موقع منارات

المحاضرة الثانية من أصول الفقه للدكتور أكرم أبو العنين


الدكتور أكرم البدوي أبو العنين

المبحث الثانى


فائدة علم الأصول وموضوعه واستمداداته والفرق بينه وبين الفقه


وفيه أربعة مطالب:


المطلب الأول: فائدة علم أصول الفقه:


أصول الفقه له من الفوائد العظيمة والآثار الصميمة مالا يجمعه حصر ولا يأتى عليه الذكر، وهذه الفوائد تختلف حسب اختلاف الأفراد ونظرتهم إلى الأدلة الشرعية، فمنهم المجتهد والمقلد وغير ذلك.


أولا: بالنسبة إلى المجتهد: وهو الذى توفرت له أركان الاجتهاد وشروطه:


1- تحصيل ملكة استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها.


2- التعرف على الأسس التى بنيت عليها الأحكام الشرعية والمقاصد التى تهدف إلى تحقيقها.


3- تطبيق قواعده وبحوثه ونظرياته الكلية على الأدلة التفصيلية للتوصل إلى الأحكام الشرعية الدالة عليه


4- تعلم أصول الفقه من أكبر الوسائل لحفظ الدين وصون أدلته وحججه عن طعن الطاعنين وتشكيك المخالفين.


ثانيا: بالنسبة إلى المقلد: وهو من يأخذ الأحكام من المجتهد.


1- معرفة الأصول والقواعد التى اعتمد عليها الإمام فى الاستنباط.


2- الدفاع عن وجهة نظر الإمام فيما استنبطه من أحكام.


3- التخريج على أقوال الإمام فى الحوادث التى لا نص له فيها.


4- فهم الأحكام التى استنبطها الإمام يحمل المقلد على الطاعة والامتثال بصدر رحب ونفس مطمئنة.


ثالثا: بالنسبة إلى من يهتم بدراسة الفقه المقارن.


1- معرفة ما استنبطه المجتهدون من أحكامهم.


2- مقارنة آرائهم ومذاهبهم فى المسألة المجتهد فيها.


3- الترجيح بينها ترجيحا صحيحا بالنظر فى الأدلة التى استند إليها كل قول ووجوه استمدادهم الحكم من الدليل ثم ترجيح القوى منها.


ولا يشك أحد أن ذلك كله لا يمكن الوصول إليه إلا بعد معرفة قواعد أصول الفقه.


المطلب الثانى: موضوع علم أصول الفقه:


موضوع أى علم من العلوم هو: ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، أى: الأصول العارضة للذات دون العوارض اللاحقة لأمر خارج عن الذات.


والحقيقة أن لعلماء الأصول مذاهب كثيرة فى تحديد موضوع أصول الفقه، أقتصر فيها على قولين:


القول الأول: يرى أن موضوع علم الأصول هو الأدلة الشرعية الكلية من حيث كيفية استنباط الأحكام الشرعية الفرعية منها، فلا يبحث فى هذا الفن قصدا عن الأحكام، وإنما يبحث عنها ويحتاج إلى تصورها لإمكان إثباتها أو نفيها؛ لأن الأدلة هى المقصودة بالبحث، والبحث فى الحكم ليس إلا تبعا للبحث فى الدليل.


ولأن الحكم ثمرة الدليل وثمرة الشئ ليست نفس الشئ، بل هى تابعة له.


القول الثانى: موضوع أصول الفقه الأدلة والأحكام الشرعية جميعا؛ لأن جميع مباحث أصول الفقه راجعة إلى إثبات أعراض ذاتية الأدلة والأحكام من حيث إثبات الأدلة للأحكام وثبوتها بها، وعلى هذا تكون الأحكام ليست تابعة ولا لاحقة.


كما أنه لا مرجح لأحدهما على الآخر حتى نحكم بأنه ذو أصالة والآخر تابع.


وهذا هو ما أميل إليه؛ لأن البحث فى علم أصول الفقه قد تناول كل منهما على السواء، ومن يراجع مباحث هذا العلم يجد أن بعضها راجع إلى الأدلة وبعضها راجع إلى الأحكام، والقول بأن أحد هذين هو الموضوع دون غيره ترجيح بلا مرجح، وهذا باطل.


