||   مشروعية مقاومة الظلم والظالمين    ||   اشياء تدمر نفسيه طفلك    ||   الصمت بين الازواج    ||   المال في الإسلام    ||   مارأيك في موقع منارات    ||   خطبة الجمعة : حرمة المال العام والخاص    ||   لماذا اختص الله سبحانه وتعالى سيدنا عيسى عليه السلام بالنزول للأرض لمواجهة المسيح الدجال وإقامة العدل في الأرض وتطبيق شرع الله قبل يوم القيامة؟    ||   إلى أختي المسلمة: أين دورك في نهضة الأمة؟    ||   أمتنا المسلمة بين أسباب الضعف وعوامل القوة    ||   التبرج وأثره على الفرد والمجتمع
>>زاد الخطيب
خطب عن الهجرة النبوية
2010-12-01
خطب عن الهجرة النبوية

خطبة أسباب الهجرة النبوية

فضيلة الشيخ:- أشرف الفيل *

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول صلي الله عليه وآله وسلم وبعد: ـ يقول الحق سبحانه وتعالى " وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " ويقول جل وعلا " إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السفلي وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "

أولا معني الهجرة: ـ

الهجرة في اللغة معناها الترك وفي الشرع: الخروج من أرض الكفر إلى أرض الإسلام والمراد بها الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة والتي كانت في عهد النبي صلي الله عليه وسلم.

أنواع الهجرة

للهجرة أنواع أربعة ورد ذلك في الجامع لأحكام القرآن في تفسير قول الله عز وجل " وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا " كما قال تعالى " مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا " قال والهجرة أنواع:

1 ـ منها: ـ الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم وكانت هذه واجبة أول الإسلام حتى قال لاهجرة بعد الفتح.

2 ـ ومنها: ـ وهجرة مَن أسلم في دار الحرب فإنها واجبة.

3 ـ ومنها: ـ هجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديبا لهم فلا يكلموا ولا يخالطوا حتى يتوبوا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع كعب وصاحبيه.( مرارة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي ) وقد ذكر الله قصتهم في سورة التوبة قال الله تعالي " لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " وقال جل وعلا في شأن المنافقين " سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ "

4 ـ ومنها: ـ هجرة المسلم ما حرم الله عليه كما في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه " وفي صحيح ابن حبان من حديث فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ألا أخبركم بالمؤمن ؟ المؤمن مَن أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب.و في مسند أبي يعلي من حديث عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل سأله يا رسول الله فأي الهجرة أفضل, قال: أن تهجر ما كره ربك..... الحديث

وفي المستدرك على الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم............. والمهاجر من هجر السوء والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه "

أسباب الهجرة النبوية

رغبة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في التمكن من إقامة دولة إسلامية من الطراز الأول يؤدون فيها عبادة الله تعالي على أتم وجه. لكن متى فكر ؟؟ ولماذا فكر ؟؟ فكر بعد ثلاثة عشرة سنة من دعوة قومه إلى الله تعالي ترى لماذا ؟؟؟؟؟؟؟؟ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يبني الرجال الذين سيقودون هذه الدولة قبل أن يبني الدولة ولكن كيف بنى الرسول هؤلاء الرجال ؟؟؟

• بناهم على اليقين على الله سبحانه وتعالى فعلمهم كيف يعتمدون عليه ويؤمنون به وكيف لا يخافون في الله لومة لائم وكيف لا يثقون إلا بالله تعالى ؟

• بناهم على خشية الله وحسن الأدب مع الله

• بناهم على الصدق والعفاف

• بناهم على حب الله تعالى وترك كل حب إلا حب الله تعالي فملأ الإيمان قلوبهم بحبه فلم يضيرهم شيئ ولم يهمهم شيئ إلا حب الله ورضاه

استثمار الإيمان الموجود في قلوبهم الذي أغناهم عن أهلهم ووطنهم وذويهم ولم يكونوا يتمكنوا من هذا الأمر في وطنهم وذلك لصد المشركين من أهل مكة دعوتهم بعنف شديد وتعذيب لا وصف له

• فها هو عقبة بن أبي معيط يدخل على رسول الله وهو يصلي في الكعبة ويضع ثوبه في عنقه ويخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله !!!!!!

• وها هي أسماء بنت أبي بكر الصديق تحكي أن قريشا ضربوا رسول الله مرة حتى غشي عليه فقام أبو بكر ونادى فيهم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله فتركوه وأقبلوا علي أبي بكر.

• وها هو أنس يحكي أن الرسول قال: لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد وأخفت في الله وما يخاف أحد...... وهذا خباب بن الأرت يدخل على الرسول وهو متوسد في ظل الكعبة ويقول: ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا..... الحديث

دعــــاؤه على المشركين

وهذا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يحكي فيقول بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم يُصَلّي عند البيت، وأبو جهل، وأصحاب له جلوس، وقد نُحِرتْ جَزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيُّكم يقومُ إِلى سَلا جَزور بني فلان، فيأخذه فيضَعه بين كَتِفَي محمد إِذا سجد ؟ فانبعث أشقَى القوم فأخذه، فلما سجد النبي -صلى الله عليه وسلم- وضَعَهُ بين كتفيه، فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر، فلو كانت لي مَنَعة طَرَحْتُهُ عن ظهر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والنبي ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت - وهي جُوَيْرِيَة - فطرحته عنه، ثم أقبلت تَسُبُّهم...فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم- صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم - وكان إِذا دعا دعا ثلاثا، وإِذا سأل سأل ثلاثا - ثم قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات - فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا من دعوته. ثم قال: اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعُتْبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعُقْبة بن أبي مُعَيْط، وذكر السابع - ولم أحفظه - قال: فوالذي بعث محمدا بالحق، لقد رأيتُ الذين سَمَّى صَرْعَى، ثم سُحِبُوا إِلى القَليب، قليب بَدْر أخرجه البخاري ومسلم. وفي رواية ذكر السابع، وهو عمارة بن الوليد

تحـالف المشركين

تحالف المشركون على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤوهم ولا يخاطبوهم ولا يكون بينهم وبينهم شيء حتى يسلموا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.......

المقـاطعة الظالمة

ثم تقاسموا على الكفر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعد فشلهم في كل العروض التي عرضوها على عم الرسول أبي طالب من أن يصرف ابن أخيه عن دعوته أو أن يعطوه فتى من أجمل فتيان قرش ويسلم لهم محمدا وكلما اشتد الإيذاء على رسول الله واشتدت عداوتهم له كلما كشف الله عنهم الكرب الشداد ها هو سيدنا حمزة بن عبد المطلب في ظل هذه الظروف يدخل في الإسلام وبعده بثلاثة أيام يدخل عمر بن الخطاب بعد دعوة الرسول له...........ففكروا في هذه المقاطعة الظالمة قطعوا عنهم الطعام، والمادة فلم يكونوا يتمكنوا من ذلك إلا من الموسم إلى الموسم، وهكذا جنَّد الله من المشركين مَن يدخلوا ليلاً بالطعام والحنطة عليهم، ومنهم هشام بن عمرو بن ربيعة، وظل عمه أبو طالب في حمايته يضطجع رسول الله على فراشه ويضطجع هو أحد أبنائه مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نقضت الصحيفة الظالمة لما أذن الله ومحَّص قلوب المؤمنين ثم مات أبو طالب عم النبي وحاميه، وماتت خديجة بنت خويلد المرأة التي أحبها رسول الله ودافعت عن الدين وضحت بكل ما تملك السيدة خديجة رضي الله عنها حينما أخبرها الرسول خبر الوحي ماذا فعلت ؟ بشرته وهدأت من روعه !!!! ثم ماذا قدمت ؟؟؟

ماذا قدمت لدين ربها ؟ قالت يا محمد أنا أكثر قريش مالا خذ مالي وأنفقه في سبيل الدعوة إلى الله ثم اجتهدت على النساء مثل فاطمة بنت الخطاب التي كانت سببا في إسلام رجل قال فيه الرسول صلي الله عليه وسلم " لوكان نبي بعدي لكان عمر........ اجتهدت على رجل كان سببا في التفريق بين الحق والباطل لهذا كله شرَّفها الله وأرسل إليها مع النبي كلمات ما أجملها "اقرأ خديجة مني السلام وقل لها إن الله يبشرها ببيت من قصب لانصب فيه ولا وصب" وقال عنها الرسول: " كمل من الرجال كثير وكمل من النساء أربع وذكر منهن خديجة بنت خويلد الحديث

وعند ذلك أمر الرسول أصحابه بالهجرة إلى الحبشة

والهجرة هجرتان: هجرة من مكة إلى الحبشة وكانت مرتين المرة الأولى كانت سنة خمس وأربعين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لما اشتد إيذاء أهل قريش للنبي وصحابته ولم يشأ الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدعو الله عليهم وكان صلى الله عليه وسلم يواسي أصحابه ويأمرهم بالصبر حتى ضاقت عليهم مكة واشتد أذي الكفار لهم وهنالك أذن النبي لأصحابه " بالهجرة إلى أرض الحبشة وقال لهم: إن بها ملكا لا يظلم الناس عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه وهاجر اثني عشر رجلاً وأربع نسوة وكانت هذه أول هجرة في الإسلام وأقاموا عند النجاشي بخير دار في أحسن جوار. ءامنوا فيه على دينهم وأنفسهم.....

فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة وهما عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي ودار حوار طويل وكان من جملة ما قاله جعفر بن عبد الله للملك قال " أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وشهادة الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة........ فعدَّد عليه أمور الإسلام ثم قال فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده لا نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فغدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله عز وجل وأن نستحل ما كنا نستحل من  الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على مَن سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك فقال النجاشي هل معك مما جاء به عن الله من شيء قالت فقال له جعفر نعم قالت فقال له النجاشي فاقرأه فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى النجاشي حتى اخضل لحيته وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تتلى عليهم ثم قال: النجاشي إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فو الله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد قالت أم سلمة فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص والله لأتينه غدا أعيبهم عنده بما استأصل به خضراءهم فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا لا تفعل فان لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عليه السلام عبد قالت ثم غدا عليه فقال أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم فسلهم ما يقولون فيه قالت فأرسل إليهم يسألهم عنه قالت ولم ينزل بنا مثلها واجتمع القوم فقال بعضهم لبعض ما تقولون في عيسى بن مريم فقال له جعفر بن أبي طالب " نقول فيه الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول " قال فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا. رواه أحمد

ولما سمع الصحابة المهاجرون في الحبشة ـ من أمر سورة النجم وأن النبي قارب قومه ودنا منهم ودنو منه وكفوا آذاهم عنه ـ وكان قد صاحب نزول سورة النجم فتنة عظيمة ـ أحدثها الشيطان فألقى في مسامع قريش كلمات في مدح آلهتهم كقوله " وإنهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى " وأظهر الشيطان تلك الكلمات حتى بلغت أرض الحبشة وبلغهم أن المشركين سجدوا مع المسلمين فقال المهاجرون إذا كانوا قد آمنوا فلنرجع إلى عشائرنا أحب إلينا فخرجوا حتى كان بينهم وبين مكة ساعة من نهار فلقوا ركبانا من الناس فسألوهم فعلموا أنها فتنة؛ فدخل بعضهم مكة مستخفيا وبعضهم بجوار. غير ابن مسعود مكث يسيرا ولم يدخل مكة ثم رجع إلى أرض الحبشة. واشتد البلاء على المسلمين وعظمت المواجهه فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الخروج إلى أرض الحبشة، فقال عثمان ابن عفان: نهاجر ولست معنا ؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام أنتم مهاجرون إلى الله وإلي. لكم هاتان الهجرتان جميعا، فقال عثمان حسبنا يا رسول الله؛ فهاجروا إلى الحبشة ثانيا راضين بحكم الله فرحين بإقبالهم عليه، وفقرهم إليه، وسياحتهم في سبيله، مستبشرين خيراً بنصره لهم وتأييده لنبيهم مؤمنين أنهم على الحق ـ ولا بد للحق أن يعلو وينتصر ـ وكان جملة مَن هاجر ثلاث وثمانون رجلا

الخروج إلي الطائف لما مات أبو طالب عم النبي وخديجة زوج الرسول اشتد الأذى على رسول الله وصحابته ففكر النبي في الخروج من مكة عساه أن يجد مَن يستمع لدعوته ويؤويه فخرج إلى الطائف ومكث بها شهرا وقيل عشرة أيام ـ يدعوهم إلى الإسلام ــ لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه فلم يستجيبوا له ولم يجد منهم خيرا وخافوا على أبنائهم وقالوا له يا محمد اخرج من بلدنا والحق ببلدك و لما مر الرسول جعلوا يسبونه ويرمونه بالحجارة حتى أدمو كعبه وألجاؤه إلى حائط لعتبة ابن ربيعة وشيبة ابن ربيعة وهما فيه فعمد إلى ظل فرع من عنب فجلس إليه وهو مكروب متوجع تسيل رجلاه دما وابنا ربيعة ينظران إليه فلما راءاهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهم لله ورسوله فلما اطمأن قال " اللهم إني أشكوا إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس !! يا أرحم الراحمين ! أنت رب المستضعفين وأنت ربي ! إلي من تكلني ؟؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي. ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك. " فلما رأى عتبة وشيبة ذلك تحرك له رحمهما فدعيا له غلاما نصرانيا يدعى عداس وقالا له خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل

ولكن أين رد هذا الكلام من الله ؟؟؟؟؟

لما رجع الرسول إلى مكة وهو حزين فلما كان بنخلة وهي على قرب من مكة قام يصلي من الليل فصرف الله إليه سبعة من الجن فاستمعوا إليه ولم يشعر بهم وآمنوا به وأنزل الله فيهم قرآنا يتلى قال الله تعالي ". وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ... الآية "

وأرسل الرسول رجلا من خزاعة إلى الأخنس بن شريق قائلا له " هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالة ربي ؟ " فاعتذر وكذا أرسل الرجل إلى سهيل بن عمرو فاعتذر ثم أرسله إلى مطعم بن عدي فاستجاره وأدخله ونهى أحدا أن يتعرض له أو يهجوه وكان النبي لا ينسى ذلك لمطعم وهكذا حمى الدعوة مَن هم ليسوا من المسملين ومن جنس الكفرة والمشركين !!! ويلي ذلك بيعة العقبة الأولى حيث عرض النبي نفسه ودعوته على القبائل وفي المواسم على الأفراد والجماعات وتمت بيعة العقبة الأولى في منى وكان ذلك في السنة الثانية عشر من النبوة وكان عدد المبايعين اثنا عشر رجلا

وفي العام التالي كانت بيعة العقبة الثانية وكان عدد المبايعين للرسول ولدعوته سبعون رجلا وكان ذلك أعظم تمهيد لهجرة الرسول عليه الصلاة والسلام

ولقد استنفذت كل المحاولات في إصلاح أهل مكة ودعوتهم إلى الله ترى في ماذا فكر الرسول عليه الصلاة والسلام ؟؟؟

ففكر النبي صلى الله عليه وسلم في مكان يأمن فيه المسلمون على أنفسهم حال عبادتهم لربهم فأمر المسلمون أولا أن يهاجروا إلى الحبشة وتكرر ذلك مرتين ثم خرج الرسول إلى الطائف ثم فكر في المدينة ودعا أهلها قبل أن يدخلها عن طريق بيعتي العقبة الأولى والثانية ثم فكر في الخروج وخطط له بخطط ناجحة وممكنة فذهب إلى أبي بكر كما في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية.....................فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أريت دار هجرتكم رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان فهاجر مَن هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى المدينة بعض مَن كان هاجر إلى أرض الحبشة وتجهز أبو بكر مهاجرا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي قال أبو بكر هل ترجو ذلك بأبي أنت قال نعم فحبس أبو بكر نفسه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * ألقيت هذه الخطبة بمسجد يوسف الصحابي بميدان الحجاز بمصر الجديدة


أهداف الهجرة

فضيلة الشيخ:- السيد نوح

 إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).

 (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا).

 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).

اللهم صل على محمد وعلى آله والسالكين سبيله والداعين إلى دعوته إلى يوم الدين.

( ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ).

( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ).

( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ).

وبعد ,,,

فقد مضى بنا الحديث أيها الإخوة عن أسباب الهجرة, وانحصرت في سبب واحد, هذا السبب أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يظل قطار الدعوة إلى الله ـ عز وجل ـ ماضياً لا يتوقف أبداً.

وقد أَغْلَقت مكة والطائف أبوابها في وجه هذه الدعوة ووضعت أصابعها في آذانها , وقالوا كما حكى ربنا في قوله تعالى: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ).

وقد أعطاه الله ـ عز وجل ـ دولة بمعنى كلمة دولة, فَلِمَ لا ينتقل إلى هذه الدولة ؟ ولم لا يمارس دعوته بالشكل الذي ينبغي ؟!! ولذا لم تكن الهجرة فراراً بقدر ما كانت مدرسة ينطلق منها رسول الله ليبلغ رسالة الله إلى عباد الله !!

ولذلك كان لا بد أن نعرف الهدف من هذه الهجرة كما حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم... وهو نصرة دين الله عز وجل , هؤلاء الناس خرجوا من ديارهم تاركين وراءهم ديارهم وأموالهم وربما عشيرتهم من أجل ماذا ؟ من أجل نصرة دين الله. إلى أين ؟ إلى المدينة. ولم تكن الحياة في المدينة بالثراء الكبير حتى لا يُقال قد ذهبوا ليأخذوا نصيبهم من الكعكة..

وحسبنا إخواننا في فلسطين فكل شيء عندهم قد انتهى. ومع ذلك صامدون لهدف كبير !

والحال في الهجرة هو نصرة دين الله عز وجل، فهو الهدف الكبير , وكان همّ رسولِ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألا يؤذى أحد من أصحابه في هذه الهجرة...، فالعنصر البشري هو أهم عنصر في الدعوة وله قيمة عند الله ـ عز وجل ـ والمسلمون خاصة، يقول تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ... ). يعني ما قيمتكم إذا لم تعبدوا الله عز وجل.. أو ما قيمتكم إذا لم تدعو إليه وتلجئون إليه وتفتقرون إليه !! فرب أحدكم لو أقسم على الله لأبره !!

