||   إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ    ||   العبد القرآني    ||   الأقصى" بين أنياب الأفعى و"القدس" تحت مطارق العدوان.. ونحن نائمون !    ||   العز بن عبد السلام وموقفه من الحكام الخائنين:    ||   الشماتة    ||   استراحة إيمانية ليس لك من الأمر شيء    ||   مشروعية مقاومة الظلم والظالمين    ||   اشياء تدمر نفسيه طفلك    ||   الصمت بين الازواج    ||   المال في الإسلام
>>تراجم
خديجة بنت خويلد .. نموذج المرأة الكاملة
السبت 21 جمادى الثانية 1433

أ‌.    فاطمة عبد الرءوف                                                    

إذا كانت الطبيعة البشرية تؤكد أن الإنسان مهما علا وارتقى فإن ثمة نقص ما يشوبه.. ذلك النقص الذي يسعى الإنسان جاهداً في رحلته الحياتية أن يقلل منه قدر ما يستطيع وقدر ما يبذل من جهد حقيقي مخلص.

وفي أثناء هذا الجهاد الصعب والقوي على النفس البشرية التي امتزج فيها الطين بالنفخة الإلهية تكون هناك نماذج بشرية ألهمها الله ووفقها للوصول لمرتبة الكمال.. نعم الكمال، ذلك الحلم الذي داعب خيال البشرية في كافة مراحلها.. وشاءت إرادة المولى - عز وجل - أن يقدم تلك النماذج الإنسانية الكاملة في النساء كما في الرجال مع اختلاف صورة الكمال بعض الشيء في كلا الجنسين لأن لكل جنس مقومات خاصة تميزه وتحقق الكمال فيه.. والكمال الذي أعنيه هنا هو الكمال الإنساني الممكن والذي من حق كل إنسان رجلا كان أو امرأة أن يتطلع إليه لأنه يمثل الدرجة القصوى التي تحققت على أرض الواقع.

ومن هذه النماذج المبهرة الرائعة التي تكفينا للتأمل في مقومات الكمال الإنساني  السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فعن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: "حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون" (1).

الطاهرة

الطاهرة هو لقب السيدة خديجة الذي عرفت به من قبل أن تتزوج من النبي - صلى الله عليه وسلم- ، هذا اللقب الذي يدل على الشرف والسمعة الطيبة الجميلة والسيرة الحسنة.. لعله أجمل وصف توصف به امرأة على الإطلاق لذلك ذكرته الملائكة للسيدة مريم { يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ } (2).

فأي امرأة تسعى للنجاح والفلاح والسير على طريق الكمال لابد أن تتمتع بهذه الصفة النبيلة (الطهارة) فترتفع بجسدها ونفسها وروحها وعقلها عن كل ما يمس هذه القيمة الغالية.

مديرة ناجحة

كانت السيدة خديجة قد تزوجت قبل زواجها من النبي - صلى الله عليه وسلم - برجلين من أشرف القوم توفاهم الله - عز وجل - وتركا لها ثلاثة من الأبناء، كما كانت السيدة خديجة امرأة ثرية لها من المال الشيء الكثير فلم تَرْكن لوجود هذا المال وتعيش منزوية في الظل بل قررت أن تعمل بالتجارة أشهر مهن قريش وأصعبها، ولم يكن من الممكن أن تباشر الطاهرة تجارتها بنفسها وتختلط بالرجال وتسافر البلاد غير مسئوليتها الكبيرة في رعاية الأبناء؛ لذلك تفتقت عقليتها النابهة للعمل في التجارة عن طريق المضاربة؛ أي تستأجر رجالاً يقومون بالتجارة في مالها مقابل أجر معين أو نسبة معينة، ولم تكن السيدة خديجة تترك الأمر هكذا دون تخطيط؛ فهي دائمة البحث والتفكير في أخلاقيات من يشاركونها العمل، وهي ترسل معهم شخصاً موثوق فيه كغلامها ميسرة، ثم تحرص أن تعرف طبيعة ما جرى من وقائع وهكذا.

وعندما علمت السيدة خديجة أن هناك شاباً نابهاً فاضلاً حتى أطلق عليه قومه الأمين لم تتردد أن تأخذ زمام المبادرة وترسل إليه تطلب منه العمل معها وتمنحه ضعف ما كانت تقدم لغيره؛ وكانت النتيجة أن تضاعف حجم تجارتها فعلاً بفضل هذا التفكير المنظم.