كما لا ننكر أن مباحث الأدلة قد نالت قسطا كبيرا من الموضوعية والبحث، إلا أن ذلك لا يقتضى الأصالة والاستقلال بالموضوع، وهذا هو مارجحه الإمام الزركشى والإمام الشوكانى وغيرهما.


المطلب الثالث: استمدادات علم أصول الفقه:


مبادئ علم أصول الفقه مأخوذة من علم الكلام واللغة العربية والأحكام الشرعية، والدليل على ذلك كما قال العلماء:


أولا: كونه مستمد من علم الكلام:


كما علمنا أن موضوع أصول الفقه هو الأدلة الشرعية أو الأدلة والأحكام وثبوت حجية هذه الأدلة متوقف على معرفة الله تعالى وصفاته، وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به عنه، ويتوقف صدقه على دلالة المعجزة، وذلك كله لا يعرف فى غير علم الكلام.


ثانيا: علم اللغة العربية:


لأن الأدلة التى يستفاد منها الأحكام الشرعية كلها عربية، ومعرفة دلالات الأدلة اللفظية تتوقف على معرفة موضوعاتها فى هذه اللغة من جهة الاشتراك والحقيقة والمجاز والأمر والنهى والعام والخاص والمجمل والمبين والمطلق والمقيد إلى غير ذلك من المباحث التى استقل بها علم اللغة العربية.


ثالثا: الأحكام الشرعية:


يستمد علم أصول الفقه من الأحكام من جهة تصورها فقط؛ لأن قصد الأصولى يتوجه إلى معرفة كيفية استنباط الأحكام من الأدلة، وإذا لم يتصور تلك الأحكام لم يتمكن من إثباتها ولا من نفيها؛ لأن الحكم عن الشئ فرع عن تصوره.


فإذا قلنا: العام إذا خصص يكون حجة فى الباقى، أو قلنا: الأمر يفيد الوجوب والنهى يقتضى التحريم، أو الصلاة واجبة وهكذا لا يمكن إثبات هذا أو نفيه بدون تصور هذه الأحكام.


وجه تسميته بأصول الفقه:


لما كان أصل الشئ في اللغة ما ينبني عليه غيره، والفقه مبنى على أدلة، فسمي أدلة الفقه: أصول الفقه.


المطلب الرابع: الفرق بين الفقه وأصول الفقه:


من خلال العرض السابق لتعريف الفقه والأصول وبيان موضوع وفائدة أصول الفقه، يمكن أن يظهر الفرق بين الفقه وأصول الفقه، وأجمل ذلك فيما يلى:


أولا الفرق بينهما من ناحية التعريف:


فأصول الفقه هو: العلم بالقواعد التى يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية كالأمر للوجوب.


أما الفقه فهو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية كوجوب الصلاة وحرمة الزنا.


ثانيا: من ناحية الموضوع:


موضوع أصول الفقه هو الأدلة وحدها أو الأحكام وحدها أو هما معا.


أما موضوع الفقه: فهو أفعال العباد من حيث ماثبت لها من أحكام شرعية، فالفقيه يبحث فى وضوء المكلف وصلاته وبيعه وإجارته لمعرفة الحكم الشرعى فى كل فعل من هذه الأفعال.


أما الأصولى فمدار بحثه فى الأدلة الإجمالية وتقرير قواعد كلية، فهو يبحث فى القرآن من حيث حجيته وإثباته للأحكام، وكذلك السنة والإجماع، وكون الأمر يفيد الوجوب والمتواتر يفيد اليقين والآحاد يفيد الظن، أما الفقيه فبحثه فى الأدلة الجزئية ليتوصل بالنظر فيها إلا أحكام جزئية متعلقة بفعل المكلف مستعينا فى ذلك بتلك القواعد الكلية التى قررها الأصولى.


ثالثا: من حيث الفائدة:


فائدة علم أصول الفقه: تطبيق القواعد الكلية على الأدلة التفصيلية لاستنباط الحكم منها، والقدرة على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية والموازنة والترجيح بين أقوال العلماء فى المسائل المختلف فيها.


أما الفقه: فالغاية من دراسته هى الفوز بالسعادة فى الدنيا والآخرة، وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهى والفوز برضا الله سبحانه وتعالى بسبب الامتثال والعمل بالأحكام.