وكما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " إنما تُنْصَرون بضعفائكم " فالصالحون سبب النصر، والضعفاء والأولاد الصغار، والمرضى والعجائز، هؤلاء هم أصحاب النصر حقيقة، الدواب التي نسخر منها كذلك. الإنسان له قيمة، والرسول في أكثر من موقف كان يحرص على ذلك ويراعي ذلك.

وكان الرسول يحرص أن يراعي قيمة الإنسان والإنسان المسلم بالذات.

يوم بدر، وُعِد من الله ـ عز وجل ـ بإحدى الحسنيين إما الحرب والنصر فيها وإما بالتجارة (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ.... )

طبيعة الإنسان يريد مالاً (الغنائم) ولكن الله يقول لهم أنتم موعودون بواحدة إما النصر إن قامت معركة، وإما بالتجارة وقد ضاعت التجارة.. !!

ومع ذلك رتب الصفوف، وأخذ أُهبة الاستعداد واستشار أصحابه، ومع ذلك أخذ طول الليل يبتهل ويصلي وينادي ربه ويقول " يا رب أنجزني ما وعدتني، إنك إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض بعد اليوم ".

ودارت المعركة والشمس في وجه المسلمين، سنة كونية، والشمس عندما تكون في وجهي لا أستطيع أن أمد يدي وأنقل الشمس خلف ظهري ولكن لابد أن أحتال كيف أحتال ؟ أي أنتظر بعدما تنتقل الشمس من مكانها إلى ما بعد الزوال.

ولذلك قال لأصحابه لا تهجموا عليهم حتى آمركم، ولكن كل المطلوب منكم أن تناوشوهم، والأعداء يظنون أنكم تقاتلونهم، وفعلاً ظل الأعداء في كرِّ وفرِّ طيلة نصف نهار وتصببوا عرقاً وضاعت كل قواهم وأصبحوا منهكين، والرسول

 ما زال محافظاً على كل أصحابه ومَن معه حتى مالت الشمس..، فقال الرسول لهم ساعتها " قوموا إلى جنة عرضها السما وات والأرض، والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل صابراً محتسباً مقبلاًٍ غير مدبر إلا أدخله الله الجنة "، فقاموا وهجموا على عدوهم، ومع ذلك لم ينس الرسول ربه فرجع إلى عريشه هو وصاحبه أبو بكر يدعو ربه وظل يدعو ربه ويقول: " أنجزني ما وعدتني ( ثلاثاً ) إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض بعد اليوم.." وظل يدعو ربه حتى سقط الرداء من على منكبه فقال الصديق له: (يا نبي الله خفف مناشدتك ربك فإن الله منجزٌ لك ما وعدك).. ولم يهدأ الرسول.. حتى انتبه ورأى الملائكة ورأى جبريل ومن ورائه الملائكة , ويقول هذا جبريل آخذٌ بعنان فرسه، وقال:

(سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) وقد يقول قائل إذا كان الله منجز لك ما وعدك فلماذا تدعو ؟!

قال لو أني كسبت المعركة وقد خسرت فيها نصف أصحابي فأنا إذا خسرت فكل من مع النبي(313) فكل واحد له قيمة، فأظْفُرَهُم لها قيمة ـ رضي الله عنهم ـ تقليم الأظافر التي تطير من المسلم لها قيمة عند الله ـ عز وجل ـ هي كبيرة عند الله، المسلم الذي يبيت ويصبح يدعو ربه ويناديه , مرتبطاً بالله يقول لا حول لي ولا قوة إلا بحول الله وقوته، هكذا يضحي به، فظل الرسول طوال الليل مشغولاً بهذا الجانب إلا أن يفقد أصحابه في المعركة، ويبتهل لله في ذلك ويلح على الله !!

ويظل مشغولاً بهم  ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولذلك الذي استشهد منهم ( أربعة عشرة )، فعُدّ ذلك نَصْر. أما المشركون ( سبعون ) من فطاحلهم الكبار والقادة !!

الهدف من الهجرة هو نصرة دين الله عز وجل.. كما حدده الرسول ـ صلى الله عليه وسلم العنصر البشري هو المهم في هذه الحياة فما بالكم بالمسلم !!

والمسلمون بالذات لهم قيمة كبيرة عند الله !!

 ( خفف مناشدتك ربك......... ) قول الصديق للرسول هي الثقة في النصر هذا هو حرص المسلم على المسلم ! وقد صدق الله فيه ( بالمؤمنين رؤوف رحيم )

حرص القائد على العناصر المهمة في الأمة !

يوم أحد... انتهت المعركة وكان قد مات سبعون من صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فبكى الرسول عليهم بكاءً شديداً !!

بكى على هؤلاء لموتهم وفقدهم وحزن عليهم حزناً شديداً، فالواحد منهم عنده غالياً.. هل هو يجد على قارعة الطريق؟ إن الواحد منهم أُخذ في تربيته وقتاً طويلاً وجهداً عظيماً !! ودهراً من العمل في إعداده !! وتوعد الكفار. وتوعد ووعد ( لو تمكنت منهم ليكونن العقاب مضاعف، ومع ذلك يراجعه ربه (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)

يحزن على ماذا ؟ يحزن على المسلم. يحزن على المسلم الذي قيمته كبيرة...، وكان أشد حزناً على عمه حمزة ـ رضي الله عنه ـ ثم يذهب النبي ليخلوا بربه  قائلاً لأصحابه إني سأثني على ربي بعدما قتل من المسلمين ما قتل !! يقول الرسول بعد أحد " اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا راد لما قضيت، ولا قابض لم بسطت ولا باسط لما قبضت بيدك الخير كله وأنت على كل شيء قدير ".

وظل يثني على ربه ويستغفره ويشكره، لأنه كان عددهم(700) لما يأخذ الله(70) فقط ويبقي(630)كأنه أخذ من كل عشرة واحد فقط، وقد ذكر الله هذا الأمر وهذا الشأن في قوله (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) والعَفُو هنا أنه أخذ القليل وأبقى الكثير فله الحمد والمنة !!

وقوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ).

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) كان من الممكن الله عزوجل يميتهم فهم قد انصرفوا وتولوا من المعركة.. لكن الله ـ عز وجل ـ أبقاهم لأهمية العنصر البشري !!

وهذا الأمر نظر إليه الرسول يوم الهجرة، ليهاجر بأقل الخسائر والتكاليف !! هذا الدرس أقوله لكم لتعرفوه جيداً وتعوه جيداً وليته يُنْقَل إلى ذوي السلطان من حكام المسلمين، فيعرفون قيمة المسلمين فلا يعذبوهم ويجلدون ظهورهم، ويعتقلونهم ويؤذونهم !! ولا يكتمون أفواههم !! لماذا ؟؟ لأنهم هم الورقة الرابحة عند ذوي السلطان !! والله أصحاب السلطان يستطيعون أن يكونوا في قمة القيادة والقيادات إذا حافظوا على هذه القلة من المسلمين الصادقين -لو أنهم أعطوهم الفرصة.

والله لو أعطوهم الفرصة للذهاب إلى إسرائيل لمحاربتها بشكل من التنظيم والإعداد لهزموا إسرائيل وقضوا عليها !! وقد جربنا من قبل سنة 36 أوشكت إسرائيل على الرحيل لولا أنها أدخلت الجهات الرسمية !!

وفي سنة 48 أوشكت على الرحيل أيضاً من الوجود لولا أنها أدخلت الجيوش العربية!!

وهكذا المسلم له قيمة عند الله ـ عز وجل ـ لذلك حدد النبي الهدف وهو نصرة دين الله ـ عزو جل ـ ثم حدد كذلك الطريقة، الطريقة أن يهاجر الناس دون أن تكون هناك خسائر وإذا حدثت خسائر أن تكون قليلة لا تذكر ولعل الدرس الذي نستفيده أن تحرص على المسلم، ولا نفرط فيه ولو بملء الأرض ذهبا !!

الوشاة والخونة والعملاء الذين ينقلون أسرار المسلمين الى الكافرين ينقلون من أجل ماذا ؟ من أجل دراهم معدودة، الدنيا جيفة وطلابها كلاب، و الدنيا لا تساوي شيئاً، ومع هذا يخونون إخوانهم وأهليهم وذويهم من أجل هذه الدنيا

(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) ومع هذه الدناءة والدنيوية يضحي الواحد من هؤلاء الخونة بأخيه المسلم من أجل دراهم معدودات !!

والدرس الثاني: نحدد أهدافنا فأي عمل بلا هدف لا وزن له ولا قيمة !!

أنت تجمع المال لماذا ؟ من أجل رضا الله ـ عز وجل ـ وإنفاقه في مرضاته وفي سبيله، أنت تتزوج لماذا ؟ أولاً من أجل الولد وإشباع الغريزة الجنسية من طريقها الحلال الذي يرضي الله ـ عز وجل ـ أنت تبني داراً بهدف تحميك من الحر والبرد وهكذا لا بد من تحديد الهدف , فالدواب هي التي ليس لها هدف تحدده !! لأنه لا عقل لها، أما الآدميون هم الذين لهم أهداف في الحياة، وشتان بين هدف في الأرض وهدف في السماء !!