على أن إدارتها الناجحة لم تقف عند حدود العمل المهني في التجارة بل انسحب على كافة جوانب حياتها الشخصية حتى بلغت الكمال في ذلك؛ فلقد كانت عادة نساء العرب أن يسترضعن أولادهن خاصة مع تكرار عملية الولادة فتكون الأم بحاجة لمن يعينها، وكانت العادة أيضاً أن يكون البحث عن المرضعة بعد عملية الوضع، أما السيدة خديجة فكانت لا تترك شيئاً للمصادفة فكانت ترتب مع القابلة التي تساعدها والمرضعة التي ستعينها قبل عملية الوضع بوقت مناسب.

لقد أدارت السيدة خديجة بيتها النبوي بحكمة بالغة وحنان وافر لبنيها.. نظام دقيق لشئون بيتها.. حب وحنان لزوجها.. فهم دقيق لمشاعره وأفكاره فكانت تمنح له الوقت الكافي لممارسة التأمل والتفكر قبل البعثة وممارسة الدعوة بعدها دون أن تشوش عليه بأعباء البيت والأبناء أو مشاكل النساء أو ..أو .. بل كانت الداعم الأكبر له، وفي ضوء هذا يمكن لنا أن نفهم هذا الحديث فعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " قال لي جبريل:  بشِّر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب "(3)

أنثى ذكية

لا نستطيع أن نتحدث عن كمال المرأة ونغفل الجانب الأنثوي الذي يميزها ويضفي عليها طابعه الرقيق البديع، وفي هذا الصدد تحدثنا المصادر أن السيدة خديجة كانت أكبر من النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومع اختلاف الآراء في هذا الفارق السني، لكن أشهر هذه الآراء أن السيدة خديجة كانت في الأربعين عندما تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - بينما كان هو في الخامسة والعشرين، كما أنها سبق لها الزواج مرتين قبله، ولديها عدد من الأولاد، بينما كان ذلك هو زواجه الأول ولا شك أن الفارق العمري بين الزوجين أحد الأمور المهمة في الزواج، لكنه ليس أهمها على الإطلاق خاصة فهناك ما يعرف بالعمر الحقيقي والعمر الصحي والعمر النفسي فالسيدة خديجة على الرغم من كونها أكبر سناً وذات أولاد إلا أنها كانت سيدة جميلة جداً لم يتوقف أشراف قريش عن طرق بابها يوماً، ويقيناً كانت شديدة الاهتمام بنفسها كاهتمامها بكل أمور حياتها المختلفة فإذا أضفنا لذلك ثراؤها وعدم احتياجها للقيام بالأعباء التي تقوم بها النساء عادة وتظهر عليهن علامات السن كالخروج في شمس مكة المحرقة التي تؤدي للتجاعيد والبقع السوداء منذ سن صغيرة أدركنا أننا أمام أنثى كاملة جميلة معتزة بهذا الجمال، وهي تفكر في نفسها بطريقة إيجابية فلا ترى نفسها وقد بلغت الأربعين إلا أنها جديرة بالزواج ممن ترضاه وترضى أخلاقه وأفكاره وشخصيته، ولاشك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ذلك الرجل الأمين الخلوق وما سمعته من غلامها ميسرة عن وقائع ما جرى في الشام جعلها تدرك أنها أمام رجل سيكون له شأن عظيم، وأنه يختلف عن باقي رجالات قريش وسادتها؛ فلذلك شعرت أن هذا هو الزوج المناسب وأنهما سيكونان على وفاق كبير وسعادة إذا ما قدر الله لهذا الزواج أن يتم، وبتفكير منظم وجدت أن هناك مشكلتين الأولى أنها سيدة ثرية وهو شاب فقير، والثانية كيف تخبره بما جال في فكرها وعقلها فلا يليق بها أن تعرض عليه هي الزواج.

فكان حل المشكلة الأولى هو اقتناعها الكامل به فهو حفيد عبد المطلب أحد أهم رجالات قريش فهو ذو شرف وحسب ونسب وليس مجرد شاب فقير من عامة الناس وكان بإمكان السيدة خديجة أن تقنع وليها بهذا الأمر.

