||   كلمة إلى الدعاة خاصة    ||   حرمة المال العام فى فكر الامام حسن البنا    ||   عظموا الحرمات يرحمكم الله    ||   إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ    ||   العبد القرآني    ||   الأقصى" بين أنياب الأفعى و"القدس" تحت مطارق العدوان.. ونحن نائمون !    ||   العز بن عبد السلام وموقفه من الحكام الخائنين:    ||   الشماتة    ||   استراحة إيمانية ليس لك من الأمر شيء    ||   مشروعية مقاومة الظلم والظالمين
>>زاد الخطيب
فن تطبيق أحكام المواريث(1)
2010-10-05

فضيلة الشيخ:- عبد الخالق حسن الشريف *

لم أجد شريعة من شرائع الإسلام في باب المعاملات وردت مسائل أحكامها تفصيلية في القرآن العظيم مثل علم الفرائض (المواريث)، فقد حوتْ أكثر أحكامه آيات من سورة النساء، والغالب من مسائله التطبيقية العملية لا خلاف فيها بين الفقهاء والأئمة، والمسائل التي وقع  فيها الخلاف نسبتها في التطبيق العملي قليلة إلى سابقتها.

كما يتصف علم الفرائض بأن أكثر أحكامه قطعية في ثبوتها ودلالتها، فالنصف، والربع، والثلث، والثمن، والثلثان كلها قطعية الدلالة، وما كان ظنياً فأيضًا مسائله قليلة إلى سابقتها.

غير المسلمين وعلم المواريث:- والكثير من غير المسلمين الذين عاشوا في ديار الإسلام ذهبوا إلى أحكامه في هذا الشأن دون ما عندهم؛ لأنهم عاشوا واقعه وتنسموا عدل الإسلام في هذا، ومن اطلع على المجلدات الأولى من الفتاوى الصادرة عن دار الإفتاء المصرية يجد الكثير من غير المسلمين يعرضون حالات لديهم ويطلبون الفتوى، ومن المؤكَّد أن ذلك في المسائل غير المشهورة وغير الواضحة بين الناس، فماذا لو كان عندنا حصر بما يُطبق فعلاً بينهم موافقًا لهذه الشريعة السمحة!?

علم الفرائض والدعوة إلى الإسلام:- ولو أن بيننا مَن يملكون فن الدعاية وعرض أحكام الشريعة التي منحنا الله إياها في مجال علم الفرائض (المواريث)؛ لبينَّا للعالم كله بعض مميزات الإسلام، ولأظهرنا للكون كله عدل الإسلام ومساواته، ودقة فهم العقول السوية لأحكامه إذا أحسنّا العرض والمقارنة بالتشريعات الأخرى.

ولكننّا - وياللأسف - جلسنا حتى هاجمونا بشبهات بالية وكلمات محرّفة، فأخذنا ندافع عن ديننا وكأنه متهم، بل وبدأتْ بعض الدول التي يسكنها مسلمون يناقضون في تشريعاتهم القطعي الثبوت والدلالة في بعض أحكام المواريث، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

فن التطبيق للأحكام:- وحديثنا - في هذه المقالة والتي تليها بإذن الله تعالى - ليس حول أحكام المواريث وأصحاب الفرائض والعصبات والأرحام والحجب والعول والرد وغير ذلك، فهذه لها كتبها ومؤلفاتها، ولكن حديثنا حول فن تطبيق هذه الأحكام، حيث تُوجد مشاكل زينتها النفس البشرية ووسوس بها الشيطان، كما أن هناك أمورًا تحتاج إلى خبرات واجتهاد من العلماء أو القائمين على أمر التطبيق، يكتنفها عادات وأعراف ووقائع أحوال، وسوف نعرض لبعضها والله المستعان.

ولكن نؤكِّد الآتي:

1- ما كان بناءً على اجتهاد في أسلوب التطبيق، فليس من الأحكام الملزمة، بل من التجارب المعينة والمرشدة.

2- هذه الأحكام يتوقف الكثير منها على العادات.

3 - علينا أن نسعى بالمصالحة والتسامح.

تأخير المواريث:- انتشر بين الناس تأخير المواريث، ربما لمدة عام، متعللين لذلك بأمور كثيرة، منها: كيف تُوزع تركة الوالد والوالدة ما زالتْ على قيد الحياة? وقد تكون الأم هي السبب، خاصة إذا لم يكن لها دخل، فتمسك بزمام الأرض مثلاً، ومن العجيب أن في بعض القرى يقولون: "لا نورث إلا بعد كسر العظم" هي جملة عامية يقصدون بها مرور عام على وفاة الميت، ولا ندري كيف سوَّل الشيطان لهم ذلك، وليس أدل على بطلان ذلك من أن فاطمة (رضي الله عنها) بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذهبت تطلب ميراثها في أبيها، ومعلوم أنها ماتت بعد أبيها بثلاثة أشهر أو ستة أشهر، معنى ذلك أنها طلبت الميراث بعد الوفاة بقليل، وإن لم يعطها أبو بكر (رضي الله عنه) شيئًا لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) ".. لا نورث، ما تركناه صدقة"، وهذا خاص بالأنبياء.

