||   الإشاعات وأثرها على الفرد والمجتمع    ||   الإسلام وصناعة الرجال    ||   خطة عمل خاصة لاسترداد بيت المقدس    ||   بنجلاديش: عن أكبر مجزرة جماعية في تاريخ البنغال    ||   الأمانة من اخلاق الانبياء    ||   الخطاب الدعوي في المرحلة الحالية آمال وآفاق    ||   خطبة بعنوان" اداء الامانة مفتاح الرزق " للشيخ محمد كامل السيد رباح    ||   معاونة الظالمين    ||   المرأة المميزة    ||   حرمة دم المسلم .. ما أعظمها تأمُّلات في ظلال سورة الفتح
>>زاد الخطيب
مصر المكان والمكانة , الحضارة والريادة
الأحد 14 جمادى الأولى 1432 ـ الموافق 17 أبريل 2011
مصر المكان والمكانة , الحضارة والريادة

الدكتور:- أحمد محمد زايد 

فإن الله تعالى وحده قد فضل أشياء على أشياء, وأشخاص على أشخاص وأزمان على أزمان, وأماكن على أماكن, ومن بين البلدان التي منحها الله تعالى تميزاً "مصر" هذا البلد العريق المتميز حقاً بعلومه وتاريخه وحضارته وديانته وخيراته وفضائله كما سنذكر في هذه الورقة.

وفي هذه المرحلة الجديدة من تاريخ مصر وبعد تلك الثورة البيضاء العظيمة نريد من أهل العلم والدعوة, وأهل الفكر والأدب, والمسئولين وأولي الأمر أن يقدروا لمصر قدرها وأن يتولوا أمرها بكل جدارة ومسئولية, وأن يبرزوا للناس جميعاً ما هي مصر, وما قدرها الديني والتاريخي والحضاري والعلمي والجغرافي, وما حاجة العالم كله إليها وما مدى تأثره بما يقع على أرضها من وقائع وأحداث, إن هذا البلد العظيم قد أهين ردحاً من الزمن, وقهر أهله وأذلوا تحت سطوة هذا الحكم البائد لحكومة الحزب الوطني الذي خان الأمانة وضيع الوطن فلم يكن وطنيا أبداً في هذه الحقبة, وأضاع مصر ووضعها بين دول العالم في المؤخرة والذيل, ولما كانت مكانة مصر أعظم وأرقي مما فعل هؤلاء أو تصوروا كان لابد من كتابة هذه السطور في بيان مكانة مصر العريقة والعظيمة كمعنى ينبغي التأمل فيه في بداية هذه المرحلة الدقيقة والحاسمة في تاريخ مصر بل والعالم كله.

مصر في تراثنا الديني والتاريخي

أقول: قد كتب جمع من العلماء والمؤرخين في فضائل مصر وأهميتها, من هؤلاء الحسن بن زولاق الفقيه الليثي المصري (306-387هـ) حيث عدة كتب تتصل بمصر من عدة جوانب فكتب كتابين في فضائل مصر وأخبارها وخواصها الأول كبير والثاني مختصر منه, وكتب كتاباً في خطط مصر, وكتابا في أخبار قضاة مصر, وآخر في أخبار النيل, كما صنف مؤلفا خاصا بأخبار عمرو بن العاص.

ومن هؤلاء إبراهيم بن سعيد بن عبد الله الحبال أبو إسحاق( 391- 482هـ) حيث صنف كتابا بعنوان " وفيات قوم من المصريين ونفر سواهم من سنة 375هـ) وكتب الكندي (ت 350هـ) كتابا شهيراً اسمه (فضائل مصر المحروسة) وآخر باسم (ولاة مصر , وللسيوطي (ت911هـ ) كتاب ( حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة) وكمال الدين الأدفوي (748هـ) كتب الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد) وابن تغري بردي كتب (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ) وكتب ابن الحكم فتوح مصر, وغيرهم الكثير  مما يدل على أهمية هذا البلد العظيم.وكتب د عبد الصبور شاهين – رحمه الله - كتابا ماتعا بعنوان:(مصر في الإسلام - القرن الأول )

