناس بعقولهم وتجاربهم فهو ملك عام للبشرية، وقد روى في الحديث الشريف: "الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها"([58]). وقال علىُّ -رضي الله عنه-: "العلم ضالة المؤمن، فخذوه ولو من أيدي المشركين". فأحسن أيها المسلم عملك واجعله قائماً ومبنياً على العلم والمعرفة وانظر ماذا قال الخبراء والمتخصصون في مجالك فإن قيام العمل على العلم والمعرفة سبيل إلى الإتقان والإحسان ويعصم من الخطأ والفساد والتقصير والإهمال.

الوسيلة السابعة: الحرص على التنظيم والتخطيط للأعمال:

ومما يساعد ويعين أيها الأحباب: على إتقان العمل وإحكامه ألا يدخل المسلم في أي عمل من الأعمال وإن كان بسيطاً إلا بالتنظيم والتخطيط فإن هذا من شأنه استغلال الوقت أحسن استغلال وتوفير الجهد والتقليل من التكاليف والتضحيات، وسيرة النبي - غاصة بالنماذج الناطقة بحرصه على التنظيم والتخطيط ولو لأبسط الأعمال. فمثلاً ما كان ينام في سفر أو حضر إلا ويكلف من يكلأ الوقت ويراقبه وما كان يأكل ويشرب إلا بنظام وترتيب خاص وما كان يغزوا أو يسالم إلا وفق تنظيم وتخطيط، وهكذا سائر حياته وأعماله ؛ ولهذا كانت أعماله - في غاية الإتقان والدقة والمسلم الذي يريد الإتقان هو الذي ينظم حياته، فينظم وقته ويرتب أولوياته فيقدم ما حقه التقديم ويؤخر ما حقه التأخير، ويعطى كل جانب من جوانب حياته ما يستحق من عناية ووقت وجهد فلا يطغى جانب على جانب آخر، فوقت للراحة ووقت للترويح عن النفس ووقت للعبادة والواجبات الدينية ووقت للعمل فهو يسير في حياته على نظام دقيق وتخطيط محكم، فيضع من الخطط ما يضمن سلامة أدائه في عمله ونجاحه فيه والوصول به على درجة الإتقان والإحسان ؛ ومن هنا فإذا ما توفر لعملٍ ما الوقت المناسب والجهد المناسب والخطط الجيدة فلا شك أن هذا العمل سيؤدى على خير وجه ولكي يسير المسلم على النظام الذي وضعه وينفذ الخطة التي رسمها فعليه أن يراقب هذا النظام وتلك الخطة، ليبصر خطواته ويعرف تقصيره من تمامه وهذا ما يسميه المربون ورد المحاسبة، فيحاسب نفسه ويقوم أدائه بعد كل عمل وفى نهاية كل يوم وكل أسبوع وكل شهر وكل عام، ليصل في النهاية على عمل متقن محكم يرضى الله - تبارك وتعالى، ومما جاء في الحديث الشريف: "وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات فساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها صنع الله -عز وجل-، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب"([59]). وأخيرا أقول أيها المسلم: أتقن عملك وانتفع بهذه الوصايا واجعلها خطوة على طريق الإحسان والإتقان فتعرف على الإتقان وراقب ربك -عز وجل- وكن حريصاً على رضاه، وانظر إلى عملك على أنه عبادة وقربى إلى الله -عز وجل-، وانتبه إلى أهمية الإتقان وخطورة التقصير والإهمال، أيها المسلم كن حريصاً على تطييب رزقك وحل كسبك، وتعلم قبل أن تعمل، واحرص على التنظيم والتخطيط في كل ما تقوم به من أعمال.

كيف نربى أبنائنا على احترام العمل وإتقانه؟

كيف نربى أبنائنا على احترام العمل وإتقانه؟ أو خطوات عملية لتربية أبنائنا على إتقان العمل

الإتقان هو الكيفية التي يحبها الله و يرضاها في أداء الأعمال،وذلك ينطبق على كل عمل سواء من أمر الدنيا أو من أمر الآخرة، فقد قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).