وقد يكون سبب تأخير الميراث مَن ينتفع بالشيء كمزارِع في الأرض، أو قائم على المصنع، أو المتجر، أو منتفع بالمنفعة، والبقية متضررون، ولكن، كما يُقال، يصيبهم الخجل أو عرف باطل، أو بسيف الحياء.

وليت النفوس تقبل ذلك وتكون راضية، بل يتظاهرون كلهم أو بعضهم بالرضا، ثم يتكلمون ويكتسبون الغيبة والنميمة وعداوة القلوب، بسبب ذلك.

فهل أشاع الدعاة والوعاظ والأئمة والمتكلمون في الفضائيات حقيقة هذا الأمر؛ حتى يسهل على النفوس الاستجابة لشرع الله، ونحمي المجتمع مما يترتب على تأخير التوريث من مشاكل، من أهمها اختلاف تقييم المتروكات، وارتفاع أسعار بعضها، وانخفاض سعر بعضها، وغير ذلك.

عدم توريث البنات:- وهذه جاهلية تطل بقرنها في جميع المستويات: اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية، حتى تحوّلت في النفوس إلى قانون لا يقبل التغيير من باب هذا ما وجدنا عليه آباءنا، ويقول قائلهم: لا نعطي الأرض للعدو (المقصود بالعدو زوج الأخت أي زوج بنت المُتوفَّى).

إنني لا أعلم كيف نفذ الشيطان إلى العقول والنفوس حتى جعلهم يخالفون جهارًا ونهارًا قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} (النساء: 7)! لقد وردت هذه الآية الكريمة قبل الآيات المفصلة لأحكام المواريث لترسخ في النفس البشرية حق النساء في الميراث، مبينة حقهن فيما قل وفيما كثر، مؤكِّدة أن ذلك فريضة من الله.

يقولون: الأرض والمصانع والمنازل كيف ترث فيها البنات، ثم يجبرها زوجها على بيعها أو أولادها فيشاركنا الأجانب? نقول: حق الشفعة لكم إن أرادت البيع هي أو أولادها، ثم كيف تسمونهم أجانب وأنتم أخوالهم! وبعد ذلك هناك التراضي في توزيع التركة إذا تم التقييم الحقيقي والتراضي.

إن عدم توريث البنات أمر جاهلي حرَّمه الإسلام وشرع لهم أنصبة واضحة جلية، فهل نعترض على شرع الله? إن الذي فرض علينا الصلاة وحدَّد عدد ركعات كل فريضة، والذي فرض الزكاة وحدَّد النصاب لكل نوع من أنواع المال، والذي فرض الصيام وحدَّد بدايته ونهايته في كل يوم، وحدَّد أنواع المنهيات في الصيام، والذي فرض الحج وحدَّد الأيام والنسك هو هو سبحانه وتعالى الذي حدَّد وبـَيَّن أحكام المواريث ونصيب كل وارث، ومن بينها حق النساء في الميراث من الآباء والأمهات والأزواج وغير ذلك، وحدَّد الأنصبة التي لها، فهل رضينا حُكمه في الصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم لا نرضاه في المواريث?! اللهم أشهد أنه لا يفعل ذلك عاقل يخشى يوم الحساب، فقد غلب المال على عقله حتى أنساه شرع ربه.

فضائح ومصائب لمنع توريث البنات:- يذهب بعض الإخوة الذكور إلى استغلال خوف النساء من الأزواج كحدوث طلاق أو نزاع، فيبين لأخته أنه لا مدافع عنها إلا هو، ولا مكان تذهب إليه في مثل هذه الأحوال إلا عنده، وأنه لو تركها وشأنها لاستبد بها هذا الزوج، وكان منه ما لا تحمد عقباه، ومنهم مَن يستثير حميتها في بقاء ميراث الآباء والمحافظة عليه؛ فهو هيبة عائلتها وأسرتها، ومنهم مَن يسعدها بفتات يحضره إليها في الأعياد أو المواسم عِوضًا عن سكوتها على حقها في الميراث، ومنهم ومنهم.

ويعين على ظلم البنات ميل بعض الآباء لأبنائهم الذكور وكتابة المصانع والمزارع بأسمائهم حال حياتهم ليمنعوا الإناث، ويفعلون ذلك تحت حجج واهية وأعذار غير مقبولة.

إن الإخوة الذين يفعلون مثل ذلك بأخواتهم.. لا أدري ماذا أقول لهم? هل يتمنون لهن المصائب ويحصلون على ثمن المساعدة مقدمًا?

منهج الإسلام في توريث البنات:- إن الإسلام يقيم حق توريث البنات على الصلة بالميت، فما الفرق إذن بين الذكر والأنثى (البنت) بالنسبة لنسَبها بالأب.