   له همم لا منتهى لكبارها        وهمته الصغرى أَجَلّ من الدهر

أي لهم همم كثيرة لا حد لها، لكن أقل همة عنده أعظم من الزمان كله.

وهكذا المسلم همته وهدفه رضا الله في الدنيا والآخرة فإنهم إن عملوا فسيكافئهم الله مكافأة كبرى , قال تعالى: ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون ).

هكذا حدد النبي الهدف وحدد الوسيلة، ثم بعد ذلك بدأ بالخطة بأكملها وذلك موضوع حديثنا في الخطبة القادمة إن شاء الله إن كان لنا أجل، وإن كان في العمر بقية، لكننا مع هذا نتذكر أن النجاح في هذه الهجرة هو ما قاله الرسول

ـ صلى الله عليه وسلم!!! " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ".

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أنّ محمداً سيد الأنبياء والمتقين، اللهم صل وسلم وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه والسالكين سبيله والداعين بدعوته إلى يوم الدين.

وبعد ,,,

قامت خطة النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة على تحديد الهدف والوسلية, ومما يستصحبه من الزاد، وكان معه زادان، زاد لتوفير الطعام، وزاد يتعلق بالأمن !!  وهذه نعمة كبرى، أيُّ واحد كل ما يحتاجه من الدنيا الطعام والأمن !! ولذلك قال الرسول لقريش: ألا تستذكرون نعمة الله عليكم دهوراً طويلة،

قال تعالى: (لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)

وكذلك لما كفرت قريش وطغت وبغت وأخرجت الرسول

 صلى الله عليه وسلم وصحبه وحق عليها قول الله: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ

إذاً لازم يكون معهم زادان، الزاد الأول الطعام والشراب، والزاد الثاني: الأمن، وهذا ما سنفصله فيما بعد !!

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات, مولانا رب العالمين.

 ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين )

 ( ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين )

( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين )

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر المسلمين المجاهدين في سائر الأرض يا رب العالمين، اللهم انصر المسلمين المجاهدين في فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين.


خطبة الهجرة وصناعة الأمل

فضيلة الشيخ:- عادل بن أحمد باناعمة *

الخطبة الأولى

 مَن كان يظن أن يكون أولئك النفر الستة بداية مرحلة جديدة من العز والتمكين، والبذرة الأولى لشجرة باسقة ظلت تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها؟

ومَن كان يخطر بباله أن تشهد تلك الليلة من ليالي الموسم ورسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر يطوفان بمنى حتى إذا سمعا صوت رجال يتكلمون مالا إليهم فقالا وقالوا، وتحدثا وسمعوا، وبينا فأصغوا فانشرحت القلوب، ولانت الأفئدة ونطقت الألسنة بالشهادتين، وإذا بأولئك النفر من شباب يثرب يطلقون الشرارة الأولى من نار الإسلام العظيمة التي أحرقت الباطل فتركته هشيماً تذروه الرياح. مَن كان يظن أن تلك الليلة كانت تشهد كتابة السطور الأولى لملحمة المجد والعزة؟

يا سبحان الله … إن نصر الله يأتي للمؤمن من حيث لا يحتسب ولا يقدر، لقد طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجتمعات القبائل وقصد الرؤساء وتوجه بالدعوة إلى الوجهاء وسار إلى الطائف، فعل ذلك كله عشر سنوات وهو يرجو أن يجد عند أصحاب الجاه والمنعة نصرة وتأييداً، كان يقول صلى الله عليه وسلم في كل موسم: ((مَن يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي))، ومع كل هذا لم يجد مَن يؤويه ولا مَن ينصره، بل لقد كان الرجل من أهل اليمن أو من مضر يخرج إلى مكة فيأتيه قومه فيقولون له: احذر غلام قريش لا يفتنك!

لم تأت النصرة والحماية والتمكين من تلك القبائل العظيمة ذات المال والسلاح، وإنما جاءت من ستة نفر جاؤوا على ضعف وقلة.

"إنها التقادير يوم يأذن الله بالفرج من عنده، ويأتي النصر من قلب المحنة، والنور من كبد الظلماء، والله تعالى هو المؤيد والناصر، والبشر عاجزون أمام موعود الله".

ستة نفر من أهل يثرب كلهم من الخزرج دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ولم يكن يتوقع منهم نصرة وإنما أراد دعوتهم فآمنوا وأسلموا … ثم تتابعت الأحداث على نسق عجيب، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه ـ وكان أحد النفر الستة ـ: حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم تبق من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، ثم ائتمروا جميعاً فقلنا: حتى متى نترك رسول الله يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلاً حتى قدموا عليه الموسم، فواعدناه العقبة فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: ((على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم وأزواجكم، ولكم الجنة))، قال جابر: فقمنا إليه فبايعناه [مسند أحمد].

أرأيتم … يعرض الكبراء والزعماء ويستكبر الملأ وتتألب القبائل وتتآمر الوفود وتسد الأبواب… ثم تكون بداية الخلاص بعد ذلك كله في ستة نفر لا حول لهم ولا قوة.

فهل يدرك هذا المعنى المتعلقون بأذيال المادية الصارخة والنافضون أيديهم من قدرة الله وعظمته؟

وهل يدرك هذا المعنى الغارقون في تشاؤمهم اليائسون من فرج قريب لهذه الأمة المنكوبة المغلوبة على أمرها؟

إن الله ليضع نصره حيث شاء وبيد مَن شاء وعلينا أن نعمل أن نحمل دعوتنا إلى العالمين ألا نحتقر أحداً ولا نستكبر على أحد، وعلينا أن نواصل سيرنا مهما يظلم الليل وتشتد الأحزان، فمن يدري لعل الله يصنع لنا في حلكات ليلنا الداجي خيوط فجر واعد؟ ومَن يدري لعل آلامنا هذه مخاض العزة والتمكين؟

عباد الله: ونحن على أبواب عام هجري جديد يقبل محملاً بما فيه، وعلى أعقاب عام هجري مودع يمضي بما استودعناه نقف متذكرين هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم … إنها ذكرى الاعتبار والاتعاظ لا ذكرى الاحتفال والابتداع. إنها وقفة نستقرئ فيها فصلاً من فصول الحياة خطه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه. إنها رجعة إلى العقل في زمن طاشت فيه العقول. ووقفة مع الروح في زمن أسكرت الأرواح فيه مادية صخابة جرافة.

إن من أعظم دروس الهجرة وأجل عبراتها (صناعة الأمل) نعم. إن الهجرة تعلم المؤمنين فن صناعة الأمل. الأمل في موعود الله. الأمل في نصر الله. الأمل في مستقبل مشرق للا إله إلا الله. الأمل في الفرج بعد الشدة، والعزة بعد الذلة، والنصر بعد الهزيمة.

لقد رأيتم كيف صنع ستة نفر من يثرب أمل النصر والتمكين. وهاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع الأمل مرة أخرى حين عزمت قريش على قتله.

قال ابن إسحاق: فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى نام فيثبون عليه.

وعلى أن كل حساب مادي يقطع بهلاك رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف لا وهو في الدار والقوم محيطون بها إحاطة السوار بالمعصم. مع ذلك صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمل، وأوكل أمره إلى ربه وخرج يتلو قوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [يس:9]. خرج الأسير المحصور يذر التراب على الرؤوس المستكبرة التي أرادت قتله! وكان هذا التراب المذرور رمز الفشل والخيبة اللذين لزما المشركين فيما استقبلوا من أمرهم. فانظر كيف انبلج فجر الأمل من قلب ظلمة سوداء.

ويمضي رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه يحث الخطى حتى انتهى وصاحبه إلى جبل ثور، وهو جبل شامخ وعر الطريق صعب المرتقى، فحفيت قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يرتقيه فحمله أبو بكر وبلغ به غار ثور ومكثا هناك ثلاثة أيام.

ومرة أخرى يصنع الأمل في قلب المحنة، وتتغشى القلوب سكينة من الله وهي في أتون القلق والتوجس والخوف.. يصل المطاردون إلى باب الغار، ويسمع الرجلان وقع أقدامهم، ويهمس أبو بكر: يا رسول الله لو أن بعضهم طأطأ بصره لرآنا! فيقول صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا بكر. ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟)).

وكان ما كان، ورجع المشركون بعد أن لم يكن بينهم وبين مطلوبهم إلا خطوات! فانظر مرة أخرى كيف تنقشع عتمة الليل عن صباح جميل. وكيف تتغشى عناية الله عباده المؤمنين إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ [الحج:38].