وفى العبادات يعلمنا حديث (المسيء صلاته) المشهور، كيف أن المسلم إذا لم يتقن صلاته فكأنه لم يؤدها أصلاً، هذا فضلاً عن العقاب الذي يناله في الآخرة، فعن أبى هريرة قال: دخل رجل المسجد فصلى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسلم عليه فرد عليه السلام وقال: "ارجع فصلى فإنك لم تصلى" فرجع، ففعل ذلك ثلاث مرات قال: فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني، قال: "إذا قمت على الصلاة فكبّر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" رواه البخاري ومسلم.

فالعمل المتقن يعطينا أفضل النتائج المرجوة من ورائه، وأفضل الآثار المترتبة عليه سواء عادت تلك الفوائد على العامل وحده أو تعدت إلى غيره.

ومن أسرار الإتقان: التعود عليه منذ الصغر، وغرسه في نفس الأبناء، ليشبوا وجوارحهم لا تحسن إلا العمل المتقن، وهذه خطوات عملية نعود من خلالها أبنائنا على هذا الخلق:

1- ربط كل تصرفاتنا برضا الله تعالى عنّا ورؤيته لنا:

فمثلاً حين تنظف الأم شيئاً في المنزل، تقول لطفلها: "انظر يا حبيبي كيف أتقن تنظيف هذا الطبق؟ لأن الله يحب إتقان العمل، وأداؤه على أكمل وجه وهو سبحانه يرانا ويطلع علينا وسيحاسبنا على كل شيء قمنا بعمله، هل أتقناه كما يحب ويرضى أم لا؟- هل أعجبكم طعم الغذاء؟ لقد اجتهدت في إتقانه حتى يرضى الله عني ويحبني" وهكذا عند حضور ومشاهدة الأبناء لنا في أي عمل نقوم به.

2- لابد أن تتحقق فينا -المربين والمربيات- القدوة الحقيقية الصالحة فيما نأمرهم به من قيم،ولذلك يجب أن يرونا نحن نتقن عملنا ونحسنه.

3- من الضروري مراعاة التدرج مع الأبناء في صعوبة أو كثرة الأعمال التي نكلفهم بها، و أن تكون الأعمال المطلوبة منهم في حدود طاقاتهم وإمكانياتهم، ويستطيعون أداءها دون جهد كبير أو مشقة، وفى وقت قصير قبل أن يملوا أو يضجروا.

4- لابد أن نشرح للأطفال بالتفصيل ما هو المطلوب منهم، حيث إن كثيراً من الأطفال -بل معظمهم- لا يستطيعون بمفردهم فهم المطلوب منهم بالتحديد، عندما نعطيهم أوامر عامة مجملة.

فمثلاً إذا قلنا لعشرة أطفال: إن المطلوب من كل واحد منكم هو ترتيب غرفته؛ فإننا سنجد إن كل واحد منهم سوف يفهم المطلوب منه على نحو مختلف، فبعضهم سوف يقوم بتجميع اللعب من على الأرض ووضعها في الخزانة المخصصة لها، وآخرون سوف يرتبون خزانة الملابس، وآخر يكتفي بترتيب السرير، بينما القليل منهم سوف يفعل كل ذلك، وكل منهم يتصور أنه أدى المطلوب.

5- ينبغي أن نبدأ بالعمل معهم ونريهم نموذجاً عملياً، ثم نتركهم يستكملوه بأنفسهم، فلابد أن يرى الطفل النموذج الصحيح لأداء العمل ثم يسير على نهجه في الأداء بعد ذلك، كما ضرب لنا المربى العظيم صلى الله عليه وسلم مثلاً عملياً في التدريب العملي للأبناء على إتقان العمل، فعن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلام يسلخ شاة، فقال له: "تنح حتى أريك، فإني لا أراك تحسن تسلخ" فأدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يده بين الجلد واللحم فدحس بها (مدّها) حتى توارت على الإبط، وقال: "يا غلام؛ هكذا فاسلخ!" ثم مضى، وصلى للناس ولم يتوضأ، ولم يمس ماء." صحيح ابن حبان ج1 رقم: 1163

فلم يستنكف ولم يستكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقف لدى الغلام ويساعده في عمله ويسهّل له ما شق عليه، ويعلمه ما خفي عليه من إتقان السلخ، ولو كان خارجاً إلى المسجد والصلاة بالناس!!