من فضائل مصر:

هناك عدة أسباب ومظاهر وإشارات دالة على مكانة مصر العظيمة منها ما هو ديني ومنها ما هو تاريخي نذكر منها ما يلي:

• ذكرها في القرآن الكريم والسنة المطهرة مدحاً وثناء:- 

ذكر المؤرخون والمفسرون أن من فضائل مصر ورود ذكرها في القرآن الكريم قال ابن زولاق في فضائل مصر:" إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ذكر مصر في ثمانية وعشرين موضعاً في القرآن " ص 3ط مكتبة الأسرة. وذكر هذه المواضع من القرآن بعضها بصريح النص والبعض الآخر دلت عليه القرائن والتفاسير, وليس ذكر مصر خاصا بالقرآن الكريم بل ذكرت كذلك في العهدين القديم والجديد.

وكما وردت ذكرها في القرآن ورد ذكرها مدحا وثناء في السنة المطهرة وعلى ألسنة السلف من ذلك:

من ذلك وصيته صلى الله عليه وسلم بأهلها في قوله:" ستفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيراً, فإن لكم منهم ذمة ورحما" رواه مسلم ك/ فضائل الصحابة ب/ وصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مصر.

وفي كنز العمال للمتقي الهندي ( 38262) عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جنداً كثيراً، فذلك الجند خير أجناد الأرض، فقال له أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ قال: لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة." وقد دعا النبي صلى الله عليه وغير ذلك من الآثار الكثيرة في فضائلها.

وصف مصر على لسان الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وكلامهم عن أهلها:

ورد في النجوم الزاهرة لابن تغري بردي هذه النصوص في وصف مصر وأهلها ونيلها

قال بعض المؤرخين: إنه لما استقر عمرو بن العاص رضي الله عنه على ولاية مصر كتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن صف لي مصر؛ فكتب إليه: ورد كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه يسألني عن مصر: اعلم يا أمير المؤمنين أن مصر قرية غبراء، وشجرة خضراء؛ طولها شهر، وعرضها عشر؛ يكنفها جبل أغبر، ورمل أعفر؛ يخط وسطها نيل مبارك الغزوات، ميمون الروحات؛ تجري فيه الزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر؛ له أوان يدر حلابه، ويكثر فيه ذبابه، تمده عيون الأرض وينابيعها حتى إذا ما اصلخم عجاجه، وتعظمت أمواجه، فاض على جانبيه فلم يمكن التخلص من القرى بعضها إلى بعض إلا في صغار المراكب، وخفاف القوارب، وزوارق كأنهن في المخايل ورق الأصائل؛ فإذا تكامل في زيادته، نكص على عقبيه كأول ما بدأ في جريته، وطما في درته؛ فعند ذلك تخرج أهل ملة محقورة، وذمة مخفورة، يحرثون بطون الأرض ويبذرون بها الحب، يرجون بذلك النماء من الرب؛ لغيرهم ما سعوا من كدهم، فناله منهم بغير جدهم؛ فإذا أحدق الزرع وأشرق، سقاه الندى وغذاه من تحته الثرى؛ فبينما مصر يا أمير المؤمنين لؤلؤة بيضاء، إذا هي عنبرة سوداء، فإذا هي زمردة خضراء، فإذا هي ديباجة رقشاء، فتبارك الله الخالق لما يشاء. والذي يصلح هذه البلاد وينميها ويقر قاطنيها فيها، ألا يقبل قول خسيسها في رئيسها، وألا يستأدى خراج ثمرة إلا في أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها، في عمل جسورها وترعها؛ فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال، تضاعف ارتفاع المال؛ والله تعالى يوفق في المبدأ والمآل.

فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لله درك يا بن العاص! لقد وصفت لي خبراً كأني أشاهده.