وإذا العناية لاحظتك عيونها         نم فالحوادث كلهن أمانُ

ويسير الصاحبان في طريق طويل موحش غير مأهول لا خفارة لهما من بشر، ولا سلاح عندهما يقيهما:

لا دروع سابغات لا قنـا                 مشرعـات لا سيوف منتضاه

قوة الإيمان تغنـي ربها            عن غرار السيف أو سن القناة

ومن الإيمان أمن وارف                 ومن التقوى حصـون للتقـاة

يسير الصاحبان حتى إذا كانا  في طريق الساحل لحق بهما سراقة بن مالك طامعاً في جائزة قريش مؤملاً أن ينال منهما ما عجزت عنه قريش كلها، فطفق يشتد حتى دنا منهما وسمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرة ثالثة، وهذا الفارس على وشك أن يقبض عليهما ليقودهما أسيرين إلى قريش تذيقهما النكال، مرة ثالثة يصنع الأمل، ولا يلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سراقة ولا يبالي به وكأن شيئاً لم يكن يقول له أبو بكر: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا، فيقول له مقالته الأولى: لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40].

لقد اصطنع الأمل في الله ونصره فنصره الله وساخت قدما فرس سراقة، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء كالدخان، فأدرك سراقة أنهم ممنوعون منه. ومرة ثالثة جاء النصر للرسول صلى الله عليه وسلم من حيث لا يحتسب. وعاد سراقة يقول لكل مَن قابله في طريقه ذاك: ارجع فقد كفيتكم ما ههنا، فكان أول النهار جاهداً عليهما وآخره حارساً لهما!

ويبلغ أهل المدينة خبر هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، الرجل الذي قدَّم لهم الحياة وصنع لهم الأمل. الرجل الذي أنقذهم من أن يكونوا حطباً لجهنم. يبلغهم الخبر فيخرجون كل غداة لاستقباله حتى تردهم الظهيرة. كيف لا وقد اقتربت اللحظة التي كانوا يحصون لها الأيام ويعدون الساعات؟ قال الزبير: فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظاره فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود أطماً من آطامهم لينظر إليه فبصر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا صاحبكم الذي تنتظرون.

فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظاهر الحرة. تلقوه بقلوب تفيض سعادة وفرحاً … وتأمل مظاهر الفرحة الغامرة:

ـ قال أنس: (شهدت يوم دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فلم أر يوماً أحسن منه ولا أضوأ منه) [الحاكم].

ـ قال أبو بكر: (ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة وخرج الناس حتى دخلنا في الطريق وصاح النساء والخدام والغلمان: جاء رسول الله، الله أكبر، جاء محمد، جاء رسول الله) [الحاكم].

ـ قال أنس: (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة لعبت الحبشة لقدومه فرحاً  بذلك لعبوا بحرابهم) [أبو داود].

وصدق من قال:

أقبل فتلـك ديـار يثرب تقبل    يكفيك من أشواقها ما تحمل

القوم مـذ فارقت مكـة أعين   تأبى الكرى وجوانح تتململ

يتطلعون إلى الفجاج وقولهـم           أفما يطالعنا النبي المرسـل

رفت نضارتها وطاب أريجها           وتدفقت أنفاسـها تتسلسـل

فكأنما في كـل دار روضـة        وكأنمـا في كل مغنى بلبل

وهكذا أيها الإخوة الكرام تعلمنا الهجرة في كل فصل من فصولها كيف نصنع الأمل، ونترقب ولادة النور من رحم الظلمة، وخروج الخير من قلب الشر، وانبثاق الفرج من كبد الأزمات.

الخطبة الثانية

 أما بعد:

عباد الله: ما أحوجنا ونحن في هذا الزمن، زمن الهزائم والانكسارات والجراحات إلى تعلم فن صناعة الأمل.

فمن يدري؟ ربما كانت هذه المصائب باباً إلى خير مجهول، ورب محنة في طيها منحة، أوليس قد قال الله: وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ؟ [البقرة:216].

لقد ضاقت مكة برسول الله ومكرت به فجعل نصره وتمكينه في المدينة.

وأوجفت قبائل العرب على أبي بكر مرتدة، وظن الظانون أن الإسلام زائل لامحالة، فإذا به يمتد من بعد ليعم أرجاء الأرض.

وهاجت الفتن في الأمة بعد عثمان حتى قيل لاقرار لها ثم عادت المياه إلى مجراها.

وأطبق التتار على أمة الإسلام حتى أبادوا حاضرتها بغداد سرة الدنيا وقتلوا في بغداد وحدها مليوني مسلم وقيل: ذهبت ريح الإسلام فكسر الله أعداءه في عين جالوت وعاد للأمة مجدها.

وتمالأ الصليبيون وجيشوا جيوشهم وخاضت خيولهم في دماء المسلمين إلى ركبها حتى إذا استيأس ضعيف الإيمان نهد صلاح الدين فرجحت الكفة الطائشة وطاشت الراجحة، وابتسم بيت المقدس من جديد.

وقويت شوكة الرافضة حتى سيطر البويهيون على بغداد والفاطميون على مصر وكتبت مسبة الصحابة على المحاريب ثم انقشعت الغمة واستطلق وجه السنة ضاحكاً.

وهكذا يعقب الفرج الشدة، ويتبع الهزيمة النصر، ويؤذن الفجر على أذيال ليل مهزوم … فلم اليأس والقنوط؟

اشتدي أزمة تنفرجي         قد آذن ليلك بالبلج

إن اليأس والقنوط ليسا من خلق المسلم، قال سبحانه: وَلاَ تَايْـئَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَايْـئَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ [يوسف:87].

قال ابن مسعود رضي الله عنه: (أكبر الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله).

إذا اشتملت على اليأس القلوب           وضاق لما به الصدر الرحيب

ولم تر لانكشاف الضر وجهـاً          ولا أغنـى بحيلتـه الأريـب

أتاك على قنـوط منك غـوث         يمـن به اللطيف المسـتجيب

وكل الحـادثات وإن تنـاهت           فموصـول بها الفرج القريب

فيا أيها الغيورون على أمة الإسلام.. يا مَن احترقت قلوبهم لآلامها، نعمّا هذا الألم وما أصدقه على إيمانكم وحبكم لدينكم، ولكن لا يبلغن بكم اليأس مبلغه، فإن الذي أهلك فرعون وعاداً وثمود وأصحاب الأيكة والذي رد التتار ودحر الصليبين قادر على أن يمزق شمل الروس ويبدد غطرسة الصهيونية ويحطم أصنام الوثنية المعاصرة.

وأنت.. يا مَن ابتلاك الله في رزقك أو صحتك أو ولدك.

أنت.. يا مَن جهدك الفقر وانتهكتك العلل وأخذ الموت أحبابك وعدت في أعين الناس كالدرهم الزائف لايقبله أحد.

أنت.. يا مَن أصبحت في مزاولة الدنيا كعاصر الحجر يريد أن يشرب منه، ويا من سدت في وجهك منافذ الرزق وأبواب الحلال.

أنت.. هل نسيت رحمة الله وفضله؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ألقيت هذه لخطبة بمسجد محمد الفاتح بجدة بالسعودية..


خطبة الهجرة دروس وعبر..

بقلم الأستاذ:- أحمد شكر *

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

فإننا بعون الله سوف نسلط الضوء على حادث الهجرة الكريمة وبعض الدروس المستفادة منه وحتى نخرج عن النمطية المملة التى أُشربها بعض الناس خلال حديثهم عن الهجرة حيث لا يفتأ يذكر الهجرة بالحمامتين اللتين باضتا على باب الغار والعنكبوت الذي نسج خيوطه التي نسجها على باب الغار مع أن هذه القصة من أهل العلم مَن حسَّنها وأغلب أهل العلم على أن القصة ضعيفة (1) استناداً إلى قوله تعالى " وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا......"(التوبة 40) والعنكبوت جندي مرئي. والحق أن كثيراً من المفكرين والعلماء قد سلطوا الضوء على كثير من الدروس المستفادة من حدث الهجرة ويكفي القارئ أن يقرأ كتاب فقه السيرة للشيخ المرحوم محمد الغزالي مثلاً وكذلك كتاب الدكتور الصلابي في السيرة النبوية وغير ذلك من الكتب.

وسوف نسلط الضوء بعون الله على بعض النقاط التي أراها مهمة جدا في ضوء المرحلة التي نعيشها والشبهات المثارة هنا وهناك عن طبيعة العمل الحركي الإسلامي وسوف نتناول النقاط أو الدروس التالية:

1- الهجرة رد فعل طبيعي لقانون العداء للحق.

إن الهجرة لم تكن حدثاً مفاجئًاً للنبي صلى الله عليه وسلم بل كان حدثا متوقعا أخبِر به النبي صلى الله عليه وسلم من أول يوم تأكد فيه أن الذي يأتيه في الغار هو وحي السماء وأنه نبي هذه الأمة  , فقد أورد البخاري في كتاب بدأ الوحي حديث عائشة الطويل وفيه أن ورقة بن نوفل قال للنبي عندما أخبره بما يرى من مشهد المَلك في الغار " قال روقة هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى يا ليتني فيها جذع , يا ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك ,  فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أو مخرجي هم؟" فقال ورقة نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عُودي.............." (2)

ساعتها سأل النبي بلسان المستغرب " أومخرجي هم؟" وماذا فعلتُ لهم حتى يخرجوني ؟ ليأتيه الجواب من هذا الخبير: إن السبب في عدائهم هو ما جئت به وهي سنة في كل مَن سبقك من الأنبياء والرسل  وهي إفراز طبيعي لمعركة الحق مع الباطل. وعليه لابد وأن يتوقع كل إنسان يعمل على نصرة الحق أن يواجه حرباً شرسة من أهل الباطل المنتفعين من غياب الحق وهذه سنة الابتلاء الإلهية التي لم تتخلف عن نبي من الأنبياء أو مصلح من المصلحين. إذن لم تكن الهجرة حدثاً مفاجئاً في تاريخ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه صلى الله عليه وسلم نفَّذ ما أمره الله به في الوقت الذي أذن له بالهجرة فيه.