إنها يقظة المعلم وإحساس المربى بمسئولية الإرشاد والتقويم الدائم المباشر، في كل وقت، وفى كل عمل.

6- نبين لهم فائدة هذا العمل، ولماذا نطلب منهم ذلك، ونحدد لهم حوافز وجوائز تشجيعية إذا أتقنوا العمل.

7- إذا أخطئوا أو أهملوا فلا نسرع في توبيخهم، بل نعيد عليهم شرح الأمر، ونساعدهم ليتموه على أحسن وجه.

8- حين نمارس تدريب الطفل على عمل ما، علينا أن نكرره عليه وبلهجة جدية فإذا رفض نأخذ بيده لينفذ مع توجيهه خطوة خطوة، وكثرة التدريب هي الطريق الأمثل لإتقان العمل أو السلوك الجيد، ويمكن لسباق الوقت أن يحل مشكلة تقاعس الابن عن التنفيذ؛ فنضبط جرس الساعة لمقدار مناسب لإنهاء العمل،ونقول له بمرح وتحدٍّ: "هل تستطيع الانتهاء من كذا قبل أن ترن الساعة؟" أو نتسابق: "من ينجز مهمته بإتقان أولاً قبل أن ترن الساعة؟"

9- علينا أن نكثر من كلمات المديح والتشجيع أثناء العمل، وإذا كان هناك تقصير أو إهمال بسيط فلنتغاضَ عنه، ونركز على الجوانب الإيجابية، وكذلك عندما ينتهي الأبناء من عملهم لابد من الثناء عليه بشدة، وامتداح كل الجوانب الإيجابية فيما قاموا بعمله، ولابد أن نعطيهم ما وعدناهم به، ونحدّث الناس عن إنجازاتهم الطيبة في وجودهم، فإن ذلك يرضيهم ويثبتهم على هذا السلوك الإيجابي، ويجعلهم لا يتناولون بعد ذلك عن أداء الأعمال بشكل جيد ومتقن.

كيف تحترف الإتقان؟

1- كيف نحافظ على الإتقان؟

الإتقان الذي هو ثمرة نجاحنا، وتمتعنا بالنجاح، والحصول عليه يشعرنا بنشوة، ويجعلنا سعداء بأوقاتنا، إن السؤال الذي يدور في أذهان الناجحين: كيف نستمر على الإتقان؟

والإجابة سهلة ويسيرة وليست صعبة على الناجحين الذي قطفوا ثمرة الإتقان، وهي تدور حول ثلاثة أمور، إن حافظ عليها الناجحون، انطلقوا في حياتهم متمتعين بالإتقان:

الأول: المحافظة على أسباب الإتقان

إنهم قد امتلكوا الإتقان، وكما يقولون ليس التفوق في إتقان الأمر، وإنما في المحافظة على الإتقان في كلِّ الأمور، وهو يحتاج دائمًا إلى تجديد النية، وصقلها بالعزيمة والهمة، والتأكد من وضوح الهدف في كل حركة، وبذلك نمتلك الدافع الدائم، الذي يجعلنا محافظين على الإتقان مهما كانت العقبات أو الصعوبات.

الثاني: المعرفة والإطلاع

في كل يوم جديد على مستويات الحياة، فهل يعقل أن يمر الجديد دون أن يدري به الناجحون، أو يتقنوا معرفته؟، خاصةً ونحن نعيش في عالم المعلومات وعصر المعرفة، ولن يفهم هذا المعنى إلا الشباب والكبار، الذين يواجهون الحياة، وربما يقابلون المحترفين في العلم والمعرفة في مواقف عملية، فهل ينهزمون أم يجعلون الازدياد المعرفي منهجهم، ويبحثون بكل الطرق في الانتقال من الهواية إلى الاحتراف، ثم يثبتون على ذلك ليكون الثبات نقطة انطلاق وحركة، لا نقطة راحة أو قعود أو اكتفاء؟!