خلاصة هذا المبحث:


إن علم أصول الفقه علم عظم نفعه وقدره وعلا شرفه وفخره؛ إذ هو منار الأحكام الشرعية ومنار الفتاوى الفرعية التى بها صلاح المكلفين معاشا ومعادا، ثم إنه العمدة فى الاجتهاد، وأهم مايتوقف عليه من المواد كما نص عليه العلماء ووصفه به الأئمة الفضلاء، لا غنى عنه للفقيه والمحدث والقانونى، فالكل محتاج إليه.


علاوة على الفوائد السابقة يستطيع الداعية بفضله أن يدعوا إلى الله وإلى دينه بناء على أسس ومناهج وطرق يستطيع بها أن يقنع الآخرون.


ويستطيع أن يبين لأعداء الإسلام أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان وأنه لا توجد أى حادثة إلا ولها حكم شرعى فى الإسلام، بعكس ماكان يصوره أعداء الإسلام من أن الإسلام قاصر وعاجز عن حل القضايا المتجددة.


 


المبحث الثالث


تاريخ نشأة وتطور علم أصول الفقه


أصول الفقه مر بمراحل متعددة كغيرة من من العلوم، فهو لم يظهر مرة واحدة، بل مر بمراحل كثيرة يمكن إرجاعها إلى مرحلتين:


المرحلة الأولى: قبل تمييزه واستقلاله فى مؤلفات أصولية.


المرحلة الثانية: بعد تمييزه واستقلاله فى مؤلفات أصولية.


أولا: الحديث عن المرحلة الأولى:


تاريخ أصول الفقه قبل تمييزه واستقلاله فى المؤلفات الأصولية.


أصول الفقه كغيرة من العلوم الشرعية الأخرى لم يظهر إلى الوجود دفعة واحدة، ولكنه مر بمراحل متتابعة حتى وصل إلى مرحلة التدوين والتبويب بالصورة المعهودة الآن.


والمتتبع لتاريخ نشأة أصول الفقه يجد أنه وجد منذ أن وجد الفقه، فما دام هناك فقه لزم حتما وجود أصول وضوابط وقواعد له وهذه هى مقومات علم الأصول وحقيقته.


ولو رجعنا إلى عصر الرسالة لوجدنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فى حاجة إلى استعمال أصول وقواعد لاستنباط الأحكام من هذه الأدلة، ولقد كان عليه الصلاة والسلام يجيب السائلين ويقضى بين المتخاصمين وينشئ ما تمس الحاجة إلى إنشائه من أحكام وما تدعو الضرورة إليه من تشريعات بما يوحى إليه ربه من قرآن كريم وسنة نبوية شريفة.


ورغم ذلك كان النبى صلى الله عليه وسلم يجتهد فى أمور كثيرة، ولكنه ليس كاجتهاد أمته، بل كان الوحى ينـزل بسببه إما مؤيدا معززا، وإما مبينا الخطأ؛ إذا اجتهد النبى صلى الله عليه وسلم وأقر أصحابه على الاجتهاد تعليما للأمة وتدريبا لهم على الأخذ بالاجتهاد عند الحاجة.


وقد تأصلت قواعد علم الأصول مع رسوخ الإسلام فى نفوس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.


لأن استنباط الأحكام واستخلاص ما يتطلبه حاجة المجتمع الإسلامى من أحكام لا يكون إلا بهذه القواعد، فحيث يطلب الفقه يكون حتما منهاج لاستنباط أحكامه، وحيث كان المنهاج يكون حتما أصول فقه.


غير أن هذه الأسس والقواعد فى هذا الوقت لم تكن قوانين مكتوبة وإنما كانت ملكة وجبلة لديهم.


ولعل السر فى ذلك يرجع إلى الأسباب الآتية:


1-الصحابة كانوا على علم تام باللغة العربية التى نـزل بها القرآن وجاءت بها السنة النبوية الشريفة.


2-المعرفة الكاملة بأسباب نـزول الآيات وورود الأحاديث.


3-المعرفة الكاملة بأسرار التشريع ومقاصده ومراميه.


4-الصحبة الطويلة للرسول صلى الله عليه وسلم والتتلمذ على يديه ومعاشرتهم له صلى الله عليه وسلم مدة حياته.