2- الهجرة والمساحة الزمنية.

كم هي ضيقة تلك النظرة التي تحصر الهجرة في حادث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت هجرته عليه السلام هي العنوان الأبرز فيها, غير أن عملية الهجرة بدأت بعد بيعة العقبة الثانية حين استقر الأمر لدى النبي صلى الله عليه وسلم أن مكة ليست هي المكان المناسب للدولة الإسلامية التي يجب أن تحمي الحق الذي يؤمن به المؤمنون وتبلغ رسالة الإسلام إلى العالمين , أذِنَ النبي لأصحابه بالهجرة وأبغلهم بمكان هجرتهم إلى المدينة حيث قال كما في حديث عائشة الطويل عند البخاري "....... ‏قد ‏ ‏أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين " وهما ‏ ‏الحرتان......" (3) واستمرت الهجرة وأحداثها بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم لم تتوقف فلم يكن بوسع أحد يدخل الإسلام أن يبقى في دار الكفر مع وجود دار الإسلام حتى جاء العام الثامن من هجرته صلى الله عليه وسلم العام الذي فتحت فيه مكة ودخلت حدود الدولة الإسلامية فأعلن النبي " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية "(4) ومن العجيب أن سورة النساء ذكرت قوله تعالى " وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا "(النساء100) وهذه الآية تذكر قصة رجل من المسلمين مات في طريق هجرته ونشر خبر وفاته في مكة والمدينة وكثر اللغط حول مصيره في أوساط المسلمين فنزلت الآية تبين أن أجر هذا الرجل على الله تعالى لأنه خرج مهاجراً إلى الله ورسوله. وسورة النساء من السور التي نزلت معظم آياتها في أواسط المرحلة المدنية ومن العجيب أيضاً أن سورة التوبة وهي من أخر ما نزل من القرآن هي السورة التي ورد فيها ذكر حادث هجرته صلى الله عليه وسلم قال تعالى " إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا..........." (التوبة 40) فالله تعالى يذًكر المؤمنين مع قرب ختام الوحي وتمام الرسالة بهذا الحدث الطويل وأهميته في بناء دولة الإسلام والمجتمع المسلم. فالذي يريد أن ينظر إلى الهجرة لابد أن ينظر إليها في إطار هذه المساحة الزمنية العريضة وليس فقط تلك الفترة الوجيزة التي شهدت هجرة الصحابة والنبي بعدهم.

3- الهجرة وحب الأوطان.

تعلمنا الهجرة حب الوطن الذي يعيش فيه الإنسان حتى وإن تعرض فيه للظلم والعسف, فهذا النبي الذي لاقى من قومه ما لاقى وقد أخرجوه عنوة منها يقول لمكة وهو يودعها مهاجراً "ما أطيبك من بلدة وأحبك إلي ولولا أن قومك أخرجوني ما سكنت غيرك" (5) ولما هاجر إلى المدنية دعا الله أن يحبب إليه المدينة كما كان يحب مكة روى الشيخان عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وأصابتهم الحمى "اللهم حبب إلينا المدينة حبنا لمكة أو أشد....)(6) وكذلك كان أصحابه عليهم من الله الرضوان فهذا بلال لما أصابته الحمى كان يتذكر بطحاء مكة وهو في شدة المرض ويردد:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة                   بأرض وحولي إذخر وجليل

وهل أردن يوما مياة مجنة                      وهل يبدون لي شامة وطفيل

 وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائماً يتحسس أخبار مكة ويسأل عنها كما في حديث أصيل الغفاري الذي قدم إلى المدينة بعد الهجرة فدخل على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها - قبل أن يفرض الحجاب - فقالت له: يا أصيل! كيف عهدت مكة؟ قال: عهدتها قد أخصب جنابها، وابيتضت بطحاؤها، قالت: أقم حتى يأتيك النبي فلم يلبث أن دخل النبي، فقال له: (يا أصيل! كيف عهدت مكة؟) قال: والله عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق إذخرها، وأسلت ثمامها، وأمشّ سلمها، فقال: (حسبك يا أصيل لا تُحْزِنَّا)، وفي رواية: (ويها يا أصيل! دع القلوب تقر قرارها). (7) هذا هو شعور المسلم الملتزم تجاه وطنه وإن تعرض فيه للمحن والبلاء والشاعر يقول

: بلادي وإن جارت علي عزيزة                وأهلي وإن ضنوا علي كِرام

ولا يوجد تربية تحبب الإنسان في وطنه مثل التربية الإسلامية التي تجعل حب الأوطان من الإيمان, غير أنه للأسف يتم التضييق عليها وتجفيف منابعها وهي الصمام الوحيد لأمان المجتمعات !.

4- الهجرة والقيادة الناجحة.

إن حدث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ليعطي درساً عظيماً للقادة والزعماء في أنه صلى الله عليه وسلم آخر مَن هاجر ولم نعلم أحداً هاجر بعده من المسلمين المعروف إسلامهم إلا علياً بن أبي طالب وكان تأخير هجرته بأمر منه صلى الله وسلم ليؤدي ما عليه من ودائع لأصحابها ,إنها القيادة التي تطمئن أولاً على خروج جنودها من موقع الخطر قبل أن تخرج هي لا القيادة التي تفر وتترك أتباعها يلاقون المصير المجهول ! كان النبي آخر المؤمنين خروجاً من مكة ولم يترك خلفه مسلماً معلوم الإسلام إلا علياً كما ذكرنا وهو بذلك كان يدفع الخطر عن الصف الإسلامي الذي يقوده, فإن قريشاً ما كانت تضع العراقيل الكبرى في وجه المهاجرين من الصحابة طالما أنها مطمئنة إلى أن رأس الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم مازال باقياً وتحت الرقابة المشددة لا يعد العدة حتى للهجرة مما سهًل - إلى حد ما - خروج الصحابة إلى يثرب وإن كان خُفية أيضاً.هذه كانت قيادة النبي محمد صلى الله عليه وآله, يحرس الصف من الخلف إذا كان الخطر من الخلف ويكون أول المبادرين لدفع الخطر عن الصف إذا جاء الخطر من الأمام,كما حدث عندما أغار بعض الأعراب على سرح المدينة وعلا  الضجيج وتنادى الناس للنجدة وإذا بالنبي صلى الله وسلم هو أول مَن تحرك حتى اجتمع الناس ووجدوه راجعاً من كره باتجاه الخطر على فرس لأبي طلحة لم تُسرج وهو يقول: لن تراعوا لن تراعوا(8)

5- الهجرة والعمل السياسي:

غريب أمر هذه الدعوى التي تجعل من دين الإسلام أو من الداعية المسلم داعية معزولاً عن الواقع ويجب على الذي يوجه أي خطاب إسلامي ألا يتكلم إلا عن إسلام ما تحت الأرض من القبر وعذابه ونعيمه وإسلام ما فوق السماء الذي يتحدث عن الجنة والنار وما إلى ذلك, أما الإسلام الذي يدخل بالدين والتشريع في الواقع السياسي للأمة المسلمة فهذا نمط غير مقبول بل ومحارب!.ومن السهل علينا أن نفهم حرب العلمانيين وغيرهم من أعداء الإسلام على الإسلام إذا دخل في هذه الدائرة, لكن من الصعب جداً أن نفهم موقف دعاة إسلاميين وقنوات فضائية تحمل الخطاب الإسلامي ثم يخرجون أنفسهم خارج هذه الدائرة بل ويحرِّمون العمل السياسي بدعوى أن السياسة لا دين لها ! وإذا كان أي باحث يريد أن يؤكِّد شرعية العمل السياسي لدعاة الإسلام فإنه يجد في الغزوات والسرايا والبعوث والسفارات والمعاهدات والاتفاقيات التي أبرمها النبي في الداخل والخارج رصيد هائل من الأدلة. لكن قلما يتجه باحث أو متحدث نحو حدث الهجرة ليجد أدلة على مشروعية العمل السياسي, غير أني أقول لقد كان بعملية الهجرة جزء كبير من ضوابط العمل السياسي في الدولة المسلمة ونستطيع أن نجمل هذا الأمر في النقاط التالية.

1- أصبحت الهجرة سلوكاً إلزامياً على كل مَن يؤمن بالله ورسوله سواء مَن أسلم من أهل مكة أو من القبائل الأخرى , لقد توعَّد القرآن الذي لم يهاجر بالعذاب الأليم في جهنم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا " (النساء 97)إذ ربما قاده وجوده ضمن مواطني دولة الكفر أن يدخل في تعداد جيشها وهي تحارب المسلمين وربما يقتله المسلمون ,فهل يقبل هذا مع إمكانية الهجرة؟! وهل يظل مستخفياُ مضيقاً عليه في دار الكفر مع وجود دار الإيمان؟!