الثالث: الرضا بالنتيجة

الرضا معناه هنا المحاولات الدائمة للوصول إلى النتيجة، وهي النجاح، وليس غير النجاح؛ لذلك فمن أراد الثبات على الإتقان، فليثبت على العمل، والإصرار على النجاح لا تقعده عقبة، ولا تؤخره كارثة، ولا يثنيه فشل؛ لأن كل ذلك هي محاولات نحو النجاح، وما لا يتم النجاح إلا به فهو نجاح، ويحتاج منه إلى رضا وقناعة وفرح وسرور، في أنه يسلك طريق النجاح.

2- هل يمكننا بالإتقان أن نكون محترفين؟

إن الاحترافَ- سواءٌ كان في حديثنا أو كلامنا أو أعمالنا أو مهنتنا أو حركتنا أو مهامنا أو دورنا المشارك مع الآخرين- يحتاج إلى أسسٍ لا بد أن تتوفر لدينا، والوصول إليها بأنفسنا وليس بغيرنا، فكلها تعتمد أساسًا على ما لدينا من قناعةٍ وعلم وممارسة ودراسة وخبرة وتميز وابتكار وانتهاز الفرص وانفتاح على الآخرين، وهذا الإجمال يحتاج إلى تفصيل، وهو ليس بجديدٍ في عالم الإتقان والاحتراف؛ فمهمتنا أن نصل معًا إلى معنى عميق يأخذنا إلى الاحتراف؛ ولذلك فنحن نتعاون معًا في التذكير والتوضيح والبيان.

أسس الاحتراف

1- انتماء:

بمعنى القناعة بما تعمل، والتبني لما تعمل، حتى يصير ذلك عضوًا من أعضائك، وجزءًا منك لا تستطيع الاستغناء عنه، فقد أوجدت الدراسات أن 38% من حالات الاكتئاب ناتجة من عدم الانتماء لأي فكرةٍ أو بلد، فالانتماء هو مرجعيتك في مواقف الحياة.

2- تخصص:

التخصص في شأنٍ من الشئون لا يأتي من فراغ.. إنه المزيد من البحث والدراسة والممارسة والتجديد من ناحية المتخصص وهذا وجه، والوجه الثاني الاستعانة بأهل الخبرة والاستفادة الدائمة من تجاربهم.

3- علم:

ليس المقصود بالعلم حشو الرأس والنفس بالمتون والعلوم، وإنما العلم بمعرفة قواعده ومعانيه ومقاصده من جهة، وكيفية تطبيقها على الواقع الذي نعيشه، وفي الحياة.

4- تميز:

أُجريت دراسات في جامعة هارفارد كان مفادها: 7% فقط يعتمد على تميزه في مهنته، بينما 93% منهم يعتمدون على المهارات الشخصية والقدرة على استغلالها، وهذا تميز الهواة، أما المحترفون فهم متميزون بأشخاصهم وأعمالهم، ومبادرون بأفكارهم المتميزة ومشروعاتهم الفريدة في دنيا الحياة.

5- ثقة:

الثقة للمحترف قد يراها البعض غرورًا، ولكنها عنده تواضع لما يعمله، وهي لا تنمَّى إلا بالانشغال بالعمل، والممارسة الدائمة.

6- ابتكار:

المحترف ليس هاويًا يتعلم وسائل الابتكار وأساليب المبدعين، فهو قد تجاوز ذلك كله، فتفكيره يوجهه إلى التطوير وإيجاد الحلول القابلة للتطبيق، فالمرونة والواقعية والتأقلم أصبحت من طباعه وسجاياه في التعامل مع الحياة.

7- خبرة:

ملخصها المزج بين العلم والعمل، بين القول والممارسة، ومرادف خبرة هي تجربة، والتجارب الفاشلة هي التي تدوم في خبرة الإنسان، فالتجارب الناجحة سرعان ما تزول للنشوة الوقتية التي تُحدثها، والخبرة للمحترفين تعني العمل؛ مما هو مسجَّل ومحفوظ بشكلٍ جيد في عقل الإنسان، من كثرةِ الممارسة، يستطيع بها أن يقرأ الأحداث والأوضاع والمستقبل.