أقول: قال المستشرق الفرنسي (أوكتاف أوزان) تعليقا على هذا الوصف من عمرو بن العاص إلى الخليفة الراشد عمر ( إنه من أكبر آيات البلاغة في كل لغات العالم وإنه من الفرائد في إيجازه وإعجازه واقترح وجوب تدريسه في جميع مدارس المعمورة حتى يعلموا منه صحة الحكم على الأشياء وكيفية تنظيم الممالك وسياسة الاستعمار" من كتاب عمرو بن العاص لعبد الخالق رابية ص 378.

ومما ورد في كتاب ابت تغري بردي تحت عنوان:(ما ورد في نيل مصر) قال رحمه الله:

روى يزيد بن أبي حبيب: أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سأل كعب الأحبار: هل تجد لهذا النيل في كتاب الله خبراً؟ قال: إي الذي فلق البحر لموسى عليه السلام! إني لأجد في كتاب الله عز وجل أن الله يوحي إليه في كل عام مرتين: يوحي إليه عند جريه: إن الله يأمرك أن تجري، فيجري ما كتب الله له؛ ثم يوحي إليه بعد ذلك: يا نيل عد حميداً.

وروى ابن يونس من طريق حفص بن عاصم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة " وعن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن كعب الأحبار أنه كان يقول: أربعة أنهار من الجنة وضعها الله عز وجل في الدنيا، فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة.

وقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: نيل مصر سيد الأنهار، وسخر الله له كل نهر من المشرق إلى المغرب، فإذا أراد الله تعالى أن يجري نيل مصر أمر الله كل نهر أن يمده فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأرض عيونًا، فإذا انتهت جريته إلى ما أراد الله عز وجل أوحى الله إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. وقد ورد أن مصر كنانة الله في أرضه.

وعن أبي جنادة الكناني: أنه سمع كعباً يقول: النيل في الآخرة عسل أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل؛ ودجلة " يعني جيحان " في الآخرة لبن أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل؛ والفرات خمر أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل وسيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل.

أهل مصر في وصف الفاتح العظيم الصحابي عمرو بن العاص:

قال رحمه الله تعالى يصف شعبها العظيم:"وأهل مصر أكرم الأعاجم كلها وأسمحهم يداً وأفضلهم عنصراً وأقربهم رحماً إلى العرب عامة ولقريش خاصة" النجوم الزاهرة (1/29)

وقال كعب الأحبار:"لولا رغبتي في بيت المقدس ما سكنت إلا مصر فقيل له لم؟ قال لأنها معفاة من الفتن مَن أراد بها سوءاً كبه الله على وجهه وهو بلد مبارك لأهله فيه.

والآثار في فضائلها ومحاسن أهلها لا تعد كثرة , وما كتب عن خيراتها الكثيرة ومزايا مناخها وموقعها جدير بأن تحتل موقعاً عالمياً متميزاً وألا يقوم على أمرها إلا أؤلئك الأمناء الصادقون الذي يكرمونها ولا يهينونها , ويرفعونها ولا يذلونها.

مصر رائدة للعالم كله

يقول الشيخ العلامة أبو الحسن الندوي في كتابه في مسيرة الحياة (1/217-218) تحت عنوان: (مصر مركز العالم العربي العلمي والفكري) ( لقد توصلت بعد لقائي واجتماعي بشباب الحجاز المثقفين وأدبائها وكتابها ‘إلى نتيجة أنهم كلهم خاضعون لأدباء مصر وكتابها ومؤلفيها وباحثيها, مقتطفون منهم ومتطفلون على مائدتهم, وأنهم يعتبرونهم أساتذة وقادة لا في الأدب والفكر فحسب, بل في التصور الإسلامي وفهم الدين, ورأيت في بعضهم نزعة إسلامية وأثراً من آثار الاعتداد بالنفس والثقة بها وبحثت عن مصدره فوجدت أن هذا من نتائج حركة الإخوان...