أما المشكلة الثانية فقد وجدت لها حلاً رقيقاً فلقد تحدثت مع صديقتها المقربة عن أخلاق هذا الرجل وسموه وبركته وأشعرتها برغبتها في الزواج به وتركتها تقوم بدورها فذهبت هذه الصديقة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتحدثت معه بعفوية عن أمر الزواج وما الذي يمنعه وتحدث النبي عن وضعه المالي الغير مشجع وتحدثت الصديقة أن هناك نساء لا يشغلها هذا الأمر وأنها تعرف امرأة ثرية لا تفكر في هذا الأمر وإنما يشغلها الخلق والمروءة وهي إضافة لذلك امرأة جميلة ذات شرف وحسب (امرأة كاملة)، هنا شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنها دعوة محددة فسأل عن اسم هذه المرأة التي توافق عليه فاستبشرت الصديقة وذكرت اسم السيدة خديجة.. كان سرور النبي - صلى الله عليه وسلم - عظيماً بدليل أنه أسرع لأعمامه كي يذهبوا معه لطلب الزواج وقدَّم ما امتلكه من مال جراء رحلته التجارية الناجحة مهراً للسيدة خديجة العظيمة.

مؤمنة صديقة

عندما شعرت السيدة عائشة بالغيرة من ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الدائم للسيدة خديجة حتى أنه لم يكن يمر يوم ولا يذكرها فيه قالت له وقد تملكتها مشاعر الغيرة من تلك الغائبة الحاضرة : " ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق! قد أبدلك الله عز وجل بها خيراً منها". قال: "ما أبدلني الله - عز وجل - خيرا منها؛ قد آمَنَتْ بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذا حرمني الناس، ورزقني الله - عز وجل - ولدها إذ حرمني أولاد النساء"(4).

لم تكن السيدة خديجة أول من آمن فحسب فهي من هدأت من روع النبي ودعمته في هذا الموقف الذي جعله يرتجف فأحكمت عليه الغطاء وجلست بجواره حتى هدأ واستمعت بقلبها وعقلها معا لما قال وبادرته بالتهدئة والدعم فحدثته من قلبها عما شاهدته فيه فهو يصل الرحم ويساعد الفقير ويعين ذي الحاجة و..و..فكيف لمن يكون على هذه الشاكلة من الخلق الرفيع أن يخزله الله.. حدثته بصدق بما تعتقد بل وأقسمت له على ذلك وأخذت قراراً سريعاً بالذهاب لابن عمها ورقة بن نوفل المتبحر في علم الكتاب فهو الأكثر أهلية أن يتحدث في هذه الأمور وهو القرار الذي استجاب له النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان له أثره الكبير في دعمه ومساندته واستعادته لهدوئه النفسي.

مجاهدة صابرة

رحلت السيدة خديجة بعد سنوات الحصار في الشعب فإذا كانت بداية حياتها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إعجاب برجل فريد من طراز مختلف.. ارتباط بالأمين الذي تمثلت فيه القيم الخلقية العليا، وبعد سنوات من الزواج تطابق فيها القول مع العمل والظاهر مع الباطن لم تتردد السيدة العظيمة للحظة واحدة بالشك في نبوة هذا الرجل العظيم الذي عرفت عنه وعن أحواله ما لم يعرفه أحد، وكان لهذا الإيمان تبعاته الشديدة التي قامت بها بطبيعتها الكاملة؛ فقد أنفقت مالها الوفير في رعاية ومساندة الفقراء المعذبين الذين طالتهم آلة التعذيب الأثيمة.. تركت حياة الرغد التي اعتادتها من نعومة أظافرها وعاشت حياة قاسية محاصرة في الشعب، لكنها لم تتردد للحظة، لم تراودها حلم الحياة الناعمة.. لم تزعج الزوج الرسول المشغول والمنهمك في المسئوليات العظام الملقاة على عاتقه، فهل فهمنا الآن لماذا بشّرها ربها بقصر في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

(1)                          رواه الترمذي .

(2)                          مريم : 42.

(3)                          رواه الطبراني.

(4)                          رواه أحمد.

Share |


نصف الأمة في امرأة واحدة
د. عبد الرحمن البر: العمل المخلص البناء هو السبيل الوحيد للنهوض بالوطن
ومضات من دور المرأة في نصرة دين الله
 تصويت هل ترى أن التكنولوجيا الحديثة كانت سببًا في التباعد الأسري؟ 

  نعم
  لا

 أضف بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:
   
 
     الرئيسية | الأخبار | من نحن | اتصل بنا | المدرسة العلمية | دراسات وبحوث | زاد الخطيب | طلاب علم | رسالة المسجد | استشارات دعوية | شبهات وردود | مكتبة الكتب | برامج فضائية | وسائط | قرأت لك | مشاريع دعوية | بيوتنا | ركن الشباب | بنات X بنات | فارس | قصص وعبر | أدب وفنون | مشاكل وحلول | للمناقشة | حوار مباشر | بأقلامكم     
     الآراء الواردة على الموقع تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى الموقع
حقوق النشر محفوظة © 2005 - 2014 منارات ويب