8- مهارة:

كثيرًا ما نسمع في دورات هندسة النجاح عبارة: كيف تكتسب مهارات تربوية أو مهارات إدارية؟ مثل: (مهارات الاتصال والتخلص من الضغوط أو مهارات كسب الآخرين ولغة الاتصال وفن التفاوض والتفكير الإيجابي)؛ مما يعني أن المهارة تُكتسب، ويتعلمها الإنسان، وهذا طريق الهواة في الاكتساب والتعلم.

أما المحترفون فإنهم يحوزون على مهارة واحدة تجعلهم يحترفون أي مهارة مهما كان نوعها، ألا وهي (الحماس)؛ فهو ما يحقق لهم النجاح الدائم، ويُحرِّك حياتهم إلى الأمام، وهي القوة التي تشعل كل القدرات، وتدفعهم لتحقيق الأهداف، وهو عند المحترفين حماس متزن مرن واقعي إيجابي؛ لأنه اكتسب بالممارسة والتطبيق والبحث والدراسة والملاحظة، وليس بالقراءة والتدريب فقط مثل الهواة.

9- انفتاح:

ويعني به الانفتاح على النفس وعلى الآخرين، وإن كان الهواة يحاولون ويجتهدون، فإنه لدى المحترفين حقيقة تتحرك في داخلهم، فهم يحترمون وجهات النظر، ويستفيدون بالخبرات، ويستغلون الفرص، فتراهم يشاركون، يتقبلون، يتبادلون، يتفهمون، يتعرفون، يتعلمون، يتناصحون، يتعاونون، يتضاحكون، يتمتعون.

هل حاولت الإجابة بعد معرفتك بالأسس عن هذا السؤال:

3- هل يمكن أن أكون محترفًا؟

نعم.. وفي سهولةٍ ويسر، وبكل ثقة فليس الأمر حكرًا على أحد دون آخر، إن ما يراه الواعي البصير في النتائج التي ينعم بها المحترفون؛ يعتقد اعتقادًا جازفًا وعميقًا- وبصدق- أن الاحتراف ممكن، رغم ما يحاصرنا من ضغوط وصعوبات، فتعال نتعرف على حياة المحترفين، وما يرغدون فيه من ثمار يانعة، وأوقات هانئة.

ودعنا نتساءل أولاً: ما نتائج الاحتراف؟

1- الرضا:

تسمعهم يقولون: "رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله علية وسلم نبيًا ورسولاً"، وتراهم مستبشرين، يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: "مَن قال حين يُمسي رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا كان حقًّا على الله أن يرضيه" (رواه الترمذي)، وتدركهم آمنين بما أنعم الله عليهم، متذكرين قول المصطفى صلى الله علية وسلم: "مَن أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا" (رواه الترمذي)، وتشهدهم فرحين بالطاعة والتمكُّن منها؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)) (يونس)، وتعايشهم مطمئنين، لقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20)﴾ (غافر).

2- الصواب:

فالصواب حليفهم في كل خطوة، عملوا واجتهدوا وأتقنوا واحترفوا، فماذا يجدون غير الصواب، لا يتعثرون، ولا يحتارون، ولا يتخبطون، فهذه الكلمات ليست في قاموسهم لأنهم هم الصواب؛ وذلك بينما بعض الناس يتساءل: أين الصواب؟، وآخرون يقولون: لماذا نصنع الصواب الناقص؟ ونسمع البعض يقول: لماذا أعمالنا بين الصواب والخطأ؟ أو: متى نعود إلى الصواب؟!

فالمحترفون دائمًا يقتربون من الصواب؛ لأن أهدافَ المحترف، إما أن يُسدّد فيتحقق الهدف، أو يقترب من السداد فالهدف وشيك التحقيق.

وثمرة كل ذلك في أنهم يغرسون الصواب لدى كل من يقابلونهم؛ فهم قدوة في مجتمعاتهم لغيرهم من الشباب والكبار.