2- كل مَن لا يستطيع الهجرة كان  يعتبر من رعايا الدولة المسلمة وكان لزاما على الدولة أن تحاول فكه بكل الطرق كما فعل النبي مع عياش بن أبي ربيعة وغيره من المستضعفين بمكة حيث أرسل لهم مَن يخرجهم من مكة سرا. وكان مرثد بن أبي مرثد من الصحابة المتخصصين في هذا النوع من العمليات وكان عليه الصلاة والسلام دائم الدعاء لهم أن يفرج الله عنهم ما هم فيه.

3- كان التمييز بين رعايا الدولة المسلمة في عهد النبي على أساس الهجرة فلم يكن لغير المهاجر حظ في الفيء أو الغنائم التي هي بلغة العصر منح حكومية أو عطاءات رئاسية ففي الحديث عن بريدة بن الحصيب الأسلمي وفيه "...... وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ........"(9)

4- مفهوم الولاء الاجتماعي الذي يعني النصرة والنجدة كان متوقفاً على الهجرة قال تعالى:". وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا......."( الأنفال 72)وقال تعالى " وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ......"(الأنفال 75)

5- بل إن الاتفاقيات التي أُبرمت مع المشركين عام الحديبية توضح إلى أى مدى اهتمام الدولتين بالعناصر المهاجرة من مكة إلى يثرب مما يؤكد أن الهجرة كانت تلعب دورا أساسيا في عملية التفاوض.أليس الآيات الكريمات التي نزلت تؤسس لهذه القواعد خير دليل على أن العمل السياسي من جوهر رسالة الإسلام و أليس النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يدير دفة هذا المسار هو رجل سياسي من الطراز الفريد فضلاً عن أنه مؤيد بالوحي.

6- الهجرة والتقويم الهجري.

إن من الدروس التي يجب أن نعيها مع الهجرة هي ضرورة التمسك والمحافظة على التقويم الهجري الذي هو تقويم هذه الأمة وجدول تاريخها. لقد فطن عمر الملهم إلى جعل تأريخ هذه الأمة يبدأ من الهجرة. غير أن الاهتمام بالتقويم الميلادي في كل شيء على حساب التقويم الهجري أراه من باب المؤامرة على هوية وثقافة هذه الأمة, وخذ مثلاً حرب العاشر من رمضان تجد كل المنابر الإعلامية والتعليمية تذكره بالسادس من أكتوبر مع أنه لا دخل لأكتوبر ولا نوفمبر في صناعة هذا النصر بل ارتبط هذا النصر بالصيام وبشهر الصيام ارتباطا وثيقا. لذا نطالب جماهير الأمة باقتناء النتيجة الهجرية ويا حبذا لو يسجل كل أب يوم ميلاد طفله بالتقويم الهجري في سجل خاص بحيث يذًكر ابنه بمقابل يوم ميلاده بالهجري كما يذكره بالميلادي وهكذا.

7- أخيرا فالهجرة والعام الهجري الجديد فرصة لمحاسبة النفس ومراجعة المسيرة الفردية للإنسان وتجديد التوبة لله والبيعة مع الله على الإيمان والطاعة والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

 الهوامش:

من ذهب لتحسين القصة الحافظ ابن كثير وتابعه على ذلك الحافظ ابن حجر غير أن أهل كثير من العلماء كالألباني وشعيب الأرنؤط والشيخ أحمد شاكر على أن القصة ضعيفة من جميع الطرق لأن مدارها على عثمان الجزري وهو ضعيف.

2- صحيح البخاري /كتاب بدأ الوحى حديث رقم 3

3- صحيح البخارى /كتاب مناقب الأنصار/باب هجرة النبى وأصحابه/حديث رقم 3905

4- متفق عليه عن عائشة.

5- أخرجه الترمذي والبيقهى في الشعب وبن حبان والضياء المقدسي في المختارة والحاكم بسند صحيح عن بن عباس رضى الله عنهما.

6- متفق عليه عن عائشة

7- أخرجه الأزقى في أخبار مكة وذكره أيضا الخطابى في غريب الحديث عن الزهري.

8- الحديث بتمامه عن أنس بن مالك "كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول لن تراعوا لن تراعوا وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج في عنقه سيف فقال لقد وجدته بحرا أو إنه لبحر " صححه الألباني صحيح سنن ابن ماجة ج2/ص384 برقم 2254.

9- رواه مسلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* باحث بالعلوم الشرعية.


خطبة الهجرة النبوية

فضيلة الشيخ:- عبد العزيز بن الطاهر بن غيث *

الخطبة الأولى

وبعد: إخوة الإيمان، تظلّنا هذه الأيام ذكرى حادثة عظيمة من حوادث وأحداث تاريخنا الإسلامي، هذه الحادثة كانت إيذانا بعهد جديدٍ وتحوّل مهمّ في تاريخ الدعوة الإسلامية، تلكم هي هجرة رسول الله  من مكة بيت الله الحرام إلى المدينة دار الهجرة، هذا الحدث يمثل أهمّ حدث من أحداث التاريخ الإسلامي، به بدأ بناء الدولة الإسلامية وبناء الأمة التي تعبد الله وحده لا شريك له وتبلّغ دينه الحنيف إلى كل الناس، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [الفتح:28].

تجدُّد هذه الذكرى ـ عباد الله ـ يزيد في أعمارنا عامًا كلّما تكرر، ويذكرنا بانصرام الأيام ويبيَّن لكل مسلم أن حياته على هذه الأرض محدودة وأن كل يوم يمضي يقرب الإنسان من نهايته وأجله، فهذه أول عبرة من عبر مرور الأيام وتجدد ذكريات الأحداث، فما من مظهر من مظاهر الزمان والمكان إلا هو آية وعبرة للإنسان: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُِوْلِي الألْبَابِ [آل عمران:190].

جاءت هجرة رسول الله بعد الرسالة بثلاثة عشر عاما، بعد أن أمضى رسول الله هذه المدة وهو يجاهد من أجل إبلاغ دين الله سبحانه ومن أجل أن يهدي قومه والناس إلى طريق الله سبحانه صابرا محتسبا، يؤذى في سبيل الله ويرى أصحابه يؤذون ويعذَّبون ويقتلون ولا يزداد مع ذلك إلا صبرا ويقينا وطاعة لله سبحانه، وقد جاء الأمر بالهجرة إلى يثرب بعد أن بايع سكانها الأوس والخزرج رسول الله على الإيمان وعلى حمايته مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم وكان ذلك حين جاؤوا مكة حاجين فكانت هذه البيعة مقدمة للهجرة المباركة.

خرج رسول الله إلى المدينة مهاجرا إلى ربه وقد وعد الله من هاجر إليه أجرا عظيما، يقول سبحانه: وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء:100]. خرج إلى الهجرة بعد أن أعدت قريش العدة لقتله أو حبسه أو طرده، ولكن مكرهم عاد عليهم لأن هذا المكر لن يحيق بمن يرعاه الله ويؤيده ويسدده: إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُون [آل عمران:160]. أعدت قريش العدة لقتل رسول الله عن طريق عدد من شباب قبائلها حتى يتفرّق دمه بين القبائل، ولكن جبار السموات والأرض أبطل سحرهم ورد كيدهم إلى نحورهم، يقول سبحانه: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].

فتوجه الحبيب إلى حبيبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليخبره بأمر الهجرة، فما إن سمع الصديق بأمر الهجرة حتى كان همه الوحيد والكلمة الوحيدة التي قالها: (الصحبة يا رسول الله). عن عائشة أن رسول الله جاء إلى بيت أبي بكر في ذلك اليوم ظهرا على غير عادته، فلما دخل على أبي بكر قال: ((أخرج من عندك))، قال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي، يعني عائشة وأسماء، قال: ((أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج؟)) قال: الصحبة يا رسول الله؟ قال: ((الصحبة))، قال: يا رسول الله، إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج، فخذ إحداهما، قال: ((قد أخذتها بالثمن)) أخرجه البخاري.

هكذا كان شغف الصديق بنصرة الدين: (الصحبة يا رسول الله)، وهذا هو طلبه: الصحبة، وهي ـ عباد الله ـ ليست صحبة رجل ذا ثراء وأموال، وليست صحبة رجل ذاهب في نزهة، وليست صحبة رجل يسافر إلى دولة يترفه فيها ويتنعم، وليست صحبة رجل له موكب وحاشية وخدم وحشم، إنها صحبة رجل مطارد مطلوب رأسه، فعلام يحرص الصديق على هذه الصحبة ويفرح ويفتخر بها؟! إنه الإيمان الذي تميز به صديق هذه الأمة رضي الله عنه، والذي جعله يُسخِّر نفسه وأهله وماله من أجل الدعوة ومن أجل الهجرة، فقد عرض نفسه لمصاحبة وخدمة وحماية رسول الله في الهجرة، وأنفق ماله في إعداد العدة لذلك وفي استئجار الدليل، وعرَّض ابنه عبد الله للخطر حيث كان يمسي عندهما عندما كانا في الغار ويصبح عند قريش يتسقط الأخبار، وكان مولاه عامر بن فهيرة يسرح بغنمه عند الغار ليسقيهم من لبنها، وكذلك فعلت أسماء التي حفظت السر والتي شقت نطاقها لتضع فيه طعامهما فسميت ذات النطاقين، فكانت عائلة الصديق كلها مجندة في سبيل الله وخادمة لرسول الله.