يقول الإمام محمد الطاهر بن عاشور: "أخص الناس بذلك النساء، فإنهن يجدن صفقًا (أي ضعفًا) من أنفسهن، ويخشين عار الصنيعة، ويتقين انحراف الأزواج، فيتخذن رضى أوليائهن عدة لهن من حوادث الدهر، فلما أمر الله الأولياء أن يُؤتوا اليتامى أموالهم، أمر بعد ذلك بأن يجعلوا للرجال والنساء نصيبًا مما ترك الوالدان والأقربون. (التحرير والتنوير) ج4 ص: 248.

عادات أخرى شائعة:- ومن ذلك أن بعض القوم يقولون: الذهب للإناث والأرض للرجال، وثياب الوالد للذكور وثياب المرأة لبناتها، وعادات أخرى كثيرة حول أثاث البيت وأدواته والمتعلقات الشخصية، هنا نقول: إن الله تعالى بَيَّنَ في محكم الكتاب {مٌمَّا قّلَّ مٌنًهٍ أّوً كّثٍرّ نّصٌيبْا مَّفًرٍوضْا}؛ إذن كل ما تركه الوالد أو الوالدة أو غيرهما لكل وارث الحق في أخذ نصيبه منه، سواء كان ذهبًا، أو ملابس، أو أدوات، ارتفعت قيمته أو رخصت، كثر عدده أو قلَّ حسب الأنصبة الشرعية، ولم يرد أي دليل شرعي يحدد ملابس الرجال للرجال فقط أو العكس، وما سكت عنه الشارع يبقى على أصله، كل ذلك إلا إذا تراضى الورثة، وأذكر (تراضى) أي لا يفرض أحد منهم رأيه على آخر.

إخفاء الحقائق:- يحدث أن بعض الآباء أو الأمهات يضعون مالاً أو غيره أمانة عند أحد الأولاد (ذكرًا أو أنثى)، أو أن أحد الأولاد (ذكرًا أو أنثى) يأخذ قرضًا من أحد الآباء وليس بمطلع على ذلك إلا الله، ويحدث الموت فلا يكشف الولد (ذكرًا أو أنثى) عن ذلك، ويجعل لنفسه ما أخذ أو ما أودع عنده أمانة، وهذه بلا شك خيانة وأكل للمال بالباطل، ومن هذا أيضًا ما يعرفه أحد الأبناء عن والده كشراء أرض أو بيت بينما إخوته لا يعلمون ذلك؛ لأنهم يعملون في بلدة أخرى أو خارج البلاد، أو غير مهتمين بأمور الزراعة مثلاً، فيكتمها هذا الذي شهد الشراء ومعه الأوراق ويجعلها لنفسه، فهذا أيضًا كتمان للحق وأكل لأموال الناس بالباطل، وأخشى أن يتحول هؤلاء الإخوة خصومًا له يوم القيامة.

وهناك أمور كثيرة تظهر عند تقدير التركة وتوزيعها ، من ذلك:-

1 - مشاكل خدمة الوالدين عند الكبر من أحد الأبناء دون البقية أو إحدى الزوجات، بالإضافة إلى مشكلة عقوق بعض الأبناء.

2 - مشاكل الطفل اليتيم مع أمه وإخوته الكبار.

3 - مشاكل تسجيل الآباء بعض الأملاك بأسماء أولادهم.

4 - مشكلة مشاركة بعض الأبناء أو الزوجة في تكوين ثروة الآباء.

5 - مشاكل الظروف الخاصة لبعض الأبناء، مثل الصغر وعدم إتمام التعليم أو عدم الزواج.

6 - مشكلة إقراض بعض الأبناء للآباء.

7 - أن يبني أحد الأبناء شقة في بيت الوالد.

8 - توريث المنافع، مثل الشقق والمحلات التجارية المستأجرة وغير ذلك.

9 - وتأتي أيضًا مشكلة تقييم التركة وحصرها.

وللحديث بقية والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

* الداعية الإسلامي المشهور - المشرف العام على الموقع.

Share |


فن تطبيق أحكام المواريث (2)
فن تطبيق أحكام المـواريث (3)
الشيخ عبد الخالق الشريف فى رحلة دعوية بالأقصر
إفطار قسم نشر الدعوة بجماعة الإخوان المسلمون بنقابة الأطباء بمحافظة الجيزة لعام 2011
 تصويت هل ترى أن التكنولوجيا الحديثة كانت سببًا في التباعد الأسري؟ 

  نعم
  لا

 أضف بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:
   
 
     الرئيسية | الأخبار | من نحن | اتصل بنا | المدرسة العلمية | دراسات وبحوث | زاد الخطيب | طلاب علم | رسالة المسجد | استشارات دعوية | شبهات وردود | مكتبة الكتب | برامج فضائية | وسائط | قرأت لك | مشاريع دعوية | بيوتنا | ركن الشباب | بنات X بنات | فارس | قصص وعبر | أدب وفنون | مشاكل وحلول | للمناقشة | حوار مباشر | بأقلامكم     
     الآراء الواردة على الموقع تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى الموقع
حقوق النشر محفوظة © 2005 - 2014 منارات ويب