3- الإيجابية:

الهواة ذاتيون؛ أي يعملون بدافع داخلي دون إجبار أو إكراه أو مراقبة أو متابعة، أما المحترفون فهم إيجابيون فإلى جانب الذاتية التلقائية فهم ينقلون الحقائق إلى غيرهم، فقد انطلقوا من دائرة الذات إلى الغير، كالشمعة التي تذوب لتنير الطريق لغيرها، فهم المنتجون في كافة مجالات الحياة، وهم المنفتحون على الناس والحياة، وهم المتحركون على بصيرةٍ ووعي وخبرة، وهم المتحكمون في ذواتهم مع الواقع والناس والضغوط، وهم الواقعيون المرنون مع مواقف حياتهم المختلفة، وهم المستمرون بجديتهم وهمتهم وتصرفاتهم واتصالهم بربهم، وهم المشاركون المتسامحون المتعاونون لأنهم هم الإيجابيون.

4- القدوة:

- يقبل عليهم الناس لأن التأثر بالأفعال والسلوك أبلغ وأكثر من التأثر بالكلام وحده.

- وهم دعاة إلى الحق عمليون يتأثر بهم كل عاقل إلى النهوض والإتقان.

- وهم مثال حي يُثير في الناس التطلع إلى مراتب الكمال، ويحـفزهم نحو العمل وتحقيق الأماني والأحلام.

- وهم الذين يقنعون الآخرين بأن بلوغ الفضائل من الأمور الممكنة، فشاهد الحال منهم أقوى من المقال.

- وهم الذين يحفزون الناس أن يكونوا من المستويات الجيدة، وهم يتعاملون مع الحياة، من صبرٍ وإصرارٍ وتحمل وصلاح.

5- الاحترام:

- لقد نالوا تقدير الآخرين واحترامهم لهم، وهي حاجة بشرية اجتماعية، تدفعهم نحو المزيد من العمل وإتقانه وتحقيق أهدافهم.

- إن أكبر حافزٍ لهم على الاستمرار هو تقدير الآخرين واحترامهم لما يقدمونه من إتقانٍ وتمكُّن في العمل.

- يتزودون بطاقةٍ هائلةٍ من تقدير الآخرين تجعلهم يحققون أهدافهم ويحولون الأفكار إلى واقعٍ ملموس.

- الاحترام ليس لأشخاصهم فحسب، بل للقدرات التي جعلتهم في هذا المستوى العالي، مما يحفز الآخرين لاكتشاف قدراتهم والاستفادة منها.

6- الكسب:

وفق السنة الربانية، فهم الرابحون، يقول تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك: من الآية 15).

فماذا جنى القاعدون الذين سلكوا الطرق الملتوية ويحسبون أنهم يكسبون ويربحون؟

يقول النبي- صلى الله عليه وسلم: "لعنة الله على الراشي والمرتشي" (رواه الترمذي)، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279)) (البقرة).

ولأنهم سلكوا طريق التقوى والكسب الحلال، فالله أغدق عليهم بكرمه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ..) (الطلاق).

7- الإنجاز:

وأخيرًا هم يتمتعون بمتعة الإنجاز، ونشوة التحقيق، ولذة النتيجة، حينما يرون أهدافهم واقعًا يعيشون فيه، ويتمتعون بلحظاته، ولِمَ لا؟ وهم كانوا يبادرون لصنع الأحداث وتوجيهها، ولا ينتظرون أن تلعب بهم الأحداث أو المواقف، وهم يُفكِّرون في الحلول والخيارات، ولا يُفكِّرون في المشكلات والعقبات، وهم يتصرفون غير عابئين بالضغوط، ولا ينتظرون تصرفات الآخرين ليقلدوهم، إنهم يستحقون أن يتمتعوا بالإنجاز، فكم ثابروا وكم مهروا وكم أبدعوا وكم اجتهدوا وكم غامروا!!، لقد نجحوا بالفعل وفي الحقيقة، بأن يكون كل منهم (صانع الإنجاز) سلوكًا وعملاً، وليس هتافًا وكلامًا.