لقد هاجر رسول الله  من أجل الدين لا من أجل الدنيا، فقد بقي في مكة طيلة هذه المدة رغم الأذى الذي يتعرض له هو وأصحابه، لأنه كان يسير بأمر الله سبحانه، وكان يريد أن يبلغ دين الله سبحانه وأن يهدي البشرية إلى طريق السعادة الأبدية، " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا  وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا " [الأحزاب:45، 46]. هاجر من أجل الله ومن أجل الدعوة إلى الله سبحانه، وكذلك هاجر أصحابه رضوان الله عليهم من أجل دينهم ومن أجل المحافظة على دينهم لا من أجل الدنيا، بل إنهم تركوا الدنيا في مكة، فمنهم مَن هاجر وترك ماله، ومنهم مَن هاجر وترك بيته ومتاعه؛ لأنهم لمَّا نظروا إلى المال وإلى الدين وجدوا أن ضياع المال يُعوَّض، ولكن ضياع الدين لا يعوّض أبدا، وجدوا أن كسر المال والبيت والأهل يُجبر، أما كسر الدين فإنه لا يُجبر.

وكل كسر فإن الدين يجبره     وما لكسر قناة الدين جبران

والهجرة إلى مكة تعتبر ثالث هجرة بالنسبة لأصحاب الرسول، فقد هاجروا قبلها إلى الحبشة مرتين، وركبوا البحر وصارعوا الأمواج وتعرضوا للأخطار من أجل دينهم، وها هم يتركون مكة موطنهم وموطن آبائهم ومرتع طفولتهم وصباهم إلى المدينة استجابة لأمر الله سبحانه وأمر رسوله.

أمضى  في غار ثور ثلاث ليال هو وصاحبه أبو بكر ينتظران أن يخفّ عنهما الطلب حتى يخرجا إلى المدينة، وكانت قريش تبحث عنهما في جنون وتبعث بعيونها في كل مكان وتجعل الأموال الطائلة لمن يأتيها بمحمد، وقد وصل كفار قريش إلى الغار الذي يختبئ فيه رسول الله  وصاحبه، ولكن الله سبحانه صرفهم عنه وردهم خائبين، يقول أبو بكر كما في صحيح البخاري: قلت للنبي  وأنا في الغار: لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ((ما ظنك ـ يا أبا بكر ـ باثنين الله ثالثهما؟!)). إذا كان الإنسان في معية الله وفي عناية الله وإذا أيّد الله عبده ونصره فإن الكون كل الكون لن يضره بشيء إلا بشيء قد كتبه الله عليه، ((ما ظنك ـ يا أبا بكر ـ باثنين الله ثالثهما؟!)).

هكذا ـ عباد الله ـ لا يخاف العبد إذا أيقن أن الله معه، وهكذا يكون مسددا موفقا في كل ما يقدم عليه إذا كان مراعيا لمرضاة الله عز وجل، إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم [التوبة:40].

لقد كانت الهجرة نتيجة صبر ثلاثة عشر عاما من الخوف والجوع والحصار والأذى، فكانت الثمرة على قدر التعب وعلى قدر الصبر، وهكذا هذا الدين لا يعطي ثمرته إلا لمن صبر وثابر، أما مَن استعجل النتائج فإنه يُحرَم وهذه سنّة كونية: "من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه"، فدولة المدينة التي شعّ منها النور إلى كلّ الأرض كانت نتيجة لصبر مكّة، ورسول الله الذي خرج من مكة سرّا والناس يبحثون عنه دخل المدينة في احتفال عظيم يحفّ به الناس من كلّ جانب، كلّ منهم يطلب منه أن ينزل عنده، وتحقق للنبي ولأصحابه قول الله تعالى ووعده لعباده الصالحين: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور:55].

وها هي الدعوة التي انطلقت من رجل فقير من قريش هو رسول الله، معه رهط يسير ممن سبقوا إلى التصديق والإيمان أكثرهم من الضعفاء والموالي، ها هي يحملها اليوم أكثر من مليار إنسان في كافة أنحاء الدنيا، وها هو الإسلام يدخل كل بيت، ونداء الحق يرتفع في كل مكان، يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف:8، 9]، يقول: ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو ذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر)) أخرجه أحمد عن تميم الداري.

هذا وعد صادق من الله لرسوله، ووعد صادق من الله لأمة رسوله ولكل مَن سار على هدي رسوله سير السلف الصالح دون تبديل ولا تغيير ولا زيادة ولا نقصان، فاتقوا الله عباد الله، واحرصوا على أن تكونوا ممن ينصر الله بكم الدين في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن، أسأل الله أن يوفقنا لمرضاته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الخطبة الثانية

 الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدا كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأصلي وأسلم صلاة وسلاماً دائمين متلازمين على أفضل خلقه وخيرة رسله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

لقد كانت الهجرة النبوية كما أسلفنا حدَثاً عظيماً من أحداث تاريخ هذه الأمة، وكانت محطّة مهمّة من محطات مسيرة الدعوة الإسلامية، فلا بد للأمة التي تريد الرفعة في الدنيا والرفعة في الآخرة والتي تريد هداية الناس إلى الحق والخير، لا بد لها أن تستخلص من حادث الهجرة الدروس الكافية الكفيلة بأن تخرج الأمة من هذه الوهدة التي سقطت فيها وتعيدها إلى صدارة الأحداث، تعيدها إلى صناعة التاريخ، تعيدها إلى موقع الفعل، فتكون فاعلة منفعلة كما كانت أيام النبي  وأيام الصحابة والسلف الصالح، بدل أن تكون مفعولا بها على الدوام مقهورة ومغلوبة على أمرها كما هي طيلة القرون المتأخرة.

في الهجرة دروس في الامتثال لأمر الله ودروس في الإيمان واليقين ودروس في التخطيط وعدم التسرع ودروس في التضحية والإيثار ودروس في الحكمة وحسن التصرف، كل هذا وغيره ينبغي أن نستنبطه من أحداث الهجرة؛ لأن كل جوانب سيرة رسول الله وسيرة أصحابه هي منار للأمة وعبرة وتوجيه على الأمة أن تعمل به، يقول سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، ويقول سبحانه موجّها الأمة إلى الاعتبار بقصص الأمم السابقة وقصص الأنبياء عليهم السلام: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُِوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون [يوسف:111]، فإذا سارت الأمة بهدي هذا النهج وهذه السيرة العطرة وبسيرة السابقين نالت العزّ في الدنيا والآخرة وإذا فرّطت انفرطت وضاعت.

واعلموا ـ عباد الله ـ أنه كما هاجر الصحابة من أرض مكة إلى أرض المدينة امتثالا لأمر الله فإنهم هاجروا قبل ذلك هجرة لا تقلّ أهمية عن هذه الهجرة حيث هاجروا من الكفر إلى الإيمان ومن المعصية إلى الطاعة، فهذه أيضا هجرة مهمة ينبغي لكل مسلم أن يهاجرها إن كان صادقا في التوجه إلى الله، ينبغي أن يترك معاصي الله سبحانه ومساخطه ويسعى إلى حياض الطاعة والنور، ينبغي أن يهجر كل ما نهى الله عنه حتى يكون مهاجرا إلى الله سبحانه، أخرج ابن ماجة عن فضالة بن عبيد أن رسول الله  قال: ((المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب))، فهل فكّرنا في هذه الهجرة التي لا تتطلب مالا ولا سفرا ولا تعرضا لخطر، بل تتطلب عزما وحزما، وتتطلب صدقا وإخلاصا في التوجه إلى الله سبحانه وفي نصرة دينه وإقامة شرعه؟!

أسأل الله سبحانه أن يوفقنا إلى صالح الأقوال والأفعال، وأن يجنبنا مواطن الزيغ والضلال، وأن ينصرنا بدينه وينصر بنا دينه...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ألقيت هذه الخطبة بمسجد بلال بن رباح بمدينة طرابلس بليبيا.. 

Share |


الهجرة وبناء الدولة
مجموعة تصميمات عن الهجرة والثورة
الهجرة والثورة
كشف حساب لعام جديد!
 تصويت هل ترى أن التكنولوجيا الحديثة كانت سببًا في التباعد الأسري؟ 

  نعم
  لا

 أضف بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:
   
 
     الرئيسية | الأخبار | من نحن | اتصل بنا | المدرسة العلمية | دراسات وبحوث | زاد الخطيب | طلاب علم | رسالة المسجد | استشارات دعوية | شبهات وردود | مكتبة الكتب | برامج فضائية | وسائط | قرأت لك | مشاريع دعوية | بيوتنا | ركن الشباب | بنات X بنات | فارس | قصص وعبر | أدب وفنون | مشاكل وحلول | للمناقشة | حوار مباشر | بأقلامكم     
     الآراء الواردة على الموقع تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى الموقع
حقوق النشر محفوظة © 2005 - 2014 منارات ويب