5- صفاء ذهنهم وعلو فهمهم وإخلاصهم لله عز وجل.


لهذا وغيره كثير كانوا أقدر الناس على استنباط الأحكام من مصادرها الشرعية بالسليقة والطبع.


وما وصل إلينا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أنهم كانوا على علم بكثير من قواعد الأصول وأخذوا بأنواع معينة من الأدلة، لكن لا بأسمائها الاصطلاحية، بل بمسمياتها ومفاهيمها.


والشواهد على ذلك كثيرة تفوق الحصر، أذكر منها على سبيل المثال:


‌أ-اجتهاد أبى بكر فى قتال مانعى الزكاة وقال: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة».


‌ب-اجتهاد عبد الله بن مسعود فى عدة المتوفى عنها زوجها الحامل وأنها تتم بوضع الحمل، بدليل قوله تعالى: (وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)مع قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)، ويقول فى ذلك أشهد أن سورة النساء الصغرى –الطلاق- نـزلت بعد سورة النساء الكبرى –البقرة- وهو بهذا يشير إلى قاعدة من قواعد الاصول وهى أن المتأخر ينسخ المتقدم أو يخصصه.


‌ج-اجتهاد على بن أبى طالب فى أن أقل مدة الحمل تكون ستة أشهر، بدليل قوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) مع قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)، وهو بهذا يشير إلى قاعدة أصولية وهى دلالة الإشارة مع أن المقصود من سياق الآيتين غير هذا الناتج.


ولم يختلف حال التابعين بالنسبة لقواعد علم الأصول، فلم يكونوا فى حاجة إلى وضع قواعد يسيرون على ضوئها فى استخلاص الأحكام من مصادرها، بل عرفوا القواعد بالسليقة والطبع.


فكان لهم ماكان لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفاء الروح واستقامة اللسان وحجة البيان وفهم القرآن؛ فم يعوزهم ذلك إلى ضوابط لمعرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، فلغتهم مازالت راسخة، وفهمهم لمعانى الألفاظ وطرق دلالتها مازال جيدا، وإدراكهم لأساليبها مازال فى طبعهم، فكانوا يلجأون إلى الكتاب والسنة وفتاوى الصحابة ولكنهم إذا لم يجدوا نصا يتعلق بأحد الجزئيات فمنهم من يلجأ إلى المصلحة، ومنهم من يلجأ إلى القياس.


أما عصر تابعى التابعين:


فاختلف كثيرا عن عصر سابقيهم حيث استسعت رقعة الدولة الإسلامية واختلط العرب بغيرهم من الأعاجم وإقبال سكان هذه البلاد على اعتناق الإسلام ودراسة أحكامه وتعاليمه، وكثرت الحوادث وتعددت الوقائع ودخل فى العربية كثير من المفردات والأساليب غير العربية وفقدت الملكة اللسانية سلامتها.


وكثر الاجتهاد والمجتهدون وتعددت طرقهم فى الاستنباط واشتد الجدل بين أهل الحديث وأهل الرأى واجترأ بعض ذوى الأهواء على الاحتجاج بما لا يحتج به وإنكار بعض ما يحتج به، كل هذا دعا إلى وضع قواعد وأصول وضوابط للاجتهاد يرجع إليها المجتهدون عندالاختلاف وتكون موازين للفقه وللرأى الصواب.


بيد أن التدوين فى أصول الفقه لم يبدأ مرة واحدة بل بدأ وليدا على شكل قواعد متناثرة فى ثنايا كلام الفقهاء وبيانهم للأحكام، فقد كان الفقيه يذكر الحكم ودليله ووجه الاستدلال به كما أن الخلاف بين الفقهاء كان يعضد بقواعد أصولية يعتمد عليها كل فقيه لتقوية وجهة نظره وتعزيز مذهبه وبيان مأخذه فى الاجتهاد.


غير أن هذه القواعد وإن كانت محددة بعض الشئ إلا أنها كانت منثورة ومفرقة فى ثنايا الأحكام الفقهية ومبثوثة فى كتبهم وغير مستقلة بذاتها.


ثانيا: المرحلة الثانية - تاريخ علم أصول الفقه بعد استقلاله وتميزه.