4- وبعد.. هل أنت محترف أو هاوٍ؟

في مهنتك، في التعامل مع أسرتك، في التعامل مع الناس؟ في التعامل مع الأفكار؟ في تدينك؟ في تصرفاتك الأخلاقية؟ في سلوكك مع المجتمع؟ في عملك لخدمة الإسلام؟ في دعوتك للآخرين؟ هل سألت نفسك هذا السؤال: محترف أنا أم هاوٍ؟

معوقات إتقان العمل

تتنوع معوقات إتقان العمل وترجع إلى أسباب كثيرة, وهى علي كثرتها يمكن أن تعود إلى أمرين رئيسين, علي النحو التالي:

أولاً: معوقات خارجية

ثانياً: معوقات داخلية

أولاً: أما المعوقات الخارجية فنقصد بها تلك التي تعود إلى البيئة والمجتمع, وليس إلى الشخص نفسه, ومنها:

أ- عدم تقدير المجتمع لذوى الأعمال الجادة المحترمة بالقدر الكافي, في مقابل الإعداد من شأن أصحاب الأعمال غير النافعة وتقديريهم بشكل مبالغ فيه:

وهذا الواقع نلحظه بدرجة كبيرة عندما نتأمل في كيفية تعاطى المجتمع ووسائل الإعلام فيه مع الممثلين والممثلات, والداعين, وأهل الغناء والموسيقي ونحوهم, فنجد الإطراء والتبجيل, والتكريم المادي والمعنوي بنسبة موغلة في الإسراف والمبالغة, كأن الله لم يخلق خلقا أحق بالرعاية والتكريم منهم!!!

هذا في الوقت الذي يعانى فيه أصحاب الأعمال النافعة والمهن الكريمة مع اختلاف تخصصاتهم من نقص في التقدير المادي والمعنوي, يصل في كثير من الأحيان إلى درجة الإهمال.

فهل مثل هذا الواقع يصنع بيئة تشجع علي العمل الجاد, فضلا عن إتقانه, والبلوغ به مرتبة الإحسان؟

أم أنه واقع يشكل بيئة قاتلة للهم, تقف حجر عثرة أمام الطامحين إلى المعالي, خاصة النسنً والشباب؟!

ب- غياب القدرة الحسنة أمام الشباب:

ولا شك في أن للقدوة اكبر الأثر في تحفيز الآخرين خاصة الشباب وحملهم علي الجد والاجتهاد والإتقان, إذا كانت قدوة حسنة, لكن الواقع أن هذه القدوة الحسنة في إتقان العمل غائبة, وفي كثير من الأحيان مُغَيّبة, فَخَلَّ بدلا منها مَن ليس أهلا للإقتداء به في الخير, بل هو نفسه في كثير من الأحيان عامل مساعد علا الإهمال, وتضييع الأمانة, مثل بعض الوصوليين والمتملقين, ممن لا مبدأ لهم سوى تحصيل المكاسب بأية وسيلة كانت, وأخذ هؤلاء يكثرون وينتشرون ليملأ والساحة, حتى أضحى مسلكهم هو السنة والقاعدة الجديرة بالإتباع, ويعامل الصالحون بينهم كأنهم شواذ عن القاعدة.

ج- تردّى الأحوال المعيشية والاقتصادية, وإشغال الناس بالحصول علي الضرورة أن الإتقان يحتاج إلى مناخ ملائم, في ظله يوجد الابتكار, وفى أجوائه ينشرح الصدر للتحسن والتجويد, ومن قبلها مباشرة العمل.

لكن أنّى هذا في ظل مسارعة الزمن, ومصارعة المطالب المعيشية المتلاحقة والملحة, ومجاهدة العجز عن تدبير العيش؟!!

أن الأمام محمد بن الحسن الشيبانى –رحمه الله– قالت له جاريته يوما في مجلسه لقد نفد الدقيق من بيتنا, فقال لها : قاتلك الله، لقد أضعتِ من رأسِِ أربعين مسألة من الفقه.

فهل ينتظر من مجتمع يُمارس بحقه منهج التجويع أو الانشغال الدائم برغيف الخبز, والملبس والدواء وغير ذلك مما لا يتيسر إلا بشق الأنفس, هل ينتظر أن يعكف أفراده أو يتفرغوا لإتقان أعمالهم, والبراعة في إتمامها؟!!