وقد لاحظت في إقامتي هذه بالحجاز التي كانت مدتها قرابة أربعة أشهر والتي وجدت فيها فرصة أكثر للاجتماع بالشباب المثقفين وأصحاب الفكر وحملة الأقلام الناهضين ما لمصر من مكانة في القيادة والإمامة الأدبية والفكرية في العالم العربي, وعلمت أن الأدب المريض والكتابات المثيرة التي تحدث الفوضى في الأخلاق والنزاعات وبإزائها التصورات الصحيحة والقيادة العلمية والفكرية الرشيدة مصدر كل واحد منهما ومركزه ليس إلا مصر في العالم العربي, فلو أريد نشر شيء وإذاعته ولفت الأنظار إليه ورفع قيمته أو إحداث ثورة وتغيير في شيء فلا يأتي ذلك إلا عن طريق مصر وظهرت لي بذلك أهمية التوجه إلى مصر وفائدته"

وصدق الندوي رحمه الله تعالى, فقد رأيت في أسفار عديدة لبلدان شتى أن المسلمين جميعا في أقطار الدنيا يتطلعون إلى مصر حتى جزمت أنها مفتاح الحل في العالم الإسلامي كله

كيف لا وبها الأزهر الشريف قلعة العلم الشرعي في العالم الإسلامي ولا تزال رسله إلى العالم كله خير دليل على أهميته وحاجة الأمة إليه.

وبمصر نشأت حركات إسلامية كبرى هزت العالم بأسره وأحدثت فيه تغييرات هائلة كحركة ( الإخوان المسلمون) وبجانبها حركات وجماعات وجمعيات كجماعة أنصار السنة والجمعية الشرعية, وهناك المدارس الأدبية وزعماء السياسة المشاهير بل والمدارس الفنية, فضلا عن أهمية موقعها الاستراتيجي حتى رأيتا العالم كله قد تأثر تأثراً واضحاً في سياسته واقتصاده وسياحته وغير ذلك بما جرى في مصر في أقل من عشرين يوماً أيام الثورة المباركة, فهل يعي أهل مصر وساستها وقادة الرأي والفكر فيها هذه المكانة العظيمة والمنزلة العظيمة, إنها مكانة دينية وسياسية واقتصادية وجغرافية وحضارية تجعل مصر في مصاف الدول العظمى إن لم تكن هي الأولى في دول العالم.

إن مكانة مصر العظيمة هذه لتحتاج إلى عظماء لقيادتها والقيام على أمرها عظماء في عقائدهم وشخصياتهم وآمالهم وعدالتهم وجبهم لشعوبهم وحرصهم على دينهم ورسالتهم

ولسنا بذلك ندعو إلى عنصرية بغيضة أو قومية مشئومة أو وطنية محدودة, ولا نتعالى بذلك على بقية أقطار المسلمين والعروبة معاذ الله فكل بلاد الإسلام والعروبة خير وبركة وأهلها إخواننا وأهلونا وبلادهم بلادنا, لكننا نريد لمصر وقادتها وشعبها أن يقف على قيمته الأصيلة وحقيقته العريقة فلا يضيعها فتضيع معه قيمة العالم العربي والإسلامي وطموحاته وآماله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أستاذ مساعد – كلية أصول الدين جامعة الأزهر

Share |


 تصويت هل ترى أن التكنولوجيا الحديثة كانت سببًا في التباعد الأسري؟ 

  نعم
  لا

 أضف بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:
   
 
     الرئيسية | الأخبار | من نحن | اتصل بنا | المدرسة العلمية | دراسات وبحوث | زاد الخطيب | طلاب علم | رسالة المسجد | استشارات دعوية | شبهات وردود | مكتبة الكتب | برامج فضائية | وسائط | قرأت لك | مشاريع دعوية | بيوتنا | ركن الشباب | بنات X بنات | فارس | قصص وعبر | أدب وفنون | مشاكل وحلول | للمناقشة | حوار مباشر | بأقلامكم     
     الآراء الواردة على الموقع تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى الموقع
حقوق النشر محفوظة © 2005 - 2014 منارات ويب