من خلال العرض السابق تبين أن القواعد الأصولية عرف القليل منها فى عصر الصحابة واتسعت قليلا فى عهد التابعين وتابعيهم إلى أن أصبح لكل إمام قواعد اعتمدها فى الاجتهاد وعول عليها فى استنباط أحكامه وفتاويه، غير أن هذه القواعد كانت مبثوثة فى ثنايا ماكتب عنهم تلاميذهم من الفقه وليس أصول الفقه فى هذا الوقت إلا هذه القواعد.


إلى أن ظهر عالم قريش محمد بن إدريس الشافعى فوجد الثروة الفقهية الكبرى التى خلفها الصحابة والتابعون وأئمة الفقه الذين سبقوه، ووجد الجدل بين أصحاب الاتجاهات المختلفة؛ فاتجه إلى تدوين ذلك العلم الجليل بعد ما طلب منه عبد الرحمن بن مهدى بن حسان العنبرى البصرى شيخ المحدثين بالعراق المتوفى سنة 198ه‍ أن يضع له كتابا فيه معانى القرآن ويجمع قبول الأخبار وحجية الإجماع وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة.


فوضع له كتاب الرسالة، ورتب فيها أبواب هذا العلم وجمع فصوله، ولم يقتصر على مبحث دون مبحث، بل بحث فى الكتاب والسنة وطرق إثباتها ومقامها من القرآن، وبحث الدلالات اللفظية فتكلم فى العام والخاص والمشترك والمجمل والمفسر، وبحث الإجماع وحقيقته وناقشه مناقشة علمية لم يعرف أن أحدا سبقه بها وضبط القياس وتكلم فى الاستحسان؛ فكانت أول مصنف وضع فيه من قواعد هذا العلم وبحوثه مجموعة مستقلة مرتبة مؤيدا كل ضابط منها بالبرهان ووجهة النظر، وهذا هو المشهور بين العلماء.


فالشافعى تفرغ لهذا العلم فرسم مناهج الاستنباط وبين ينابيع الفقه ووضع معالم ذلك العلم فى رسالته التى أملاها فى علم الأصول ورواها عنه صاحبه الربيع المرادى.


ولم تكن الرسالة وحدها كل ما أثر عن الشافعى فى علم الأصول، بل إنه روى عنه أيضا كتاب «جماع العلم» وكتاب «إبطال الاستحسان».


ومن المعلوم لدى العلماء أنه منذ أن وضعت الرسالة للشافعى، أصبح أصول الفقه علما مستقلا قائما بذاته.


والذى دعا الشافعى إلى تدوين هذا العلم أمور كثيرة منها:


1- بعد العهد بفجر التشريع الإسلامى وكثرة الأحاديث الموضوعة وظهور التعارض بين بعض الأحاديث.


2- وجود حوادث كثيرة فى البلاد الإسلامية لا يستطاع استخراج أحكامها مباشرة من الكتاب أو السنة، بل لابد للوصول إلى حكمها من معرفة القياس والقواعد الكلية المأخوذة من النصوص والاهتداء بروح التشريع وأسراره.


ثم جاء الإمام أحمد بن حنبل وكتب فى مباحث الأصول كتاب «طاعة الله وطاعة رسوله» وكتاب «الناسخ والمنسوخ» وكتاب «العلل».


ثم تتابع العلماء بعد ذلك وكتبوا فى هذا العلم وحققوا قواعده وأكثروا من البحث فيه حتى أصبح علم أصول الفقه يمثل بحق فلسفة الشريعة الإسلامية ويقدم للدنيا كلها الفكر الإسلامى الصافى الأصيل.


 طرق الأصوليين فى تأليفهم بعد عصر الإمام الشافعى


من خلال العرض السابق تبين أن الشافعى هو المبتكر لعم الأصول وأول من صنف فيه، ولهذا كانت رسالته كأى كائن حى يولد صغيرا ثم يتدرج فى النمو، فلفتت أنظار العلماء والباحثين إلى موالاة البحث والدرس للاستزادة وحسن الترتيب والتنسيق مهتدين بتلك الرسالة.


ولذا.. اتفق الأصوليون على أن بحثهم يجب أن يدور حول أمور أربعة، وهى:


1- الحكم وما يتعلق به.