د- انتشار كثير من وسائل الإعلام التي تقوم برامجها كلها علي اللهو والدعوة إليه

لقد تضمن كثير من شياطين الإنس في مجتمعاتنا المسلمة في إنشاء كثير من وسائل الإعلام –خاصة المرئية– التي لا تبث إلا الأفلام الهابطة, والأغاني الماجنة, مع الدعاية لها, وتتبع أخبار الممثلين والمغنين واضرابهم, وذلك علي مدار الساعة, دون انقطاع.

ولا شك أن هذا جعل كثيرين ينشغلون بهذه القنوات، وينكبون عليها الساعات طوال مع السهر حتى وقت متأخر, بل أن هناك من يعمل علي تواجد هذه القنوات في مكان العمل.. فهل مثل هذا الواقع من شأنه أن يسهم في نشر إتقان العمل وغرسه بين أفراد المجتمع فهما وتطبيقا؟ أم العكس هو الصحيح؟!

هـ - وجود الصحبة الفاسدة:

أن الصاحب له اثر كبير في حياة من يصاحبه, إما سلبا وإما إيجابا, فإن كان صالحاً دله على الخير وأعانه عليه, وان كان غير ذلك انحرف بصاحبه عن الخير و وجره إلى الشرور والمفاسد, وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم حيث قال: "المرء علي دين خليله, فلينظر أحدكم من يخالل" (أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه, والحاكم من حديث أبي هريرة وقال صحيح أن شاء الله)، ومعنى (دين خليله) أي عادة خليله.

وقد قالت العرب –بحق- : الصاحب ساحب – لا شك أن الصحة غير الصالحة لن تدفع المرء إلى المكارم والفضائل, والتي منها إتقان العمل.

و- ضعف أو غياب التربية الإسلامية وغرس الوازع الديني في النشء:

وهذا الأمر عائد بالدرجة الأولي إلى الوالدين –خاصة– ثم وسائل الإعلام والتعليم في المجتمع.

حيث أن التربية الإسلامية تًعنَى من بين ما تُعَنى به بتربية الضمير وإيجاد ملكة المراقبة في نفس الناشئ والشاب, بل الفرد عموما, وهذا ولا شك –إن تحقق– كان له اكبر الأثر في حياة الإنسان كلها, وفى ناحية إتقان العمل علي وجه الخصوص.

أما من حُرم تلك النشأة الإيمانية, وافتقد –تبعا لذلك– وجود الضمير الحي, ولم يُرْزق الوازع الديني بماله من سلطان علي النفس يظهر أثره في كفها عن الردى, وحملها علي الخير؛ فأنىّ له أن يكون في عداد من يتقنون أعمالهم, يستوي عندهم غياب الخلق وحضورهم ولهذا كانت عناية السلف وتابعيهم بإحسان كبيرة بالتربية الإسلامية للنشء والعمل علي غرس الضمير, وإحياء ملكة المراقبة في نفوسهم، الأمر الذي آتى أثماراً طيبة في حياة الفرد والأمة.

ثانياً: وأما المعوقات الداخلية التي تحول دون إتقان العمل:

فهذه نقصد بها تلك المعوقات التي تعود للشخص ذاته, وتنبع من داخله هو, ومنها:

أ- التكالب علي الدنيا والرغبة المفرطة في جميع المال:

ذلك أن كثيراً من الناس في زماننا هذا، أضحى جُلُّ اهتمامهم منصبّاً علي حيازة اكبر قدر من أعراض الدنيا ومتاعها, حتى صار هذا الأمر أكبر همة وغاية سعيه, ولا شك أن إتقان العمل له تبعاته من طرف العامل مثل زيادة الوقت والجهد والإنفاق، وهذا الشخص الباحث عن الربح بأكبر قدر ممكن يري أن تلك التبعات تتعارض مع رغبته وهدفه, وبالتالي لا يلتفت إليها, فتكون النتيجة عملا عاريا من الإتقان.

وللأسف الشديد فإن هذه الشريحة من الناس قد كثرت في هذه الأيام, حتى غدا الناس يترجمون علي (أيام زمان) التي كانت الصناعات فيها – علي سبيل المثال – في غاية الجودة والإحسان, مقارنة بما هو كائن في هذا الواقع الرديء صناعاته.