2- الأدلة الشرعية


3- طرق الاستنباط


4- الاجتهاد


إلا أنهم مع اتفاقهم فى مادة البحث اختلفوا فى المناحى التى سلكوها والطرق التى اتبعوها فى التأليف.


وكان من وراء ذلك طرق فى التأليف، لكل طريقة طابعها ومميزاتها، وهذه الطرق هى:


أولا: طريقة المتكلمين أو الشافعية.


سميت هذه الطريقة بطريقة المتكلمين؛ لأنهم استمدوا مناهج دراستهم من علم الكلام ولأن أكثر الكاتبين فيها كانوا من علماء الكلام.


وسميت هذه الطريقة أيضا بطريقة الشافعية؛ لأن الشافعى أول من نهجها.


مميزات هذه الطريقة:


1- تحقيق قواعد علم الأصول وبحوثه تحقيقا منطقيا نظريا وإثبات ما أيده البرهان دون التأثير بمذهب إمام من الأئمة.


2- الميل إلى الاستدلال العقلى ما أمكن والتبسيط فى الجدل والمناظرات.


3- عدم أخذ الضوابط الأصولية من الفروع الفقهية.


4- تحقيق المسائل وتمحيص الخلافات.


5- عدم ذكر فروع فقهية إلا نادرا ويكون على سبيل المثال والإيضاح.


وبهذه الطريقة التزم جمهور الشافعية والمالكية والحنابلة أشهر كتبهم:


1- كتاب «العهد» أو «العمدة» لأبى الحسن القاضى عبد الجبار المعتزلى المتوفى سنة 415ه‍


2- كتاب المعتمد لأبى الحسين البصرى المعتزلى المتوفى 463ه‍


3- كتاب البرهان لأبى المعالى عبد الملك الجوينى الشافعى المعروف بإمام الحرمين المتوفى سنة 487ه‍


4- كتاب المستصفى لأبى حامد محمد بن محمد الغزالى الشافعى المتوفى سنة 505ه‍


وقد لخص هذه الكتب الأربعة وزاد عليها فخر الدين الرازى المتوفى 606ه‍ فى كتاب سماه «المحصول».


وجمعها وزاد عليها أيضا أبو الحسن على المعروف بالآمدى المتوفى 631ه‍ فى كتاب سماه «الإحكام فى أصول الأحكام»، وقد اعتنى العلماء بعدهما بهذين الكتابين وتوالت عليها الاختصارات والشروح والحواشى والتعليقات.


ثانيا: طريقة الحنفية أو الفقهاء:


سميت بطريقة الحنفية لأن علماءهم هم الذين التزموا التأليف بها كما عرفت بطريقة الفقهاء لأن كتاباتهم أمس بالفقه وأليق بالفروع أو بسبب الغوص على النكت الفقهية والتقاط القواعد من مسائل الفقه ما أمكن.


أهم ما يميز هذه الطريقة:


1- القواعد والبحوث الأصولية فيها تابعة للفروع المنقولة عن أئمتهم، فهم لا يثبتون قواعد وبحوثا نظرية وإنما يثبتون قواعد علمية تفرعت عنها أحكام أئمتهم، فكانت وجهتهم استمداد أصول فقه أئمتهم من فروعهم.


2- كثرت الأمثلة والشواهد والفروع الفقهية فى كتبهم.


3- قد يجعلون من فرع فقهى قاعدة مستقلة بمعنى أنهم إذا وضعوا قاعدة بعد تتبع الفروع المروية عن أئمتهم ثم وجدوا فرعا يخرج عن هذا الأصل جعلوا من الفرع أصلا وقاعدة قائمة بذاتها.


أشهر الكتب التى ألفت على منهج الحنفية:


1- أصول الكرخى، لأبى الحسن الكرخى المتوفى سنة 330ه‍.


2- أصول الجصاص لأبى بكر أحمد بن على المعروف بالجصاص، المتوفى سنة 370ه‍.


3- أصول السرخسى لشمس الائمة محمد بن أحمد بن سهل السرخسى، المتوفى سنة 428ه‍.


4- كنـز الوصول إلى معرفة الأصول للإمام فخر الإسلام البزدوى المتوفى سنة 482ه‍ وقد شرحه تلميذه علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخارى المتوفى سنة 730ه‍.


5- المنار، لعبد الله أحمد النسفى المتوفى 790ه‍.


ثالثا: طريقة المتأخرين:


فكر بعض المحققين من العلماء فى السير على منهج يجمع بين الطريقتين، أعنى: طريقة المتكلمين والحنفية كى ينتفعوا بخيرهما، ويمكن تلخيص هذه الطريقة فى أمرين:


1-تحقيق القواعد الأصولية وإقامة البراهين عليها والدفاع عنها شأنها شأن طريقة المتكلمين.


2-تطبيق القواعد المذكورة على الفروع الفقهية وربطها بها كما هو الشأن فى طريقة الحنفية فجاءت كتبهم جامعة للفائدتين وهما: خدمة الفقه وتمحيص الأدلة.


أشهر الكتب التى ألفت على هذه الطريقة:


1- بديع النظام الجامع بين كتابى البزودى والإحكام، لابن الساعاتى وهو مظفر الدين أحمد بن على الساعاتى الحنفى المتوفى سنة 694ه‍.


2- تنقيح الأصول وشرحه التوضيح لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود الحنفى المتوفى 747ه‍ وقد أخذه من كتاب البزدوى والمحصول للرازى ومختصر ابن الحاجب.


3- جمع الجوامع لتاج الدين عبد الوهاب بن على السبكى الشافعى المتوفى سنة 771ه‍.


4- التحرير لكمال الدين محمد بن عبد الواحد المعروف بالكمال بن الهمام المتوفى 861ه‍ وقد شرح هذا الكتاب تلميذه محمد بن أمير حاج الحلبى المتوفى سنة 875ه‍ فى كتابه التقرير والتحبير كما شرحه محمد أمين المعروف بأمير بادشاه الحنفى فى كتاب أسماه «تيسير التحرير».


5- كتاب الموافقات لأبى إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبى المتوفى 780ه‍ وهو من الكتب القيمة الفريدة التى وضحت مقاصد الشريعة وأبرزت أسرار التشريع الإسلامى، ومن أهم المؤلفات الحديثة فى هذا العلم:


‌أ- كتاب إرشاد الفحول للإمام الشوكانى.


‌ب- كتاب أصول الفقه للشيخ عبد الوهاب خلاف.


‌ج- كتاب أصول الفقه للشيخ أبى زهرة.


ولا تزال الأقلام تكتب وهناك جهود لعلماء معاصرين يقومون بتدبيج أصول الفقه وتصنيفه بأسلوب سهل ممتع، بحيث يستفيد منه كل قارئ.


وإنا على هديهم سنسير، فندعو الله أن يوفقنا فهو نعم المولى ونعم النصير.


خلاصة هذا المبحث


مما لا ريب فيه أن الأئمة المجتهدين الذين وجدوا منذ عهد الصحابة والتابعين كانوا يراعون قواعد علم الأصول ويلتزمون قوانينه فى معرفة الأحكام الشرعية وكيفية استنباطها من أدلتها التفصيلية قبل تدوين تلك القواعد والقوانين وقبل أن تصبح علما مدونا يتعلم بالدرس والممارسة، فليس هذا محل النـزاع، وإنما النـزاع فى أول من وضع هذا العلم ودونه، فعلماء الحنفية والشافعية يتنازعون أمر السبق فى وضع هذا العلم وتدوينه


وتقديرا للواقع الذى رواه العلماء فى هذا الشأن نستطيع القول: بأن الشافعى هو أول من وضع هذا العلم، وإن كان لكل إمام منهجه الخاص وقواعده التى اعتمدها فى الاجتهاد وعول عليها فى استنباط الأحكام بناء على ما استخلصه بالبحث فى مصادر الشريعة، وليس هناك من يقدم أى دليل على أن أحدا قبل الشافعى سار فى هذا المضمار.


ولذا جاءت رسالة الشافعى كأى كائن حى يولد صغيرا ثم يتدرج فى النمو والكمال شيئا فشيئا، ومع ذلك فقد لفتت أنظار العلماء والباحثين إلى موالاة البحث والدرس للاستزادة وحسن الترتيب والنسيق، مهتدين بتلك الرسالة، فرتبوا أبحاثه فى أربعة أبواب:


الأحكام، الأدلة، طرق دلالة الألفاظ على معانيها، المجتهد أو المستنبط.


 


طباعة